Alef Logo
مقالات ألف
              

وصلت النمسا

حيدر محمد الوائلي

خاص ألف

2015-09-13


رن منبه هاتفه النقال يبث ضجيج الأستيقاظ أن ياهذا المنسي الراقد قد حانت لحظه الهروب. دون تناول لقيمات الفطور ولا ترتيبات الوداع اخذ حقيبته الصغيرة المملؤة بمستمسكات تبثت انه ابن هذه الارض المهروب منها.

ثلاثه اصدقاء ينتظرونه بركن الشارع. التحق بهم لمراب المدينه الكبير قاصدا ماكانت ذات يوم عاصمة العلم والأدب والعمران (بغداد) ومنها بطائرة لتركيا. في جو الله تأمل جبال الغيوم وغبار ارض الوطن الذي كان يسمى ارض السواد لكثرة أشجاره الخضراء وثماره اليانعة. عصره الحنين ودمعت عيناه لذكريات الطفولة، لأصدقاء الشارع وأبناء الجيران، لوالديه اللذين لم يصدقا نبأ الهروب.

ولأن العقل ميّال للاسترداد العشوائي للذكريات فتذكر سنوات الحصار والم الجوع وجحيم الحكم البعثي وتذكر كيف تحول حلم سقوط الدكتاتورية لكابوس جراء سوء صنيع ارباب الدين والسياسة. ولأن العقل ايضا يقود صاحبه للمنطق احياناً فتذكر ان لا كرامة كانت له في بقايا الوطن. وتذكر خيانه المؤتمن للأمانه وتذكر انها حياة واحدة فما جدوى الإصرار في البقاء مهانا.

تذكر طابور التقديم على التعينات وكيف ان لجنة التعيينات ملؤا قوائم الموافق على طلباتهم من ابناء الأقارب والمتنفذين وانه وجموع الخلق من اقرانه عوملوا معاملة الحمير. تذكر أن جواز سفره استخرجه برشوة. يهذب البعض الرشوة فيسميها (اكراميات). تذكر كيف أن المناصب وزعوها ملكاً عضوضاً على من كانوا لاجئين من قبل بسبب الدكتاتورية فعادوا من بلدان التقدم والأزدهار ليخربوا بلدانهم.

طافت به ذكرى وطن وجذور وتاريخ. ذكريات أرض الحضارة والنفط والثروات. أرض أخرجت مفكرين ومبدعين وعلماء. ذكريات عاشوراء وسرادق العزاء الحسيني وزيارة الحسين والعباس واباهما. ذكريات كأس اسيا والأحتفالات بالفوز. احلام يقظة توجي له بأنهم باقون وارباب الفساد زائلون.

تفجر صوت الطيار منبهاً الركاب بأنهم عما قريب هابطون فكان صوته كصفعة على وجهه أن استيقظ وأكمل المسير فلا تصلح الأحلام ما أتلفه الواقع.

من تركيا بسيارة الأجرة للساحل ومن ثم لمركب متهالك يبحر بهم وسط تلاطم الأمواج. قالوا لهم ابحروا بهذا الأتجاه وسيلوح افق اليونان عما قريب. التحق بالأربعة أربعة اخرين. ساروا وعذب الهواء يبعث لهم بأمل الخلاص عما قريب. وسط البحر أصدر المحرك صريراً ينبأ بسوء. ينفجر على حين غرة محدثاً فتحة في المركب تغرقه. طفوا بستر نجاتهم وسط الماء ولكنهم الان خمسة فقط. غرق ثلاثة. اثنان من اصحابه وواحد من هؤلاء الملتحقين بهم. من وسط البحر كان الله اقرب لهم من ذي قبل. أحسوا كم الله عظيم وسط عظيم تموج الماء. دعوه بخشوع كما لم يدعوه من قبل. بقوا على تلك الحالة ثمانية ساعات. من وسط البحر يلوح مركب صيد. صرخوا بملأ الفم مستنجدين. سمعهم الصياد اليوناني ينتشلهم من وسط الماء يأخذهم لحدود اليونان. من هناك اتفقوا مع سمسار من سماسرة المهربين.

مشوا فلقد اعتادوا المشي لتدبر المعيشة. هرولوا فلقد اعتادوا الهروب من تفجيرٍ إرهابي أونزاعٍ مسلح بين ميليشيات. من اليونان لصربيا لهنكاريا. ورثوا من ابن بطوطة الترحال. من وسط الغابات والسهول مشياً وهرولة. يُلقى عليه القبض وحده من قبل الشرطة الهنكارية وفر من كان معه ناجياً. يودع السجن ثلاثة ايام وسط انتهاكات. من المعروف على بلدان اوربا الشرقية غلظة المعاملة وشيوع الفساد. يُطلق سراحه فجأة مثلما القوا القبض عليه فجأة. أصبح امل النجاة قريباً فهي مسيرة ليلة ويصل النمسا حيث الخلاص.

وما إن بزغ الفجر حتى علم أنه في النمسا. غمرته فرحة المستكشف وكأنه اكتشف ارضا لم تطأها قدم.

من هاتفه بعث برسالة لأبيه من على احد تطبيقات الهاتف الجوال ليبث الطمأنينة في نفس أبيه وفي نفسه. كان نص الرسالة كلمتان لا ثالث لهما: (وصلت النمسا).










تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

خوان الثورة السورية

22-نيسان-2017

سحبان السواح

لا يمكن إلا أن نحمل المعارضة السورية في الخارج، حصة في هدر الدم السوري، لأننا يمكن أن نختلف ونحن في دولة ديمقراطية، ونتعارك ونشد ربطات عنق بعضنا بعضا، نتجادل ونتقاتل...
المزيد من هذا الكاتب

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

كان لي أمل

18-شباط-2017

مجتمع الجهل المركب

27-كانون الثاني-2017

في سجن مديرية الأمن بالبصرة

21-أيار-2016

وطن من الذكريات

26-آذار-2016

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الشعر في سلة المهملات

25-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow