Alef Logo
الآن هنا
              

وُريقتان

علا شيب الدين

خاص ألف

2014-12-02

وُريقتان

علا شيب الدين







إلى ماريان اسماعيل

ها أنا أكتب إليكِ على ضوء الوجدان. مثل شقائق تتفتّح على مَهل..تذوي على أقلّ من مَهل...، وسط شمعة مشتعلة متطاولة؛ يفور نبع روحي وينبجس وأنا أكلّمكِ الآن، راغبةً في الردّ على رسالتكِ إليّ في صفحتكِ على "فايس بوك". أناديكِ منكِ، بعدما غرقتُ في مائكِ. ماء نصوصكِ. فما ستقرئينه في الآتي من رسالتي هذه، المكتوبة على وريقة خضراء مستلّة من أقرب شجرات الكرْم إلى قلبي، محمَّل بضوء روحكِ، وبحرْفية جُملكِ بين هلالَين. بين شمسَين، قمرَين، شعلتَين، قنديلَين. أيتها الأميرة الطيّبة، سَلي مرآتكِ عن جمال الحرف والروح. عن الثلج والبياض فيهما، عن التراب والسمرة، الورد والحمرة، السماء والزرقة، العشب والخضرة.

منذ القديم، نحن صديقتان. ليس منذ "المعلم الأول" فحسب. لم يكن ديوشين بطل رواية جنكيز إيتماتوف تلك، فقط معلّمنا الأول، البسيط الطيب، عاشق الكلمة والحرية، وحامل الأطفال على ذراعيه، عابراً بهم النهر واحداً تلو الآخر، إلى إسطبل مهجور أهّله ليصبح مدرسة لتعليم أطفالٍ شاءت الأقدار أن يولَدوا في قرية فقيرة لا مدرسة فيها، ولا تعليم. بل أيضاً كان بمثابة القدَر الذي جعلَنا أنا وأنتِ نلتقي مجدداً، روحياً وفكرياً وإنسانياً. (على سبيل الاستدراك. كم حاجتنا عميقة يا ماريان، إلى ديوشينـ(يين)، يعيدون الروح إلى ما بقي من مدارس في بلدنا الممزَّق المنكوب المدمَّر، ويحملون على أكتافهم وظهورهم وأذرعهم ملايين الأطفال الذين صاروا بلا تعليم، بعدما آثر طراز من المستبدين المجرمين، غلق المدارس، وآثر طراز آخر منهم، تحويلها اسطبلات للتوحش. بعدما حوّل هذا الطراز المجرم وذاك، أطفال بلدنا يتامى وموتى، معاقين ومشوَّهين ومشرّدين!).

****

قد يكون الأنسب للروح، كلما تشقّقَت عطشاً، أن تعبّ من"إيمانكِ" بأن "الطفل الذي لم يتفسخ بعدُ، سهل عليه فوق الجثث المنحنية كأقواس حتى قدميها، أن يرى السلطان، يقرقع بكعبَي حذائه أرضاً افترشها بجلود الأموات. صارخاً:"اركعووووووووا". وثمة مَن يجيب: ""إنّا لنصطف صفوفاً وأرتالاً، ونبسط أيدينا على الأكتاف ونتماوج في رقصة مع الحياة، في رقصة مع الموت، سنتماهى مع الضوء الذي لامس أعيننا بعد العماءِ فأحيانا، نرقص إلى الأبد.. مَن تعلّم الرقص لا يَفنى يا ولد". قد يكون الأنسب للروح كلما شارفَتْ على هاوية يأسٍ غير مثقوبة، جرّاء نقص العطر، أن تستأذنكِ في استعمال "عطركِ الذي من نوع خاص". العطر الذي يبدو اليوم "أقوى وأكثر ثباتاً وتشبثاً وحيوية، يمزج في تركيبه خلاصة خشب الصندل، الزعفران، زهر البرتقال، جوزة الطيب، العنبر والمسك، ومضات من الزنجبيل والكرز الحامض والبرقوق والخوخ والكمثرى، إيحاءات الياسمين وخشب الماهوجني والأوركيد الأسود، عبير زهرة القمر ورائحة الفانيليا. هذا العطر الغني والغناء يضج بالإثارة والقوة والنعومة، يبوح بالبساطة والتعقيد، بالشفافية والغموض، يسرّ بالسكون والتأمل، بالحماسة والحكمة، بالسحر والشغف والإبداع، يدعو للانتباه والترقب، يسعى للانعتاق والإنطلاق، وينداح بالعشق والتصوف". قد يكون الأنسب للروح كلما هامتْ على وجهها، أن تعمل بوصيّة نقشٍ محفورٍ في "أسفاركِ": "من جسرٍ عتيق اُنثريه، واسكبي عطرك على وجه النهر، علِّي في تجوالي الطويل أَغتسلُ به."

****

كنتُ ولا أزال أقول: ما الطمأنينة سوى لهْو يجيده ممتهنو الأرواح المتيبّسة، لأن العدل يقتضي اللّهاث وإضرام الأسئلة في قلب اليقين. فأن تكون أنت ولست القبيلة: فاتحة البحث، وأن تلهث بحثاً عن سؤالك المفترَض: فاتحة الإشراق. مع "نوافذكِ المعرّشة"، أراني كمَن يعود من الأصقاع البعيدة إلى بيته. أراني، أنا المفتونة بنقر العصافير على شبّاك غرفتي، عاشقة طمأنينة من نوع خاص، معانقةً حكمة بوذيّة محفورة على شاهدة قبر نيكوس كازنتازاكسي: "لا آملُ في شيء، لا أخشى شيئاً، أنا حُرّ/ة".

****

أيتها المرأة المزركشة بزخرف شركسيّ الروح والجمال، مَن يدري؟ ربما يجييء يوم خاص نلتقي فيه واقعياً. نستلقي تحت شعاع شمسه على عشب الحرية. تعلمين كم أحبُّ العشب، مثلما أعلمُ كم أن "الشمس لا تزور مدن الموتى والرماد". "للجبين أن تلوّحه الشمس، وللقدمين أن تبتلا بندى العشب".


الأمير ريّان

أتعلمين يا ماريان أن ابن شقيقي ريّان، اقتربَ من السنة الخامسة من عمره؟ وأنه مع مرور الأيام، تطلّ صباحات أسئلته أكثر فأكثر؟ إحزري ماذا سألني هذا الأمير الصغير (الكبير)، حين كُنّا نلهو أنا وهو مع سلحفاتنا التي التقيناها مصادفة، قبل مدّة، بين الحشائش قرب البحيرة؟ سألني: "الزِّلِحْفِي (السلحفاة) بتعرف حالها إنها زلحفي"؟ انحنيتُ للسؤال هذا، على طريقة صديقي جوستين غاردر في الانحناء للأسئلة بروايته "هل مِن أحدٍ هناك؟".

قبل أن أقرّر أخيراً الاكتفاء بالانحناء للسؤال؛ كنتُ قد استرسلتُ في محاولة منّي تقديم "إجابة". قلت، بصوت مسموع لريّان تارة، وطوراً كمَن يتكلّم في دياجير الداخل والأعماق: إنّ وعيَ الذات، والشعور بالأنا خاصّان بالكائن الذي يسمّونه إنساناً. هذا الكائن ذو الطبيعتين، الإنسانية والطبيعية، وربما بانفصالٍ نسبيّ عن تلك الأخيرة بدأ وعيه بذاته. الانفصال الذي لم تستطعه، على ما يبدو، بقيّة الكائنات ومنها السلحفاة، فظلّت "مخلصة" لمحضِ غريزة، لطبيعة طبيعية فقط، للاغاية، للامعنى، للاهدف، للاذاكرة، للاذهنية محكومة بترّهات الأيديولوجيا و"المعارف" مسبقة الصنع والرؤيا. ثم إن "سلحفاة" ليست سوى كلمة عربية، ثمة مَن أتقنَ نحْتها، على ما يظهر مِن حروفها المنتقاة بعناية ودراية (سُ.ل.ح.ف.ا.ة)، لتتناغم إيقاعاتها والبطء، دفء البيت وحنوّه، وغير ذلك مما استُلَّ ربما من ملاحظةِ كائن بطيء، يحمل فوق ظهره صندوقاً عظمياً مغطّى بحراشف قرنيّة صغيرة، يخرج منه عندما يحسّ بالأمان ربما، وينحشر فيه حالما يحسّ بتهديد خارجيّ، نزّاعاً إلى الاختباء. إنها كلمة من كلمات ما انفكّ يبدعها كائن يفهم، يعقِل، ويتوهّم، يُسمَّى إنساناً، لغرض العثور على الواقع ربما، أو القبض عليه بالكلمات والتسميات والمفردات. إنها لعبة الإنسان في الاستمرار في بناء أوهامه، وأحلامه. فباللغة، بالخيلات والمجازات، يكبر الإنسان الحالم. تستريح الإجابات آنئذ وتستيقظ الأسئلة. تكبر الحياة النفسية وترتفع. وهيهات أن تعقِل السلحفاة هذا كله.

لتصريف الهمّ اليومي ربما، يدرك الإنسان وهو "يتّكيء" على فانتازيا. ربما أيضاً، لشعوره الواضح- الغامض، بعبث الحياة والموت، والوجود والعدم، يلجأ إلى "تسلية" لُغويّة. إلى ألعاب من شأنها "عجْن" الكائنات بتسميات، وتشكيلها بحسب ما يراها. في مؤلَّفه "العالم كإرادة وتصوّر" كتبَ شوبنهور يقول: "لا يعرف الإنسان شمساً ولا أرضاً، وإنما يعرف فقط عيناً ترى شمساً ويداً تحسّ أرضاً، وأنّ العالم الذي يحيط به إنما يكون قائماً هناك بوصفه تصوّراً فحسب".

ولأن البشر محكومون بذهنية الأيديولوجيا، يسيئون أحياناً إلى أنفسهم فضلاً عن إساءاتهم لبقيّة الكائنات. هكذا، تنال الحكاية – الوعظ، من فرادة السلحفاة الماثلة في البطء، في الثقل الناجم عن حمْل صندوق عظميّ فوق الظهر، في اللاغاية، في اللاتنافس؛ فتقسرها على أن "تسبق" الأرنب السريع المغرور الساخر من بطء السلحفاة، خصمه في "المسابقة"، "منتهِزةً"، "مستغِلةً" فرصةَ نومه، من أجل "الوصول" "قبلَهُ" إلى "الـهدف"، إلى "المصير والمآل الأخير". الأمر الذي قد يدفع إلى التساؤل: تُرى هل البطء أقلّ أهمية من السرعة؟(السلحفاة بطيئة. الأرنب سريع. هي هكذا. هو هكذا. كينونتها البطء، وكينونته السرعة).هل النوم، الاستمتاع، الكسَل أحياناً، عَيْب؟ وهل نهاية الطريق أهمّ من الطريق نفسها؟ ثم ماذا عن جدارة السلحفاة في الفوز؟ أعني الجدارة التي لا تكون سوى في التزامن ويقظة الأرنب، لا في استغلال فرصة نومه. ولماذا، أخيراً، لا تكون السلحفاة – إن كان لا بدّ من الوعظ- معلّمة البطء الجدير. بطء الزمان و"صبره"، في عصرِ سرعةٍ مُمضة ومُهلكة؟. السلحفاة هي السلحفاة. البطء هو البطء. لا تلك ستتوقف عن مواصلة الحياة بطئاً، ولا ذاك سيكفّ عن التعبير عن نفسه انطلاقاً من كونه بطئاً.

****

أغلبُنا تساورنا رغبة خاصة في تعليم الأطفال، لكن التعلّم منهم قد يكون أهم. كنت قد انتهيتُ للتو من قراءة حروف اللغة العربية على ريّان المُنصِت، قبل أن أسأله، لغرض المراجعة، عن الحرف الذي تبدأ به أبجدية اللغة نفسها، متوقِّعة أن تكون إجابته، ألفاً ممدودة. فجاءت إجابته، من حيث لا يدري ربما، مشاكِسة، مشيرة إلى رشاقةِ لعبٍ وسحرِ طفولةٍ باسِمة: "فينا. فينا" (بنا).

ها قد أخذتُ حكمةً من فمِ طفل. فإذ تبدأ الأبجدية بنا، تغدو اللغة المنسوجة منها، شعلةً لها دور نفسانيّ، يتعلق مثلاً، بنفسانيّات أفراد العائلة والبيت والحياة العائلية. تصبح آنئذ، متصلة بالحياة الحميمة. تصبح روحاً. تنفتح على مغامرات حُلميّة، على سلالم لا متناهية. هكذا، تكون الأبجدية كلها لنا ومن أجلنا.

****

كلّما كذبَ أحدٌ من الكبار عليه، ومهما يكن الكذب ناصع البياض، يردّ ريّان (ريونة): "كأنّو أنفك طِوِلْ شوَي!"، مستلهِماً الدُّمية الخشبية "بينوكيو". تلك القصة الجميلة التي كتبَها في العام 1880 الأديب الإيطالي كارلو كولودي. حيث، لن يصبح الإنسان(الصّبيّ في القصة نفسها) إنساناً(صبيّاً) حقيقياً ما لم يرتقِ صاعداً سلّم القيم الإنسانية والجمالية والأخلاقية. ما لم يتعلّم كيف يكون شجاعاً، صادقاً، و"مش أناني". عدا ذلك، سوف يبقى مجرّد دمية خشبية بأنف طويل مضحك.



























تعليق



Valdo

2015-12-19

Thanks for shirgna. Always good to find a real expert.

رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

هكذا صرتُ سائحة حقاً! (مقاربة وجدانية للرحلة)

19-تشرين الثاني-2015

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow