Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الفنادق / جوزفين روو ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2015-04-25

سكنا في الفنادق لبعض الوقت، بعد أن فعل ذلك لوجهها. لم يكن الأمر سيئا، و لكنه رديء بما فيه الكفاية ليغادرا في نفس الليلة.
حزما اللوازم في السيارة بسرعة كما لو أنهما يأملان بالهرب من مصيبة طبيعية مجهولة. قال: كان في السرير رمال و ولد. هذا في البيت السابق، بيت الضواحي الذي مرت عليه ملايين السنوات. و لم تخبره لماذا. كانت تدعوه لأن يقتنع بهذه الأفكار فقط. رمال في السرير، مع أنهما بعيدان جدا عن المحيط.
لفها بملاءة وضعها حول كتفيها و قادا السيارة لثلاث ساعات، و ابتعدا عن غرفة النوم المحلية في الغرب، و كانت يده على فخذها و المذياع يعمل. و تكلم كأنه يتكلم مع طفل يعرض عليه حبال المودة، و ردت كما يفعل الأطفال، و تخيلت نفسها تعدو في المساحة المظلمة بمحاذاة نافذة السيارة في سيارتهما هوندا البيضاء. و كانت تطلق أنفاسها أمامها، دون أن تشعر بالإرهاق. لم تلتفت برأسها لتواجه عيني الراكب، الذي كان يلهو بخيط تدلى من تنورتها، قائلا كلا، لا أفترض أن العمل سيفتقدني خلال هذه الفترة القصيرة.
عند أول فندق انتظرت في السيارة بينما هو يتكلم مع العمال. في المذياع كان الأخوة ميلز يغنون عن سادي غرين، توي توي تواه تواه، ثم سقطت في غفوة قصيرة، و استيقظت فجأة لدى عودته من أجلها و من أجل حقائبه.
و تبعته من تحت شرفة مدخل الفندق و سارت على يساره، و شعرها ينسدل للأسفل و يغطي واحدا من طرفي وجهها.
و شربت بلا توقف في الفترة الأولى. كانت الكؤوس تتراكم في الغرفة و في الأسفل يرسو الليمون الذي له شكل هلال.
بسبب الحرارة الشديدة كان الزجاج على وشك أن ينفجر من النوافذ في السيارة و هما يطيران في الشوارع. و لكن هذا في الخارج في عالم مغبر و واسع هما ليس جزءا منه في الوقت الراهن. داخل الفندق بارد و مريح، و لا يوجد شيء يذكرهما بأنفسهما. ضاعت الحقائب في الصالات المغطاة بالمرايا و الخزانات. السرير سهب عريض أبيض و لم يحصل فيه شيء مقلق أبدا، مع أنهما استلقيا عاريين على الملاءات الناصعة و حاول أن يخفف من الرض الذي على وجهها بعلاج سمع به أو قرأ عنه.
الزبدة و العسل و الليمون غير الناضج. و مع أنها تعلم أن هذا لن ينجح، ابتسمت له و سمحت له أن يتابع. بقيت الرضوض في مكانها و اسودت، و لكنهما كانا يستيقظان كل صباح للتنظيف و هما خفيفان بالقليل من بقايا الأحلام الصغيرة التي خرجا من بين براثنها.
و كلما غادر بحثا عن ليمون طازج، من أجل قوارير جن جديدة و صودا، تنظر إلى ظهره و هو يسير في موقف السيارات. يتعرق و يلقي نظرة للخلف نحو الفندق بين حين و آخر. و لكن من الواضح أنه ليس متأكدا أية نافذة تقف وراءها، و لا أية غرفة هي غرفتهما.
تفكر: باحة ألعاب أو حديقة بناية. تعلم أنه يمكنها أن تقول أي شيء عن الرمال، و هو مستعد ليستمع و يوافق. هذه مصائب توقيتها دقيق. هكذا يعتقد. يعتقد حتى بذلك. و لكنه يرتعب و لا يقول شيئا. و يتمسك بكتفيها و يهزها بقوة، و هكذا يتأرجح رأسها على رقبتها و هو يصيح لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟. و ها هما هنا، و أخوه هو الذي يعتني بكلبهما.
و بعد عدة أيام تجد الشعر في المغسلة، و البقع على الملاءات.
و الثياب غير النظيفة مكومة على الأرض. هذه الكآبة بقايا بؤس من حياتهما قبل الفنادق، و تهدد التوازن الذي أضافه لحسابهما المصرفي المشترك.
و عند بوادر الآثار التي تدل على الفوضى يغادران، و يحزمان الأمتعة بنفس التسرع حينما غادرا البيت، و ذلك للوصول إلى فندق آخر له نفس جو الفندق السابق. ثم يسقطان في أحضان سرير آخر حيث لا توجد رائحة و لا بقع من أي منهما و لا تراها في ذاكرة الملاءات. هذه الغرف عقيمة جدا و لا يمكنها أن تأوي شيئا.
تفكر: لا يمكن لأي شيء أن ينمو هنا. إنها بين قوسين حيث لا يوجد شيء ذو بال، و لا ضرورة لاتخاذا قرار.
و لكنها في هذه الأماكن دائمة ظمآنة. و كل ليلة تستيقظ بفم دبق و تنزلق من تحت ذراعه الممدودة. كل ليلة تشرب من يديها المضموميتن تحت الحنفية و تراقب خيالها في مرآة الحمام، و أحيانا تتلمس عظام وجنتيها بأنامل مبلولة.
و تحت نور الهالوجين تبدو الرضوض كأنها مكياج مسرحي رديء، مر أسبوعان و لكنه لا يزول. و قد نسيت عدد الأماكن التي مكثا فيها. ربما هذا هو الرابع أو الخامس. الفنادق تتداخل بسهولة كأنها دمى روسية، تتضاءل بالحجم تنازليا. بنسبة النصف. ثم الربع. الفندق الأول جاء من قطعة خشب مفردة. صلبة كثمار البندق. و مغلقة بقوة و بإحكام. شاهدت فندقا بربع الحجم الطبيعي ذات مرة، عمل فني على جانب طريق سريع في الجنوب. و رغبت لو تتوقف، و أن تحبو إلى الداخل على يديها و ركبتيها و تلقي رأسها على واحد من الأسرة الرخيصة. و أن تغفو لفترة طويلة، بلا أحلام و بمفردها. في مكان لا يمكن لأحد أن يعثر عليها فيه.
و لو بمقدورها أن تعود إليه، ستحمل المفاتيح من سترته و هو نائم، و تسرع إلى الجنوب. في داخل الفندق الصغير الفارغ. لا يوجد غير الأغلال و الأسلاك التي تتدلى من مصابيح النيون، و لكن هل هذا يهم؟.
يمكنها أن تقود السيارة طوال الليل و تصل إلى هناك في نهايات الصباح. و ستبدأ الذاكرة بالتدفق. و كل شيء سيكون بسيطا. بمنتهى البساطة.

جوزفين روو Josephine Rowe: كاتبة أسترالية. من مواليد كوينز لاند. لها مجموعتان قصصيتان هما ( كيف يمكن للعثة أن تكون قاربا) و ( يقظة تاركوتا). تدرس و تعيش في الولايات المتحدة. أوكلاند.
الترجمة من مجلة مين جن، منشورات جامعة ملبورن.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow