Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

ثلاثة رجال وامرأة

سحبان السواح

خاص ألف

2014-09-03

كانوا رجلين و امرأة..

الغرفة صغيرة, جدرانها بيضاء مصفرة. في وسطها طاولة مستطيلة، و بضعة كراس مختلفة الأشكال و الألوان، و مدفأة حطبية قديمة. مجموعة لوحات معلقة على الجدران. على الطاولة مجموعة من الصحف القديمة و المجلات ذات الألوان الزاهية بصور لنساء شقراوات و سمراوات و بين بين. فناجين قهوة جف ماؤها، فتجمع البن في أسفلها كتلة بنية متشقققة. ثمرتا رمان يابستان، و صينية عليها دلة قهوة استعملت لصنع الشاي, و كؤوس شاي فارغة إلا من بقايا ماء ملون حيث تجمع الشاي الناعم في أسفلها. في صدر الغرفة أريكة طويلة بمسند عريض، تجمعت فوقها مجموعة من الوسائد متناغمة الألوان. خلفها نافذة خشبية مكسورة الزجاج بشكل هندسي منتظم. باقي زجاج النافذة متسخ بدهون و غبار و ألوان زيتية. في إحدى الزوايا تلفزيون بارد و فوقه مسجلة تبث موسيقى خفيفة. إلى جانبها أكداس من الرسائل و الأوراق المبعثرة بفوضى غريبة. في زاوية الغرفة على شمال الباب بضعة أصص مزروعة بأصناف مختلفة من النباتات لم يعتن بها أحد من زمن بعيد، فاصفرت أوراقها و ذبلت.

جلس أحد الرجلين يدخن على الكرسي الملاصق للمدفأة الحطبية. بينما جلس الآخر في مواجهته تماما عاري الصدر، فقد كان يعاني من مرض فطري جلدي.

تمددت الفتاة على الأريكة و مدت ساقيها المعبأين ببنطال جينز على كرسي في مواجهتها، فبدت قدماها الصغيرتان مدهونتا الأظافر من فتحتي الجينز الضيقتين، مثيرتين للرغبة. و انزاحت بلوزتها ذات الفتحة الواسعة عند الصدر و الكتفين فبدا كتفها لينا ناعما تقاطعت معه حمالة الصدر لتعطي انطباعا جميلا لكل من يراها.

و أظهرت جلستها ليونة جسدها و جماله. كان الصمت يخيم على الثلاثة. و كان الرجل عاري الصدر يقلب أوراقا بعصبية ظاهرة. قالت الفتاة موجهة الحديث له:

- ساعة و أنت مشغول بأوراقك و رسائلك. إذا كان وجودي يضايقك فسأذهب.

نظر إليها الرجل، تأملها بعناية باردة، و عاد إلى أوراقه يقلبها بهدوء. و يبدو أنها ما كانت تقصد سوى أن تكسر الصمت، لذلك لم تهتم لحركته، فأنزلت قدميها العاريتين المثيرتين إلى الأرض، و سارت حافية بضع خطوات نحو المسجلة فأوقفت الشريط، ثم اختارت شريطا آخر، وضعته في مكانه و أدارت المسجلة فصدحت موسيقى صاخبة راحت ترقص على أنغامها، ثم اقتربت من الرجل الثاني و سألته أن يرقص معها، فلم يظهر حماسا لذلك، فراحت تتلوى أمامه بخصرها النحيل، و قدميها العاريتين النحيلتين، بينما استمر هو يدخن و ينظر إليها. و استمر الآخر عاري الصدر يقلب أوراقه، دون أن يلتفت إليها. تابعت حركاتها لبضع دقائق، ثم عادت إلى مكانها لتستلقي بالطريقة نفسها، ممدة ساقيها على االكرسي أمامها، و محركة قدميها على أنغام الموسيقى بعصبية. حافظ الرجل الثاني على صمته، أشعل سيجارة جديدة من عقب سيجارته المحترقة حتى آخرها. في تلك اللحظة قرع جرس الباب. توقف الرجل عاري الصدر عن العبث بأوراقه، لملمت الفتاة قدميها العاريتين ملونتي الأظافر و أنزلتهما إلى الأرض. حدق الرجل الثاني دون أن يتوقف عن التدخين بالرجل مرة و بالفتاة مرة أخرى. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحا، و لم يكونوا يتوقعون زوارا. مرت دقيقة دون أن يتحرك أحدهم ليعرف من في الباب. ثم قام عاري الصدر باعتباره صاحب البيت، توجه نحو الباب، فتحه، فدخل الرجل الثالث.

دخل الرجل الغرفة متوقعا وجود الثلاثة، و محرجا لأنه قطع عليهم استرخاءهم وسعادة غامرة تتملكه. ألقى مجموعة من النكات لم يضحك لها سواه، فاقتنع بضرورة الصمت، فصمت. كان قد جلس على الأريكة بجانب الفتاة، حدق بقدميها العاريتين المتكاسلتين على الكرسي أمامها، و الطالعتين من فتحتي الجينز الضيقتين. استمتع بمراقبة القدمين الصغيرتين الناعمتين، لم يعد قادرا على أن يرفع نظره عنهما. أثارتاه أكثر مما يمكن أن تثيره امرأة كاملة العري مسترخية على سرير فاخر. هل انتبهت إلى ذلك فصارت تحرك قدميها و ترقصهما أمامه على أنغام الموسيقى؟ هل انتبهت له مستغرقا في تأمل قدميها فارضى ذلك غرورها؟ مرة قال له صديق أن أول ما يعشقه في المرأة قدماها، و أن ذلك يعتبر مرضا شائعا عند علماء النفس، فهل صار مريضا بهذا المرض. إنه الآن يفهم تماما صديقه عاشق القدمين، و لن يسخر منه مرة أخرى. شعر بنشوة غريبة و هو مستغرق في تأمل قدميها, و شعر بالإثارة.

كان قد قرر في آخر لقاء بينهما أن يكاشفها بأنه ما عاد قادرا على الاستمرار بالاتفاق المعلن بينهما، و بناء على طلبه، بأنهما سيكونان صديقين فقط، قال لها:

- أحتاج إليك، أحتاج في هذه الفترة من حياتي إلى امرأة أتحدث إليها، أحاورها، أنقل إليها همومي و إحباطاتي. أحتاج إلى صديقة تكون إلى جانبي و معي.

كان قد قرر أنه لن يحب مرة أخرى بعد فشل آخر تجربة حب له. ذلك الفشل الذي يعانى منه كثيرا. و لكنه يوما بعد يوم صار يكتشف أنه يهتم بها، و حين ضبط نفسه متلبسا بالتفكير بها عدة مرات، لأوقات طويلة من يومه، قرر أن يفاتحها بذلك. قرر أن يعدل من الاتفاق الشفهي المعلن بينهما، فإما أن تقبل بالتعديل، أو يبتعد عنها، لأنه صار يخاف من الوقوع في حبها، و أن يتحول حبه إلى حب من طرف واحد، قال لها:

- لن أستطيع الاستمرار بأن أكون صديقك فقط. لقد صرت تعنين لي شيئا أكبر، أنا أفكر بك كثيرا، و أخشى أنني بدأت أحبك، فهل أنت قادرة على حبي؟

قالت له:

- ليست المشكلة في أن أكون قادرة على حبك، فأنا أحبك بالفعل، و لكنني أقاوم هذا الحب، و سأستمر أقاومه، أنا قوية و سأنجح. ماذا يعني أن أحبك و تحبني؟

و إلى أين سيقودنا هذا الحب؟ في هذا الزمان الصعب. سنفكر بالزواج، ستعرضه علي أو سأطلبه منك، و عندها ستبدأ رحلة البحث عن مكان يؤوينا، و فراش ننام عليه، و مال نأكل منه، و كل ذلك بعيد المنال.

قال لها بيأس:

- هل نفترق إذن؟

قالت بود مفاجئ:

- إذا كنت لا تستطيع أن تكون قويا مثلي فالأفضل أن نفترق.


- 2 -


صاروا ثلاثة رجال يعشقون امرأة واحدة..

فكر الرجل عاري الصدر: هي تعرف أنني أحبها، اعترفت لها بذلك، لكنها راوغت، لم تقل أنها لا تحبني. و أيضا لم تعترف بحبها لي، تركت الأمر معلقا. قالت أنها تميل إلي كصديق، و أنها ترغب بصداقتي، و لكن الحب؟!!! الحب شيء كبير لم تشعره نحوي، و لا تعتقد أنها قادرة عليه. و تابعت، ربما تمكنت من ذلك في المستقبل. اللعينة تركتني معلقا بشعرة معاوية. أنتظر أن يجيء اليوم الذي تعترف فيه بحبها لي. أنا أعشقها بجنون، هل تعلم ذلك؟ و تعلم مدى تأثيرها علي؟ ومع ذلك تتمدد أمامي ببلوزتها الصيفية المثيرة، متلوية على الأريكة، أو متراقصة أمامي على أنغام الموسيقى مثيرة فيّ مشاعر الحب و الجنس، و الشبق. سعيدة بوجود ثلاثة رجال يشتهونها أو يحبونها أو يرغبون بها. أنا الوحيد الذي أعلن حبه لها أمام الجميع، أمام كل الأصدقاء، فبدوت غبيا ساذجا، ما أفعله اليوم هو قمة ما قدرت عليه. كان علي أن أتجاهل وجودها علّها تشعر بي. اتخذت القرار منذ أربعة أيام، عندما تزورني سأتشاغل عنها. سأظهر أنها لا تهمني، قد يدفعها ذلك إلى تغيير موقفها مني. فهل تفعل؟

و فكر الرجل المدخن و هو ينظر إلى الفتاة دون أن يشعرها بذلك: أكره تلك الثقة الكبيرة التي تتعامل فيها تلك المرأة مع الرجال، معنا. هي تعرف أننا جميعا، ثلاثتنا نحبها، كل على طريقته. و هي الآن تغوينا جميعا، دون أن تمكن أحدنا منها، هذا ما يبدو على السطح طبعا. فلم يسبق لنا نحن الثلاثة أن تحادثنا حول موضوعها. لم يسأل أحدنا الآخر فيما إذا كانت هناك خصوصية في علاقته معها أم لا. و لكننا جميعا نسلم له، لصاحب هذا البيت، بأفضليته علينا. فهو الذي أعلن حبه أمام الجميع.

ها هي تتمدد الآن تماما، و تتلوى ضاحكة، أو ترقص مغناجة، و تعرف أن كل حركة منها تغوينا. ما الذي تقصده بالتحديد؟ أي شيء يدور في عقلها؟ و خلف عينيها الشقيتين أحاول جاهدا أن أبدو أمامها غير آبه بها، أهاجمها، أو أهاجم أية فكرة تطرحها، و أسفه مازحا أي رأي تطرحه، لأبدو أمامها متماسكا، و أقطع عليها الطريق لكي لا تظن أنني موله بحبها. على أية حال أنا لا أحبها، أنا فقط أشتهيها، أشتهي جسدها الطري، و أنوثتها الطاغية، و أعرف أنكما أيها اللعينان مثلي.

فكر الثالث و هو مستمر في التحديق بقدميها ملونتي الأظافر: أي شيء بقي لنا في هذا العالم سوى قدرتنا على أن نحب و أن نحب. فلمʹ هذا الهروب غير المبرر؟ أيتها الحبيبة دعينا نلص السعادة و الحب، و لا نفكر في أي شيء آخر. كل ما حولنا سراب.. كل شيء في داخلنا سراب، فلماذا نهرب من لحظة الحقيقة؟ أعلم أن هذين الرجلين يحبانك، أو فلنقل أحدهما يحبك و الآخر يشتهيك، أعلم و أغار.

و تعلمين بذلك و تستمتعين بغيرتي. كنت أعلم أنك معهما اليوم، أخبرتني أنت بذلك و طلبت مني الحضور، و كنت قد قررت ألا أحضر، أن أظل بعيدا، و أتركهما يحبانك كل على طريقته. سكرت وحيدا في البيت، شربت العرق وحيدا على السطح، مازتي كانت ملامح وجهك، و عينيك الضاحكتين دائما. و عندما وصلت إلى ذروة النشوة، شعرت بتعاسة كبيرة، فغادرت المنزل دون قرار مسبق، و توجهت إلى حيث تجتمعون، لأقتحم عليكم خلوتكم. لاحظت فرحة هاربة من عينيك لحظة دخلت، أسكرتني فرحتك تلك التي لم تستطيعي إخفاءها، أكثر من العرق الذي عبأته في معدتي الخاوية. أحبك، و لا يهمني الآن أحببتني أم لا.


- 3 -

أعلن الرجل الثالث رغبته في المغادرة. سألته الفتاة أن ينتظر ليوصلها في طريقه، غادرا معا، كان درج البيت معتما، أمسكت بيده، و قربتها إلى صدره محتمية به من العتمة. و حين وصلا إلى الشارع شابكت يده يدها، الرابعة صباحا و الشوارع خالية إلا من سيارات السهرانين و العشاق. سارا مستمتعين بالليل و الهدوء. كانا خائفين من أن تعترضهما سيارة شرطة تطالبهما بهويتيهما، فتعرف أنهما ليسا زوجين، فتعتقلهما بتهمة أخلاقية حسب القانون. و رغم ذلك تابعا السير باتجاه بيتهما، تحادثا طويلا في كل الأمور، حدثها عن نفسه و حدثته عن نفسها. و عندما تعبا استوقفا سيارة أجرة ، فأوصلها إلى منزلها، ودعها عند الباب، ثم عاد إلى السيارة. طلب من السائق أن يأخذه إلى أعلى نقطة من قاسيون تطل على دمشق، نظر إليه السائق باستغراب و تردد، فقال له أنه سيدفع له كل ما يطلبه، و رجاه أن ينفذ رغبته. حرّك السائق سيارته متوجها إلى قاسيون، و هناك في أعلى نقطة في الجبل، توقف السائق، فنزل من السيارة طالبا إلى السائق أن ينتظره، وقف متقابلا مع دمشق المدينة، متلألئة بالأنوار، بحث عن نقطة ما، خمن أنه بيتها، و بكى بحرقة.


- 4 -

في البيت الذي غادره الرجل الثالث و الفتاة، ظل الرجلان الآخران وحيدين يجتران أفكارهما، أحدهما يدخن، و الثاني ينظم أوراقا كان قد نظمها في تلك الليلة عشرات المرات.

































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

18-آذار-2017

سحبان السواح

كثيراً ما فكَّرْتُ في موضوعِ الصَّلاةِ، وقصَّةِ مُحَمَّدَ معَ ربِّهِ وموسى، وطلبِهِ تخفيفَ الصَّلواتِ الَّتي فرضَها اللهُ على المسلمينَ في المرَّةِ الأولَى؛ وكانَتْ خمسينَ صلاةً، فلو قَبِلَ النَّبِيُّ بهذا العددِ...
المزيد من هذا الكاتب

قصَّةُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، وواجبِ شكرِنا موسى.. وأتباعَهُ مِنْ بعدِهِ.

18-آذار-2017

يوميات سوري عادي

11-آذار-2017

نظرية المؤامرة

25-شباط-2017

وريث الخيانة

22-كانون الأول-2016

من صنع داعش، وما هي مهمتها

12-كانون الأول-2016

خواطر في ليلة جمعة

18-آذار-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

11-آذار-2017

السمكة

04-آذار-2017

بنطال إيزنهاور / محمد مراد أباظة

25-شباط-2017

كان لي أمل

18-شباط-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow