Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : معجز أحمد أبو العلاء المعري ألف ج6

ألف

خاص ألف

2015-05-20

يقول: من شك أنك فردٌ: لا نظير لك، فإني أراهنه وأشارطه بروحي وروحه، فحذف للدلالة، وإنما راهنه بروحه لفرط يقينه، أنه لا نظير له، فعلم أنه يفوز بالظفر، ويظفر بالخطر؛ لأن الروح أعز الأشياء

يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره

اعوذ، وألوذ: متقاربان في المعنى.

يقول: يا من ألتجىء إليه في آمالي، ويا من أعتصم به مما أخشاه وأحذره من المكاره.

ومن توهمت أن البحر راحته ... جوداً وأن عطاياه جواهره

الهاء في جواهره: للبحر.

يقول: يا من خلت أن راحته هي البحر وأن عطاياه هي جواهر البحر التي تخرج منه؛ لأن الجواهر لا تكون إلا من البحر.

ارحم شباب فتىً أودت بجدته ... يد البلى وذوي في السجن ناضره

الهاءات: كلها للفتى.

يقول: ارحم شباب فتىً أهلكت البلى جدته، فأخلقته، وذبل في السجن ما كان ناضراً منه

لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره

لا يهيضون: أي لا يكسرون ما تجبره أنت، ولا تجبر الناس ما تكسره أنت، يعني: أنهم لا يقدرون على رد أمرك ومثله قول الآخر:

لا يجبر الناس عظم ما كسروا ... ولا يهيضون عظم ما جبروا

وقال أيضاً يمدح شجاع بن محمد بن عبد العزيز بن الرضا المضاء الطائي المنبجي:

عزيزٌ أسى من داؤه الحدق النجل ... عياءٌ به مات المحبون من قبل

الأسى: جمع أسوة، وهي الصبر. والأسا: مصدر أسوت الجرح أسواً وأسياً.

يقول: عزيز: أي قليل الوجود صبر من داؤه، أو مداواة من داؤه الحدق الواسعة، وهو داء عياء. ثم قال: به أي بهذا الداء. مات المحبون من قبل. ويجوز أن يكون المراد بالأسى الحزن، وعزيز: أي شديد صعب، يخشى عليه. وعزيزٌ: مرفوع بالابتداء وأسى خبره، وجاز البتدا بالنكرة لأنه في تقدير فعل، كأنه يقول: عزيز أسى، وداء عياء خبر ابتداء محذوف كأنه قال: وهو داء عياء.

فمن شاء فلينظر إلي فمنظري ... نذيرٌ إلى من ظن أن الهوى سهل

المنظر: موقع النظر عليه.

يقول: من أراد أن يجرب هذا الداء فلينظر إلي، ليبصر نحول جسمي فإن منظري، أو حالي نذير ومخوف لمن ظن أن العشق هين، وأن الحب يمكن الخروج منه، والمقصد تعظيم أمر الهوى وقلة المداوة منه.

وما هي إلا لحظةٌ بعد لحظةٍ ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل


هي: ضمير قبل الذكر، والمراد به الخصلة، أو اللحظة المذكورة من بعد، وروى: وما هو، وأراد الهوى المذكور في البيت الذي قبله. والهاء في قلبه: ترجع إلى من في قوله من داؤه.

يقول: لا يتولد الهوى إلا من نظرةٍ إثر نظرة، فإذا حلت تلك اللحظات المتكررة في القب، رحل العقل وزال بعد نزولها، فلا ينتفع بعد ذلك بالعقل.

جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي ... فأصبح لي عن كل شغلٍ بها شغل

يقول: جرى حب هذه المرأة في جميع بدني، واستولى علي بجملتي وجرى مجرى الدم، أي أنه امتزج بجميع بدني كالدم الجاري فيه، فأصبح لي شغل بها، يشغلني عن كل شغلٍ هو سواه، وقيل معناه: أن هواها ذللني حتى عنها من شدة تأثيره في روحي وعقلي وبدني.

هذا وروى: فأصبح عن غير شغلي بها شغل.

ومن جسدي لم يترك السقم شعرةً ... فما فوقها إلا وفيها له فعل

فما فوقها: يجوز أن يكون في العظم وفي الشعر، والهاء في فيها: للشعرة وروى: فيه وأراد به: الجسم. وفي له للسقم.

يقول: لم يترك السقم من جسدي شعرة وما فوقها، في الصغر أو العظم، إلا وفيها للسقم تأثير وفعل، وتأثيره في الشعرة؛ لأن تحت كل شعرة منفذ إلى البدن، فيريد أن الحب وصل إلى كل مكان من جسده، وفعل السقم في الشعر: الشيب. وقيل: أراد بالشعرة: أقل شيء من جسده.

إذا عذلوا فيها أجبت بأنةٍ ... حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل

روى: بأنةٍ، ورنة: وهما واحد. وحبيتا: الألف فيه بدل من الياء، وأصله: حبيبتي على إضافة إلى الياء، إلا أنه أبدلها ألفاً، تخفيفاً. كقوله تعالى: " يا حسرتي على ما فرطت " والحبيبة تصغير الحبيبة. وأراد به: التخصيص لا التحقير. وقوله: قلبي أي: يا قلبي. وهو بدل من حبيبتا، وفؤادي بدل: من قلبي. وذلك نداء بعد نداء، وجميعها منصوب بالنداء المضاف. وهيا: حرف النداء. وجمل: اسم المرأة. وهو مبني على الضم بالنداء المفرد.

يقول: إذ لاموني في حبها، كان مكان جوابي لهم بأنةٍ حكايتها: يا حبيبتي يا قلبي، يا فؤادي، يا جمل، وفيه تنبيه على أن الحبيب ينزل منزلة القلب، فلهذا، بين جواب العذال: أنها والقلب واحد. وقيل: تقديره يا حبيبتا قلبي أدركيني، فإني أشتكي قلبي ولا أبالي بملامة من يلومني فيها، ولا ألتفت إليه.

كأن رقيباً منك سد مسامعي ... عن العذل حتى ليس يدخلها عذل

الهاء في يدخلها: للمسامع، وهو جمع مسمع وهي الأذن.

يقول: كأنك قد وكلت بي رقيباً منك يراقبني، من أن ألتفت إلى اللوام، فكأنه سد أذني عن دخول العذل فيها، فلا أسمع ما يقولون من هجرانك، والتسلي عنك، ومثله قول الآخر:

كأن رقيباً منك يرعى خواطري ... وآخر يرعى ناظري ولساني

ويجوز أن يريد: كأن الرقيب الذي يحفظك عني سد أذني عن سمع العذل فيك، حسداً منه على جريان ذكرك في سمعي؛ ذلك أني كنت بعد اللذة في سماع ذكره، كما قال أبو الشيص:

أجد الملامة في هواك لذيذةً ... حباً لذكرك فليلمني اللوم

كأن سهاد العين يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجرٍ لنا وصل

يقول: كان السهر بالليل يعشق عيني، فبين الأرق والعين وصلٌ عند كل هجر لنا، يعني: أن الأرق لا يجد الوصال إلا عند هجران الحبيب.

أحب التي في البدر منها مشابهٌ ... وأشكو إلى من لا يصاب له شكل

فضل المحبوبة على البدر، فقال: أحب التي في البدر منها مشابهٌ: وهو جمع شبه، على غير القياس. فجعل منها شبهٌ في البدر، ولم يشبهها البدر بكليته ثم فضل الممدوح على المحبوبة. فقال: وأشكو إلى من لا يصاب له شكل: أي مثل فجعل في البدر منها شبهها، وجعل الممدوح بلا شبه.

إلى واحد الدنيا إلى ابن محمدٍ ... شجاع الذي لله ثم له الفضل

حذف التنوين من شجاعٍ: طلباً للتخفيف بسكونه، وسكون اللام من الذي.

يقول: أشكو إلى من هو واحد أهل الدنيا الذي لله تعالى الفض ثم له.

إلى الثمر الحلو الذي طيىءٌ له ... فروعٌ وقحطان بن هودٍ لها أصل


طيىء: قبيلة. وقحطان بن هود: أصل بعض العرب والهاء، في له: للثمر. وفي لها: لطيىء، والتأنيث لأجل القبيلة، ويجوز أن يكون التأنيث راجعاً إلى الفروع، وروى: له. والتذكير يرجع إلى اللفظ. لأن طيئاً لا تأنيث في لفظه، شبهه بالثمر الحلو، لأن في الثمار حامضاً ومراً، ثم جعل أباه غصناً من شجر طيب فروعه طيىء، وأصله قحطان بن هود.

إلى سيدٍ لو بشر الله أمةً ... بغير نبيٍّ بشرتنا به الرسل

يقول: وأشكو إلى سيد لو بشر الله أمةً بمن هو غير نبي، لبشرتنا رسل الله تعالى بهذا الممدوح، قبل وجوده، كما بشر الرسل عن الله تعالى بنبينا صلى الله عليه وسلم. إلا أن العادة لم تجر بالبشارة، بغير الأنبياء عليهم السلام.

إلى القابض الأرواح والضيغم الذي ... تحدث عن وقفاته الخيل والرجل

وروى القانص الأرواح: وهو الصائد، وروى: عن وقفاته ووقعاته.

يقول: إلى الذي يقبض الأرواح في الحروب، وإلى الأسد الذي يتحدث عن وقعاته في الحروب الخيل. أي: أصحابها، والرجل: جميع الراجل.

إلى رب مالٍ كلما شت شمله ... تجمع في تشتيته للعلي شمل

شت: أي تفرق، وتجمع: أي اجتمع.

يقول: أشكو إلى صاحب مالٍ كلما تفرق شمل المال يبذله، تجمع عنده للمعالي شمل، فيكون تفريقه له سبباً لاجتماع المعالي عنده، ومثله لأبي تمام:

وليس بيانٌ للعلي خلق امرىء ... وإن جل إلا وهو للمال هادم

همامٌ إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل

يقول: هو كبير الهمة، يشبه السيف في مضائه وشدته، وبشاشة وجهه كصقالة السيف، فإذا فارق السيف غمده تشك فيهما حتى لا تعرف أيهما السيف وهو كقول أبي تمام:

يمددن بالبيض القواضب أيدياً ... فهن سواء والسيوف القواطع

رأيت ابن أم الموت لو أن بأسه ... فشابين أهل الأرض لانقطع النسل

أراد بابن أم الموت: أخاه، يعني: أخا الموت.

يقول: رأيت الممدوح أخا الموت، فلو أن بأسه وشدة قوته شاع بين أهل الأرض لانقطع النسل: أي نسل الخلق، لأنه يفنيهم ببأسه، ولأنهم يخافونه ولا يدنو ذكرٌ من أنثى فينقطع النسل.

على سابحٍ موج المنايا بنحره ... غداةً كأن النبل في صدره وبل

على فرسٍ سابحٍ موج المنايا بنحره: أي نحر الفرس في الغداة التي ترى فيها النبل متواتراً إلى صدره كأنه وبل: أي مطر. يعني: أن السهام لا تؤثر في صدر هذا الفرس، كما لا يؤثر فيه قطر الماء، وقيل: إن الهاء في صدره للممدوحن يعني: أن فرسه يلتقي موج الموت بنحره، وأن الممدوح يوم الحرية يلتقي السهام بنحره، فلا يبالي كأنها عنده قطر المطر.

وكم عين قرنٍ حدقت لنزاله ... فلم تغض إلا والسنان لها كحل

حدقت: أي أحدقت النظر إليه، والنزال: المنازلة، وهي المحاربة نازلاً.

يقول: وكم عين مقارنٍ له: محارب، أحدت النظر إليه للمنازلة، فلم تغض إلا وصار سنان الرمح كحلاً لها. يعني: أنه جعل السنان لها موضع الكحل.

إذا قيل: رفقاً! قال: للحلم موضعٌ ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل

رفقاً: نصب بفعل مضمر، أي ارفق رفقاً، أو استعمل رفقاً.

يقول: إذا قيل له في الحرب: ارفق! قال: للحلم موضع، وليس هذا موضعه. وحلم المرء في غير موضعه جهل. ومنه قول الآخر:

يناشدني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم

ولولا تولى نفسه حمل حلمه ... عن الأرض لانهدت وناء بها الحمل

حمل حلمه: مفتوح لأنه مصدر، والحمل في آخره بكسر الحاء لأنه اسم.

يقول: لولا الممدوح تولى حمل حلمه عن الأرض لانهدت الأرض من ثقل حلمه، وأثقلها الحمل، فجعل الحلم أعظم من الأرض؛ وهو مبالغة عظيمة.

تباعدت الآمال عن كل مقصدٍ ... وضاق بها، إلا إلى بابه السبل

الهاء في بها: للآمال، وفي بابه: للمدوح.

يقول: لم يبق في الدنيا جوادٌ يقصد بالأمل سوى هذا الممدوح، فبعدت الآمال عن كل مقصد، وضاق بالأمل السبل من جميع الجوانب، إلا بابه، فهو المقصود إليه في الحوائج والآمال.

ونادى الندى بالنائمين عن السرى ... فأسمعهم: هبوا فقد هلك البخل

الندى: رفع لأنه فاعل نادى، والسرى: سير الليل.

يقول: نادى العطاء بالذين ناموا عن السرى، لعدم الأسخياء الكرام، وغلبة البخلاء اللئام، ونبههم.


بقوله: هبوا فقد هلك البخل، لوجود هذا الرجل، الذي أصاب بالجود مقتل البخل. ويجوز أن يكون وصل عطاؤه إلى الناس، ومن دون أن يسافروا لأجله، فكأنه ناداهم ونبههم لوصوله إليهم في أوطانهم.

وحالت عطايا كفه دون وعده ... فليس له إنجاز وعدٍ ولا مطل

يقول: إن عطاياه اعترضت دون وعده وسبقته، فلا يحتاج إلى إنجاز وعد، ولا مطل ولا مدافعة؛ لأن هذه الأشياء لا تكون إلا بعد الوعد.

فأقرب من تحديدها رد فائتٍ ... وأيسر من إحصائها القطر والرمل

الهاء في تحديدها، وإحصائها: للعطايا، وكان الوجه أن يقول: وأيسر من إحصائها إحصاء القطر، إلا أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

يقول: رد فائتٍ أقرب من تحديد عطاياه، وتحديد منحه. وعد قطر المطر، وحبوب الرمل: أهون من إحصاء نعمه؛ فكما لا تقدر الناس على هذين، كذلك تحديد عطاياه، وتعديد مننه غير مقدور عليه، بل ذلك دخل في المقدور.

وما تنقم الأيام ممن وجوهها ... لأخمصه في كل نائبةٍ نعل

تنقم: تعيب، وما: للسؤال. ومن في قوله: ممن هو الممدوح: والهاء في وجوهها: للأيام. وفي أخمصه: للممدوح والأخمص؛ باطن القدم.

يقول: وما تنكر الأيام، وتعيب من رجل، وجوه الأياه نعلٌ لأخمصه في كل نائبة ومحنة، يعني أن الأيام تابعة له ومطيعة، وهو يعلوها حتى يطأ وجوهها، فتكون بمنزلة النعل لأخمصه. أي باطن قدمه.

وما عزه فيها مرادٌ أراده ... وإن عز إلا أن يكون له مثل

عزه: أي غلبه.

يقول: لم يتعذر عليه مراد طلبه، وإن كان ذلك صعباً شديداً، إلا أن يريد أن يأتي بمثل له، فإنه يتعذر عليه وجوده لأنه لا مثل له.

كفى ثعلاً فخراً بأنك منهم ... ودهرٌ لأن أمسيت من أهله أهل

الرواية الصحيحة نصب دهراً عطفاً على ثعل وقوله: بأنك منهم رفع: لأنه فاعل كفى وأهل رفع: بخبر ابتداء محذوف. كأنه قال: هو أهلٌ لأن أمسيت من أهله، فارتفع أهلٌ وصفاً لدهر، وارتفع دهرٌ بفعل مضمر، تقديره: ليفخر دهرٌ أهلٌ، لأن أمسيت من أهله.

يقول: كونك منهم، كفاهم فخر كونك أهلاً له وهذا وما قبله إفراط في المدح.

وويلٌ لنفسٍ حاولت منك غرةً ... وطوبى لعينٍ ساعةً منك لا تخلو

طوبى له: أي خير له، وقيل: أصله من الياء. وهو من طيب.

يقول: ويلٌ لمن طلب منك غفلة؛ فإنه إذا طلب ذلك قتلته، وهو لا يظفر بك، وطوبى لعين منك لا تخلو ساعة، فإنها تكون في الراحة وترتع في روض محاسنك.

فما بفقيرٍ شام برقك فاقةً ... ولا في بلادٍ أنت صيبها محل

يقول: ليس لفقير أبصر برقك ونظر جودك فاقة، وليس في بلادٍ أنت قطرها قحطٌ ولا جدب.

وقال أيضاً يمدحه:

اليوم عهدكم فأين الموعد؟ ... هيهات! ليس ليوم عهدكم غد

وروى: اليوم وعدكم وكذلك في الثاني؛ لأنهما متقاربان في المعنى.

يقول: اليوم لقاؤكم، وهو آخر اليوم الذي اجتمعنا فيه، فعرفوني أين الموعد للقاء الثاني؟ ثم قال: هيهات: أي ما أبعد ما أطلب! ليس ليوم وعدكم غدٌ أبلغ إليه. وقيل معناه: اليوم ميعادكم الذي وعدتموني فأنجزوا لي وعدي، وهو وعد الملاقاة والوصل ثم قال: هيهات! ليس ليوم وعدكم غدٌ. أي أموت وقت فراقكم، فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم. ومثله قول الشاعر:

قالت أسير غداً فقلت لها ... هدد ببينك من يعيش غداه

والأصل في البيت قول أبي تمام.

قالوا الرحيل غداً لا شك قلت لهم ... الآن أيقنت أن اسم الحمام غد

الموت أقرب مخلباً من بينكم ... والعيش أبعد منكم لا تبعدوا

روى مخلباً: وهو للسبع كالظفر للإنسان، ويروى مخلباً؛ وهو مصدر خلب يخلب: إذا أخدع، خلابةً ومخلباً، أو يكون مصدراً من خلب: إذا اختطف. وروى لا تبعدوا: من البعد في المسافة. ولا تبعدوا: من الهلاك.

يقول: الموت أقرب إلي من فراقكم، لأني أموت قبل أن تبينوا عني، خوفاً من فراقكم، ومهما فارقتموني كان العيش أبعد منكم، لأنه يعدم البتة، فهو أبعد منكم، لأنه لا يرجى عوده، وإذا بعدتم كنتم موجودين. ثم قال: لا تبعدوا. يعني لأن ببعدكم تبعد الحياة مني، وقيل: إنه دعاء للأحباب بألا يهلكوا، بل يبقوا سالمين، وبأن يقربوا منه. وهو تفسير البيت الأول.

إن التي سفكت دمي بجفونها ... لم تدر أن دمي الذي تتقلد


تتقلد: من قولك تقلد فلانٌ دم فلانٍ إذا باء بإثمه.

يقول: المرأة التي سفكت دمي بجفونها الحسنة، لم تعلم أن الذي تتقلده وتبوء به هو دمي. يعني: أنها قتلتني بجفونها الملاح، وأنها لم تعلم أني قتيلها بتلك الجفون.

قالت وقد رأت اصفراري: من به؟ ... وتنهدت فأجبتها: المتنهد

من به: أي فعل به، أو من المطالب به. وتنهدت: أي تنفست. وقيل: تنهدت المرأة؛ إذا رفعت صدرها وثديها.

يقول: إن هذه المرأة لما رأت ما بي من الاصفرار قالت مستفهمة: من فعل به ذلك؟ من المطالب به؟ وتنفست عند ذلك ترحماً لي، لما شاهدت من حالي فأجبتها: المتنهد. أي قلت: الذي فعل بي ذلك هو المتنفس. وإنما لم يقل: المتنهدة؛ لأنه رده على معنى الإنسان أو الشخص، ومعناه أن الذي حصل بي منك دون غيرك، أي أنت فعلت ذلك.

فمضت وقد صبغ الحياء بياضها ... لوني كما صبغ اللجين العسجد

اللجين: الفضة، والعسجد: الذهب. هذا البيت يفسر على وجوه: أحدها: أنها مضت عني لما قلت لها في البيت الذي قبله، وقد صبغ الحياء والخجل بياضها، يعني أنها لما استحيت مما قلت لها احمر لونها ومضت، ثم عدل عن ذلك إلى وصف نفسه فقال: لوني كما صبغ الفضة الذهب. أي اصفر وجهي. وقال بعضهم: معناه أن الحياء صبغ لونها أحمر، ثم لحقها الخوف في الوقت من الرقباء أن يروها، فاصفر لونها لذلك الفزع بعد الخجل، فيكون تقديره: صبغ الحياء بياضها لوناً كلوني؛ لأن الحياء إذا كان مع الخوف يصفر الوجه. وقيل: أيضاً لأن الحياء يجلب اللونين معاً؛ لأن المستحي يحمر أولاً ثم إذا فكر فيما حصل منه الحياء، يصفر لونه، فيصير كصاحب الخوف، فكأنه ذكر الحالة الثانية فبين أنها خجلت واستمر بها الخجل والحياء حتى اصفر لونها، فصار كلوني الذي هو كلون الذهب الممتزج بالفضة.

فرأيت قرن الشمس في قمر الدجى ... متأوداً غصنٌ به يتأود

قرن الشمس: أول ما يبدو منها، وهو يضرب إلى الصفرة، وذلك يدل على استحالة لونهاأصفر، وأراد به الصبغ الذي حصل في وجه المرأة الذي هو كالقمر، وأراد: أن وجهها بمنزلة قرن الشمس، وقمر الدجى. وقصد تشبيهه بهما جميعاً، وقوله: متأوداً: أي متمايلاً يتأود به غصن: وهو قد المرأة والهاء في به: ترجع إلى قرن الشمس. فمعناه: رأيت متمأوداً يتأود به غصن.

عدويةٌ بدويةٌ من دونها ... سلب النفوس ونار حربٍ توقد

وهواجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌ ... وذوابلٌ وتوعدٌ وتهدد

العدوية: منسوبة إلى بني عدي. والبدوية: منسوبةٌ إلى البدو. والسلب: الاختطاف.

والهواجل: جمع الهوجل، وهو الأرض المطمئنة، والصواهل: جمع الصاهل من صهيل الفرس، وهو صوته. والمناصل: جمع المنصل، وهو السيف، والذوابل، جمع الذابل وهو الرمح.

يقول: إن هذه المرأة من أبناء الكرام ومن دون الوصول إليها هذه الأشياء.

أبلت مودتها الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد

يقول: أخلقت الليالي وتطاولها مودتها بعدي وبعدها، ومشى على ذلك الدهر فأفسدها بمشيه عليها وهو مقيد، وذلك لأنه إذا كان مقيداً كان أثقل وطئاً لاعتماده على الرجلين، وقصر خطوه، فيحطم الشيء إذا مشى عليه. وهي مبالغة مليحة وصنعة في الشعر حسنة.

أبرحت يا مرض الجفون بممرضٍ ... مرض الطبيب له وعيد العود

أبرحت: أي جاوزت الحد. يخاطب مرض الجفون، أو يكون المرض بمعنى المريض، فكأنه يقول: يا مرض الجفون الذي في عينيها، أو يا مريض الجفون، تجاوزت الحد، بممرض يعني: به نفسه، حتى مرض الطبيب له، ومرض عواده، فعادهم الناس، وإنما مرضوا رحمةً له واغتماماً لشدة حاله ورقةً عليه لما رأوا مابه من الهزال.

يقول: أمرض الأطباء حزنهم لقصورهم عن شفائه لعظم دائه.

فله بنو عبد العزيز بن الرضا ... ولكل ركبٍ عيسهم والفدفد

الهاء في فله: للممرض، وعنى به نفسه.

يقول: بنو عبد العزيز بن الرضا: الذين هم الممدوحين يكفوني لأني ألجأ إليهم في أحوالي وأجعلهم سبباً لإدراك آمالي، وكذلك أيضاً ركب هؤلاء، فمنهم عيسهم؛ لأن عطايا الأرض التي هي من ملكهم، يريد أنهم ملوك الدنيا، وأنه لا مقصود من الناس غيرهم.


وقيل إن معناه: إن هؤلاء لي ولغيري، ممن لا يقصدهم، ليس إلا العيس التي يركبونها والمفاوز التي يقطعونها، إذ لا يحصلون بقصدهم غيره إلا على الطلب، وأنا قد ظفرت بالمطلوب بقصدي إياهم.

من في الأنام من الكرام ولا تقل ... من فيك شأمٌ سوى شجاعٍ يقصد؟

من: للاستفهام، والمراد: الإنكار، وقوله: شأم: أي يا شأم، ومعناه: من في الأنام من الكرام سوى شجاع، ولا تقل من فيك يا شأم. يعني: أنه المقصود في الدنيا للخلق، فهو واحد الناس في الناس، لا واحد الشأم وبعض من الدنيا.

أعطى فقلت: لجوده ما يقتنى ... وسطاً فقلت: لسيفه ما يولد

يقتنى: أي يدخر. وسطاً: من السطوة، وهي القهر، والغلبة، والحملة في الحرب وما بمعنى: الذي. يقول: بالغ الممدوح في الإعطاء حتى قلت: إن ما يقتنيه الناس من الأموال لجوده ليفرقها، وبالغ في سطواته حتى قلت: إن لسيفه كل ما يولد.

وتحيرت فيه الصفات لأنها ... ألفت طرائقه عليها تبعد

يقول: صارت صفات الواصفين متحيرة فيه لأنها يعني الصفات وجدت طرائق هذا الممدوح بعيدة عليها، ثم وصف بعض طرائقه فقال:

في كل معتركٍ كلىً مفريةٌ ... يذممن منه ما الأسنة تحمد

الكلى: جمع الكلية. والمفرية: المقطوعة. ويذممن: فعل الكلى وتحمد: فعل الأسنة.

يقول: إن من طرائق الممدوح أنه شجاع، وله في كل موضع حرب كلى مقطوعة للقتلى، تذم الكلى المفرية من فعله، ما تحمد أسنة الرماح. وذلك الشيء هو الكلى.

نقمٌ على نقم الزمان تصبها ... نعمٌ على النعم التي لا تجحد

نقم الزمان: نوائبه.

يقول: هذا الممدوح نقمة مصبوبة على نقم الزمان، وهي في الحقيقة نعم على النعم التي أنعم بها على الناس. يعني: إن الممدوح يدفع نوائب الزمان، فهو نعمة عليها وتلك نعمة على الناس، لأنهم يأمنون بها نوائب الدهر وهي نعمة متتابعة، مترادفة ولا يمكن أحد أن يجحدها لكثرتها وشهرتها.

في شأنه ولسانه وبنانه ... وجنانه عجبٌ لمن يتفقد

يقول: في كل واحد من هذه الأربعة من الممدوح عجب لمن تأمله! ففي شأنه: أعجب عظماً، وكبر همة، وفي لسانه: فصاحة، وفي بنانه: كتابة وسخاء، وضرباً وطعناً، وفي جنانه: قوة ونجدة وذكاء وشجاعة، وعلماً وفطنة وغير ذلك.

أسدٌ، دم الأسد الهزبر خضابه ... موتٌ، فريص الموت منه يرعد

الهزبر: من صفات الأسد، ويريد به المبالغة في الشدة. والفريص: بالفاء جمع فريصة، وهي لحمة تحت الكتف.

يقول: هو أسد عادته قتل الأسود، فدم الأسد القوي خضابه الذي يتخضب به عند قتله إياه، وهو أيضاً موت، لإفنائه الأعداء، وترعد منه: أي الموت يفزع منه.

ما منبجٌ مذ غبت إلا مقلةٌ ... سهدت ووجهك نومها والإثمد

الإثمد: ما يجعل في العين مما ينفع.

يقول: ما هذه البلدة بفراقك إلا كمقلة سهرت شوقاً إليك فغاب عنها نومها وكحلها، فلما عدت إليها نامت فرحاً بقدومك؛ فعاد إليها نومها وكحلها ووجدت روحاً وسكوناً.

فالليل حين قدمت فيها أبيضٌ ... والصبح منذ رحلت عنها أسود

يقول: إن الليل بقدومك هذه البلدة صار ضياء، كما كان ضوء النهار ظلاماً عند غيبتك عنها، وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي تمام:

وكانت وليس الصبح فيها بأبيضٍ ... فأمست وليس الليل فيها بأسود

ما زلت تدنو وهي تعلو عزةً ... حتى توارى في ثراها الفرقد

كل تاء تأنيث في البيت، وفيما قبله، وفيما بعده: كناية عن منبج، لأجل البقعة، والبلدة.

يقول: ما زلت تقرب منها وهي ترتفع تشرفاً بك، واعتزازاً بمكانك، حتى علت السماء فتوارى الفرقد في ترابها وبقعتها.

أرضٌ لها شرفٌ سواها مثلها ... لو كان مثلك في سواها يوجد

يريد أن علوها لمكان الممدوح فيها.

فقال: إن هذه الأرض بلدة شريفة. سواها من الأرضين مثلها، لو كان مثلك موجوداً فيها.

أبدى العداة بك السرور كأنهم ... فرحوا وعندهم المقيم المقعد

بك: أي بسببك.

يقول: إنهم أظهروا السرور بك، وبقدومك، وفي قلوبهم من كراهة ذلك من الخوف والغم ما أقامهم وأقعدهم، فأضمروا العداوة في الباطن، وإن كانوا على توددٍ في الظاهر وعندهم من الغم المقيم المقعد.

قطعتهم حسداً أراهم ما بهم ... فتقطعوا حسداً لمن لا يحسد


قطعتهم: مبالغة في القطع.

يقول: جعلت العداة قطعاً؛ غيظاً وحسداً عليك، حتى أراهم حسدهم ما بهم من التقطع والذلة والنقص والمرض وتغير اللون، فتقطعوا حسداً لما فيك من الفضل، وأنت لا تحسد أحداً لأنك قد جمعت الفضائل الكلية، والحسد من دأب الناقصين، فأنت تحسد ولا تحسد أحداً.

حتى انثنوا ولو ان حر قلوبهم ... في قلب هاجرةٍ لذاب الجلمد

انثنوا: أي رجعوا. والجلمد: الحجر الصلب.

يقول: تقطعوا حسداً حتى رجعوا، وفي قلوبهم من الحر حسداً وكمداً؛ ما لو كان ذلك الحر في قلب هاجرة النهار، لذاب بحرارتها الحجر الصلب، وجعل للهاجرة قلباً لما ذكر قلوبهم لازدواج الكلام.

نظر العلوج فلم يروا من حولهم ... لما رأوك وقيل: هذا السيد

العلج: أصله حمار الوحش، وجمعه علوج. والمراد به: الكفار من أهل الروم.

يقول: لما رأوك الحساد دهشوا، وأظلمت الدنيا عليهم فزعاً منك، واستصغروا من حولهم من العساكر، استعظاماً لك من هيبتك، حتى أنهم لم يروا من حولهم من الخيل والحشم لاشتغالهم برؤيتك، ولأنك فقتهم حسناً وقيل لهم: هذا السيد.

بقيت جموعهم كأنك كلها ... وبقيت بينهم كأنك مفرد

يقول: لقيت جموع أولئك كأنك بوحدتك جملتهم، لموازنتك إياهم، وبقيت أنت بينهم مفرداً، لا نظير لك. وهذا تأكيد للمصراع الأول.

لهفان يستوبي بك الغضب الورى ... لو لم ينهنهك الحجا والسؤدد

لهفان: نصب على الحال من الغضب، وقيل بقيت لهفان، ويستوبى: من الوباء، وأصله الهمز فأبدله ضرورة، ومعناه: يفنى ويهلك، والغضب: فاعل يستوبى، والورى مفعوله ويجوز: أن يكون يستوبى: أي يوبى الغضب الذي بك. والباء في بك زائدة والورى: فاعله، والغضب مفعوله.

يقول: غضبك يكاد يهلك الناس، لو لم يكفك العقل والسؤدد، فبقيت لهفان بين الغضب المهلك، وبين العقل والسؤدد.

كن حيث شئت تسر إليك ركابنا ... فالأرض واحدةٌ وأنت الأوحد

أي كن في أي مكان شئت، فليس لنا، ولا لركابنا مسرى إلا إليك؛ لأن الأرض واحدة، وأنت مالكها. وإنك أنت أوحد، لا نظير لك ولا شبيه.

وصن الحسام ولا تذله فإنه ... يشكو يمينك والجماجم تشهد

لا تذله: أي لا تذله، فخفف.

يقول: صن سيفك واغمده ولا تذله فتفنيه من كثرة استعماله فإنه يفنى الحسام وتشكو يمينك، من كثرة ضرب الجماجم: وهي عظام الرءوس تشهد له بذلك، ومن حق السيف عليك أن تصونه ولا تهينه وهذا نظير قوله:

شم ما االتضيت فقد تركت ذبابة ... قطعاً وقد ترك العباد جذاذا

يبس النجيع عليه فهو مجردٌ ... من غمده فكأنما هو مغمد

النجيع: دم الجوف. وقيل: الدم الطري.

يقول: قد جف الدم على حسامك وهو مجرد عن غمده، لكنه من الدم اليابس عليه كأنه مغمد.

ريان لو قذف الذي أسقيته ... لجرى من المهجات بحرٌ مزبد

ريان: ضد عطشاً، وهو نصب على الحال. والمهجة: دم القلب.

يقول: هذا السيف ريان من الدماء؛ لكثرة ما أسقيته من دماء القتلى، فلو رمى ما أسقيته من الدماء لجرى منها بحرٌ، يعلوه الزبد لغزارته.

ما شاركته منيةٌ في مهجةٍ ... إلا وشفرته على يدها يد

التذكير الذي في البيت: للحسام، والتأنيث: للمنية. وشفرة السيف: حده.

يقول: ما شاركت المنية هذا السيف في نفس من الأنفس، إلا وحده على يد المنية يدٌ فتكون يده فوق يدها.ومثله لأبي تمام قوله:

مطلٌ على الآجال حتى كأنه ... لصرف المنايا في النفوس مشارك

غير أن المتنبي فضل السيف على المنية، وأبو تمام سوى بينهما.

وقيل: إنما شاركته المنية فزعاً منه؛ لأن السيف يدٌ على يدها، يمنعها ويعوقها.

إن الرزايا والعطايا والقنا ... حلفاء طيٍّ غوروا أو أنجدوا

حلفاء: جمع حليف، وهو الجار المحالف على الولاية، وطيٍّ: أراد طيئاً فخفف.

يقول: إن المصيبات، والعطيات، والرماح حلفاء طيىء، غير مفارقة عنهم، أينما حلوا نجداً أو غوراً، سهلاً أو جبلاً.

صح: يال جلهمة. تذرك، وإنما ... أشفار عينك ذابلٌ ومهند

جلهمة: قبيلة المدوح. والأشفار: يريد بها الأهداب هاهنا.

يقول: ناد أيها الممدوح وقل: يال جلهمة، تدرك، وقد أحاطوا بك برماحهم وسيوفهم، حتى كأن أشفار عينك سيف ورمح، لكثرة سيوفهم ورماحهم.


وفيه معنى آخر: وهو أنك إذا صحت بهم جاءوك واجتمعوا عندك، وهابوك، حتى كأن أشفار عينك إذا نظرت إليهم، ذابلٌ ومهند؛ لهيبتك في قلوبهم ولطاعتهم لك.

من كل أكبر من جبال تهامةٍ ... قلباً ومن جود الغوادي أجود

الجود: المطر الشديد، والغوادي: جمع غادية، وهي السحابة التي تنشأ غداة.

يقول: إن كل رجل منهم أكبر من جبال تهامة وأسخى من السحاب التي تأتي غدوة. وهذا يمكن أن يكون متعلقاً بقوله: أشفار عينك ذابلٌ ومهند من كل رجلٍ أكبر من جبال تهامة. ويمكن أن يكون للقسمة والتبعيض، كما يقال: رأيت من الناس ذاهبٌ. أي من هو ذاهب.

يلقاك مرتدياً بأحمر من دمٍ ... ذهبت بخضرته الطلى والأكبد

أحمر: صفة لمحذوف، يعني: بسيف أحمر من دم.

يقول: الذي هو أكبر من جبال تهامة قلباً، يراك متقلداً بسيف أحمر، مما عليه من دماء الأعداء، صبغت خضرته وصقاله دماء الأعناق والأكباد، وسترها فيأتيك به.

حتى يشار إليك ذا مولاهم ... وهم الموالي والخليقة أعبد

يقول: حتى يطاعون لك منقادون لأمرك، ويشار إليك فيقال: ذا مولاهم أي سيدهم وهم مع ذلك سادات الناس كلهم، فأنت سيدهم، والخلق عبيدهم، فأنت سيد السادات.

أنى يكون أبا البرية آدمٌ ... وأبوك والثقلان أنت محمد

تقديره: كيف يكون آدم أبو البرية، وأبوك محمد، وأنت الثقلان.

يريد: إذا كنت أنت الثقلين، وأبوك محمد، فأبو البرية إذاً أبوك! لا آدم! والثقلان: الجن والإنس. ومثله قول الآخر:

وليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد

يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفد؟

أيحيط، استفهام: والمراد به الجحد. ويفنى وينفد بمعنى، فلذلك وضع أحدهما موضع الآخر.

يقول: يفنى كلام الشعراء في مدحكم فلا يحيط بفضلكم؛ لأن للكلام نهاية وليس لفضلكم نهاية، فكيف يحيط المتناهي بما لا يتناهى؟!.

وقال في أبي دلف وكان قد حبسه الوالي لشيء بلغه عنه، وأبو دلفٍ هذا سجانٌ حبس المتنبي عنده مدة سنتين وقد أهدى إليه هدية وهو في السجن:

أهون بطول الثواء والتلف ... والسجن والقيد يا أبا دلف

أهون: أي ما أهون طول الثواء، وهذا إن بناه من الإهانة فهو من الشاذ. كقولهم: ما أعطاه للمال. لأن ما زاد على الثلاثة لا يبنى منه فعل التعجب، إلا بلفظ ثلاثي، فكأنه يقول: ما أشد الإهانة بطول الثواء والتلف.

وإن كان من هان يهون فهو صحيح يدل عليه ما بعده من الأبيات، وكان قد حبس في السجن، وكان يتعهده رجلٌ يعرف بابن كنداج كنية أبي دلف، يأتيه بالطعام وغيره، فشغل عنه يوماً، فكتب إليه بهذه الأبيات يقول مخاطباً لأبي دلف: ماأيسر طول الثواء والهلاك علي، والسجن والقيد كل ذلك هين علي وهذا يدل على أنه كان محبوساً.

غير اختيارٍ قبلت برك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف

يقول: قبلت برك بي عن غير اختيار بل بالاضطرار الواقع، كما أن الأسد إذا جاع، ولم يظفر بفريسةٍ، يأكل الجيف اضطراراً! كذلك حالي، في قبول برك.

كن أيها السجن كيف شئت فقد ... وظنت للموت نفس معترف

التوطين: جعل النفس وطناً.

يقول للسجن: كن كيف شئت علي، فإني قد وطنت نفسي للموت، توطين المعترف بالشيء، الراضي به، المقر بالموت، الذي سكن إليه. وقيل: المعترف الصابر. يعني: وطنت للموت نفسي نفس رجل صابرٍ على الشدائد.

لو كان سكناي فيك منقصةٌ ... لم تكن الدر ساكن الصدف

يقول: لو كان كوني في السجن توجب منقصة وذلاًّ لكان كون الدر مع جودته وعلو قدره في الصدف الذي هو أخس حيوان البحر يوجب له النقص. فكما لا تؤثر خسة الصدف في قدر الدر، كذلك حالي في السجن. وهذا تسلية لنفسه.

وكان قوم ي صباه قد وشوا به إلى السلطان وكذبوا عليه وقالوا: قد انقاد له خلقٌ من العرب، وقد عزم على أخذ بلدك، حتى أوحشوه منه فاعتقله وضيق عليه، فكتب إليه يمدحه:

أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد قدود الحسان القدود

أيا: يحتمل أن يكون حرف نداء، والمنادى محذوف، وتقديره: أيا قوم. ويحتمل أن يكون افتتاح الكلام. مثل أما وألا وخدد: أي شقق. وقد: أي قطع، وأصله القطع طولاً. والقدود: جمع القد، وهو القامة.

قال يدعو على ورد الخدود والقدود الحسنة، وفيه وجهان:


أحدهما: أن يكون على عادة العرب، في أنهم إذا استحسنوا شيئاً وتعجبوا منه دعوا عليه! نحو قولهم: قاتل الله فلاناً ما أفصحه!.

والثاني: أن يحمل على حقيقة الدعاء عليها. فيقول: شقق الله ورد الخدود وقطع قدود الحسان قدوداً، فإني قد لقيت منها بلاءً وجهداً، وقاسيت منها مشقة، ويدل عليه قوله فهن أسلن دما مقلتي ومثله لجميل:

رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح

فهن أسلن دماً مقلتي ... وعذبن قلبي بطول الصدود

يقول: هن أسلن من مقلتي دماً؛ من بكائي عليهن، وعذبن قلبي بطول إعراضهن عني. وروى مهجتي أي قتلنني وسفكن دمي.

وكم للهوى من فتىً مدنفٍ ... وكم للنوى من قتيلٍ شهيد

المدنف: الذي طال مرضه. يعتذر من قوله فهن أسلن دماً.

فيقول: ما أنا بأول عاشقٍ قتل شهيداً، فكم للهوى من فتىً قد دنف وصار إلى شرف الموت، وكم للنوى من قتيلٍ شهيدٍ مثلي، قد قتله الحب، كما قتلني شهيداًز

فواحسرتا ما أمر الفراق ... وأعلق نيرانه بالكبود

يقول: واحسرتا على نفسي من مفارقة الأحباب، فما أمر الفراق وأشد مرارته! وما أشد علق نيران الفراق بالكبود! وجمع الكبود ذهاباً إلى العموم، فكأنه قال: ما أعلق نيرانه بكبود العشاق. وروى: وأحرق نيرانه بالكبود.

وأغرى الصبابة بالعاشقين ... وأقتلها للمحب العميد!

قوله وأغرى: تعجب من غرى بالشيء إذا ولع به. والصبابة: رقة الهوى. والعميد: المصاب عمود قلبه.

يقول: ما أولع الصبابة والشوق بالعشاق، وما أقتلها للمحب المصاب قلبه! يتعجب من ولع الهوى وقتله للعشاق.

وألهج نفسي لغير الخنا ... بحب ذوات اللمى والنهود

ألهج: أي أعرض، وأولع. واللمى: حمرة الشفة تضرب إلى السواد. والنهود: نتوء الثدي.

يقول: ما أولع نفسي بحب النساء، لمى الشفاة، نواهد الثدي، الموصوفات بالحسن والجمال، لا الخنا: الذي هو داعية الزنا، لكن لأجل النظر فقط.

فكانت وكن فداء الأمير ... ولا زال من نعمةٍ في مزيد

أي كانت نفسي المذكورة، وذات اللمى والنهود فداء الأمير الممدوح. على وجه الدعاء، ثم ذكر دعاءً آخر فقال: ولا زال الأمير من الله تعالى في زيادة تامة من النعمة.

لقد حال بالسيف دون الوعيد ... وحالت عطاياه دون الوعود

الوعود: جمع الوعد، وهو مصدر وعد. فيكون بمعنى: الوعد.

يقول: حال الأمير بسيفه دون الوعيد، فيقتل قبل أن يوعد، وحالت عطاياه دون الوعد؛ فيعطي قبل أن تعد. فالأول: يدل على فضل قوته، والثاني: على فضل سخائه وجوده.

فأنجم أمواله في النحوس ... وأنجم سؤاله في السعود

أنجم أمواله منحوسةٌ لتفريقه إياها، وأنجم سؤاله مسعودة لاستغنائهم بما يبذله لهم من الأموال ويفرقه بينهم.

ولو لم أخف غير أعدائه ... عليه لبشرته باللود

يقول: لو كان الخوف على الممدوح من أعدائه وحدهم، لكنت في أمنٍ دونهم، فبشرته بدوام الحياة غير إنما أخاف عليه من غير أعدائه، وهو الله تعالى، ذو القضاء المبرم في جميع الناس. والغرض هو الاستخفاف بأعدائه. وروى: عين أعدائه يعني: أن يصيبوه بعيونهم السيئة.

رمى حلباً بنواصي الخيول ... وسمر يرقن دماً في الصعيد

الصعيد: التراب الخالص. وقيل: هو ظاهر الأرض.

يقول: رمى حلباً بوجوه خيله، لما حاربها برماح له، تريق دماء أعدائه في الصعيد: أي التراب.

وبيضٍ مسافرةٍ ما يقم ... ن لا في الرقاب ولا في الغمود

يقول: رماها بسيوفٍ مسافرةٍ، غير مستقرة في رقاب الأعداء ولا في غمودها؛ لأنها تتقدم من رقاب إلى رقاب، ومن قتيل إلى قتيل، فليس لها قرار؛ لكثرة ما تستعمل في الضرب فكأنها مسافرة غير مقيمة في غمد أو عنق.

يقدن الفناء غداة اللقاء ... إلى كل جيشٍ كثير العديد

يقدن: فعل السيوف التي لا تقيم في غمد، أو عنق. يقول: يقدن أي يسقن الفناء غداة اللقاء للحرب، إلى كل جيش كثير العدد؛ فهذا فعلهن وسفرهن.

فولى بأشياعه الخرشني ... كشاءٍ أحس بزأر الأسود

الخرشني: هو والي حلب، وخرشنة. هو الحصن في بلاد الروم.

يقول: ولي الخرشني الذي حاربه الأمير بأصحابه وأشياعه، كانهزام الشاة عند ما تحس بصوت الأسد.


يرون من الذعر صوت الرياح ... صهيل الجياد وخفق البنود

يقول: انهزموا عنه، وخافوه، حتى ظنوا صوت الرياح أنه صهيل خيوله وخفق أعلامه، وأنهم إذا رأوا شيئاً ظنوه رجلاً ومثله قول جرير:

ما زلت تحسب كل شيءٍ بعدهم ... خيلاً تكر عليهم ورجالا

والأصل في ذلك قوله تعالى: " يحسبون كل صيحةٍ عليهم هم العدو " .

فمن كالأمير ابن بنت الأمي ... ر أم من كآبائه والجدود؟

من: استفهام. ومعناه النفي.

يقول: ليس أحد مثل الأمير وليس أحد كأبيه وأجداده، وهو أيضاً كريم من جهة الأمهات.

سعوا للمعالي وهم صبيةٌ ... وسادوا وجادوا وهم في المهود

يقول: إن الممدوح وأباءه وأجداده قد سعوا في طلب المعالي في حال صباهم، وسادوا غيرهم، وجادوا بأموالهم، وهم أطفال في المهود، والغرض المبالغة في سؤددهم وكرمهم. وروى: وشادوا أي بنوا المجد ورفعوه.

أمالك رقىً ومن شأنه ... هبات اللجين وعتق العبيد

الواو في قوله: ومن شأنه، واو الحال. ويجوز: أن يكون واو العطف، ومن في موضع النصب، وتقديره إذاً يكون: يا مالك رقىً ويا من شأنه هبات الفضة وإعتاق العبيد.

دعوتك عند انقطاع الرجا ... ء والموت مني كحبل الوريد

حبل الوريد: عرق في العنق، يتصل بالقلب.

يقول: دعوتك لما انقطع الرجاء من الحياة، وقرب الموت مني، كقرب حبل الوريد.

دعوتك لما براني البلى ... وأوهن رجلي ثقل الحديد

براني: أي أنحلني، وقطعني، والبلى: مصدر بلى الشيء. وروى: لثقل الحديد.

يقول: دعوتك عند الشدة، وعظم أثر القيد برجلي!

وقد كان مشيهماً في النعال ... فقد صار مشيهماً في القيود

يقول: قد كان مشى رجلي قبل ذلك في النعال، وصار الآن مشيهما في القيود! فلا عهد لي بالقيود قبل هذه الحالة!

وكنت من الناس في محفلٍ ... فها أنا في محفلٍ من قرود

لصوصٌ أطاعوا أبا مرةٍ ... بترك الركوع وترك السجود

كأني قرنت بهم في الجح ... يم أرى كل يومٍ وجوه اليهود

يقول: كنت إلى الآن في محفل من كرام الناس، وأنا الآن في محفل من القرود! وأراد بهم الأوباش وأصحاب الأهواء ثم بين فقال: هم لصوص وأطاعوا إبليس بترك الصلاة. وأبو مرة: كنية إبليس.


نهاية الجزء السادس

ألف / خاص ألف /

يتبع ...

















































































































































































































































































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الحب ولادة جديدة

16-كانون الأول-2017

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج 12 المؤلف : الخطيب القزويني

16-كانون الأول-2017

ديميستورا يقطع خطوط موسكو إلى جينف ..عودة الحلول أم العبث السياسي؟

16-كانون الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج 11 المؤلف : الخطيب القزويني

09-كانون الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج 10 المؤلف : الخطيب القزويني

02-كانون الأول-2017

الفصل لماطر/ ستيفن كينغ

26-تشرين الثاني-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow