Alef Logo
ضفـاف
              

التناص بين التوراة والقرآن دراسة مقارنة 17

فراس الســواح

خاص ألف

2014-11-06


- إبليس الملاك الساقط

الخلفية التاريخية:

لقد واجه الإنسان منذ فجر وعيه ثلاثة أنواع من الشرور وهي:

1- الشرور الطبيعانية: مثل البراكين والزلازل والأعاصير والفيضانات والحرائق.

2- الشرور البيولوجية: مثل الألم والمرض والشيخوخة والموت.

3- الشرور الأخلاقية: مثل السرقة والاغتصاب والتسلط والظلم.

ولكن أديان الإنسان القديم لم تربط بين هذه الشرور ومصدر كوني للشر، وإنما عزتها إلى وجود أرواح أو آلهة خيّرة بطبيعتها وأخرى شريرة بطبيعتها. فالنظام المستقر والمتوازن على المستوى الطبيعاني والبيولوجي تدعمه هذه، والخروج على النظام تقوم به تلك. وقد قاده هذا التصور إلى تطوير نوعين من الطقوس: الأول يهدف إلى طلب عون الآلهة الخيّرة، والثاني يهدف إلى اتقاء أذى الآلهة الشريرة. أما الشر الأخلاقي فقد بقي شأناً اجتماعياً لا يتصل بتلك القوى الماورائية أرواحاً كانت أم آلهة. فالذي يسرق أو يظلم أو يعتدي ليس مدفوعاً من قبل إله خيّر، والذي ينصف ويحسن ويرأف ليس مدفوعاً من قبل إله شرير. وهكذا تُركت المجتمعات الإنسانية لتدير شؤونها الأخلاقية من خلال أعرافها وعاداتها المحلية دون وصاية من قوة قدسيةٍ ما.

من خلال هذه التصورات، لم يكن وجود الشر في العالم يطرح أي مشكلة على الفكر الديني للإنسان القديم. ولكن هذه المشكلة غدت أكثر إلحاحاً مع ميل الفكر الديني المشرقي إلى مفهوم التوحيد في سياق الألف الأول قبل الميلاد، عندما أخذ ذلك الفكر يرى إلى الكون باعتباره وحدة مترابطة متكاملة يسودها نظام دقيق يجمع الأجزاء إلى بعضها في توازن محكم، ويرى وراء هذا الكون قدرة إلهية واحدة غير مجزأة، كلية الحضور وكلية القدرة وكلية المعرفة، إليها تُعزى كل الكمالات التي تنتهي جميعاً إلى كمال الخير. عند هذه النقظة وجد الفكر التوحيدي نفسه أمام مشكلة تتطلب الحل؛ فإذا كان الله هو الخير المحض فمن أين يأتي الشر؟ أمام هذا السؤال تحولت آلية التفكير الجدلية بطبيعتها عند الإنسان إلى مفهوم الشيطان الكوني. وهذا الشيطان ليس كائناً ماورائياً شريراً من تلك الكائنات التي عرفتها الديانات السابقة، وإنما هو أصل الشر ومنبعه على المستوى الطبيعاني والبيولوجي والأخلاقي. إنه نقيض الله على كل صعيد.

كانت الزرادشتية (وهي أول ديانة توحيدية معروفة لنا تاريخياً، إذا استثنينا الآتونية المصرية التي لا نعرف عنها الكثير) أول عقيدة مشرقية صاغت مفهوماً متكاملاً عن الشيطان الكوني. فوفق التعاليم الأصلية لزرادشت، لم يكن في البدء سوى الله الذي يدعوه زرادشت أهورامزدا، وجود كامل وتام، قائم بذاته ومكتفٍ بنفسه. ثم إن الله اختار الخروج من حالة الكمون والظهور لمخلوقاته، فصدر عنه روحان توأمان هما سبينتا ماينيو وأنجرا ماينيو، اللذان وهبهما الله أهم خصيصة تميزهما عنه وتجعلهما كائنين مستقلين وهي خصيصة الحرية، فاختار الأول طريق الخير ولذلك دُعي سبينتا ماينيو أي الروح المقدس، واختار الثاني طريق الشر ولذلك دُعي أنجرا ماينيو أي الروح الخبيث. ثم إن الروح المقدس سبينتا ماينيو عمد بمعونة أهورامزدا إلى إظهار ستة كائنات قدسية هم الأميشا سبينتا أي المقدسون الخالدون، وهؤلاء بدورهم عمدوا إلى إظهار عدد من الكائنات الطيبة تدعى بالأهورا. أما الروح الخبيث أنجرا ماينيو فقد أظهر إلى الوجود عدداً من الكائنات الشريرة تدعى بالديفا. وهكذا فقد تم تأسيس معسكر الخير في مقابل معسكر الشر في انتظار المجابهة على مسرح العالم المادي الذي خلقه بعد ذلك أهورامزدا على ستة مراحل، وكان الإنسان آخر ما خلق في المرحلة السادسة. ومع خلق الإنسان انطلق التاريخ الذي سيشهد صراعاً لا هوادة فيه بين المعسكرين، وينتهي بالانتصار المؤزر لقوى الخير على قوى الشر. وسوف يقود المعركة الأخيرة ضد قوى الشر مخلّص منتظر يدعى ساوشيانط، وهو الذي يقضي على الشيطان. وبعد ذلك يجري تدمير العالم القديم الملوث بالشر، ثم تجديده ليغدو جنة أرضية. ثم تُفتح القبور في يوم النشور، فتهبط الأرواح من البرزخ الذي كانت تقيم فيه لتتحد مع أجسادها وتأتي إلى الحساب الذي يفصل بين الأشرار والأخيار. فأما الأشرار فيحرقهم نهر من النار ويمحو أثرهم بعد عذاب أليم، وأما الأخيار فيعيشون في الجنة الأرضية بعد أن يسقيهم ربهم شراب الخلود([1]).

الشيطان في التوراة:

لم تتعرض قصة الخلق التوراتية إلى خلق الملائكة أو الشياطين أو أي كائنات ما ورائية أخرى، على الرغم من أن هذه الكائنات تبدأ بالظهور تباعاً بعد ذلك. ولكن محرّر سفر التكوين ترك لنا جملة غامضة في نهاية قصة الخلق يقول فيها: "فأُكمِلت السماوات والأرض وكل جندها، وفرغ في اليوم السابع من عمله". وهذا يعني أن يهوه لم يكن وحيداً عندما فرغ من خلق العالم، بل كان محاطاً بحشد من الكائنات الماورئية التي دعاها المحرر بجند السماء. وعلى الرغم من استخدام المحررين التوراتيين معاني مختلفة لتعبير جند السماء. إلا أنهم استخدموه في معظم الأحيان كمرادف لتعبير ملائكة الرب، وهؤلاء هم خدمه العاملون على تنفيذ أوامره ومساعدته في تدبير شؤون الكون. نقرأ في سفر أخبار الأيام الثاني على لسان النبي ميخا: "قد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكل جنود السماء وقوف عن يمينه ويساره" (2 أخبار 18: 18). وفي المزمور 103: "باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوةً، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه. باركوا الرب يا جميع جنوده، خدامه العاملين مرضاته" (103: 19-21).

ومن بين جند الرب، أو جند السماء، جماعة أشرار هم الشياطين. وهؤلاء ليسوا خلقاً مستقلاً وإنما فريق من الملائكة موكلون بشؤون الشر هم أداة غضب يهوه: "أرسلَ عليهم حُموَّ غضبه، سخطاً ورجزاً وضيقاً، جيش ملائكة أشرار مهَّد طريقاً لغضبه" (المزمور 78: 49-50). من هؤلاء الأشرار اثنان يسيران مع يهوه عندما يخرج في مهام التدمير، أحدهما يدعى في النص العبري رشف، وهو إله الأوبئة الفتاكة في الميثولوجيا الكنعانية، والثاني يدعى دبير أي الحُمَّى: "جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان له لمعان كالنور. قدامه ذهب الوباء (= رشف)، وتحت رجليه خرجت الحمى (= دبير)([2])... بغضبٍ خطرْتَ في الأرض، بسخطٍ دُستَ الأمم" (حبقوق 3: 3-12). ومنهم واحد يدعى المهلك مكلف بالتخريب والتدمير. نقرأ على لسان يهوه في سفر إشعيا: "وأنا خلقت المهلك ليُخرب" (إشعيا 54: 16). وفي سفر إرميا: "قد صعد الأسد من غابته وزحف مهلك الأمم، خرج من مكانه ليجعل أرضكِ (يا يهوذا) خراباً، تَهلك مدنكِ فلا ساكنٌ" (إرميا 4: 7). وبينهم أرواحٌ رديئةٌ تتلبس من يخطئ أمام الرب وتسبب له الجنون، على ما حدث للملك شاؤل: "وذهب روح الرب من عند شاؤل وبغتهُ روح رديء من قِبل الرب... وكان في الغد أن الروح الرديء من قبل الرب اقتحم شاؤل وجُنَّ في وسط البيت" (صموئيل الأول 16: 14 و 18: 10).

بين هذه الكائنات الشريرة التي تعمل تحت إمرة يهوه شخصية رئيسة تدعى بأكثر من اسم؛ فتحت اسم عزازيل نجده أشبه بالجن التي تسكن البوادي والقفار غير المأهولة، وهو يقتسم قربان الخطيئة مع يهوه، أي القربان الذي يغسل بدمه خطايا الشعب، الأمر الذي يدل على علو مكانته. نقرأ في سفر اللاويين: "ويأخذ هرون التيسين ويوقفهما أمام الرب لدى باب خيمة الاجتماع، ويلقي على التيسين قرعتين؛ قرعة للرب وقرعة لعزازيل. ويقرّب هرون التيس الذي خرجت عليه القرعة للرب ويعمله ذبيحةَ خطيئةٍ، وأما التيس الذي خرجت عليه القرعة لعزازيل فيوقفه حياً أمام الرب ليُكفّر عنه ليرسله إلى عزازيل في البرية" (اللاويين 16: 5-10). وتحت الاسم بليعال نجده موكلاً بشؤون فاعلي الإثم الذين يدعوهم النص ببني بليعال (راجع على سبيل المثال سفر القضاة (19: 22-23) ، وسفر الملوك الأول (21: 10). وتحت الاسم شيطان، وهو بالعبرية ش ط ن أي المقاوم والمعاند، نجده في اتفاق مع يهوه ينفذ مهام توكل إليه، على ما نستنتج من المزمور 109 الذي يدعو كاتبه ربه أن يرسل من عنده شيطاناً على خصمه: "فأقم أنت عليه شريراً وليقف شيطان عن يمينه. إذا حوكم فليخرج مذنباً، وصلاته فلتكن خطيئة" (المزمور 109: 6-8). كما نجده يعمل في استقلال عن يهوه معارضاً لمشيئته، على ما نجد في سفر زكريا، حيث ينتهر الرب الشيطان لأنه وقف عن يمين الكاهن زكريا ليقاومه: "وأراني (الملاكُ) الكاهنَ العظيم يهوشع قائماً قدام الرب والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فقال الرب للشيطان: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم". (زكريا 3: 1-2).

والشيطان كشخصية مستقلة في عملها قادر على خداع يهوه، على ما نرى في سفر أيوب عندما أوغر صدر يهوه على عبده الصالح أيوب بعدما سمع منه مديحاً بحقه، ووصَفه بأنه رجل صالح كامل ومستقيم. فقال له إن أيوب لا يتقيه مجاناً، وإنما لما أغدق عليه من سِعة في الرزق وصحة في البدن، ولكن إذا ناله الضرُّ من ربه فإنه سيجدف عليه. عند ذلك أطلق يهوه يد الشيطان في أيوب لينزل به المصائب في ماله وأهله وصحته، لكي يختبر قلبه.

هذه هي الملامح العامة لشخصية الشيطان كما تتبدى لنا في النص التوراتي. وكما نلاحظ، فإن الشيطان التوراتي لم يتحول إلى مبدأ كوني للشر حتى اختتام الأسفار القانونية في القرن الثاني قبل الميلاد. والسبب في ذلك راجع إلى تقصير الأيديولوجيا التوراتية عن بلوغ مفهوم الكمال والخير المطلق في شخصية يهوه، الذي بقي يتصرف حتى النهاية كزعيم قبلي مدفوع بردود أفعاله الآنية وبعواطفه الفطرية مثل الغضب والغيرة والانتقام، وهذا ما دفع بالشيطان إلى دائرة الظل عبر أحداث الرواية التوراتية، لأن يهوه هو صانع الخير وصانع الشر في آن معاً، على ما يعلن محرر سفر إشعيا على لسان إلهه: "أنا الرب وليس آخر. مصور النور وخالق الظلمة. صانع السلام وخالق الشر. أنا صانع كل هذا" (إشعيا 45: 6-7). ونقرأ في سفر يشوع بن سيراخ: "الخير والشر، الحياة والموت، الفقر والغنى، من عند الرب" (11-14). ولكن شخصية الشيطان تطورت بعد ذلك على يد محرري الأسفار غير القانونية التي مارست تأثيراً كبيراً في الفكر التلمودي وفي العقائد اليهودية، على الرغم من بقائها على هامش النص الرسمي للكتاب. وقد كان للأفكار الدينية الزرداشتية أثر كبير في نضوج لاهوت الشيطان في العقائد اليهودية بعد أن آلت المنطقة السورية إلى الحكم الفارسي بين عام 539 و 333ق.م.

يقدم لنا سفر أخنوخ الأول الذي ترجع أصوله الأولى إلى أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، التصورات اللاهوتية المبكرة التي تشرح انقسام الملائكة إلى فريق صالح وآخر طالح شرير. ففي تلك الأيام الأولى:

"عندما تكاثر بنو الإنسان وولد لهم بنات حسنات وجميلات، حدث أن فريقاً من الملائكة أبناء السماء رأوا بنات الأرض فاشتهوهن. فقال بعضهم لبعض: هلم بنا نختار لأنفسنا زوجات من بني الإنسان وننجب منهن نسلاً. فقال لهم رئيسهم سيمياز: أخشى أن تتراجعوا عن فعل هذا الأمر بعد الشروع به فأدفع وحدي ثمن هذه الخطيئة العظيمة. فأجابوه جميعاً: دعونا نقسم قسماً بأن تحل اللعنة على من يتراجع عن فعل هذا الأمر. فأقسموا جميعاً وارتبطوا بقسم اللعنة هذا. ثم نزلوا فهبطوا على قمة جبل حرمون، وكان عددهم مئتين. وقد سمي الجبل حرمون نسبة إلى قسمهم الذي ربطهم باللعن (لأن كلمة حِرم بالعبرية تعني لعنة). وهذه أسماء رؤسائهم: سيمياز، راميئيل، تاميئيل، دانيئيل ...(إلخ). هؤلاء هم رؤساء العشرات، وكان الجميع تحت إمرتهم"([3]).

بعد ذلك يتابع الكاتب فيقول إن زوجات هؤلاء الملائكة الساقطين ولدن لهم أولاداً عمالقة أكثروا من الشر في الأرض وأكلوا الأخضر واليابس. وعندما لم يبقَ ما يكفي لطعامهم راحوا يلتهمون البشر أيضاً، فصعد صراخ البشر إلى السماوات. عند ذلك نظر الملائكة ميخائيل وسورافيل وجبرائيل من الأعالي ورأوا ما يجري على الأرض من شر وعنف، فمضوا إلى الرب وأطلعوه على الأمر، فبعث الرب مع الملائكة إلى أخنوخ يأمره أن يذهب إلى الساقطين وينقل لهم قضاء السماء بشأنهم؛ فهم سيشهدون ذبح أولادهم العمالقة ثم يقيدون في ثنايا الأرض حتى يوم الدينونة عندما يقادون إلى هوة النار والعذاب الأبدي. سمع الساقطون حكم الرب عليهم فارتاعوا والتمسوا من أخنوخ التوسط لهم لدى الرب علّه يقبل استرحامهم واستغفارهم. فمضى أخنوخ وجلس عند ضفة النهر حيث قرأ استرحام الساقطين، ثم غرق في نوم عميق وعرضت له رؤيا حملته إلى السماء حيث وضعه الملائكة في حضرة الرب الذي كلّمه قائلاً: "لا تخف يا أخنوخ أيها الرجل الطيب يا كاتب الصدق. تقدم إلي واسمع صوتي. اذهب إلى ساهري السماء (وهو لقب الساقطين لأنهم كانوا مكلفين بالسهر على أحوال الأرض وتفقدهاعلى الدوام) وقل لهم: كان أحرى بكم أن تسترحموا من أجل الإنسان لا أن يسترحم الإنسان من أجلكم. وقل لهم: لماذا توليتم عن السماء العليا المقدسة لتناموا مع النساء وتتدنسوا ببنات الناس، وتأخدوا لكم زوجات مثل بني البشر وتنجبوا منهن أولاداً عمالقة؟... لقد أعطيتُ رجال البشر زوجات يخصبوهن حتى لا يفنى جنسهم على الأرض، أما أنتم فكنتم روحانيين وخالدين على مرّ أجيال الأرض، فلم أعطكم زوجات لأن السماء مسكنكم. والآن فإن العمالقة أولادكم، نسل الروح والجسد، سيدعون أرواحاً شريرة لأن أرواحاً خبيثة سوف تنشأ عن أجسادهم (المذبوحة) ويكون في الأرض مسكنها... سوف يسببون الأذى والعنف والدمار على الأرض، ويدفعون الناس إلى الخطيئة وإلى المعصية... عندما يهلك العمالقة سوف تعيث الأرواح الخارجة منهم فساداً وترتع بلا رادع إلى يوم الحساب الأخير يوم يهلك الساهرون الساقطون".

يقدم لنا هذا النص شرحاً لأسباب وجود الشر في العالم، إلا أنه يبقى ضمن الرؤية التوراتية الرسمية للخير والشر على أنهما من صنع يهوه، الذي على الرغم من عقابه للعمالقة إلا أنه ترك أرواحاً شريرة تنشأ عن أجسادهم القتيلة تدفع الناس إلى الخطيئة وإلى المعصية، أما الملائكة الساقطون فسيبقون على قيد الحياة إلى يوم الحساب الأخير. هذه الفكرة سوف يجري تطويرها في سفر اليوبيليات (= الخمسينيات) الذي تنضج فيه شخصية الشيطان كرئيس للأرواح الشريرة، وتبدأ باتخاذ خصائص المبدأ الكوني للشر.

وُجدت أجزاء من سفر اليوبيليات بين نصوص قمران باللغة العبرية، الأمر الذي يدل على أن أصوله ترجع إلى القرن الأول قبل الميلاد. كما وُجِدتْ أجزاء منه مترجمة إلى اللغة اللاتينية. أما النص الكامل فمتوافر فقط في اللغة الأثيوبية. والكنيسة الأثيوبية ما زالت حتى الآن تعدّه من الأسفار القانونية لكتاب العهد القديم. يقتفي مؤلف هذا السفر أثر مؤلف سفر أخنوخ الأول في موضوع الملائكة الساهرين الذين هبطوا إلى الأرض وتزوجوا من بنات الناس، وأولادهم العمالقة، والأرواح الشريرة التي أفسدت في الأرض. ثم يضيف إلى ذلك قصة الطوفان العظيم الذي أرسله الرب إلى الأرض بعد أن كثر شر البشر وأفنى به كل ذي روح إلا نوحاً ومن في الفلك معه. ولكن قوى الشر ما لبثت أن نشطت مجدداً. نقرأ في الفصل العاشر من السفر ما يلي:

"في الأسبوع الثالث من تلك الخمسينية، أخذ الشياطين المتمردون بتضليل نسل نوح ودفعهم إلى الرذالات وإهلاكهم. فجاء أولاد نوح إلى أبيهم وحدثوه بأمر الشياطين التي تعمي وتهلك أحفاده. فصلى نوح إلى الرب إلهه وقال: يا إله الأرواح التي تقيم في كل جسد، أنت الذي رحمني مع أولادي وأنقذني من مياه الطوفان فلم أهلك مع أبناء اللعنة... أسبغ نعمتك على أولادي ولا تدع للأرواح الشريرة عليهم سلطاناً... أنت تعلم ما فعله ملائكتك الساهرون آباء هذه الأرواح في أيامي، وما فعله من بقي من هذه الأرواح (بعد حملتك عليهم). فلتوقع بهم وتقودهم إلى مكان الحساب ولا تتركهم يعيثون فساداً بين أبناء خادمك، لأنهم يا إلهي قساة وقد خُلقوا لكي يدمروا، فلا تدع لهم سلطاناً على نفوس البشر"([4]).

يستجيب الرب لصلاة نوح، ويأمر فريقاً من الملائكة بمطاردة الشياطين وتقييدهم، ولكن رئيسهم مستيما يلتمس من الرب أن لا يهلك أتباعه جميعاً بل يترك له قسماً منهم. فيوافق الرب على إمهاله ومن بقي من أتباعه إلى نهاية الزمن:

"فأمرنا الرب إلهنا (والكلام هنا للملاك الذي يملي الكتاب على موسى) أن نوثقهم جميعاً، ولكن رئيس الأرواح مستيما مَثلَ أمام الرب وقال له: أيها الإله الخالق، اترك لي بعضاً منهم ليستمعوا إلي ويفعلوا ما آمرهم به، لأنه إذا لم يبق منهم أحد معي لا أستطيع بسط سلطاني على بني البشر، لأن شر البشر عظيم وبنو الإنسان منذرون للضلالة قبل أن يصدر حكمك بشأني. فأمر الرب أن يبقى عُشر الأرواح الشريرة مع مستيما، وأن ينزل التسعة أعشار الباقية إلى مكان الحساب. ثم أمر واحداً منا أن يُعلّم نوحاً كل سبل الشفاء من شر الشياطين، لأنه يعرف أن البشر لن يسيروا ولن يجاهدوا في سُبل الحق والخير".

بعد ذلك يدخل يهوه والشيطان في علاقة معقدة، فهو يقيده ليكف أذاه أحياناً، ثم يطلقه لكي يتابع مهامه في أحيان أخرى. وسأكتفي فيما يلي بمقطع من أحداث سفر الخروج كما يرويه كاتب النص. والمتحدث هنا هو يهوه:

"ولقد انتصب الرئيس مستيما أمامك يا موسى وحاول تسليمك ليد فرعون، كما أنه حاول مساعدة سحرة مصر الذين مارسوا سحرهم أمامك... ولكن الرب ضربهم بقروح رديئة ومنعناهم عن إتيان معجزة واحدة. ولكن الرئيس مستيما لم ينخذل بل استجمع قواه وأهاب بالمصريين أن يلاحقوك بكل جيوشهم وبكل عرباتهم وخيلهم، ولكني حلْتُ بين المصريين وإسرائيل وخلصنا إسرائيل من يد فرعون وشعبه... وفي الأيام الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر، كان الرئيس مستيما مقيداً ومحجوزاً خلف مكان بني إسرائيل لكي لا يلاحقهم ويوقع بهم. وفي اليوم الثامن عشر حللنا قيوده مع أتباعه لكي يساعد المصريين على ملاحقة إسرائيل، فشدد عزيمة المصريين وقواهم، ثم قيدناه مجدداً ...إلخ".

يبقى هذا النص أميناً لفكرة مسؤولية يهوه عن وجود الشر في العالم، ثم يضيف إليها فكرة المهلة التي منحها يهوه للشيطان لكي يتابع مهامه في غواية البشر. بعد ذلك تتطور قصة الشيطان نحو شكلها الأخير، حيث نجد أن سقوط الملاك الرئيس ومن تبعه من أوليائه، لم يكن بسبب رغبتهم في نساء البشر. وإنما بسبب عصيان الملاك الرئيس أمر ربه بالسجود لآدم. وهذا التنويع على القصة موجود في أكثر من نص.

تبدأ قصة عصيان الملاك الرئيس في سفر أسرار أخنوخ (أو أخنوخ الثاني)، الذي يقدم تنويعه الخاص على قصة الخليقة التوراتية. فلقد خلق الرب الملائكة من جوهر النار، وذلك في اليوم الثاني من أيام التكوين، وجعلهم في طبقات لكل طبقة رئيس. ولكن أحد رؤساء هذه الطبقات ويدعى ساتانا إيل، تصور في قلبه خطة مستحيلة، وهي أن يعلو ويصبح نداً للعلي في القوة، فتمرد هذا الملاك الرئيس على خالقه ثم أغوى مَن تحته من الملائكة وزين لهم العصيان. ولكن الرب رماه من الأعالي مع ملائكته، ففقدوا بريقهم الإلهي وتحولوا إلى أرواح متمردة شريرة تهيم فوق وجه الهاوية السفلى([5]).

في كتاب حياة آدم الذي يعود تاريخ نصه الأصلي إلى زمن ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، نجد أن سبب سقوط الملاك الرئيس هو رفضه السجود لآدم. والقصة هنا يرويها الشيطان نفسه لآدم بعد طرده من الفردوس عندما حاول إغواءه وزوجته مجدداً، فصرخ آدم في وجهه قائلاً: الويل لك أيها الشيطان. لماذا تهاجمنا دون سبب؟ وما الذي فعلناه حتى تلاحقنا دوماً بالمكر والخديعة:

"فتنهد الشيطان وقال: أنت السبب في كل هذا العداء والحسد. بسببك أنت طُردتُ وحُرمتُ من مجدي في السماء بين الملائكة، وبسببك أنت رُميتُ من الأعالي إلى الأسافل. فقال آدم: ما الذي فعلته لك؟ وعلى ماذا تلومني؟ لماذا تلاحقنا ولم نسبب لك ضرراً ولا أذى؟ فأجاب الشيطان: عن أي شيء تتحدث يا آدم؟ بسببك أنت أخرجتُ من هناك، وبعد خلقك أنت أُبعدتُ من حضرة الرب وصحبة الملائكة. فبعدما صنعك الرب على صورته ونفخ في أنفك نسمة الحياة، أتى بك ميكائيل لنسجد لك في حضرة الرب الذي قال لك: انظر يا آدم؛ لقد صنعناك على صورتنا كشبهنا. ولقد دعا ميكائيل كل الملائكة قائلاً: اسجدوا لصورة الرب الإله كما آمر. وكان ميكائيل أول الساجدين، ثم دعاني إلى السجود قائلاً: اسجد لصورة الإله يهوه. فأجبته: أنا لا أسجد لآدم. وعندما ألحَّ علي قلت له: لن أسجد لمن هو أدنى مني مرتبة، فلقد خُلقت قبله وعليه هو أن يسجد لي. لما سمع الملائكة التابعون لي قولي رفضوا السجود أيضاً. ولكن ميكائيل ألحَّ علينا قائلاً: إذا لم تسجدوا سوف يصب الرب جام غضبه عليكم. فقلت: إذا غضب الرب علي سوف أرفع لنفسي كرسياً فوق النجوم وأصبح نداً للعلي. فلما سمع الرب قولي ثار غضبه وأنزلني من مرتبة المجد مع أتباعي وطردنا من مقرنا الأعلى إلى الأرض حيث لبثنا نندب مجدنا الضائع. وقد آلمني أن أراك تنعم بالبركة، فجئت زوجتك بالخديعة وأغويتها فجعلتها سبب فقدانك أفراح النعيم مثلما فقدتُ بسببك مجدي العظيم"([6]).

في أحد نصوص الهاجاداه (وهي مجموعة شروح على هامش التلمود دونت في القرون الأولى للميلاد من أجل تقريب المعتقدات التلمودية إلى ذهن عامة الناس من خلال أسلوب القص المشبع بالميثولوجيا)، لدينا رواية مشابهة عن عصيان الملاك الرئيس المدعو ساتان للأمر الإلهي. فبعد أن خرج آدم إنساناً تام التكوين من يد الخالق، أمر الرب كل الملائكة أن يسجدوا لآدم ففعلوا، وكان رئيسهم ميكائيل أول الساجدين لكي يضرب للآخرين مثالاً في الطاعة والخضوع للأمر الإلهي. ولكن الملاك الرئيس ساتان الذي أضمر الغيرة والحسد لآدم، رفض السجود قائلاً للرب: لقد خلقتنا من ألقك وبهائك، فكيف تأمرنا أن ننطرح أمام من خلقته من تراب الأرض؟ فأجابه الرب: ومع ذلك فإن تراب الأرض هذا يفوقك حكمةً وفهماً. وهنا تدخل ميكائيل وألح على ساتان قائلاً: إذا لم تبجل آدم وتخضع له عليك أن تتحمل عاقبة غضب الرب. فأجابه ساتان: إذا صب غضبه علي سوف أرفع عرشي فوق النجوم وأغدو نداً للعلي. فلما سمع الرب منه ذلك أمسك به ورماه خارج دائرة السماء، فهوى نحو الأرض. وتبعه حشد من الملائكة الذين شجعهم تمرده على إظهار ما كتموه في أنفسهم من حسد لآدم ورفضٍ لسموه عليهم. ومن تلك اللحظة صارت عداوة بين الشيطان والإنسان([7]).

وتتجلى عداوة الشيطان للإنسان بأكثر من طريقة، فهو يزين له الشر ويبعده عن طريق الخير، ويغذي في نفسه نوازع الطمع والحسد والغرور ويدفعه إلى الكذب والغضب والظلم والفسق، وكل نقيصة أخرى في السلوك الإنساني. ولعل من أهم وظائف الشيطان في هذه الأسفار كونه ولي الكافرين، في مقابل يهوه ولي المؤمنين. ففي النص لمعروف بعنوان رؤيا إبراهيم، الذي يُرجع الباحثون تأليفه إلى أواسط القرن الثاني الميلادي، يصعد إبراهيم إلى السماء حيث يريه الرب تاريخ الأرض معروضاً عليه دفعة واحدة. ومن بين ما رأى جنة عدن وفيها آدم وحواء وبينهما الشيطان عزازيل يطعمهما من ثمار الشجرة المحرمة، وعن يمين ويسار المشهد مجموعتان كبيرتان من الناس. يسأل إبراهيم ربه عن أهل اليمين وأهل اليسار هؤلاء، فيجيبه بأن أهل اليسار هم الخطأة الذين أداروا ظهرهم للرب فأعطاهم إلى عزازيل ليسود عليهم، أما أهل اليمين فهم شعب الرب الذين آمنوا به واتبعوا وصاياه، فهو وليهم إلى يوم الدينونة([8]).

ونقرأ في مخطوط نظام الجماعة، وهو من مخطوطات البحر الميت، ويرجع بتاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد ما يلي: "في يد أمير الأنوار سيادة على جميع أبناء الرب فهم في طريق النور يسيرون، وفي يد ملاك الظلمة سيادة على جميع أبناء الضلال فهم في طريق الظلام يسيرون. ولكن بسبب ملاك الظلمة يضل أبناء البر أيضاً، فكل آثامهم وخطاياهم ومعاصيهم هي بسببه. حسب أسرار الرب، إلى نهاية الزمن"([9]).

في القرآن الكريم:

يدعى الملاك الساقط في القرآن الكريم بالشيطان، وهي من الكلمات الأجنبية. وقد وردت في العبرية التوراتية بصيغة شطن، وفي الأسفار التوراتية غير القانونية بصيغة ساتان أو ساتانا إيل، وفي السريانية بصيغة سوتونو. ومنها جاءت الكلمة الإنكليزية Satan. كما يدعى الملاك الساقط في القرآن أيضاً بالاسم إبليس، وهو على ما يبدو صيغة محرفة عن الكلمة اليونانية ديابولوس التي استخدمتها المؤلفات المسيحية. ومنها جاء الاسم الآخر للشيطان في الإنكليزية Devil.

يستخدم النص القرآني الاسم إبليس في قصه عن سقوط الملاك الرئيس التي تقوم على العناصر نفسها التي رأيناها في الأسفار التوراتية غير القانونية، وفي نصوص الهاجاداه التي غدت جزءاً من الأدبيات التلمودية. أما بعد سقوط الملاك وتحوله إلى عدو البشر، فإن النص القرآني يستخدم الاسم شيطان في بقية أخباره عن نشاط ذلك الملاك الأسود في التاريخ وصولاً إلى اليوم الأخير.

يعيد النص سرد قصة السقوط في أحد عشر موضعاً، وبتنويعات طفيفة نورد أكثرها تفصيلاً فيما يلي:

1- «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ#‏ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ# قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ# قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ# قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ# قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ# ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ# قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ#» (7 الأعراف: 11-18).

2- «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ# فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ# فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ# إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ#‏ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ# قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ# قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ# وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ# قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ# قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ# إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ# قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ# إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ# قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ# إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ# وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ#» (15 الحجر: 28-43)

3- «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً# قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً# قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُوراً# وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً# إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً#» (17 الإسراء: 61-65).

4- «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى# فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى#» (20 طه: 116-117).

5- «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ# فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ# فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ# إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ# قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ# قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ# قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ# وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ# قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ# قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ# إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ# قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ# إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ#‏ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ# لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ#» (38 ص: 71-85).

6- «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً» (18 الكهف: 50).

نلاحظ من البنية اللغوية للأمر الإلهي بالسجود لآدم ورفض إبليس الانصياع لهذا الأمر، وذلك في التنويعات الخمسة الأولى على القصة، أن إبليس كان من الملائكة، لأن الاستثناء في قوله: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى»، وتنويعاته الأخرى هو استثناء متصل لا منقطع، لأن وقوع الإباء منه دليل على أن الأمر الإلهي يشمله وأنه من الملائكة. ولكن التنويع السادس يشذ عما سبق، إذ يعْلمنا أن إبليس كان من الجن لا من الملائكة. فإذا كان الأمر كذلك، فإن الأمر الإلهي الموجه إلى الملائكة لا يشمله، كما إن إباءه من السجود لا يكون معصية لأن المأمور غيره. وهذا من متشابهات القرآن التي لم يصل المفسرون إلى اتفاق بشأنها.

على الرغم من أن القصة القرآنية هي أكثر اختصاراً وإيجازاً من مثيلاتها في الأسفار غير القانونية، إلا أنها تتفق معها في العناصر الرئيسة، وهي:

1- الأمر الإلهي وعصيانه:

"بعد خروج آدم من يد الخالق إنساناً تام التكوين، أمر الرب كل الملائكة أن يسجدوا له ففعلوا، وكان رئيسهم ميكائيل أول الساجدين لكي يضرب للآخرين مثالاً في الطاعة. ولكن الملاك الرئيس ساتان الذي أضمر الغيرة والحسد لآدم رفض السجود" (الهاجاده).

«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ# فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ# فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ# إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ#‏» (5 الحجر: 28-31).

2- إبليس يبرر سلوكه:

"قال ساتان للرب: لقد خلقتنا من ألقك وبهائك، فكيف تأمرنا أن ننطرح أمام من خلقته من تراب الأرض؟ فأجابه الرب: ومع ذلك فإن تراب الأرض هذا يفوقك حكماً وفهماً" (الهاجاداه).

«قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ# قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ#» (15 الحجر 32-33). «....قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» (7 الأعراف: 12).

3- الطرد والسقوط:

"فلما سمع منه الرب ذلك أمسك به ورماه خارج دائرة السماء، فهوى نحو الأرض وتبعه حشد من الملائكة الذين شجعهم تمرده على إظهار ما كتموه في أنفسهم من حسد لآدم" (الهاجاداه).

«قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ» (7 الأعراف: 13). «قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ# وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ#» (38 ص: 77-78).

4- طلب المهلة:

"فأمرنا الرب إلهنا أن نوثقهم جميعاً (= الأرواح الشريرة)، ولكن رئيس الأرواح مستيما مثل أمام الرب وقال له: أيها الإله الخالق، اترك لي بعضاً منهم ليستمعوا إلي ويفعلون ما آمر به، لأنه إذا لم يبق منهم أحد معي لا أستطيع بسط سلطاني على بني البشر... فأمر الرب أن يبقى عُشر الأرواح الشريرة مع مستيما، وأن يُنزل التسعة أعشار الباقية إلى مكان الحساب" (سفر أخنوخ الأول).

«قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ# قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ#» (7 الأعراف: 14-15).

«قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ# قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ# إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ#» (15 الحجر: 36-38).

وعيد إبليس:

يكتفي النص التوراتي من وعيد إبليس بقوله: ومنذ ذلك الوقت صارت عداوة بين الإنسان والشيطان (الهاجاداه). أما في النص القرآني فإن إبليس يسترسل في وعيده عارضاً بأسلوب فظ وسائله في الانتقام:

«قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» (38: ص 82). «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ# إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ#» (15 الحجر: 39-40). «ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ» (7 الأعراف: 17).

أمام هذا الوعيد يتحدى الله إبليس بأنه مهما فعل لن يقدر على إغواء الصالحين من عباده: «قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُوراً# وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً# إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً#» (17 الإسراء: 63-65).

وعلى الرغم من أن الرواية القرآنية لا تنص صراحة على أن حشداً من الملائكة تبعوا إبليس وتحولوا إلى شياطين، إلا أن الإشارات اللاحقة إلى الشياطين بالجمع، وإلى جنود إبليس وذرية إبليس، تدلنا على ذلك: «فَكُبْكِبُوا فِيهَا([10]) هُمْ وَالْغَاوُونَ# وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ#» (26 الشعراء: 94-95). «....أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ....» (18 الكهف: 50). وكلمة ذرية هنا لا تعني النسل بالمعنى البيولوجي وإنما النظائر والأشباه، وذلك كقوله تعالى: «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ....» (17 الإسراء: 27). أي إن المبذرين كانوا من نوع الشياطين.

بعد سقوط إبليس ودخوله في التاريخ، نراه تحت اسم الشيطان يتربص ببني آدم ليضلهم عن سبل الحق: «....إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً» (17 الإسراء: 53). «....وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ» (2 البقرة: 208). «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء....» (2 البقرة: 268). «....وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً» (4 النساء: 60). «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء....» (5 المائدة: 91). «....وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ....» (27 النمل: 24).

ولا أدل على سلطان الشيطان على بني البشر من قدرته على التلاعب بعقول أنبياء الله أنفسهم، والتشويش على عملية الوحي، وذلك بأن يزرع في قلوبهم آيات شيطانية تبدو لهم للوهلة الأولى آتية من الرحمن. وهذا هو مؤدى قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ# لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ#» (22 الحج: 52-53). ومن أقوال بعض المفسرين في أسباب نزول هذه الآيات من سورة الحج، ومنهم الطبري، نورد الملخص التالي:

ورد في خبر حديث الغرانيق أن الرسول تمنى في نفسه أن ينزل عليه من الوحي ما يُقرب بينه وبين قومه المشركين في مكة، ويحبب إليهم الإيمان. وكان ذات يوم جالساً في ناد من أنديتهم وقد نزلت عليه سورة والنجم إذا هوى، فأخذ يقرؤها عليهم حتى إذا بلغ قوله: «أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى# وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى#» وكان تمنيه لا يزال عالقاً في نفسه، فأجرى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى". ومضى الرسول يقرأ حتى أتم السورة ثم سجد وسجد معه المسلمون وكذلك المشركون من قريش، ثم تفرق الناس وخرجت قريش مسرورة بما ذكر محمد عن آلهتهم أحسن الذكر. وقد بلغ خبر السجدة من بأرض الحبشة من المهاجرين، وقيل لهم قد أسلمت قريش، فهمَّ بعضهم بالرجوع وتريث آخرون. ثم إن جبريل أتى إلى النبي وقال: ما صنعت يا محمد؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به، فجزع الرسول، ولكن الله كان به رحيماً، وأنزل عليه ما نسخ الذي أجراه الشيطان على لسانه: «أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى# وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى# أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى# تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى# إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ....#» (53 النجم: 19-23).

وعلى الرغم من عصيان الشيطان وتنفيذه للعهد الذي قطعه على نفسه بمقاومة أعمال الرحمن، ومِن وصفِه بالكفر في بعض الآيات: «....وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً» (17 الإسراء: 27)، إلا أنه يبدو في بعض الأحيان، وكما هو الحال في النص التوراتي، خاضعاً للرحمن يأتمر بأمره متى يشاء: «وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ# وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ

































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الضحك على الله

16-أيلول-2017

سحبان السواح

الظاهرة ليست بالجديدة، ولكنها تفشت في السنوات العشرالأخيرة وهي ظاهرة الحجاب، وتدخل الأهل لفرضه على بناتهن، وزوجاتهن، وأخواتهن، وكل من له معهن صلة قربى. والظاهرة يمكن أن نسميها العارية المحجبة. وقبل...
المزيد من هذا الكاتب

فراس السواح: الشيطان هو رمز الحرية في الإنسان.

16-أيلول-2017

قراءة أخلاقية للكتاب المقدس - مايكل برييور ترجمة

15-تموز-2017

أطوار صورة الله في التوراة

22-نيسان-2017

يسوع الجليلي والغنوصية السوريّة

31-آذار-2017

من الشعر الصيني الكلاسيكي ترجمة حرة

18-آذار-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

أن تكون سوريّا

09-أيلول-2017

قول في الفيلسوف

02-أيلول-2017

نصف مليون مريض نفسي فقط في سورية

26-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow