Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

لعبة اليأس / ساندرا آريلاند ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2015-02-14

وقفت عند الزاوية. و رغبت بالانضمام للجماعة، لأسأل نفسي مجددا هل أنا حقا أود المتابعة بهذا الموضوع. انحنيت و تقوس ظهري، و مررت أنملي حول حذائي، لأسمح له بالاتساع و الابتعاد عن الخط الذي يرسمه. كان نعل الحذاء ملتهبا.

قلت لنفسي: هذا ما تكسبينه من الجري هنا و هناك بالخف الرياضي. لقد نسي جسمي ببساطة أن يكون رشيقا، و كيف يعرض نفسه للأنظار بالمخمل الأسود و الكعب العالي. بحثت في حقيبة يدي عن سجائر أنا متيقنة أنها موجودة. لم أدخن منذ آخر مرة حملت بها هذه الحقيبة. إنها حقيبة مواعيدي الغرامية، و فيها أحتفظ بكل الضروريات التي أحتاجها في أول لقاء تعارف. موبايل، عطر، أحمر شفاه، نعناع لتنظيف الأنفاس، مفكرة لتسجيل موعد و مكان اللقاء التالي، سجائر لمقاومة الضغط النفسي، محارم ورقية لمسح الدموع و بخاخ فليفلة حارة لو أن الظروف أسفرت عن الوجه الدميم. و هذا بالعادة ما يحصل. في إحدى اللحظات تحولت حياتي إلى حلقة كبيرة مغلقة من الجري وراء الموعد الأول و كنت واهمة لأبعد الحدود، متوترة نفسيا، و بحاجة لأخذ عبرة من المشهد كله. كنت أمر بحياة تشبه طروفها دعوة هرة من أجل وجبة جاهزة لمرة واحدة، إلى أن سمعت بديبورا.

ضممت شفتي البراقتين حول سيجارة، و أشعلتها و أخذت نفسا عميقا للترويح عن النفس. أول مرة رأيت فيها اسم ديبورا كان في بطاقة، و قد سقطت أمامي خلسة على طاولة فورمايكا. و ألحت صديقتي كارول أن ألتقطها. همست كارول من وراء كوب كاباتشينو تكلله الرغوة:" إنها لا تعلن عن خدماتها. و هي لا تخدم أي شخص. بل تنتقي".

قلت لها:" و ماذا يدفعك للاعتقاد أنها اختارتني؟". و حملت البطاقة و ألقيت عليها نظرة متمهلة.

التمع اسم ديبورا كخيط من الفضة في النور المتوهج من أضواء النيون في المقهى. كانت البطاقة عاجية و مرتفعة الثمن و توحي بالثقة. سألتني كارول:" ماذا لديك لتخسري؟. تذكري جيون هاريسون؟". السيدة التي لها هيئة ابنة الثمانين و ضحكتها مثل نهيق الحمار؟".

" نعم. و ماذا بعد؟".

" للتو خطبها مستشار".

" غير صحيح!. كيف التقت به؟".

" بواسطة ديبورا".

كتمت كارول ضحكتها و رشفت القهوة. وقالت:" تعرف كيف تعمل. اتصلي بها. لن تندمي". و اتصلت بها حالما عدت للبيت. كان صوت ديبورا بالهاتف خشنا. يذكر بموظف هوم كاونتي. صوت تسمعينه يعلن عن القهوة الجيدة و المشروبات مرتفعة الثمن.

كان لها إيحاء أرستقراطي حينما التقيت بها بعد ثلاثة أيام. وهي تسكن في شقة فوق حانوت للخزف الصيني، و يمكن الدخول إليها من سلالم خارجية ذات درابزون حديدي. و كانت مطلية بالدهان حديثا، و فيها أحواض جيرانيوم في كل الأرجاء. قابلتني ديبورا عند الباب. و كانت أكبر مما تصورت، و لكن بشرتها ناعمة و شعرها أسود مربوط للخلف بمنديل مزهر. و تبادر لذهني، لا بد أنها تعشق الزهور. وكانت ترتدي ثوبا منقوشا بأوراق زهور الشاي. و قد انتشرت في المكان رائحة الجلد الناجمة عن مقاعد ذات أذرع و جوانب جلدية و قد عادت بعد دقيقة بصينية صلبة. و كان الموقد يشتعل. و الساعة تشير للوقت بعقاربها فوق خزانة من خشب الصنوبر. ثم قدمت لي كوب شاي يتطاير منه البخار مع بسكويت بالشكولاتة الدايجستيف. كان كل شيء متحضرا، شديد التهذيب.

و أحذت أهبتي لشراء أي شيء تبيعه. و لكن البيع كلمة خاطئة حقا. كلمة فضفاضة جدا. فقد وافقت ديبورا على ثمن معقول لقاء خدماتها، و بالمقابل وعدتني بتقديم رجل يناسبني. شريك مثالي. و بدأت توجه لي الأسئلة السريعة و تدون بقلم فضي في مفكرة ذات غلاف جلدي.

ثم وجهت لي بعض النصائح خلال ذلك. و أصبح من الواضح أن ديبورا خبيرة بمشاكل النساء الناضجات فيما يتعلق بلعبة المواعيد الغرامية. قالت بشكل مباشر:" الخطأ الذي ترتكبينه أنك لا تهاجمي بسرعة كافية".

" أهاجم؟".

جعلتني هذه الكلمة أفكر بصف من الغربان الشريرة التي تقف على أسلاك الهاتف. و تنتظر.

سألت:" هل تقابلين شبابا يمررون الوقت، بانتظار أيام أفضل؟. كلا لا تفعلي ذلك. الرجال يتحركون بسرعة و عليك أنت أن تحذي حذوهم". و ضاقت عيناها و هي ترميني بنظراتها المشتعلة. و شعرت بالطبيعة الفولاذية التي تنتشر خلف أفكارها عن الذهن النسائي.

أضافت: " أنا أنجح نجاحا مذهلا في أسلوبي.. ليس هناك سبب لتعتقدي أنني لن أفلح معك. البعض يعتقد أنني متساهلة قليلا.. و لكن...". و التقطت أنفاسها و تابعت:" هذا يعتمد على درجة القنوط التي أنت فيها".

و ثبتتني تحت نظراتها مجددا و علمت أن عبارتها الأخيرة ليست تعليقا و لكنها سؤال.

أومأت بحزن.

ارتطم باب موزع الصحف، و أعادني للحاضر. مر من قربي مراهقان. و كان بمقدوري الاستماع لصوت الآيبود الخافت الذي يأتي منهما، و قرقعة الزجاجات في كيس يحملانه. ألقيت سيجارتي إلى الرصيف، و دهستها بحذائي، و منحت نفسي هزة مريحة بالرأس. لقد أوضحت ديبورا لي أسلوبها بالتفصيل. في البداية صدمني ذلك، حتى أنني جادلتها، و لكن تلك الكلمة يائسة علقت بيننا و في النهاية وافقت على كل شيء.

كان علي مقابلة شاب يدعى جون. و هذا ليس موعدا غراميا، و لكنه أقرب لأن يكون تعارفا مكتوما، ظهورا على المسرح برعاية من شريك ديبورا ألستير. و لو سارت الأمور على ما يرام، حسنا، ستكون الكرة في ملعبي. و بدأت أمشي، و قطعت الشارع من التقاطع المخطط و تابعت على طول الشارع الرئيسي. و كان الزقاق المتفق عليه أمامي، و أصبح بمقدوري أن أشاهد موقف السيارات و الناس الذين يسعون حوله. و كان على ألستير أن يلاقيني عند الباب.

بعصبية واضحة رتبت قيافة سترتي. لونها أسود، كما اقترحت ديبورا، مع منديل حريري بلون وردي لإضافة التدفق اللوني.

كان من السهل التعرف على ألستير. فهو طويل جدا، بشعر فضي و لون حنطي ناعم، و يرتدي بذة بسيطة. ومباشرة توجهت نحوه. و همست باسمه. فابتسم ابتسامىة واسعة. و تجعدت عيناه من زاويتيهما. و تساءلت ترى هل هو متزوج. ولكنه مد لي ذراعه، فتأبطتها. و قال:" دعينا نؤمن لك شيئا مريحا. سوف أوفر لك نظرة، و هكذا تتمكنين من رؤية جون ثم، إن لم تعجبي بمظهره، بمقدورك أن تنسحبي. بلا إلحاق ضرر بأحد".

كان صوته خفيضا جدا, و بذلت جهدي لسماعه. فهمست لأرد عليه:" ألا يبدو هذا فظا جدا؟. إنه ليس شيئا يمكن الانسحاب منه و..".

قال فورا كأنه تمرن على ذلك:" تذكري أن السعال ينظف الحنجرة".

ثم فتح باب خشب السنديان الثقيل و قادني للداخل. و استنشقت رائحة الليلك فتذكرت ديبورا مباشرة. و قدم لي كرسيا و مرر لي ورقة تحتوي على معلومات حول الشخص الذي سأقابله. و قال:" إليك هذه المعلومات. و أرجو أن تدرسيها جيدا قبل أن تقابليه... لاحقا. هل من استفسار؟. علي أن أنصرف الآن".

" إمم, سؤال واحد... ما هو اسمها؟".

قال بصوته الهامس:" آني. كل شيء في الورقة. و حالا سأقدمك لجون".

كان ألستير صادقا بكلامه. كان هذا عمله. كأنه يعمل بتغسيل الموتى و إيداعهن القبر, لقد اشرف و خطط لكل شيء, و لذلك كان أمرا سهلا أن يقدمني لجون بشكل غير مباشر, حينما وصلنا إلى الفندق و تناولنا شطائر شرائح الخمزير الباردة. كان منظر جون مقنعا، إنه من النوع الذي أرتاح له حقا. و من الواضح, بالنظر للظروف, لم يكن في أفضل أيامه, و لكن يمكنني التفكير بتحسينات سوف يقوم بها. أرسلت آيات الشكر الصامت لديبورا و أنا أصافح جون.

و قلت له:" أنا سوزان. كنت في المدرسة مع آني. و أنا بغاية التعاسة و الشقاء لخسارتك لها...".



ساندرا أريلاند Sandra Ireland: قاصة اسكوتلاندية. من جامعة داندي. و القصة حائزة على جائزة تشجيعية من جمعية الفنون الإسكوتلاندية عام 2014.



الترجمة من موقع جمعية الفنون الإسكوتلاندية










































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow