Alef Logo
الفاتحة
              

ذكريات من ستينات القرن الماضي

سحبان السواح

2015-04-04

أود اليوم أن ابتعد عن صور القتل والذبح الداعشي الذي نتابعه يوميا في الأخبار.. سأعود بذاكرتي إلى ستينات القرن الماضي لأتذكر مرحلة عشناها بأبعادها جميعا ولن تعود مرة أخرى.

ما ستقرأونه اليوم ليس من نسج الخيال، واعتقد كل من بلغ من العمر عتيا ، أي بلغ الخمسين عاما عدا ونقدا ، أو وصل وتجاوز مثلي الستين وعاش كل ليلة وكل صباح من تلك السنوات يتذكر بالتأكيد ما سوف أحكي عنه في الأسطر التالية.

في ستينيات القرن الماضي لم تكن الحياة كالتي ترونها الآن ، كانت أكثر بساطة، وأقل تعقيدا، وأكثر حنينا ومحبة ..

في ستينيات القرن الماضي كان راتب الموظف على الكفاءة 150 ليرة سورية .. أي كل شخص حصل على الكفاءة تعينه الدولة ب 150 ليرة سورية عدا ونقدا وبهذا المبلغ كان يستطيع أن يعيش حياة رغيدة إذا ما قورنت بحياة هذه الأيام التي بقبض فيها موظف الكفاءة كحد أدنى قد يبلغ ستة آلاف ليرة سورية .. ليس لنا أن نتحدث عن هذه الأيام فالدكتور والمهندس وحامل الدكتوراه في اختصاصه يعتبر منتوفا وفقيرا بل وتحت خط الفقر حتى لو جمع راتبه وراتب زوجنه وحصل على مبلغ ما من دخل إضافي كأن يعمل شوفير تاكسي أو ميكرو أو بائع يانصيب في أوقات بعد الظهر.. وهذا ما يحدث في هذه الأيام.

هذه الأيام لا تعنينا فلسنا نعيشها.. بل ننتظر موتنا فيها . نحن موجودون فيها ..شهود عليها ولكننا لا نعيشها.. نراقبها عن بعد ونصنف أثرياءها .. وأنصاف أثريائها وأرباع أثريائها .. وأصحاب الملايين من المرتشيين واللصوص كيف ما دارت عيوننا وكيفما حطت أنظارنا.

أيضا لست بصدد الحديث عن الحاضر كيفما كان .. فالحديث عن الماضي فيه من الجمال ، ومن الشعور بالرضا عن تلك الأيام الرائعة التي عشناها فقراء مترفين لننسى هذه الأيام التي نعيشها فقراء مدقعين.

قلت راتب شهادة الكفاءة ( البروفيه ) كان يبلغ 150 ليرة حين جئت إلى دمشق لدراسة الأدب العربي في الجامعة وكنت موظفا على الكفاءة وهذا كان راتبي الذي لم يعدل بعد حصولي على شهادة الباكالوريا.. وكنت وموظفا مرموقا بطاولة ومكتب وهاتف ولا ينقصني شي والحمد لله.

قصة تعيني على الكفاءة سأرويها في مكان آخر يكون مناسبا لها .. أما الآن فما يهمني أن أنقل لكم كيف كنت أعيش بهذا المبلغ البسيط وهو أقل مبلغ لأجرة تكسي في هذه الأيام .. أو ثمن ساندويشة من تلك الاختراعات الساندويشية التي اخترعها الغرب وصدرها لنا .. في الغرب هي طعام عامة الشعب وعندنا للمترفين منهم فقط .. وإن سألتموني عن أسماء تلك الساندويشات فلن أقول لأنني لم أفكر يوما بحفظها حتى لا أزيل من فمي ومن تحت لساني طعم ساندويشات الفلافل في تلك الأيام أيام ال 150 ليرة. والتي حرمت منها الآن لسببين تغيير الطعم أولا وحمض البول لعنه الله ثانيا.

صديقان كانا قد سبقاني إلى دمشق هما لطفي البني ومنيب الرفاعي والتقينا مصادفة وعرضا علي مشاركتهما بيتهما في شارع العابد والذي تبلغ أجرته مبلغا ضخما جدا ليسا قادرين على دفعه بمفردهما والمبلغ هو ستون ليرة سورية في الشهر. ولأنني كنت صاحب راتب كبير وأحب راحتي فقد اشترطت عليهما أن أحصل على غرفة من الغرفتين وأدفع نصف المبلغ

دفعت شهريا 30 ليرة للسكن .. و25 ليرة لطعام الغذاء و15 عشر ليرة لطعام العشاء وعشر ليرات للفطور وثمن الشاي والقهوة في كافتيريا الجامعة .. و25 ليرة ثمن فنجان قهوة في كافيتيريا الغاردينيا عند جسر فكتوريا والتي أزيلت في نهاية الستينات أو مطلع السبعينات. سكنت وأكلت وشربت الشاي والقهوة وجلست مع مثقفي دمشق وفنانيها في كافتيريا الغاردينيا إذ كانت ملتقى الأدباء والفنانين .. وبقي معي 45 ليرة سورية ولأن البيت كان في شارع العابد عند المطعم الصحي الآن لم أكن مضطرا لأية مواصلات لا إلى الكافتيريبا التي داومت فيها أكثر من مما داومت في الجامعة فقد صنفت نفسي أديبا وكاتب قصة منذ وصولي إلى دمشق وتأخرت دمشق سنوات بعدها لتعترف بي كاتبا.

وإذا تساءل البعض ماذا كنت أفعل بالأربعين أو الخمس وأربعين ليرة التي تبقت معي أقول لهم لقد كانت مخصصة لحياة الليل . لكأس العرق في فريدي أو الواحة (الوازيس ) أو مطعم الصفا وكلها كانت في محيط واحد مابين جسر فكتوريا وساحة المحافظة اليوم.. فقد كنا نشرب ونتعشى ونشرب ونتمزمز .. ونشرب ونحكي بأعلى صوتنا دون خوف من رقيب أو كاتب تقارير فقط ب ليرة ونصف أو ليرتين .. إلى جانب السهرة وهي في الحقيقة ليست سهرة وأنما في فترة ما بعد الظهر مع الصديقات في الجامعة أو من خارج الجامعة حيث كنا نرقص على أرقى انواع الموسيقى ونشرب الويسكي بمبالغ زهيدة . وهكذا عشت حياتي بالطول والعرض براتب متواضع جدا هو ال150 ليرة التي كنت أقبضها من مكتب الحبوب والذي تغير اسمه فيما بعد إلى الهيئة العامة للحبوب والمطاحن أو شي من هذا القبيل .

لست بحاجة لأن أطلب منكم المقارنة بين اليوم والأمس .. ولست أروي هنا مذكراتي الشخصية .. ولكنه الحنين .. الحنين إلى البساطة، الحنين إلى الرفاهية دون تعقيد .. الحنين إلى المساواة .. ففي تلك الأيام لم يكن هناك رجال تمطر السماء عليهم الأموال ولديهم من يجمع لهم تلك الأمطار المالية وترتيبها وإيداعها في المصارف الخارجية .. مقابل جوع حملة الشهادات العليا والأعلى من العليا ..











تعليق



Dollymassamiri

2015-04-05

ما كتبته صحيح،وكلنا نعيش الان هذا الحنين لأننا لم نعد نحتمل العيش في هذا الكابوس ونرى بلدنا يتدمر،ولن أخوض بهذا الموضوع لأنني أعيش غضباً رهيبا وأشعر انني بت بلا هوية لست من هنا ولا من هناك،عزيزي الكاتب،كان المجتمع في ذلك الوقت مجتمع اكثر تجانسا لا تفرق بين الغني والفقير،بسيط،ويعيش أحلى اللحظات ان ذهب في سيران،الان تذهب الى فندق خمس نجوم وتتظاهر بأنك مبسوط وتجلس مثل الموخزق ولا تشعر بشيء،حتى العلاقات بين الشباب والبنات كانت فيها رومانسية وعواطف اكثر،المهم كنا نفرح ونقتنع بأشياء صغيرة،لكن الأهم أيضاً ان دمشق كانت اجمل من كل النواحي وانظف،يا ريت تعود هذه الأيام ،لك تحياتي

محمد السبيعي

2015-04-06

كم انت رائع... وأحسدك على عيشك تلك الحقبة شعرت بكل كلمه كتبتها أصبحت مثلك اشعر بالحنين الى تلك الأيام البسيطة ....... ياليت الحضار يحمل في طياته ولو طعم الفلال الذي ذكرته ولكني متفائل .....

رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

يا امرأة نسجت مني، سأتوضأ بجسدك زمن الحيض

05-آب-2017

الحق أقول لكم - 1

29-تموز-2017

الشام عروس عروبتكم أولاد القحبة.. لا استثني أحدا منكم

22-تموز-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow