Alef Logo
ابداعات
              

صورة السيد كافكا(١)

صالح الرزوق

خاص ألف

2015-05-05

تدهورت الأوضاع المعيشية وقررت أن أسافر لأبحث عن الهدوء والأمان.

اجتمعت في البيت مع أخوتي. وتداولنا بالموضوع. كان رأي آغا أن أسافر إلى الأردن. فهي مستقرة. لأنها مملكة. والخطر برأيه يهدد الجمهوريات فقط.

واعترض ميسر. كان رأيه أن تركيا أفضل. لأن الأجانب أقوى من العرب.

- اسكت. رد آغا. جنوب تركيا كلهم عرب. ألا تعلم أن اللواء وكيليكية من سوريا..

ولم أتابع هذا النقاش الذي احتدم بينهما. كلما اجتمعنا نختلف. لذلك انسحبت بحجة تحضير الشاي. وكانت الأصوات العالية تصلني إلى المطبخ. وخفت أن يحصل كما جرى في لقاء لم الشمل في العيد الماضي. اشتبكا بالأيدي بسبب خلاف حول بيت للوالد. كان آغا يريد أن يبيع. وميسر يفضل الإيجار أو الرهن.

وغرقت في المطبخ بالتفكير. لماذا لا أحسم الخلاف وأقرر السفر إلى قبرص. فهي بلد مجاور وآمن. وأجنبي. وهذا يكفل لي فرصة مناسبة للحياة.

***

في اليوم التالي كانت بانتظاري مشكلة لم ترد في أذهاننا. وهي تأشيرة الدخول إلى قبرص.

كنت أكره الطوابير. وأعلم أن طابور التأشيرة يشبه يوم الحشر. ناهيك أن المكان محفوف بالمخاطر. فهو قريب من خط التماس. منه تشاهد قبة جامع جمال في الكلاسة. يا له من منظر مروع.

المئذنة البيضاء التي تشبه رقبة الغزال تراها مائلة. كأنها برج بيزا المائل.

فاستشرت ميسر. سألته: هل تعرف طريقة للتهرب منها؟.

قال: بسيطة. سافر إلى ميرسين. ومن هناك تابع بالبحر.

ودخلت الفكرة برأسي. كانت هذه فرصة كي أضرب عصفورين بحجرة واحدة. أعاين الطريق بين حلب والحدود. لأرى هل لحق به الفساد والخراب مثل ذمم البشر؟. ثم أجرب الرحيل بالبواخر. لم يسبق لي أن امتطيت الأمواج. وستكون هذه أول مرة.

كنت أخاف من المرتفعات. ترى كيف ستكون مشاعري وأنا وسط المياه؟. هل سأخاف من الغرق؟..

***

وصلنا الحدود في وقت مبكر. وكنا في سيارة عامة. ميكرو باص. طاقته 10 أشخاص ولكنه حمل 15. قال السائق للظروف أحكام. تكلفة 15 أقل من تكلفة 10. ولم نعترض.

وكانت السيارة تئن على الطرقات بسبب الحمولة الزائدة. ناهيك عن الحقائب واللوازم التي ربطها على الظهر.

كأننا نازحون.

لو شئت الحقيقة إننا نازحون فعلا. ولكن نقول لمن يسأل: نحن بالطريق لزيارة أقارب.

نفس العبارة نكررها عند كل حاجز. وعند الحدود وقفت السيارة في رتل عند نقطة تفتيش أخيرة ترفع علما أسود. وعليه شعار ديني وصورة سيف معكوف.

لا أعلم معنى هذا الرمز. أن يكون السيف معكوفا. ولكنه بدعة استشراقية. لزوم ديكور لا يذهب من المخيلة. شجرة نخيل. وسيف بشكل قوس. وجمل. وكثبان رمال.

كانت أمامنا ثلاث أو أربع سيارات. إحداها خاصة وفيها رجل وحده. يرتدي في هذا الحر اللاهب بذة سوداء. كأنه في الطريق لحفل زفاف.

ورأيناه يهبط من خلف المقود بأمر رجل مسلح. ثم يفتح صندوق السيارة. تصور كان حذاؤه يلمع كأنه لم يلمس الأرض في حياته.

لا أعرف تتمة ما حدث. فقد جاء إلينا مسلحون يتبخترون. كلهم ملثمون لا تشاهد غير عيونهم باستثناء واحد وضع نظارات سميكة أكلت كل ملامحه.

وأحاطوا بالميكرو باص.

فتح السائق الباب بالهيدروليك. وسمعنا صوت ضغط الهواء وهو يجر المصراع لينطبق على نفسه.

ثم صعد رجل على وسطه حزام تتدلى منه رمانات. أول مرة أشاهد الرمانة عن مقربة.

على فكرة.

أنا معفي من الجيش. دفعت البدل. ودخلت في خدمة ثابتة. ولم ألمس في حياتي بارودة. لم أقبض بيدي على مسدس. وأسمع بمفردات مثل: ديك البارودة. وشعرة المسدس. وبيت النار. لكن لا أعرف عنها شيئا.

لا أفرق بين هذه المفردات والكلمات التي يستخدمها الفران في المخبز.

حبسنا جميعا أنفاسنا عندما صاح المسلح: على كل من لا يحمل جواز سفر أن يرفع يده.

لم أشاهد يدا واحدة ترتفع.

فألقى علينا نظرة متفحصة. ثم صاح بصوت أعلى: كل من يريد العبور أن يجهز جواز سفره..

حين جاء دوري. أمسك الدفتر. ولاحظت أنه يمسكه بالمقلوب. ثم قلب في الصفحات. وقارن الصورة بوجهي.

وبعد ذلك سأل: إلى أين تسافر؟..

- إلى مرسين..

- لماذا؟..

- زيارة أقارب.

تابع التقليب في الصفحات. وسأل مجددا: هل معك نقود؟..

في الواقع فاجأني السؤال. على أية حال الحروب كلها مفاجآت. فما بالك لو أنها حرب أهلية؟. أومأت برأسي.

فقال: كم؟..

- خمسمائة.

- دولار أم تركي؟.

- دولار.

قال وهو يبتسم: سنأخذها منك للمجهود الحربي.

ولم أنبس ببنت شفة. وضعت يدي في جيب القميص. وسحبت النقود. مائة بعد مائة. ورأيته وهو يضعها في جيبه. ويعيد لي جواز السفر. بوجه كالح. كأنه يقدم لي صدقة.

حتى اللحظة لا أعرف لماذا اختارني من بين بقية الركاب لدفع هذه الضريبة الباهظة. ولا أعلم لماذا لم يفتشني. كيف آمن أنني لا أحمل أكثر من هذا المبلغ. في الواقع هذا كل ما أحمل.

ثم أطلقوا سراحنا. وتابعنا الرحلة. باستثناء رجل عجوز يشبه المومياءات طلبوا منه أن يترجل. وحين وصلت الأراضي التركية كنت مفلسا.

من غير نقود.

كانت الفكرة أن أنام ليلة في مرسين. وفي اليوم التالي أتابع إلى قبرص. ومن هناك أتصل بميسر لتحويل مبلغ 1000 أو 1500 دولارا من قيمة عهدة أحتفظ بها لديه.

كان جار ميسر موظفا في بنك أهلي. يعني خاص. ولديه طريقة لتمرير أوراق نقدية صغيرة لبعض المعارف.

ولو لا هذه النصيحة ربما سلبني المسلح كافة نقودي وتركني أحترق تحت الشمس من غير زوادة ولا رصيد.

لقد نفعتني فطنة ميسر. أصغر أبناء العائلة.

لهذا الولد ذكاء ثاقب. عقل تجاري. نباهة لا تكسبها إلا من معترك الحياة.

***

من حسن الحظ أن الموبايل كان بحوزتي مع شريحة تجوال نشيطة.

الحرب تغير وجه الحياة. وتبدل أخلاق الإنسان.

في الملمّات تعرف معادن الناس.

الخسيس يسبح مع التيار. وترسب المعادن الكريمة.

ألقيت حقيبة السفر على الأرض, وفيها بدل داخلي. أبايض أو بياضات بتعبير الوالدة. ثياب خفيفة. مع حزمة من المؤلفات المعروفة التي لا بد منها.. تشكيلة من جبران ونعيمة. فوكنر وهمنغواي. وكافكا...وجلست على هذا الكرسي. في الواقع جلست على خلاصة فلسفتي في الحياة. وسحبت الموبايل من جيب القميص. وطلبت رقم ميسر..

كان الوقت هو منتصف شهر آب. الحرارة لاهبة. والغيوم تغطي السماء بطبقة ثلجية رقيقة. أقصد بلون الثلوج وليس حرارتها. لقد كانت الرطوبة تتبخر من المظلات التي تغطي باحة موقف الباصات.

موقف منظم.

يشبه المنشية القديمة في حلب قبل هذه الحرب التي سرقت منا وجه المدينة.

لو قمت اليوم بزيارة إلى المقصف العمالي لن تتعرف عليه. الزبائن اختلفت وجوههم. الطاولات امتقع لونها. كانت بيضاء بلون الحليب. اليوم صفراء بلون قشور البطيخ.

الخميلة التي كنا نسهر فيها لساعات الفجر لا نقترب منها الآن. من يجرؤ أن يغادر بيته بعد العاشرة. إن لم يكن مسلحا أو له علاقة.

لم يرد ميسر على رنات الموبايل.

ولم أعرف السبب. فجربت رقم آغا.

كنت أعلم أنه لا ينفع. آغا طوال عمره بارد. والعطب الذي نحن فيه يحتاج لجراحة سريعة ونظيفة.

حين سمعت صوته كان يمضغ بعض الأطعمة. وتجاوزت قلة الذوق هذه. أنا أشكو له خطر الجوع وهو يقضم بأسنانه دون إحساس.

مع ذلك وعدني أن يتصل بميسر.

***

اشتد ساعد الشمس فحملت الحقيبة وتحركت إلى جوار ما تبقى من ظل على الأرض. وهنا سمعت صوت الموبايل يغرد.

كأنه كناري. أو عصفور الحب. وضعته على أذني وسمعت صوت ميسر.

قال لي وهو يقهقه: كيف سرقوك يا أسد؟..

- اختصر يا سبع. يا نسر. فالحالة مزرية..

- أوف. أوف. على مهلك. جاري في البنك. ودوامه ينتهي الساعة 4 .

- لا أستطيع أن أنتظر. أين سآوي كل هذه الفترة؟.

- اترك لي فرصة نصف ساعة. ثم كلمني.

- لا يمكن. لا أعرف كم بقي من الرصيد.

- مشكلة. حتى لو اتصلت بك الموبايل يحتاج لرصيد عند الطرفين.

- والحل؟.

- امنحني نصف ساعة. ثم ادخل إلى مقهى إنترنت وافتح إيميلك. سأرسل لك رسالة بالتفصيل..

وقطبت كل وجهي. حتى هذا الحل غير عملي. من أين أجد النقود لأدفع للإنترنت؟. وشعرت بالمرارة والإهانة. لأول مرة أجد نفسي على قارعة الطريق. وليس أمامي مهرب من التسول.

قلت له: يا ذكي. هل الإنترنت في ميرسين بالمجان؟.

ضحك حتى اسود وجهي من الغيظ. وانسابت ضحكاته في أذني كأنها لدغة عقرب سام. شعرت كأنه نسف رأسي بطلقات مدفع. جاءتني هذه الضحكات كأنها براميل متفجرة تقع على نافوخي.

ثم سمعته يقول: ألم يتركوا لك ولو ليرة تركي؟.

- والله لا أحمل شيئا...

ولم أتابع. كانت الأفكار تدور في رأسي مثل رادار أو لاقط فضائيات. وتذكرت أنه معي ربما ورقة من ذوات الخمسمائة. النقود التي لها رأس شمرا. وجه أوغاريتي فيه كل حضارة سوريا القديمة باستثناء المجد الذي كانت تتمتع به.

ما قيمة الخمسمائة في حرب جعلت الليرة تهبط إلى مستوى ورقة من دفتر حسابات بقالية أو جزار؟..

إنها تساوي الآن أقل من سبع ليرات تركية. ولكنها خلاص.

تحيا سوريا.

***

قلت له وأنا أتنفس الصعداء: ربما معي خمس ليرات. ليكن موعدنا بعد ساعة. ولكن لا تخذلني.

وأنهينا الاتصال.

وقفت وسط الباحة وصبت الشمس أشعتها المطهرة على رأسي. فتلقيت حماما شمسيا. كانت المشكلة الآن أن أدور بين الحافلات. لأجد من يمكنني أن أتبادل معه المئات لقاء حفنة ليرات.

أين أيام الجاه الضائع. يوم كانت الليرة من الفضة. لها قيمة تساوي قيمة الفرنك الفرنسي. وتكتب على الجدران مثل قلم الرصاص. كتبنا بالليرة على الجدران. واليوم تذوب في الماء كأنها غبار.

وكان رأسي وقتذاك يصفر كأنه ابتلع راديو مفتوحة على نشرة أخبار عربية.

لا يوجد غير إذاعات العرب تسبب لك آلام الرأس. لتستمع لنشرة الأخبار عليك أن تبتلع علبة أسبرين..

يتبع...


































































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow