Alef Logo
كشاف الوراقين
              

الديارات المؤلف : أبو الفرج الأصبهاني ج4

ألف

خاص ألف

2015-02-11

دير سليمان

دير سليمان بالثغر قرب دلوك مطل على مرج العين، وهو غاية في النزاهة.

أخبرني جعفر بن قدامة قال: ولي إبراهيم بن المدبر بعقب نكبته وزوالها عنه الثغور الخزرية، فكان أكثر مقامه بمنبج، فخرج في بعض أيام ولايته إلى نواحي دلوك رعبان، وخلف بمنبج جارية كان يتحظاها مغنية يقال لها: غادر، فحدثني بعض كتابه أنه كان معه بدلوك وهو على جبل من جبالها فيه دير يعرف بدير سليمان، من أحسن بلاد الله وأنزهها، فنزل فيه، ودعا بطعام خفيف، فأكل وشرب، ثم دعا بدواة وقرطاس فكتب:


أيا ساقيينا وسط دير سليمان ... أديرا الكؤوس فانهلاني وعلاني
وخصّا بصافيها أبا جعفر أخي ... وذا ثقتي بين الأنام وخلصاني
وميلا بها نحو ابن سلام الذي ... أود وعودا بعد ذلك لنعمـــــان
وعما بها الندمان والصحب إنني.. تنكرت عيشي بعد صحبي وإخواني
ولا تتركا نفسي تمت بسقامها ... لذكرى حبيب قد شجاني وعناني
ترحلت عنه عن صدود وهجرة ... وأقبل نحوي وهو باك فأبكاني
وفارقته والله يجمع شملنا ... بلوعة محزون وغلة حـــــــــــــرّان
وليلة عين المرج زار خياله ... فهيج لي شوقاً وجدد أشــــــجاني
فأشرفت أعلى الدير أنظر طامحاً ... بألمح آماق وأنظر إنســــان
لعلي أرى أبيات منبج رؤية ... تسكن من وجدي وتكشف أحزاني
فقصر طرفي واستهل بعبرة ... وفديت من لو كان يدري لفداني
ومثله شوقي إليه مقابلي ... وناجاه قلبي بالضمير وناجـــــــــاني

دير سمالو

- دير سمالو في رقة الشماسية ببغداد مما يلي البردان.


حدثني أبو بكر محمد بن عمر قال: خرجت يوماً وقد عرض لي ضيق صدر وتقسم فكر إلى الموضع المعروف بالمالكية. فاجتزت بدير سمالو، على نهر الفضل، فجلست في موضع تحت ظل شجرة في فناء الدار أترنم بأبيات، إذ مر بي غلام أمرد كالقمر الطالع فقلت: - يا فتى، وحدك في مثل هذا الموضع؟ فقال: ما بقلبي حملني على ركوب الغزر، فبالله عليك ألا ما عرفتني هل مضى بك قوم من الأتراك ومعهم مغنية على حمار، عليها كساء نارنجي؟ فقلت: نعم، هم في ذلك البستان، ولكن عرفني، تريد الدخول عليهم؟ فارتعد رعدة عظيمة، ولم يزل لونه يتغير حتى سكن قليلاً. ولم أزل أسليه وأشجعه، وعلمت أنه يهوى المغنية، وأنها قد تركته وخالفته، وخرجت مع الأتراك، فلما هدّأ من زفرته وأفاق من غشيته، قال: لقد من الله تعالى علي بك، وإلا فقد كان ما بقلبي يحملني على دخول البستان وحصولي تحت حال قبيحة، ثم قام وسألني مساعدته والمشي معه إلى أن يصل البلد.


وتبين موضع الخطأ فجزع جزعاً شديداً. فقمت معه وقويت من نفسه، وأخذت به في طريق بين البساتين حتى لا يراه من يمشي على الجادة، فلما قربنا من البلد، أخذ خرقة فكتب على حائط

بستان اجتزنا به:




أين تلك العهود يا غدارة ... والكلام الرقيق تحت المنارة


قد علمنا بأنه كان زوراً ... واختلاقاً ونغشة وعيـــــــارة


فاجهدي الجهد كله قد سلونا..عن هواكم ولو بشق المرارة


فقلت له: كأنك في الجامع عرفتها؟ فقال: أي والله، وظننتها الكلبة تفي، فاستحلفتها تحت منارة جامع الرصافة بأيمان لا تحملها الجبال، فحلفت أنها لا تواصل غيري، ولا تريد سواي. فلما عرفت خروجي إلى زيارة المشهد بالطفوف اغتنمت غيبتي ففعلت ما فعلت، فلما قدمت سألت عنها فخبرت خبرها، فخرجت على وجهي حتى لقيتني فرددتني. أحسن الله جزاءك عني، وتولى مكافأتك، وافترقنا بعد أن عرفت منزله وصار لي صديقاً.

دير سمعان

دير سمعان اشتهر هذا الدير بوفاة عمر بن عبد العزيز فيه، ولكن الاختلاف شديد في موقعه، وفي تعيين المكان الذي مرض فيه الخليفة الأموي، فقيل إنه توفي في " خناصرة " ، وقيل إنه توفي بخناصرة ودفن في دير سمعان.
- ذكر صاحب العيون والحدائق أنه توفي بخناصر ودفن بدير سمعان من أرض المعرة.
- قال المسعودي: في ذكر عمر بن عبد العزيز:

وتوفي بدير سمعان من أعمال حمص مما يلي بلاد قنسرين. وقبره مشهور في هذا الموضع إلى هذه الغاية معظّم يغشاه كثير من الناس من الحاضرة والبادية، لم يعرض لنبشه فيما سلف من الزمان.
- وكانت صحة القبر في حمص مشكوكاً فيها في أيام صلاح الدين الأيوبي، ولما مر بحلب سنة 584ه، وتوجه منها قاصداً معرة النعمان اجتاز بحمص، ولم يقم بها، مما يدل على أن القبر المنسوب إلى الخليفة الأموي كان مشكوكاً فيه تلك الأيام.
- ثمة ديارات عديدة تحمل اسم سمعان اشتهر معظمها في جوار حلب وانطاكية ودمشق وحمص والمعرة، ولذلك لم يوفق المؤرخون في تحديد قبر عمر في أحدها.
- يستدل من وصف أبي الفرج أن دفن عمر بن عبد العزيز كان على جبل قاسيون. قال ابن طولون أثناء كلامه على المدرستين المعظمية والعزيزية، وكان بناء الأولى سنة 621ه والثانية سنة 635ه قال: شمالي هاتين المدرستين حوش عظيم بحيطان عالية يقال إنه دير سمعان كان. وله باب يفتح إلى الشرق وداخله عدة قبور معظمة.



دير سمعان

بدمشق

هو بنواحي دمشق، بالقرب من الغوطة، على قطعة من الجبل، يطل عليها، وحوله بساتين وأنهار، وموضعه حسن جداً، وهو من كبار الديرة، وعنده دفن عمر بن عبد العزيز، بظاهره.
قال راثيه:
قد قلت إذ ضمنوك الترب وانصرفوا ... لا يبعدن قوام العدل والدين
قد غيبوا في ضريح القبر منجدلاً ... بدير سمعان قسطاس الموازين
من لم يكن همه عيناً يفجرها ... ولا النخيل ولا ركض البــــــراذين
وقد ذكر أبو الفرج أن صاحب دير سمعان دخل على عمر بن عبد العزيز بفاكهة يطرفه بها في مرضه، فقبلها منه، وأمر له بدراهم، فأبى أن يأخذها، فما زال حتى أخذها، وقال: يا أمير المؤمنين! إنما هي من ثمر شجرنا، فقال عمر )رحمه الله( وإن كان من ثمر شجركم! ثم قال: يا صاحب دير سمعان! إني ميت من مرضي هذا، فحزن وبكى. ثم قال له عمر: بعني موضع قبري من أرضك، سنةً، فإذا جاء الحول، فانتفع به.

دير السوسي

دير السوسي بنواحي سر من رأى بالجانب الشرقي.
قال البلاذري: هو دير مريم بناه رجل من أهل السوسي وسكنه هو ورهبان معه فسمي به، وهو بنواحي سر من رأى بالجانب الغربي.
ذكره ابن المعتز في شعره، فقال:
عللاني بصوت ناي وعود ... واسقياني دم ابنة العنقودِ
أشرب الراح وهي تشرب عقلي ... وعلى ذاك كان قتل الوليدِ
رب سكر جعلت موعده الصب ... ح وساق حثثته بمزيدِ
يا ليالي بالمطيرة والكر ... خ ودير السوسي بالله عودي
كنت عندي أنموذجات من الج ... نّة لكنها بغير خلودِ
قال أحمد بن أبي طاهر: قصدت بسر من رأى رائداً بعض كبارها بشعر مدحته به، فقبلني وأجزل صلتي، ووهب لي غلاماً رومياً حسن الوجه، فسرت أريد بغداد، فلما سرت نحو فرسخ، أخذتنا السحاب، فعدلت إلى دير السوسي لنقيم فيه إلى أن يخف المطر، فاشتد القطر وجاء الليل، فقال الراهب الذي هو فيه: أنت العشية بائت هنا، وعندي شراب جيد، فتبيت تقصف ثم تبكر. فبت عنده، فأخرج لي شراباً جيداً، ما رأيت أصفى منه ولا أعطر، وبات الغلام يسقيني، والراهب نديمي، حتى مت سكراً، فلما أصبحت رحلت وقلت:
سقى سر من رأى وسكانها ... ودير لسوسيها الراهبِ
فقد بت في ديره ليلة ... وبدر على غصن صاحبي
غزال سقاني حتى الصبا ... ح صفراء كالذهب الذائبِ
سقاني المدامة مستيقظاً ... ونمت ونام إلى جانبي
وكانت هناة لي الويل من ... جناها الذي خطه كاتبي!

دير صليبا

دير صليبا: يقع بنواحي دمشق مقابل باب الفراديس، ويعرف بدير خالد أيضاً، لأن خالد بن الوليد لما نزل محاصراً لدمشق كان نزوله به.
- قال الخالدي إنه يلي باب الفراديس، والدليل قول جرير:
فقلت للركب إذ جدّ النجاء بهم ... يا بعد يبرين من باب الفراديس!
وأنشد فيه قول الآخر، وهو:
يا دير باب الفراديس المهيج لي ... بلالاًَ بقلاليه وأشجاره
لو عشت تسعين عاماً فيك مصطحباً ... لما قضى منك قلبي بعض أوطاره
- يعرف هذا الدير أيضاً بدير السائمة.
- قال ابن عساكر: إن دير خالد كان خارج الباب الشرقي مما يلي بيت الآبار فخرب.

- قال ابن الكلبي إن الدير كان على ميل من الباب الشرقي.
- من الشعراء الذين زاروا هذا الدير أبو الفتح محمد بن علي المعروف بأبي اللقاء. قال إنه أقام به شهراً فقال فيه:
جنة لقبت بدير صليبا ... مبدعاً حسنه كمالاً وطيباً
جئته للمقام يوماً فظلنا ... فيه شهراً وكان أمراً عجيباً

دير صليبا

بالقرب من دمشق مطل على الغوطة حدثني أبو بكر محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل النحوي، قال: حدثني بعض بني حمدون عن شيوخه قال: كنت مع المتوكل لما شخص إلى الشام، فلما صرنا بحمص قال أريد أن أطوف كنائس الرهبان كلها، والموضع المعروف بالفراديس إذا وصلنا إليها فإني كنت أسمع بطيب هذا الموضع، فقلت الرأي ما رآه أمير المؤمنين. ثم أنزلنا منزلاً بين كنائس عظيمة وآثار قديمة، ترتاح النفوس إليها، ويشتهي من ينزلها ألا يرتحل عنها. فلما استراح من نصب الركوب استدعاني وقال: هل لك في التطواف؟ قلت: كما أمر أمير المؤمنين. فأخذ بيدي، فلم يزل يستقري تلك الكنائس والديارات، ويشاهد فيها من عجائب الصور وفاخر الآلة، ويرى من أحداث الرهبان وبنات القسيسين وجوهاً كأنها أقمار في غصون، تتثنى في تلك الأروقة والصحون، وكلما مرّ بنا شيء من ذلك يقول لي: ترى ويحك ما نحن فيه؟ ما شاهدت مثل هذا قط! ثم خلونا براهب من قوام الكنيسة، فلم يزل المتوكل يسأله عن حال كل جارية وغلام يمر به، واسمه ونسبه، وهو يمشي، إذ لمح كتابة على حائط الكنيسة، فقربنا من ذلك فإذا هو: حضر الغريب المشرد الحريب وهو يقول: شتت شملي بعد الإلفة، وشقي جسمي بعد الكلفة، ومشيت من العراق إلى هذا الرواق، وارتحلت عنه في ذي الحجة من سنة إحدى ومائتين، وأنا أقول:
آل أمري إلى أخس الأمور ... وتبدلت كربةً بسرور
واعترتني من الزمان خطوب ... تتبارى في هتكة المستور
نفس صبراً لحادثات الليالي ... كل شيء يذل للمقدور
فقال: ويحك! ما أطرف هذا المسكين، وما أحرق هذا الأنين ونحن في ذلك، إذ مرت بنا جارية ما رمقت عيني لها شبيهاً، وعليها جوب وفي يدها دخنة تدخن بها...فقال لها المتوكل: تعالي يا جارية. فأقبلت بحسن أدب وكمال. فقال للراهب: من هذه؟ فقال: ابنتي. قال: وما اسمها؟ قال: سعانين. قال المتوكل: اسقيني ماء. فقالت له: يا سيدي، ماؤنا ها هنا من ماء الغدران، ولست أستنظف لك آنية الرهبان، ولو كانت ترويك لجدت بها لك.
ثم أسرعت، فجاءت بكوز من فضة فيه ماء، فأومأ إلي أن أشربه، فشربته. واشتد عجبه بها وشهوته لها. فقال لها: يا سعانين! إن هويتك تسعديني؟ فتنفست وقالت: أما الآن فأنا عبدتك، وأما إذا عرفت صحة حبك، وتنكنت من قلبك، فما أخوفني من حدوث الطغيان عند تمكن السلطان. أما سمعت قول الشاعر:
كنت لي في أوائل الأمر عبداً ... ثم لما ملكت صرت عدوا
أين ذاك السرور عند التلاقي ... صار مني تجنباً ونبوا
فطرب المتوكل وكاد يشق قميصه، ثم قال لها: فهبي لي نفسك اليوم حتى نشرب أنا وأنت، فإني ضيفك. قالت له: بالرحب والسعة.
ثم أصعدت بنا إلى علية مشرفة على تلك الكنائس كلها، فرأينا منظراً حسناً، ثم مضت فجاءت بآدام نظاف ورقاق، وكأن المتوكل عافها لعزة الخلافة، فاستأذنها في إحضار طعام، فأذنت. فجيء بخروف وسنبوسج، وأشياء قريبة المأخذ من طعام مثله. فاستظرفت ما جيء به، واستهولت الآلة، ففطنت لأمر المتوكل فقامت قائمة بين يديه تخدمه وتكفر له، فمنعها.
ثم جاءنا أبوها بشراب من بيت القربان، ذكر المتوكل أنه لم ير مثله قط. فشرب وشربت معه، واستعفيته من أجل حمى كانت لحقتني في تلك الليلة. فأعفاني. وسرّ بها وبظرفها، وحلاوة منطقها، سروراً تاماً. فلما أخذ الشراب منها قالت: أغنيك يا سيدي من غنائنا، على ضعف الصنعة؟ فكاد أن يهيم، وقال: إن فعلت كمل والله ظرفك. فقامت فجاءت بشيء ويسمونه " القيثارة " وضربت واندفعت تغني:
يا خاطباً مني المودة مرحباً ... سمعاً لأمر لا عدمتك خاطبا
أنا عبدة لهواك فاشرب واسقني ... واعدل بكأسك عن خليلك إن أبى
قد والذي رفع السماء ملكتني ... وتركت قلبي في هواك معذبا

فنعر المتوكل وقال لي: ويلك! أميت أنت؟ فانتبهت، وعلمت أنني قد أخطأت في ترك مساعدته. فأخذت رطلاً، فلم أزل أشرب حتى لحقته. ومضى لنا يوم كان في الأيام فرداً.
ثم أرغبها المتوكل فأسلمت، وتزوجها. ولم تزل حظية عنده إلى أن قتل وهي في داره.
ورأيت في بعض النسخ أن شحروراً وقمرياً كانا يصيحان على أعالي أشجار بالدير فأصغى إليهما المتوكل. فلما تحققت إصغاءه أنشدته سعانين:
وكأنما الشحرور راهب بيعة ... ألهاه طيب الوقت عن تزنيره
جعلت له فلك الغصون صوامعاً ... ينعين في إنجيله وزبوره
وكأنما القمري يندب شجوه ... بأنينه وحنينه وزفيره
صب شجته بلابل لما دنت ... منه ديار أنيسه وسميره
فأعجبه ذلك منها وزاد بها سروراً، ولها محبة.

دير عبد المسيح

دير عبد المسيح: بناه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني بالحيرة.
وقد ذكره الأصبهاني قال: وكان - عبد المسيح - أحد المعمرين، يقال إنه عمر ثلاثمائة وخمسين سنة، وهذا الدير بظاهر الحيرة بموضع يقال له الجرعة، وعبد المسيح هو الذي لقي خالد بن الوليد، رضي الله عنه، لما غزا الحيرة وقاتل الفرس فرموه من حصونهم الثلاثة حصون آل بقيلة بالخزف المدور، وكان يخرج قدام الخيل فتنفر منه.
فقال له ضرار بن الأزور: هذا من كيدهم، فبعث خالد رجلاً يستدعي رجلاً منهم عاقلاً، فجاءه عبد المسيح بن عمرو وجرى له معه ما هو مذكور مشهور.
قال: وبقي عبد المسيح في ذلك الدير بعدما صالح المسلمين على مائة ألف، حتى مات وخرب الدير بعد مدة فظهر فيه أزج معقود من حجارة فظنوه كنزاً، فإذا فيه سرير رخام عليه رجل ميت وعند رأسه لوح فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة:
حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد
فكافحت الأمور وكافحتني ... فلم أخضع لمعضلة كؤود
وكدت أنال في الشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود

دير عدس

دير عدس بالشام، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا المكي عن ابن أبي خالد، عن الهيثم قال: أخبرنا أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خرجت مع أناس من قريش في تجارة إلى الشام في الجاهلية، فإني في سوق من أسواقها إذا ببطريق قد قبض على عنقي، فذهبت أنازعه فقيل لي: لا تفعل فإنه لا نصف لك منه. فأدخلني كنيسة فإذا تراب عظيم ملقى، فجاءني بزنبيل ومجرفة، فقال لي: انقل ما ها هنا. فجلست امثّل أمري كيف أصنع. فلما كان في الهاجرة جاءني وعليه سبنية أرى سائر جسده منها.
فقال: إنك على ما أرى ما نقلت شيئاً! ثم جمع يديه وضرب بهما دماغي. فقلت: وا ثكل أمك يا عمر، أبلغت ما أرى! ثم وثبت إلى المجرفة فضربت بها هامته ثم واريته في التراب، وخرجت على وجهي لا أدري أين أسير، فسرت بقية يومي وليلتي، ومن الغد إلى الهاجرة، فانتهيت إلى دير فاستظللت في فنائه، فخرج إلي رجل فقال: يا عبد الله ما يقعدك ها هنا؟ فقلت: أضللت أصحابي.
فقال: ما أنت على طريق، وإنك لتنظر بعيني خائف، فادخل فأصب من الطعام واسترح. فدخلت فأتاني بطعام وشراب وألطفني، ثم صعّد إليّ النظر وصوّبه فقال: قد علم أهل الكتاب - أو الكتب - أنه ما على الأرض أعلم بالكتّاب - أو الكتب - مني، وأني لأجد صفتك الصفة التي تخرجنا من هذا الدير وتغلبنا عليه.
فقلت: يا هذا، لقد ذهبت في غير مذهب. فقال لي: ما اسمك؟ فقلت عمر بن الخطاب، فقال: أنت والله صاحبنا، فاكتب على ديري هذا وما فيه.
فقلت له: يا هذا، إنك قد صنعت إلي صنيعة فلا تكدرها.
فقال: إنما هو كتاب في رق، فإن كنت صاحبنا فذاك، وإلا لم يضرك شيء. فكتبت له على ديره وما فيه، وأتاني بثياب ودراهم فدفعها إلي، ثم أوكف أتاناً وقال لي: أتراها؟ قلت: نعم. قال: سر عليها فإنك لا تمر على قوم إلا سقوها وعلفوها وأضافوك، فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إلي.
قال: فركبتها حتى لحقت أصحابي فانطلقت معهم.

فلما وافى عمر الشام في خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب، وهو صاحب دير عدس، فلما رآه عرفه ثم قال: قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه. ثم أقبل على أصحابه فحدثهم بحديثه، فلما فرغ منه أقبل على الراهب فقال: إن أضفتم المسلمين ومرضتموهم وأرشدتموهم فعلنا ذلك.
قال: نعم يا أمير المؤمنين. فوفى له عمر.

دير العذارى

دير العذارى: للراهبات في المشرق العربي، ديارات عديدة، أشرنا إلى بعضها في المقدمة.
- نوّه الشابشتي بالدير الموجود في قطيعة النصارى ببغداد في عصره، قائلاً: " وببغداد أيضاً دير يعرف ب " دير العذارى " في قطيعة النصارى على نهر الدجاج. وسمي بذلك لأن لهم صوم ثلاثة أيام قبل الصوم الكبير، يسمى صوم العذارى. فإذا انقضى الصوم، اجتمعوا إلى هذا الدير فتعبدوا وتقربوا. وهو دير حسن " .
- قال الخالدي: وشاهدته وبه نسوة عذارى وحانات خمر، وإن دجلة أتت عليه بمدودها فأذهبته حتى لم يبق منه أثر، وذكر أنه اجتاز به في سنة 320 ه وهو عامر.
- دير العذارى: كان ديراً للرواهب السريانيات في بغداد، في قطيعة النصارى، حيث كانت بيعة مار توما للسريان. ذكره ابن العبري في أحداث سنة 1002 ه، وسماه دير الأخوات، وقال: إن قوماً من السوقة حاولوا نهبه، ثم ولوا عنه هاربين لنبأ أتاهم أن خلقاً من الأوباش هلكوا في حريق نشب في البيعة المذكورة بفعلهم..
- وانظر: المشترك وضعاً 190 - 191.
- مراصد الإطلاع: 2 - 569.
- مسالك الابصار 1 - 258 - 261 - البدور المسفرة 19 - 20 - بغداد في عهد الخلافة العباسية 80 - 181.
- ري سامراء في عهد الخلافة العباسية 1 - 184، 185.
- الديارات النصرانية في الإسلام 24.
- دليل خارطة بغداد 42،82.
- أحوال نصارى بغداد 113 - 115.



نهاية الجزء الرابع


يتبع ...










































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow