Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب : معجز أحمد أبو العلاء المعري ألف ج4

ألف

خاص ألف

2015-04-27

يقول: إن المرء يؤمل الأمل الطويل، والحياة شهيةٌ، والشيب وقورٌ، والشباب نزقٌ، فيكون. أفعل بمعنى الفاعل، لا بمعنى المبالغة. وأراد صاحب الشيب وصاحب الشيبة؛ وقيل: أراد به أفعل للمبالغة.
فيقول: إن الشيب أوقر من الشبيبة، والشبيبة أنزق من الشيب؛ وذلك لأن الشيخ قد يستعمل الوقار في بعض الأحوال، غير أن الغالب منه النزق، فلهذا المعنى استعمل فيه لفظ أفعل.
ولقد بكيت على الشباب ولمتي ... مسودةٌ ولماء وجهي رونق
يقول: بكيت على فراق الشباب قبل نزول المشيب بي، وعند ما كان شعر رأسي أسود، ولماء وجهي رونق، وذلك لعلمي بزواله، وحذري من فراقه.
حذاراً عليه قبل يوم فراقه ... حتى لكدت بماء جفني أشرق
حذاراً عليه: أي على فراق الشباب. وروى: بدمع عيني أغرق. ونصب حذراً لأنه مفعول له.
يقول: بكيت على الشباب قبل زواله حذراً من فراقه، حتى كدت أشرق بماء جفني، أي أغص به. وأراد به الهلاك؛ ولهذا جعل بدله أغرق.
أما بنو أوس بن معن بن الرضا ... فأعز من تحدى إليه الأينق
يقول: هؤلاء الممدوحون هم أعز من تحدى إليهم الإبل، ويقصد إليهم؛ لطلب المال، والجاه، لسخائهم.
كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق
يقول: إن ديارهم ليست في نواحي المشرق، ولكنها في نواحي المغرب، فلما رأيت صورهم الحسان بمنزلة الشموس مع أن المعهود من الشمس أنها تطلع من جهة المشرق كبرت لتعجبي من ذلك؛ فإني رأيت الشمس في غير جهة المشرق!
وعجبت من أرض سحاب أكفهم ... من فوقها وصخورها لا تورق
يقول: عجبت من صخور هذه الأرض، التي هي مقرهم، كيف لا تورق؟ وفوقها تمطر سحائب أكفهم؛ يصفهم بالسخاء.
وتفوح من طيب الثناء روائحٌ ... لهم بكل مكانةٍ تستنشق
المكان: والمكانة واحد. والاستنشاق: طلب الرائحة بالشم.
يقول: إن هؤلاء القوم تفوح لهم من طيب ما يثني عليهم روائح طيبة! تصل إلى كل مكان، ويشمها كل إنسان، فيقصد الناس إليهم من كل جانب لطلب معروفهم وكرمهم.
مسكية النفحات إلا أنها ... وحشيةٌ بسواهم لا تعبق
النفحات: جمع نفحة. وهي أول هبوب الريح.
يقول: روائح ثنائهم مسكية النفحات، يفوح منها ما يفوح من المسك، إلا أنها نافرة من غيرهم ولا تعبق بسواهم؛ يصفهم باختصاص الثناء بهم وأنه لا يستحقه سواهم.
أمريد مثل محمدٍ في عصرنا ... لا تبلنا بطلاب ما لا يلحق
لا تبلنا: أي لا تجربنا. وروى: لا تبلنا: لا توقعنا في البلوى، لطلاب ما لا يلحق.
يقول: يا من يريد أن يكون مثل محمدٍ الممدوح لا تجربنا بطلب ما لا يلحق، ولا يوجد. يعني أنه لا نظير له، فطلب مثله أمر محال.
لم يخلق الرحمن مثل محمدٍ ... أحداً وظني أنه لا يخلق
يقول: لم يخلق الله تعالى مثله أحداً فيما مضى، ويقيني أنه لا يخلق في المستقبل؛ إذ الأمور الآتية معتبرة بالماضية. وهذا كذب ظاهر.
يا ذا الذي يهب الكثير وعنده ... أني عليه بأخذه أتصدق
وروى: يهب الجزيل. وأتصدق: أعطي الصدقة.
يقول: يا من هو يعطي العطاء الجزيل ويرى أني متصدق عليه بأخذي منه، وذلك لسروره بما يعطيه لي. ونظيره:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أمطر علي سحاب جودك ثرةً ... وانظر إلي برحمةٍ لا أغرق
يقول: أمطر على سحاب عطائك وسخائك غزيرة، ثم انظر إلي برحمتك، ولا تجاوز الحد على ما عهدت من حالك، لكي لا أغرق بنيلك.
وقيل: أراد بقوله: كي لا أغرق أي كي لا أعجز عن القيام بشكرك.
كذب ابن فاعلةٍ يقول بجهله: ... مات الكرام وأنت حيٌّ ترزق!
يقول: كذب ابن زانيةٍ، يقول بجهله: إن الكرام ماتوا، وأنت حي ترزق فيما بين الأحياء مع كونك سيد الكرام! وروى: ترزق أي أنت حي تجري على يديك أرزاق الناس، فكيف يصح قوله: إن الذين تجري على أيديهم أرزاق الناس قد ماتوا، وأنت حي ترزقهم! فنسب هذا القائل إلى الكذب، ونسب أمه إلى الزنا.
وقال أيضاً في صباه يمدح علي بن أحمد الخراساني
حشاشة نفسٍ ودعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنين أشبع؟

يقول: إن الهوى ما أبقى من نفسه إلا بقية، وتلك البقية كانت قريبةً من الزوال، خوف الفراق، فلما فارقتني الأحبة، ودعتني تلك البقية وارتحلت بارتحالهم، فلم أدر أي الظاعنين أشيع: أحبتي أم بقية روحي؟ لأن أحدهما كصاحبه في الكرامة علي. وروى أي الظاعنين، بلفظ الجمع، فيكون قد جعل حشاشة النفس معدودة في جملة الأحبة؛ لأنها محبوبة كالأحبة.
أشاروا بتسليمٍ فجدنا بأنفسٍ ... تسيل من الآماق والسم أدمع
الآماق: واحدها، مأق، ومؤق. وهو طرف العين مما يلي الأنف، وهو مجرى الدمع في الغالب. والسم: الاسم أدمع. وأشاروا إلى الأحبة عند الوداع بتسليم. ونبه بقوله: أشاروا إلي أنهم لا يمكنهم إظهار السلام بالكلام؛ خشية الرقباء فجدنا نحن بأرواح، تسيل من أعيننا جواباً لهم، وأسفاً على فراقهم، وكانت التي تسيل أرواحاً في الحقيقة، وإن كان اسمها الدمع؛ لأنها كانت دماً، وخروج الدم فيه خروج الروح، وقد أوضح هذا المعنى في موضع آخر فقال:
ولم لم يكن ما انهل في الخد من دمي ... لما كان محمراً يسيل فأسقم
ويجوز أن يكون جعل الدمع، بمنزلة الروح؛ لأن نزول الدمع لا يكون إلا عند شدة الكرب، فلما اشتد عليه فراقهم كان الدمع الخارج عنده، مثل خروج الروح شدة!
حشاي على جمر ذكيٍّ من الهوى ... وعيناي في روضٍ من الحسن ترتع
الجمر الذكي: الشديد التوقد.
يقول: إن قلبي يحترق بنارٍ شديدة من الهوى، وعيني من مشاهدة حسنها كأنها راتعة في روض الحسن، يعني: أن من نظر إلى مثل ما أنظر إليه من محاسن هذا الحبيب كان خليقاً أن يكون خليقاً.
ويجوز أن يكون أراد أن عند الوداع كان قلبي في احتراق؛ لما كاد يقع بيننا من الفراق، وعيني ترتع في روض من الحسن، في وجه الحبيب عند الوداع، وإنما لم يقل: ترتعان لأن فعل العينين واحد في الأغلب عند الرؤية. وروى: وعيني فعلي هذا لا يتوجه عليه السؤال.
ولو حملت صم الجبال الذب بنا ... غداة افترقنا أوشكت تتصدع
أوشكت بمعنى: قربت.
يقول: لو حملت الجبال الشديدة الفرقة التي بنا، غداة افترقنا، لقربت أن تشقق.
بما بين جنبي التي خاض طيفها ... إلى الدياجي والخليون هجع
الدياجي: جمع ديجوج، وهو الظلمة، وأصله دياجيج، فأبدلت الجيم ياء ثم أدغمت الياء في الياء، ثم خففت. وما: بمعنى الذي. وبين الجنبين: أراد به القلب، والنفس.
وتقديره: أفدى بما بين جنبي. أي بنفسي، وقلبي، المرأة التي خاض طيفها الظلام إلي، في حال كانت عيون الخليين عن العشق نائمة، فالواو في قوله والخليون واو الحال.
أتت زائراً ما خامر الطيب ثوبها ... وكالمسك من أرادنها يتضوع
أتت: أي المرأة: وزائراً أي طيفها فقدر المرأة في أتت. وفي الزائر الطيف.
ويجوز أن يكون أجرى زائراً مجرى حائض، وحامل. على جهة النسب.
ويجوز أن يريد بذلك أنها أتتني وأنا سائرٌ إليها لزيارتها، فعلى هذا يكون زائراً مفعول به. فكأنه قال: أتت هي زائراً لها.
وفي الأول، نصب على الحال. يقول: أتت هذه المرأة يعني طيفها زائراً لي، أو كنت زائراً لها. ما خالط الطيب ثوبها ومع ذلك فإن رائحة المسك تفوح من كمها وأطرافها وثيابها.
فشرد إعظامي لها ما أتى بها ... من النوم والتاع الفؤاد المفجع
إعظامي: في موضع الرفع لأنه فاعل شرد. وما مفعول به، يعني الذي. وتعجبي من مجيئها، الشيء الذي أتى بها وهو النوم، واحتراق الفؤاد المفجوع.
فيا ليلةً ما كان أطول بتها ... وسم الأفاعي عذب ما أتجرع!
قوله: يا ليلةً. تعجب وإعظام، وليس بنداءٍ في الحقيقة، وقوله: ما كان أطول! أي ما كان أطول! أي ما كان أطول حزنها! فحذف.
يقول: لما شرد إعظامي لها النوم، واحتراق الفؤاد، طال علي الليل وتكدر. فيصف ذلك ويقول: يا ليلةً ما أطولها، وما أطول حزنها! وسم الأفاعي الذي هو من الأشياء أقتلها، كان عذباً بالإضافة إلى ما قاسيت فيها.
تذلل لها واخضع على القرب والنوى ... فما عاشقٌ من لا يذل ويخضع
يقول: تذلل لها في حالة القرب والبعد؛ أما في القرب فلئلا تعرض عنك، وأما في البعد فلننظار القرب بعد البعد، فليس بعاشق من لا يذل للمعشوق، ولا يخضع، لأن التكبر والتعظم لا يليق بالعاشق مع المعشوق.

ولا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمدٍ ... على أحدٍ إلا بلؤمٍ مرقع
روى: غير. نصباً على الاستثناء المقدم، وروى: مرفوعاً خبر لقوله لا ثوب مجد.
يقول: كما أن الذي لا يخضع للحب خارج عن حكم العشق كذلك ثوب المجد إذا لم يكن على هذا الممدوح لا يكن إلا مرقعاً.
وإن الذي حابى جديلة طيىءٍ ... به الله يعطي من يشاء ويمنع
جديلة طيىء: بطن من طيىء وحابى: بمعنى جبى.
يقول: وإن الذي أعطى هذه القبيلة، به الله يعطي من يشاء ويمنع، ذلك مبالغة في وصفه بسعة القدرة، ونفاذ الأمر، فيعطي من يشاء ويحرم من يشاء، وقيل: إن حابى هذه القبيلة بالعطاء وغالبهم به وهو الممدوح، به الله يعطي من يشاء ويمنع، إشارة إلى أنه كثير العطاء من حيث أن الله تعالى جعل له هذه السعة والقوة ما لا يحتمل الغيرة منهم، وقيل تقديره: إن الذي أعطى الله هذه القبيلة من شرف نسب هذا الممدوح منهم، يعطيه الله تعالى من يشاء من عباده فكذلك صنع الله تعالى به إذ وضعه حيث شاء فليس لأحد أن يطلع.
بذي كرمٍ ما مر يومٌ وشمسه ... على رأس أوفى منه تطلع
يقول على التقدير الأول: الله تعالى يعطي من يشاء ويمنع بذي كرم صفته ما في البيت. وعلى الثاني: حبى الله هذه القبيلة بذي كرم ما مر يومٌن وشمس ذلك اليوم طلعت على رأس أحد أوفى ذمةً منه وهي نصب على التمييز.
فأرحام شعر يتصلن لدنه ... وأرحام مالٍ ماتني تتقطع
وروى: يتصلن بجوده. وروى: لدنه الهاء في نه: للمدوح، وفي به: للكرم المذكور في البيت الذي قبله ماتني: أي ما تفتر.
يقول: إنه يجمع الشعر في مدحه بتفريق ماله، فعلائق الشعر به متصله وهي المعبر عنها بالأرحام، وعلائق المال منه منقطعة، ولا تزال على الانقطاع لتفريقه إياها في اكتساب الثناء والذكر.
فتىً ألف جزءٍ رأيه في زمانه ... أقل جزىءٍ بعضه الرأي أجمع
تقدير البيت: فتىً رأيه في زمانه ألف جزء، بعضه أقل جزء من رأيه، هو رأي الناس أجمع! وقسم رأي هذا الممدوح ألف جزء وجعل بعض أقل الجزء من ألف، مقابلاً لآراء جميع الناس! وكأنه أخذه من قول أبي بكر بن النطاح.
له هممٌ لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
إلا أنه قلب الهمم إلى الرأي.
غمامٌ علينا ممطرٌ ليس يقشع ... ولا البرق فيه خلباً حين يلمع
يقشع ويقلع: مرويان، وهما بمعنىً واحد، أي ليس يزول. وخلباً: نصب لأنه خبر ليس، وهو: البرق الذي لا مطر معه.
يقول: هو غمام يمطر علينا مواهب، وأيادي، ولا يفتر عنها. ثم فضله على الغمام من وجهين: أحدهما. أن عطاءه لا ينقطع بحال، كما تنقطع أمطار الغمام في أحوال. والثاني. أن وعده بالعطاء غير كاذب كالبرق الخلب. أي: كالغمام الذي يكون برقه خلباً لا يأتي بمطر. يصفه بإدامة الجود والوفاء بالوعود.
إذا عرضت حاجٌ إليه فنفسه ... إلى نفسه فيها شفيعٌ مشفع
الشفيع المشفع؛ هو المقبول الشفاعة.
يقول: إذا عرضت الحاجات وظهرت الناس إليه، فلا يحتاجون إلى الوسائل إليه في قضائها، بل يكون شفيعاً إلى نفسه مقبول الشفاعة؛ لأن فيه من الكرم ما يغني عن الوسائل.
خبت نار حربٍ لم تهجها بنانه ... وأسمر عريانٌ من القشر أصلع
أسمر عريان: أراد به القلم؛ لما في لونه من السمرة.
يقول: طفئت نار حرب، لم يهجها بنان هذا الممدوح، وقلمه الأسمر العريان من القشر، وأصلع: أي أملس كالرجل الذي لا شعر على رأسه وأراد به: أن الحرب التي لم تصدر عنه لم تدم.
نحيف الشوى يعدو على أم رأسه ... ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع
الشوى: أراد به رأس القلم، وأصله جلدة الرأس. ويحفى: أي يكل.
يقول: إنه نحيف دقيق الرأس يعدو على أم رأسه بخلاف سائر العادين، ويكل ويتعب من كثرة العدو، فإذ قطع رأسه يقوى على العدو.
يمج ظلاماً في نهارٍ لسانه ... ويفهم عمن قال ما ليس يسمع
يمج: أي يلفظ من فيه. وأراد بالظلام: المداد. وبالنهار: القرطاس وأراد بلسانه: جلفته. وهو فاعل يمج، وقوله: ويفهم عمن قال ما ليس يسمع يعني. أن القلم يفهم الناس بقراءة ما كتب ما ليس يسمعه هو.
ذباب حسامٍ منه أنجى ضريبةً ... وأعصى لمولاه وذا منه أطوع

ذباب السيف: حده. والهاء في منه الأول للقلم وفي الثاني للحسام، والضريبة: المكان الذي تصيبه الضربة. فضل قلمه على السيف.
يقول: حد السيف أنجى في ضريبته من حد قلمه، وحد السيف أعصى لصاحبه، وهذا أطوع.
وذلك أن الضارب إذا ضرب بسيفه ثم نبا سيفه عن التأثير، وإن شاء أمسكه قبل الضرب.
والقلم لا يخون صاحبه في حالٍ، فإذا كتب به: اقتل فلاناً لم يمكنه بعده ألا يقتله، وقد حمل إليه الكتاب ونفذ أمره فيه.
بكف جوادٍ لو حكتها سحابةٌ ... لما فاتها في الشرق والغرب موضع
يقول: هذا القلم الموصوف، بكف جوادٍ. أي الممدوح. لو حاكتها السحابة لشملت العالم مطراً شرقاً وغرباً.
فصيحٍ متى ينطق تجد كل لفظةٍ ... أصول البراعات التي تتفرع
فصيحٍ: جر لأنه بدل من جوادٍ.
يقول: هو الفصيح؛ فكل لفظة من قوله أصول البراعات. فجعل كل لفظة أصولاً.
وليس كبحر الماء يشتق قعره ... إلى حيث يفنى الماء حوتٌ وضفدع
يشتق: بمعنى يشق.
يقول: ليس هذا الممدوح في سخائه كبحرٍ يقدر الحوت والضفدع على شقه إلى حيث يفنى الماء، بل هو أعمق وأنفع.
أبحرٌ يضر المعتفين وطعمه ... زعاقٌ كبحر لا يضر وينفع
الزعاق: المر الملح.
يقول مفضلاً له على البحر: إن البحر هو الذي يضر قاصديه، والطالبين المعروف منه، وماؤه ملحٌ مر، وهذا الممدوح ينفع معتفيه ولا يضرهم، وعطاؤه هنيٌّ وخلقه حلو شهيٌّ.
وقوله: لا يضر وينفع ليس المراد به أنه لا يضر أحداً لأنه حينئذٍ لا يضر أعداءه وإنما المراد به أنه ينفع المعتفين والأولياء ولا يضرهم.
يتيه الدقيق الفكر في بعد غوره ... ويغرق في تياره وهو مصقع
تياره: أي موجه. ومسقع ومصقع: رويا جميعاً، وهو البليغ الفصيح.
يقول مؤكداً لتفضيله على البحر: إن الرجل الدقيق الفكر يتحير في غوره ولا يدرك كنه وصفه، ويغرق في فضله الفصيح البليغ. شبهه بالموج.
ألا أيها القيل المقيم بمنبجٍ ... وهمته فوق السماكين توضع
توضع: أي تسرع في السير.
يقول: أيها الملك المقيم بمنبج، وهمته فوق السماكين تسرع في السير، وتجاوزهما لسرعتها.
أليس عجيباً أن وصفك معجزٌ ... وأن ظنوني في معاليك تظلع؟!
وروى: معجزي. ومعاليك تظلع: أي تقصر وتعجز.
يقول: أليس بعجب أن وصفك يعجزني عن بلوغه؟! مع قدرته على الشعر. وأن ظنوني في معاليك تكل وتعجز؟! مع إصابتها في الأمور.
وأنك في ثوبٍ وصدرك فيكما ... على أنه من ساحة الأرض أوسع
يقول: العجب من كونك في ثوب، وكون صدرك فيكما: أي فيك وفي ثوبك. مع أن صدرك أوسع من ساحة الأرض جميعاً.
وقلبك في الدنيا ولو دخلت بنا ... وبالجن فيه ما درت كيف ترجع
التاء في دخلت: ضمير الدنيا. وبنا: كناية عن نفسه، وجميع الناس.
يقول: قلبك في الدنيا، وهو في سعته بحيث لو دخلت الدنيا بالإنس والجن فيه لتحيروا ولم يدروا كيف يرجعون؛ لسعة صدرك وصغر الإنس والجن عن قدره.
ألا كل سمحٍ غيرك اليوم باطلٌ ... وكل مديحٍ في سواك مضيع
غيرك: نصب لأنه استثناء مقدم. وروى: بالجر صفة لسمح.
يقول: كل جواد ما خلاك، بالإضافة إليك باطل. وكل مديح يقال في غيرك فهو مضيع؛ لأنه لا يعرف حقه ولا يوجد فيه من المعاني ما وجد فيك.
وقال أيضاً يفتخر في صباه على لسان بعض التنوخيين وقد سأله ذلك:
قضاعة تعلم أني الفتى ال ... ذي ادخرت لصروف الزمان
قضاعة: بطن من تنوخ، وهم من بني قحطان.
يقول: تعلم هذه القبيلة، أني فتاها الذي أعدته لصروف الزمان، وأنهم يلتجئون إلي عند الشدائد، فأكشفها، وهذا ادخارهم له.
ومجدي يدل بني خندفٍ ... على أن كل كريمٍ يماني
خندف: أم العرب.
يقول: يدل شرفي العرب كلهم، على أن كل كريمٍ من أهل اليمن، لا من ربيعة ومضر، وسائر العرب. ويمانٍ: منسوب إلى اليمن، يعني: يمني. يقال: رجل يمانٍ وامرأة يمانية بالتخفيف.
أنا ابن اللقاء، أنا ابن السخاء، ... أنا ابن الضراب، أنا ابن الطعان
أنا ابن الفيافي، أنا ابن القوافي، ... أنا ابن السروج، أنا ابن الرعان

العرب يقولون: فلان ابن كذا وأبو كذا إذا كان من أهله، وملازماً له. واللقاء: المحاربة. والرعان: جمع الرعن، وهو مقدمة الجيش. أخذ من رعن الخيل وهو أنفه.
يقول: أنا صاحب هذه الأشياء، فأنا ابن اللقاء في الحروب، وابن الضراب، والطعان، وابن السخاء، والجود، وابن الفيافي، أقطعها، والقوافي، أبدعها وأنسبها، وابن السروج، أركبها، وابن الرعان، أقودها إلى العدو أحاربهم بها.
طويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السنان
النجاد: حمالة السيف. يريد به. أنه طويل القامة، والعرب تمتدح بطول القامة، والعماد: عماد البيت. وكذلك كناية عن السؤدد. والقناة: الرمح. وأراد بطولها حذقه بالطعن بها. وكذلك طول السنان كناية. كما قال غيره:
إذا قصرت أسيا فنا كان وصلها ... خطانا إلى القوم الذين نضارب
فأما طول القناة، فلا مدح فيه.
حديد الحفاظ حديد اللحاظ ... حديد الحسام حديد الجنان
اللحاظ: جمع اللحظ والحفاظ: المحافظة على الحزم. أو سرعة الغضب فيما يجب حفظه. والجنان: القلب. أي ذكي القلب. والحسام: السيف القاطع.
يصف نفسه بحدة هذه الأشياء منه بحيث لا يلحقه فيها خلل.
يسابق سيفي منايا العباد ... إليهم كأنهما في رهان
سيفي: فاعل يسابق. ومنايا العباد: أي موتهم.
يقول: إن سيفي يسابق منايا العباد، ويغالبها في سبوقها إليهم، كأنهما في رهان لمسابقتهما، فسيفي يطلب موتهم قبل وقت الموت، والموت يميتهم في وقته، فيتسابقان في ذلك.
يرى حده غامضات القلوب ... إذا كنت في هبوةٍ لا أراني
الهبوة: الغبرة.
يقول: إن سيفي يقطع كل موضع يقع عليه، حتى يخلص إلى القلب، فكأنه يرى غوامض القلوب، مع كونها محتجبة عن العيون، في وقت لا أرى نفسي من كثرة الغبار، ولم أغفل عن نفسي من شدة الحرب، وكثرة الغبرة، وقيل معناه: إذا كنت في هبوة الحرب، لا أدري نفسي، أي لا أبالي بها ولا أنظر إلى ما يحل بها. وقيل: معنى البيت، أن سيفي يعلم ما في القلوب من الغش والحسد، فلا يقع إلا على حاسد، أو عدوٍّ جاحد، في الحالة التي أغفل عن نفسي فأكون كمن لا معرفة له بها.
سأجعله حكماً في النفوس ... ولو ناب عنه لساني كفاني
يقول: سأجعل سيفي حكماً في نفوس الأعداء؛ ليسلبها ويأخذها، ولو ناب لساني عنه، كفاني، لأن حدته كحدة اليف.
وقال أيضاً في صباه في الحماسة والفخر:
قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا تخشيا خلفاً لما أنا قائل
المخايل: جمع مخيلة: وهي البرق، ونحوه مما يستدل به على المطر، وهاتا: إشارة إلى المخايل.
وقفا: أمر من الوقوف، ويحتمل أن يراد به: إصراراً وعيشاً يقول لصاحبيه: قفا وعيشا، تريا من أمري وفعلي شأناً عظيماً، فهذه مخايله قد ظهرت، ولا تخشيا خلفاً لما أقوله، لأني صادق في جميع ما أقوله، ولست كالبرق الذي يصدق تارة ويكذب أخرى. ومثله للبحتري:
هذا أوائل برقٍ خلفه مطرٌ ... وأول الغيث قطرٌ ثم ينسكب
رماني خساس الناس من صائب استه ... وآخر قطنٌ من يديه الجنادل
وروى: خشاس اناس. يعني ضعيفهم، يقع على الواحد والجمع، وصائب: من صاب السهم الهدف، وأصابه، بمعنىً فهو صائب ومصيب.
يقول: رماني خساس الناس ورذالهم، دون كرامهم. ثم جعلهم ثلاثة أقسام، وذكر قسمين في هذا البيت والقسم الثالث في البيت الذي يليه. القسم الأول هو من يرميني من صائب استه: يعني أنه لا ضعيف لا يجاوز رميه إياي استه، أو يريد به: أن ما يريد أن يعيرني به لا يلحقني، لأن الإجماع واقع على فضلي، فما يقوله يدل به على نفسه دوني، وذكر استه: استهانةً واستخفافاً به. وقيل: أراد من داءٍ به، أن يصيب السلاح استه. أي يلي دبره عند الانهزام لفراره وجبنه. والقسم الثاني: أن الجندل من يده إذا رماني به كالقطن؛ في ضعف تأثيره في وقلة مبالاتي به، ومعناه: أن منهم من لا يجاوز رميه، ومنهم من يكون الجندل من يده كالقطن وإن جاوز.
ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل

والقسم الثالث من خساس الناس: من يرميني من الناس. من هو جاهل قد اجتمع فيه ثلاثة أضرب من الجهل: جهله بقدري، وجهله بأنه جاهل بقدري، وجهله بأني عالم بجهله وبقدري، فمن اجتمع فيه هذه الضروب من الجهل كيف يعرف قدري؟!.
ويجهل أني مالك الأرض معسرٌ ... وأني على ظهر السماكين راجل
مالك: نصب على الحال، وكذلك على ظهر السماكين: في موضع نصب، لأنه حال، وخبر أن الأولى معسر، وخبر الثانية راجل.
يقول: إن الجاهل الذي ذكرته يجهل أني في حال ملكي الأرض معسر، لأن همتي أعلى من ذلك، وهذا قليل في جنب ما أستحقه، وأني في حال كوني على ظهر السماكين، راجلٌ عند نفسي وعظم محلي. يصف أن همته عالية، لا يسعها ملك الأرض.
تحقر عند همتي كل مطلبٍ ... ويقصر في عيني المدى المتطاول
يقول: إن لي همة تحقر عندي كل مطلب، وتقصر الغاية القصوى في عيني مع تطاولها. يعني لا أرضى لنفسي كل مرتبة أبلغها، بل أطلب فوقها.
وما زلت طوداً لا تزول مناكبي ... إلى أن بدت للضيم في زلازل
الطود: الجبل العظيم، ومناكبه: جوانبه.
يقول: كنت كالجبل لا يزول؛ لعظم حالي، فالآن قد اضطررت إلى قبول الضيم فحركني الذل والضيم، كما تحرك الزلازل الجبل، ومعناه: لم يؤثر في الضيم إلا قدر ما تؤثر الزلزلة في الجبل.
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيسٍ كلهن قلاقل
القلاقل: جمع القلقل، وهي الناقة الخفيفة. والعيس: الإبل التي يعلو بياضها شقرة.
يقول: لما بدت في زلازل الضيم، حركت الذي حرك قلبي، الخفاف السراع من الإبل والعيس، كلهن سراع خفاف. وأراد به السفر.
إذا الليل وارانا أرتنا خفافها ... بقدح الحصى ما لا ترينا المشاعل
يصف شدة سير العيس فيقول: إذا الليل سترنا عند السرى، أرتنا أقدام هذه العيس، عند وقعها على الحصى، لشدة ضربها بالحصى، أو ضرب بعضها ببعض، ما لا ترينا المشاعل من الضوء! يعني أن ما ينقدح من النار عند سيرها، كانت تزيد على نار المشاعل وضوئها.
كأني من الوجناء في متن موجةٍ ... رمت بي بحاراً ما لهن سواحل
الوجناء: الناقة الغليظة العظيمة الوجنتين. وقيل: هي الغليظة البدن الصلبة. ورمت: فعل الموجة، شبه المفازة التي سار فيها، بالبحار، لسعتها، ولما فيها من السراب الجاري مجرى الماء.
يقول: كأني من هذه الناقة الوجناء في هذه الفلاة على متن موجة، رمت بي الموجة بحاراً ما لها سواحل؛ لبعد هذه المفازة وسعتها.
يخيل لي أن البلاد مسامعي ... وأني فيها ما تقول العواذل
يقول: يصور لي أن البلدان التي أجول فيها مسامعي وأذناي، وأنا في هذه مثل عذل العواذل في أذني، فكما لا يستقر اللوم في أذني، كذلك لا أستقر أنا في بلد من البلاد، وشبه نفسه بالعذل، والبلاد شبهها بالمسامع.
ومن يبغ ما أبغي من المجد والعلى ... تساوى المحايى عنده والمقاتل
المحايى والمحايا: واحدها المحيا وهو الحياة.
يقول: من طلب ما أطلب من الشرف والارتفاع، تساوت عنده مواضع الحياة والموت، ولا يبالي بالقتل؛ لأن من طلب التعظيم خاطر بالعظيم.
ألا ليست الحاجات إلا نفوسكم ... وليس لنا إلا السيوف وسائل
يقول مخاطباً لأعدائه من الملوك وغيرهم: إن ما أتحمله من الشدائد وما أقتحمه من المشاق، ليس إلا طلباً لهلاككم، فليست الحاجات إلا نفوسكم وأرواحكم، وليست لنا إلى سلب أرواحكم وسائل وأسباب، إلا السيوف.
فما وردت روح امرىءٍ روحه له ... ولا صدرت عن باخلٍ وهو باخل
يقول: إن هذه السيوف لا ترد روح امرىء إلا سلبتها، فلا تكون روحه له، ولا انصرفت عن رجل بخيل يبقى بخيلاً، يعني أنه إذا وردته أهلكته، فهو يجود بنفسه التي هي أعز الأشياء، والواو في قوله وهو باخل واو الحال.
غثاثة عيشي أن تغث كرامتي ... وليس بغثٍّ أن تغث المآكل
الغثاثة الهزال، من غث يغث ويغث.
يقول: إن نقصي في نقصان الكرامة لا في نقصان المأكولات، فلست أبالي بسوء المأكولات إذا كنت مبجلاً ذا كرامة، فكأنه يقول: إذا سمعت كرامتي فلا بأس بغثاثة المأكول.
وقال أيضاً في صباه في الحماسة والفخر:
ضيفٌ ألم برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلاً منه باللمم

غير: يجوز بالرفع على أن يكون صفة لضيف، وبالنصب على الحال من ضمير الضيف، ومحتشم: أي منقبض مستحي. واللمم: جمع اللمة من الشعر.
يصف الشيب ويقول: إنه ضيفٌ نزل برأسي، وإن لم يكن نزوله نزول الضيف في الاحتشام والاستحياء، لأنه لم يستأذنني كاستئذان الضيف، ثم يقول: إن السيف أحسن فعلاً بالرأس، من الشيب باللمم. وهو من قول البحتري.
وددت بياض السيف يوم لقينني ... مكان بياض الشيب حل بمفرقي
ابعد بعدت بياضاً لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم
ابعد: أمر من بعد يبعد إذا هلك وذل. وبعدت: دعاء على الشيب. وبياضاً: نصب على التمييز. وقوله: لا بياض له: أي لا نور له، ولا بياض في الحقيقة، وإن كان من حيث الصورة بياضاً، ويجوز أن يكون أيضاً دعاء على الشيب، وكأنه أراد لا رزق خيراً، والأولى نوراً، وإنما قال: لا بياض له لأنه يورث ظلمة البصر، وتغير اللون، ويفرق بين الإنسان وبين الملاذ، وينذر بالزوال ويؤذن بالضعف والهزال، وقوله: لأنت أسود إن أراد أنه أنت أشد سواداً ففيه شذوذ، لأن الألوان لا يبنى منها أفعل التفضيل. بل يقال: أشد سواداً، فعلى هذا معناه أنت في عيني أشد سواداً من الظلمات، وإن لم يرد معنى المبالغة، فيكون تقديره لا أنت في عيني مع بياضك أسود من جملة الظلم السود. فكأنه يقول أنت في عيني كائن من الظلم، ومثله قول أبي تمام الطائي:
له منظر في العين أبيض ناصعٌ ... ولكنه في القلب أسود أسفع
بحب قاتلتي والشيب تعذيبي ... هواي طفلاً وشيبي بالغ الحلم
تعذيبي: مبتدأ وبحب قاتلتي خبر مقدم عليه وهواي مبتدأ وكذلك شيبي وطفلاً وبالغ نصب على الحال، وهي في موضع الخبر للابتداء، وقائم مقامه.
يقول: تعذيبي بشيبي حب قاتلتي والشيب. ثم بين وقت كل واحد منهما. فقال: هواي طفلاً وشيبي بالغ الحلم يعني: هويت وأنا طفلٌ، وشبت وأنا بالغ الحلم.
ولما بين أنه عشق طفلاً، وشاب وقت الحلم جعل الحب والشيب عذاباً، وغرضه بذلك حصولهما قبل وقتهما.
فما أمر برسمٍ لا أسائله ... ولا بذات خمارٍ لا تريق دمي
يقول: مررت بصيغة لا أمر. برسم: من رسوم ديار المحبوبة، إلا وأنا أسائله عنها، أو لا أمر برسم دارٍ إلا يذكرني رسم دارها فأسائله، ولا أمر بذات خمار من النساء إلا تذكرني محبوبتي، فيريق دمي بعيني. يعني إنها تبكيني فيجري من عيني الدم، فضلاً عن الدمع! أو يريد: إنها تقتلني وتريق دمي. على مجاز الشعراء. وقيل: إنه أراد بذلك أن قلبه يتقلب، ويتعلق بكل امرأة حتى لا يملك كفه ودفعه.
تنفست عن وفاءٍ غير منصدعٍ ... يوم الرحيل وشعبٍ غير ملتئم
وروى: تبسمت، والشعب: القلب.
يقول: إن هذه المرأة تنفست الصعداء أسفاً على فراقي، وكان تنفسها عن وفاءٍ غير مفترق وعن شعبٍ متفرق، غير ملتئم، يعني أنها كانت على الوفاء مع تفرق الشمل.
قبلتها ودموعي مزج أدمعها ... وقبلتني على خوفٍ فماً لفم
مزج: بمعنى المزاج. وفماً: نصب على الحال.
يقول قبلتها عند الوداع في حال عناقي لها، وكانت الدموع ممتزجة، وقبلتني هي أيضاً، خوفاً من الرقباء أو خوف الفراق، في حال تقبيله إياها في الفم، أي في حال التصاق الفم بالفم.
فذقت ماء حياةٍ من مقبلها ... لو صاب ترباً لأحيا سالف الأمم
أراد بماء الحياة: ريقها.
يقول: ذقت من مقبل هذه المرأة ماء الحياة، فحييت، وكنت قد مت قبل ذلك، ولا تعجب من حياتي به فإنه لو صاب سالف الأمم لأحياها فضلاً عن إحيائه إياي! ويجوز أن يكون صاب: من قولك صاب المطر إذا نزل، ويكون تقديره: لو صاب على ترب إلا أنه حذف على وأوصل الفعل إليه ومثله للمجنون.
لو أن رضاب ليلى صاب ميتاً ... لأحياه وعاش إلى القيامة
ترنو إلي بعين الظبي مجهشةً ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم
ترنو: أي تنظر نظراً شديداً، والمجهشة: المتهيئة للبكاء. والعنم: قيل: إنه دودة حمراء تكون في الرمل، تشبه بها البنان، وقيل: نبت. وقيل: نوع من الثمار مخروط أشبه الأشياء بالبنان اللينة المخضبة، وقيل: شجر لين الأغصان. وقيل: شيء يخرج من الشجر كالثمار. وشبه أربعة أشياء: عينها: بعين الظبي، ودمعها: بالطل، وخدها: بالورد، وأصابعها: بالعنم، ونظيره قول الشاعر:

قالت وقد راعها بيني أمرتحلٌ ... عنا؟ فقلت: غداً أولا فبعد غد
فأرست لؤلؤاً من نرجس وسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد
رويد حكمك فينا غير منصفةٍ ... بالناس كلهم أفديك من حكم
رويد: اسم بمعنى فعل الأمر. ونصب حكمك برويد، وغير منصوب على الحال، أو على النداء.
يقول: ارفقي وكفي عنا حكمك يا غير منصفة، يعني: يا ظالمة. أفديك من جميع الناس من حكم بين الحكام.
أبديت مثل الذي أبديت من جزعٍ ... ولم تجنى الذي أجننت من ألم
يقول: أظهرت من الجزع مثل ما أظهرت، ولكنك لم تضمري من حبي مثل ما أضمرت. ينسبها إلى النفاق في حبها له.
إذاً لبزك ثوب الحسن أصغره ... وصرت مثلي في ثوبين من سقم
بزك: أي سلبك. والهاء في أصغره: ترجع إلى الجزع، وإلى الذي في قوله: ولم تجنى الذي أجننت. وإلى قوله: من ألم.
يقول: لو كان بك ألمٌ مثل ما بي، يسلبك أصغره ثوب الحسن وصرت في ثوبين من السقم. فجعل للحسن والسقم ثوباً.
ووجه التثنية، وهي أنه قد يعبر عن الواحد بالتثنية وإن لم يرد به حقيقة التثنية، ويحتمل أن يريد بذلك أنه يورث بها ضعف ما به من السقم، فعبر عنه بالثوبين. ويجوز: أن يكون أراد بالتثنية أن أصغر ما به يورث لها سقمين: ظاهراً وباطناً، وقيل: إن غرضه بذلك أنك صرت مثلي في إزارٍ ورداءٍ من السقم؛ لأن لباس العرب إزار ورداء. بمعنى: أن الإزار والرداء تمام لباس البدن. فكذلك ما يحصل له من السقم بأصغر ما نال من الوجد تمام ألم البدن.
ليس التعلل بالآمال من أربي ... ولا القناعة بالإقلال من شيمي
وروى: ولا القنوع بضنك العيش من شيمي. والقناعة أولى؛ لأن القنوع في السؤال الأكثر.
يقول: ليس التعلل بالأماني دون الوصول إلى البغية من حاجتي، وكذلك: ليس القناعة بالفقر وضنك العيش من عادتي، ولكني أطلب المعالي والمفاخر.
وما أظن بنات الدهر تتركني ... حتى تسد عليها طرقها هممي
بنات الدهر: حوادثه. وهممي فاعل تسد، وطرقها مفعوله.
يقول: لست أحسب أن حوادث الزمان تتركني حتى أبلغ ما أريد بلوغه، حتى تسد على تلك الحوادث طرقها هممي وتمنعها من الوصول إلي والوقوف بي.
لم الليالي التي أخنت على جدتي ... برقة الحال واعذرني ولا تلم
أخنت: أي أهلكت. على جدتي: أي على غناي. ورقة الحال: ضعف الحال.
يقول: يا من يلومني على ضعف حالي ورثاثة الهيئة، لم حوادث الليالي التي أهلكت غناي، واعذرني فلا لوم علي إذ لا ذنب لي.
وقيل: إن سائلاً تعرض لعطائه. فقال له: لم الليالي التي فعلت بي ذلك وأفقرتني، واقبل عذري في ردك ولا تلمني؛ لأن فقري واختلالي ليس من قبلي.
أرى أناساً ومحصولي على غنمٍ ... وذكر جودٍ ومحصولي على الكلم
محصولي: أي حصولي.
يقول: أرى أشباحاً في صور الناس، وهم في الحقيقة كالغنم؛ لبعدهم من المروءة، وأرى ذكر جودٍ فيما بين الناس الذين هم كالغنم، وحصولي من ذلك على كلمٍ. يعني: أن الذي حصل من جودهم الحكاية، دون حقيقة الجود.
ورب مالٍ فقيراً من مروءته ... لم يثر منها كما أثرى من العدم
يقول: وأرى صاحب مال، فقيراً من المروءة والإنسانية، لم يثر منه أي حظ من نفسه، ولم يستوف حظها من الإنسانية والمروءة، كما أثرى من العدم: أي الفقر. والهاء في منه: لرب المال، ورب فقير من المال، يستوفي حظ نفسه ويجود بقدر طاقته. وروى: ورب مال فقيرٍ من مروته. أي: ورب إنسان كثير المال. يقال: رجلٌ مالٌ، ومائل: إذا كان كثير المال، وفقير صفة له، والرواية الأولى أشهر من الثانية.
سيصحب النصل مني مثل مضربه ... وينجلي خبري عن صمة الصمم
يقول على سبيل الإيعاد: إن السيف يستصحب من نفسه مثلي حده مضاء، وينكشف خبري عن شجاع الشجعان، أو أسد الأسود.
لقد تصبرت حتى لات مصطبرٍ ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم
لات: بمعنى لا، ويجوز في مصطبرٌ: الجر. لأن من العرب من يجر بلات. ويجوز: أن يرفع. كما يرفع بلا.
يقول: قد صبرت حتى لم يبق موضع صبر، أو لم يبق اصطبار، فلم ينفعني ذلك، فالآن أدخل نفسي في العظائم، حتى لا يبقى موضع اقتحام، أو حتى لا يبقى لي اقتحام.


نهاية الجزء الرابع

ألف / خاص ألف

يتبع ...











تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج4 المؤلف : الخطيب القزويني

14-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج3 المؤلف : الخطيب القزويني

07-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج2 المؤلف : الخطيب القزويني

30-أيلول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج1 المؤلف : الخطيب القزويني

23-أيلول-2017

مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي / إعداد : ليث زيدان

23-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow