Alef Logo
ضفـاف
              

التاريخ و الإيديولوجيا في رواية لورنس ( أبناء و عشاق)/ أندرو هاريسون ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2015-06-04

في بواكير حياته مع مهنة الكتابة أقنع فورد مادوكس هوفير الروائي لورنس أن يركز في كتاباته على خلفيته العمالية وذلك لتقديم صورة نادرة ومن الداخل عن الطبقة العاملة في وسط إنكلترا.

وإن عددا من مسرحياته وقصصه القصيرة الأولى هي اعتراف مباشر بقدراته في تسجيل الحياة الأهلية للطبقة العاملة. ومن بين كل روايات لورنس تبدو (أبناء وعشاق) الأقرب لتوفير البانوراما الاجتماعية العميقة التي تصوّرها هوفير. وحتى هنا، وعلى الرغم من الاهتمام الفريد من نوعه بالتفاصيل التاريخية التي قدمتها الرواية، علينا أن نكون حذرين في تخطي افتراض مفاده أن لورنس ينشط كروائي يعبر عن ضمير الطبقة العاملة كما رغب معلمه أن يكون. وعلاقة لورنس بشريحة عمال المناجم التي ترعرع فيها كانت معقدة جدا وهذه التعقيدات يمكن الإحساس بها في رواياته. إنه بينما كان لورنس يواصل البحث عن المصادر والأفكار في مجتمعه طوال حياته المهنية، و في نفس الوقت يعيد تخيلها في روايات غير متشابهة مثل (قوس قزح) و(البنت الضائعة) و(عشيق السيدة شاترلي) كانت كتاباته أيضا هي الأداة التي أبعدته عن المشاركة الفعالة في مجتمعه. أول عملين له وهما (الطاووس الأبيض -١٩١١) و(عابر السبيل - ١٩١٢) انشغلتا بشكل أساسي بالطبقات المتوسطة التي لها نصيب من الثقافة والتعليم؛ وتوجد لمحات من حياة الطبقة العاملة في (الطاووس الأبيض) غير أنها مختزلة إلى أبعد الحدود.

تتضمن (أبناء وعشاق) مشاهد تستمد قوتها من الخبرات العملية: يمكننا أن نتذكر ارتباك بول الواضح حين كان يستلم رواتب والده، أو وهو يشاهد النور الذي يأتي من مصابيح عمال المناجم وينعكس على سقف غرفة نومه وهم يمرون من تحت النافذة ذاهبين إلى نوبة عمل الساعة التاسعة. لقد لاحظ النقاد في الرواية ما يمكن أن يكون فشل لورنس في تصوير الحقائق القاسية التي تطبع حياة الطبقة العاملة، وبالأخص حياة والتر موريل أثناء العمل في أعماق المنجم.

كان مزاج والتر السيء والعنيف يبدو حركيا في عدة مناسبات، فإدمانه على الكحول يستمر في الفصول الأولى، ولكن جدلا نحن لا نحصل على معنى حقيقي من ظروف عمله والتي قد تساعد في تحديد سمات سلوكه وهو على سطح الأرض.

ولاحقا لقد ندم لورنس ذاته على الطريقة التي رسم بها صورة والده، ففي عدة كتابات متأخرة تناول فيها سيرته اهتم بمعنى الجماعة الذكورية وهو المعنى الذي كان سائدا بين عمال المناجم من أبناء جيل والده. وعلى أية حال، هناك طريقة أعادت هذه الكتابات بها التوازن والعدالة المفقودة لوالده ولكن مع إيحاءات تتضمن نوعا آخر من النمذجة ومن زاوية هجومه اللاذع المبكر.

لقد انتقل النقد الموجه لارتباط الرواية بالتاريخ من الثناء المجرد إلى فحص طبيعة التعاطف الاجتماعي الضمني واستثمار لورنس للإيديولوجيا. وحينما كتب جوليان مويناهان حول (أبناء وعشاق) عام ١٩٦٣ لم يسمع بأي رواية فيها " أشخاص لهم جذور عميقة في التاريخ الاجتماعي المادي، وفي منطقة تعرضت للتحول بشكل ملموس"، باستثناء رواية ميدل مارش.

وبعد عشرة سنوات، تكلم سكوت سونديرز عن تعامل لورنس مع شخصية والتر موريل كفاشل في الحياة، مؤكدا أن هذه القناعة التي تحملها الرواية هي إلى حد بعيد من عواقب تبني لورنس بلا أي تردد لإيديولوجيا السيدة موريل فيما يتعلق بالتطور الذاتي. وحسب هذا التفسير للرواية أخفق لورنس في تحديد طبيعة التأقلم الاجتماعي في حالة والتر بسبب إيمانه بسيادة الذات واستقلاليتها. حيث يمكن رؤية التعليم والعلاقات كوسائط لتحقيق التبدلات الاجتماعية.

وحينما تورطت السيدة موريل مع حياة الطبقة العاملة بعد زواج هو نتيجة لعاطفة جارفة، تم التبخيس من حركية طبقة وليام بسبب زواجه من امرأة قدمت نفسها بصفة وضعية ذات تميز اجتماعي؛ وعلى هذا المنوال، إن رفض بول للتنازل من أجل الحياة الزوجية مع ميريام ليفيرز عكس ميزة اجتماعية ربحها من التعليم والثقافة وممارسة حساسيته الفنية على المستوى العملي. ويقال إن لورنس هرب من الحقيقة التاريخية إلى الدراما النفسية التي تضع السلطة في الذات، وليس في نظام الطبقات. وقد رأى غراهام هولديرنيس في عام ١٩٨٢ أن الرواية هي سبر تراجيدي لنتائج الإيديولوجيا الإدواردية. فاعتماد التعليم كأداة لتطوير الذات، قد أدى لإنتاج جيل كامل من المتسلقين الاجتماعيين المأزومين والمتحولين والمصابين بداء الإغتراب حتى أعماقهم.

لقد توفي وليام في لندن القاسية القلب، بينما بقي بول مع شعوره بالانفصال وهو يخرج مع تفاؤله الصامد إلى أنوار شوارع ومعامل نوتنغهام. وفي مقالة لماكدونالد دالي حول العلاقات والطبقات في الرواية، ...، يعترف بالمقاربة غير المباشرة لحقائق حياة الطبقة العاملة ولكنه يلاحظ أيضا كيف أن أزمة الطبقة تعبر عن نفسها في كل الأحوال لدرجة محسوسة في لغة الرواية (أو بالأحرى لغات الرواية) وفي طريقة معالجتها للجنوسة. ويؤكد دالي أن المشكلة المستمرة بين أنماط مختلفة من اللغة ( نمط السيدة موريل ووالتير والراوي) تشير إلى عدم يقين يتناول بالشك قيمة أفكار السيدة موريل حول النجاح على صعيد المجتمع. وهنا، إن لورنس لا يتمسك على نحو أعمى بقناعات غيرترود فيما يتعلق بالحراك الاجتماعي، ولا هو يعمل على مراكمة النقد الذي له تأثيرات إيديولوجية ضارة: وعوضا عن ذلك هو يستعمل الرواية لاكتشاف الحدود المفروضة على السيادة.

وبالإضافة لفحص مقاربة لورنس للطبقات العاملة في (أبناء وعشاق)، كان النقاد مهتمين بدراسة غواية المرأة له، ليس لأن الرواية كتبت في لحظة تاريخية حينما كانت الحركات النسائية المتعددة تبحث بجدية عن حق التصويت. إنه في غضون ثمانية عشر شهرا من نشر الرواية كانت بريطانيا في حالة حرب والنساء تطلبن الدخول لمجال العمل لدعم المجهود الحربي: كانت سياسات الجنوسة متأثرة على نحو دائم بخبراتها وتجاربها العملية. وإن عددا من صديقات لورنس في فترة ١٩١٠-١٩١٣ كن متورطات مع نشاط حلقات تعمل بشكل لوبي ضاغط لتحرير المرأة، ومعظمهن اشتركن معه في أسلوبه للخروج من حياة الطبقة العاملة بواسطة التعلم والتدريس. وبعد أن كتب لورنس روايته (أبناء وعشاق) ركز اهتمامه على تجارب الإناث، وكتب إلى إحدى الصديقات "سأبذل قصارى جهدي في سبيل المرأة، وهذا أفضل من المعاناة".

وإن روايته التالية، قوس قزح، تعتمد على امرأة شابة لتكون بطلتها المركزية ( وهي أورسولا برانغوين) والتي تلقت التدريبات اللازمة للتعليم، وعملت في التدريس، ثم هجرت وظيفتها لتتابع تعليمها في الجامعة بغية الحصول على درجة جامعية. وعلى الرغم من هذه الحيثيات، إن (أبناء وعشاق) هي الهدف الأهم للهجوم الأنثوي الذي أثر في سمعة لورنس في السبعينيات. في كتابها السياسات الجنوسية تهتم كايت ميليت في كشف الغطاء عن النص الضمني غير المباشر الذي يشير لفوقية المذكر في الرواية: وهي تنظر إلى بول على أنه ابن فوقي يستعمل النساء في حياته لدعم وتقوية أناه ولإشباع احتياجاته الجنسية، ثم التخلص منهن بمجرد إرضاء ميوله والقيام بالدور المرسوم لهن.

إن قراءة ميليت للرواية تعرفنا على نحو منضبط ودقيق بحالتنا التي اتخذناها من المرأة في المجتمع البريطاني في بواكير القرن العشرين.

ولكن بتأمل الحبكة من الداخل إن وجهات النظر المتبدلة التي تعبر عن قانون اللحظة والعصر لا يرافقه أي أمل بتأمل استجابة لورنس لـ " مشكلة المرأة" من زاوية تاريخية مناسبة. إن الرواية حافلة بالتفاصيل التاريخية: فالسيدة موريل هي عضو في الاتحاد النسائي؛ وكلارا هي داعية نسائية تحضر اجتماعا تلقي فيه مارغريت بوندفيلد (١٨٧٣-١٩٥٣) كلمة؛ وتجد فيها إشارة لـ (الاتحاد السياسي والاجتماعي النسائي)، غير أن جماعة الدعوة لتحرر المرأة تأسست في عام ١٩٠٣ على يد إيميلين بانكهورست؛ و هنا لا يكشف لورنس عن ردة فعل بول فقط على معركة حقوق المرأة (فهو يراها ككل بنوع من المرح المبطن) ولكن أيضا يستطرد إلى ردة فعل نساء الجيل السابق الأكبر بالعمر (السيدة رادفورد،أم كلارا، مشاهداتها لمواقف ابنتها في المجال السياسي كسمة من سمات المشاكل الفورية التي تعقب الزواج).

لقد نظرت واحدة من المقاربات إلى المواقف السلبية التي عبرت عنها الرواية عن المعاناة والتألم كإشارة لفشل شوفيني أصاب تعاطف لورنس مع المرأة بالإخفاق: والمقاربة الأكثر تاريخانية استطاعت تعريف استعداد لورنس لمعالجة هذا الموضوع بصراحة على أنه يمثل على نحو منضبط ردود الأفعال المعاصرة.

وإن هجوم ميليت قد أثر روائيا بالحالة ذات الخلفية الجنوسية (وهو تأثير تستطيع أن تشعر به في مقالة لفايث بولين نشرت عام ١٩٧٨).

لقد حاول النقد المعاصر ذو التوجه الأنوثي أن يفهم الرواية في سياقها التاريخي. في مقالتها دي إتش لورنس والأنوثة تؤكد هيلاري سيمبسون أن الرواية هي حساسة جدا للأسس الاقتصادية التي قام عليها اضطهاد المرأة، ولكن بما أنه غير مهتم بدراسة نشاط العالم الصناعي والسياسي بتفاصيله، فإن نظرتها للحركات السياسية وقفت عند حدود التعرف السطحي. يعني نظرت للمسألة بلا تعمق ولا تشعبات.

ومقالة مارغريت ستورش،..، تنظر إلى تصوير لورنس للمرأة في سياق تحرير المرأة وسياق وضعها التاريخي حيث كان الشباب الذكور يشعرون بمخاطر سلطة المؤنث وفي نفس الوقت يؤمنون بالدور الذي تلعبه المرأة في التحكم بالحيوات العاطفية للرجال. وبتبني طرائق حديثة في التحليل النفسي، تشرح ستورش وجهة نظرها ومفادها أن النص العاطفي الضمني في الرواية يتلخص في بغضاء بول المعادي لسلطة الأمومة: وردات فعله الفظة والخشنة أحيانا ضد المراة في الرواية تنم عن أعراض تدل على ضعفه واستلابه وقلة حيلته، ولا تحمل ولو إشارة تدل على شوفينية عنفية ومعادية.




الترجمة من مقدمة كتاب (" أبناء وعشاق" لدي إتش لورنس: كتاب عن الرواية)، إعداد: جون وورثين وأندرو هاريسون. منشورات جامعة أكسفورد. ٢٠٠٥.


أندرو هاريسون Andrew Harrison: مدير مركز بحوث لورنس. ومحاضر في جامعة نوتنغهام.






















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow