Alef Logo
ابداعات
              

الدفتر الأصفر

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2015-07-06

-1-
كانت لهجة والدي حاسمة هذه المرة، على الهاتف، مع احتدام الاشتباكات في ريف دمشق. لم يناقش زوجي رامز قرارات والدي النهائية، ولا أعتقد أن لمنصب والدي دخلاً في ذلك، وإنما بسبب علاقتهما الجيدة مذ تعارفا.
انتهيت من توضيب الحقائب في زيارة قد تطول أو تقصر، ولحين وصول السيارة التي ستقلني إلى عمان، تأكدت من إغلاقي، مرة أخرى، الغاز وصنابير الشقة، ثم فتحت الثلاجة التي حشوتها بأنواع المأكولات والخضار والفواكه، علب العصائر، والمكسرات التي يفضلها رامز، قدرت أنها ستكفيه لمدة أسبوع، على الأقل. يضيق صدري بوطأة رحيلي عنه، لكنه أصر على البقاء بحكم عمله، الذي لايزال مستمراً في شركة أجنبية.
تذكرت الروايتين اللتين اشتريتهما من مكتبة تقع بالقرب من ساحة النجمة، لكاتبتين سوريتين، وصحيح القول بأن هذه المكتبة قد جلبت لي الكتابين، وبعد الدفع مقدماً، من بيروت، حيث منعتا من النشر والتوزيع في بلادنا. رفعتهما لتقع عينيّ على دفتر سارية الأصفر، وعدتها مراراً بتمريره لها،كانت قد نسيته وأشياء أخرى في درج مكتبها، بعد أن تركت العمل في مؤسستنا.
الحديث عن سارية يطول، ومع أني أؤمن بأن أصدقاء العمل ليسوا بأصدقاء حق، إلا أن علاقتي بسارية تخطت ذلك.كنت معجبة بها، شخصيتها المرحة والودودة تروقني، ومن أهم خصالها قدرتها على التعامل والتصادق، مع الجميع، بغض النظر عن معتقداتهم أو مذاهبهم. لمن المبالغة في وصف جمالها بالـُملفت أو الفتّان، وإنما كان بطىء، نفّاذ، يتسرب إلى النفس كرائحة حقول الحنطة بعد ليلة ماطرة. ينتصف وجهها الطفولي أنفٌ مدقوق. ثغرها تفاحيٌ شاحب، عيناها المتماثلتان بسواد اللون، متناقضتان في التعبير، إحداها تتأرجح دلواً فوق بئر من الآلام، والأخرى تشبه مخلباً حاداً لغراب أسود. كان أن رأيت بأم عيني كيف هام بها بعض الشبان المليحين، إعتدنا قدومهم من مؤسسات وشركات أخرى. وكيف كان ينزع عن اصبعه خاتم الخطوبة كلما رآها حيدر، الشاب البهي الطلعة، الفيّاض بثالوث الجبل والسماء والشمس. الآسر، بلياقته وكنيته، قلوب العازبات في المؤسسة، حيث عُرفت عائلته بعلاقتها الوطيدة مع السلطة، فيما مضى.
-2-
أشياؤنا تشبهنا.
لم أكُ أعلم أن دواخل سارية، مؤخراً، تموج في بحر موّار من الصخب والفوضى، كدفترها. مقتبسات من هنا وهناك، على صفحاتٍ زخارف ورسوم، وعلى أخرى وصفاتٍ افروديتية لإيزابيل الليندي، بقع قهوة، أسماء وأرقام هواتف، أغان وقواعد وتمارين باللغة الانجليزية. في العموم، يغلب على صفحاته تعابير مثل " ظننت نفسي أتلجلج في عرض البحر" ، "قديسون وخطأة"، "يا للضنى"، ثم بعض الأقوال والمقاطع التي، وكما يبدو، قد أعجبتها أثناء قراءتها لكتب، فسجَّلتْها:
((الأفكار تتغير على الدوام، تنشأ وتزول، وحيث التطور سيشق في آخر المطاف طريقاً لنفسه، رغم جميع الأعراض الظاهرة، ورغم الخطوات المؤقتة إلى الوراء))
((يبدأ القتل بدافع الواجب، وينتهي إلى عمل ذلك بدافع الاستثارة))
((الزهرة تلقى الموت ولا أكثر إن أمسكها منقار حدأة عجوز))
لسارية علاقة بكتابة النثر، إلا أنها ما كتبت هنا، وربما هذه العبارة تعود لها، بما أنها لا تندرج تحت عنوان رواية أو لاسم كاتب.
((من لم يبتر يد الجلاد، بدايةً، يبتر الغُل عنقه، نهايةً))


-3-
شقت السيارة طريقها إلى عمان. غيرُ متيقنةٍ من شيء، الفراغ الذي بداخلي يعصرني حد الإختناق. حضور طفلتي الصغيرة يُلقي بعض الضوء والظلال البنفسجية على الصخرة التي صرتها حديثاً. وجوه المارة الشاحبة، الهرمة، تعبرني. الوجوه المركبة، كقطع الليغو، فوق أجساد شبان الحواجز، أقنصها بكراهية الخوف. وجوه كثيرة تقفز من قعر الذاكرة، تمر، وترحل، كأنني في رحلة أخيرة، غريبة عن نفسي، وعن محيطي الذي طالما ألفته، وألفني. ما أصعب البدايات، وعليّ أن أبدأ من جديد مرة تلو الأخرى.
- لن تجدي عملاً أفضل، لا تستعجلي يا سارية (عيناها مسافرتان) كما أني لن أحتمل فراقك
استمرتْ بالتحديق، في ذاك اليوم الغائم، عبر النافذة:
= أخبرني إدوارو قبلاً، في طريق عودتنا من الوزراة، أن الأحوال في بلدنا قد تغيرت كثيراً في السنوات الخمس الأخيرة، والأوضاع قابلة للانفجار في أي لحظة.
- مؤسستنا من أفضل مؤسسات البلد
= بل مقيتة، نموذج مصغّر عن حال بلدنا
قاطعتها وطلبتُ منها إخفاض صوتها إلى أن أغلق باب المكتب.
= فساد ورشاو ومحسوبيات، في كل ورقة ومعاملة، حتى قلم الرصاص هذا لأحد ما حصة به، عداك عن التقسيم الطائفي والأقلوي، هه، تعلمين كم حاربوا حيدر، وبالأخص أبناء جلدته، إلى أن ترك العمل.
- إدواردو يمتدحك عند المدير
أطلقتْ ضحكة
= ذكرتيني، لقد رأيت كيم يتحرش بهبة
- أياهما؟
= القبيسية!*
-4-
عامان مرا، أتدارك أموري بلا شهية، مُراقبة، مُهددة، خاوية، كأخطبوط مُقطع الأوصال، يَعبُّ أنفاسه فوق حمم البؤس. كل جهودي وأحلامي التي خطتها ذهبت أدراج الريح. عامان إذاً مرا، وحيدة، بلا عمل، بلا رؤية، عيشٌ مُتقشف، وحُبٌ مُقتر. تطاردني الكوابيس: أسبح في برك من الدماء والرؤوس المقطوعة، أنزع المسامير بأسناني عن جسدي إثر برميل متفجر، أبحث عن طفلتي في الأنقاض. كما أقف عاجزة عن فهم بعض المجردات مثل وطن .. شهيد ..خائن.
بات كل شيء، بالنسبة لي، ممكن ومحتمل، أيُّ شيء، مِثل أن أعثر أيضاً على صورة لسارية، ترتدي البزة العسكرية وتحمل السلاح بين مقاتلات كُرديات، سارية حبيبتي التي ذيلت دفترها الأصفر بـــ:
هذه الليلة
مثل كثيرات بلا حبيب
سأصنع خبزاً
وأغوص برؤوس أصابعي
في العجين الناعم**


* القبيسيات تنظيم ديني نسائي
**(هايكو لباتريشيا دونغان)

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

السمكة

19-آب-2017

السمكة

15-تموز-2017

السمكة

04-آذار-2017

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow