Alef Logo
ضفـاف
              

طريق إزمير

صالح الرزوق

خاص ألف

2015-05-31


أمضيت في أرجاء إسطنبول يومين. و في بواكير اليوم الثالث حجزت تذكرة بالحافلة المسافرة إلى إزمير.
وكان خط الرحلة كالتالي: من تقسيم إلى شواطئ الدردنيل. و من هناك ركبنا عبارة إلى بورصة و لم نتابع حتى بحر إيجة.
ثم تابعنا برا إلى ضواحي إزمير.
و لكن لماذا فكرت أصلا بهذه المدينة مع أن أنطاليا أقرب و هي منتجع مخملي يأتي إليه المسافرون من كل أنحاء العالم؟..
في الواقع أنا إنسان رومنسي. يعني من طرف القلب و العاطفة. و لست ماديا أميل للاسترخاء و الاستجمام.
لم أفكر يوما بأنصاف الحلول. ولم أكن أهتم بشكل المرأة إن كانت باردة.
النساء الباردات عندي مثل فصل الشتاء، موضوع يثير الشفقة، برد قارس و أمطار و وحل.
او ربما تمثال من شمع. لا يصمد طويلا أمام تقلبات الطبيعة.
***
كنت أعتقد أن إزمير تقف على يسار أنقرة بالمقارنة مع إسطنبول التي هي دائما على يمينها.
و للعلم بالشيء.
كانت هذه المدينة تدعى باسم سميرنا، و قد أنشأها الإيلونزيون الإغريق في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. ثم وقعت في يد الليديين من قبائل آسيا الصغرى. و تعرضت للخراب و تحولت إلى كومة من الأنقاض و أعيد بناؤها على يد ملك مقدونيا في القرن الرابع قبل الميلاد و لم تتحول إلى مركز دفاعي و عسكري إلا في فترة الإسكندر.
و اليوم لا يمكن لأي عابر سبيل إلا أن يشعر بشبح المقدونيين فهم وراء جميع الأوابد حتى لو أنها ذات طراز سلطاني.
وقد حكم الرومان أزمير و حولوها إلى مركز مبكر للتبشير بالمسيحية ثم دخلت تحت لواء الإمبراطورية البيزنطية في القرن الرابع للميلاد.
و بين القرن ١١ و القرن ١٥ تناوب عليها البيزنطيون و الأتراك. و في عام ١٤٠٢ فتحها تيمورلنك. ثم حل محله العثمانيون في عام ١٤٢٤.
و لكن سيطر عليها اليونانيون بموجب معاهدة سيفريس لحوالي خمس سنوات عاصفة و مضطربة و استعادها الأتراك بعد معاهدة لوزان.
***
في وسط البحر كانت العبّارات البيض الناصعة تبدو أشبه بجبل الجليد العائم. و عندما دخلت الحافلة في عبارة أسرعت بالهبوط لأتأمل هذا المشهد الغريب و لكن للأسف من هنا اختلفت الصورة.
كان الضباب قد أسدل أستاره. و لم يعد بالإمكان رؤية غير أطياف غامضة. أطياف باهتة. أشكال غير تامة المعنى.
وحينما دخلنا في بورصة أول شيء لفت انتباهي سجنها المركزي الذي أودع فيه الشاعر المعروف ناظم حكمت بسبب اختلافه الدائم مع أتاتورك.
و الغريب في الموضوع أن الخلفية الاجتماعية للرجلين متشابهة. و لكن كان أتاتورك يبغضه لأسباب شخصية. و حين حاول ناظم حكمت أن يلتحق بالثورة ضد العثمانيين في بساتين أنقرة لم يقبله اتاتورك. بحجة أنه نحيل و لا يعرف كيف يستعمل السلاح..
***
توقفت الحافلة للاستراحة على مشارف مدينة إزمير. و كان ذلك في باحة فندق يحمل اسم ( أورهان). وعندما دخلت مع بقية الركاب إلى البار لاحظت وجود صورة للكاتب المعروف (أورهان كمال) الذي مر بظروف مشابهة لناظم حكمت.. سواء في السقوط من قطار الجمهورية و الانتماء لحزب يساري لا ترضى عنه السلطات و الدخول في متاهة العمل السياسي و الاعتقال.
حاولت أن أستفسر من معاون السائق عن الصورة. و للأسف لم يكن لديه فكرة. قال لي بصوت معدني كأنه روبوت: من يدري؟.. قد تكون أي شيء. و قد تكون لا شيء.
وقفت أتاملها بإطارها الذهبي الرفيع و كانت ملامح الكاتب المعروف فيها تعبر عن شقاء البشر و عن المعاناة أكثر مما تعبر عن الحياة التي قال عنها ناظم حكمت ( إنها جميلة يا صاحبي).
لقد كانت صورة تنطوي على برد الشتاء و ليس دفء الربيع.
فقد كان هذا الكاتب من أبناء مؤسس حزب الشعب المعارض و شارك أسرته ألم و معاناة التشرد و الحياة في المنفى. و عاش برفقتهم ردحا من الزمن بين حلب و بيروت ثم استقر في بلغاريا حتى وفاته عام ١٩٧٠. وكان معلما بارزا من معالم المدرسة الواقعیة المبسطة البعیدة عن التكلف، وبالأخص البلاغة والإنشاء والخطاب الدوغمائي.
و تجد ذلك في أعماله الهامة مثل سحابات ماطرة ( 1974 )، الأقراط الحمر ( 1974 )، بیت والدي ( 1949)، سنوات التشرد ( 1950)، مرتضى ( 1952 )، الأراضي الدامیة ( 1963 )، كبیر المفتشین ( 1966)، العالم بالمقلوب ( 1986)، ثلاث سنوات ونصف في السجن مع ناظم حكمت ( 1965)، وغیرھا.....
***
رأيت في البار عاملة صغيرة السن و لها تسريحة شعر فرنسية. طلبت منها شرابا باردا. فسألتني: هل تقصد العصير أم البيرة؟..
ابتسمت لها و اغتنمت الفرصة و سألتها: أولا أخبريني. لماذا توجد لديكم هذه الصورة؟..
لم تتردد و قالت فورا: لأن الفندق و الاستراحة لأحد أقارب صاحب الصورة ..
- تقصدين أنه من أقارب أورهان كمال؟.
- بالضبط. و من مسقط رأسه في أضنة.
طلبت عصيرا طبيعيا. لا أذكر الآن ماذا.. عصير الشجرة المحرمة ( التفاح)، أم عصير البرتقال الذي يرتبط في أذهاننا بفلسطين. من ينسى (أرض البرتقال الحزين) لغسان كنفاني؟..
و غادرت البار المعتم إلى الباحة. و وقفت انظر إلى المشهد الطبيعي الذي يلوح من بعيد. الطرق العريضة و البيض.. دروب ملح الأرض التي تقود لمتاهات هضبة الأناضول. و على امتدادها الأشجار الباسقة ذات الجذوع الفضية و الرأس الأخضر الذي لا يتأثر بهذه النسمات. لقد كانت نسمات ضعيفة لا تعصف بقلوب الأشجار و لا تقلب أوراق الذكريات.
و من ورائها ترى الجبال أو بالأحرى الجلاميد الثقيلة التي تضفي على الجو مسحة من التألم و الكآبة. لم تكن تستهويني الجبال، لأنها ترتبط في ذهني بأسطورة سيزيف..
لم أفكر يوما أنني أدحرج الصخرة بالإكراه و أنني لن أبلغ القمة المنشودة.
فالتفكير بعذاب رحلتنا في هذه الحياة يضاعف من الإحساس بالشقاء..
***
وصلنا أزمير قبل المغيب. و حجزت فورا غرفة في منطقة البصمانجي. و هي المنطقة التجارية و توجد في وسط المدينة. و من أهم علاماتها مجسم الكرة الأرضية الذي يشبه مدخل حلب. المدينة الجريحة. التي تدفع ثمن سنوات من الفساد.
و أمامها حديقة المجمع الثقافي بما فيه من قاعات لإلقاء المحاضرات. و ألعاب للصغار. و منحوتات فنية تعكس تطور الفن في تركيا و انتقاله من طور المحاكاة إلى التجريد. أضف لذلك متحف حضارات الشعوب المنسية و على رأسهم الحثيون.
***
تنقسم إزمير لثلاث قطاعات. الداخل، و له قسمات ذكورية واضحة.
و المرتفعات. و تهيمن عليها قلعة تتربع على قمة جبل باغوس بارتفاع يبلغ ١٦٥ م.
ثم الشريط الساحلي الذي تحرسه منارة حديثة و لكن لها نمط هيليني.
و لم لا؟..
فقد كانت هذه المدينة عاصمة لمملكة مقدونيا و ترك عليها الجنرال زاماخوس أحد الأبطال المعدودين في جيش الاسكندر بصماته.
حتى أن معظم الأوابد، و التي هي من العلامات السياحية فيها، عبارة عن انتصابات طويلة تشق عنان الفضاء و في رأس القائمة ساعة البرج و أمامها مباشرة مسجد عائشة.
و هناك أيضا النصب التذكارية التي تنافس بعددها ما رأيته في كراكوف ببولونيا. و هي في معظمها لتخليد ذكرى قائد معروف أو مقاتل مجهول، و دائما ذات رموز تشير للحرب و الدق بالنفير.
و لا يمكن أن أنسى هنا المسلات الحديثة. مع أنها تحاكي مسلات الفراعنة فقد كانت مخصصة لتخليد ذكر شعراء عالميين معروفين أمثال نيرودا و ناظم حكمت و لوركا.
كانت عبارة عن أعمدة من الرخام التي تقف بالتناوب مع أشجار نخيل ضخمة لها ظل يخيم على مساحة واسعة.
***
لا أزال أشعر أن إسطنبول هي رأس تركيا و إزمير هو عضلاتها.
و يمكن أن تلاحظ ذلك حتى في طبيعة و مظهر بيت أتاتورك. فهو في اسطنبول داخل حديقة غناء. و له جمالون أحمر و نوافذ باروكية. كثيرة الزخارف و مفتوحة على الداخل و الخارج. بمعنى أنها تحول حياة الإنسان إلى تعايش مع فضاء لا يعاني من العزلة.
بينما هو في إزمير من الحجر الأبيض. و يتألف من ثلاثة طوابق يربط بينها سلم لولبي الشكل.
و النوافذ مصممة لتأمين التواصل مع الطبيعة و ليس البشر. فهي واسعة و تشاهد منها مياه البحر و السماء. يعني اللون الأزرق الذي يربط الإنسان ببداياته حين كان مجرد فكرة و ليس صورة.
***
في نهاية هذا اليوم الحافل عدت أدراجي إلى الفندق.
ولاحظت أن موظف الاستقبال يعتني بهر صغير. منفوش الشعر. كان يوضبه بطريقة غريبة.
هل تعرف قطط أنغورا، ذات الشعر الغزير و الذيل الذي تجره وراءها بخيلاء كما تفعل الثعالب؟..
لقد كان من هذا النوع.
سألته و أنا أضحك: هل تجهزه لإرساله في سبوتنيك إلى القمر؟..
رد بضحكة مماثلة و هو يقول: يستحق أن يكون رائد فضاء.
ربت عليه و اردف: هذا هو قط الرقم خمسة. و لو خدمك الحظ و ترك أمام باب غرفتك شيئا من هذه الرموز سوف تحصل على جائزة.
و أشار لخيط رفيع حول رقبته و كانت تتدلى منه رموز بألوان ناصعة.. نجمة ذهبية، سيف أحمر، هلال أخضر، و هكذا...
أمعنت النظر بها. صغيرة كأنها جزء من ثقافة المنمنمات التي اشتهر بها فنانو الشرق. لا سيما منمنمات الأشكال الهندسية و رموز الطبيعة.
لم يكن بين فكر أهل المشرق فرق يذكر. المسلمون مثل الهندوس و البوذيين. اهتموا بالأشكال المضلعة التي تدل على انتظام الحياة في دورة منضبطة.
و لكن لماذا الرقم خمسة؟..
فاتني أن أساله هذا السؤال و أنا أتابع الصعود على السلالم إلى غرفتي..


إزمير ٢٠١٢


تعليق



Akua

2015-12-19

It's a pleasure to find such raliinatoty in an answer. Welcome to the debate.

رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow