Alef Logo
المرصد الصحفي
              

ثلاث نوافذ تطلّ على حمص / بدر الدين عرودكي

ألف

2014-08-27

نبلاء فرنسيون يشهدون المأساة السورية

ثلاثة كتب، أولها لصحافي أميركي / فرنسي: جوناثان ليتيل، «دفاتر حمص»، وثانيها لصحافية فرنسية: إديث بوفييه، «غرفة مع إطلالة على الحرب»، وثالثها لصحافية فرنسية، كارولين بوارون«اغتيال عاجل»، كتبته بالتعاون مع الصحافيَّيْن سيد أحمد حموش، وباتريك فاليليان، عن زوجها المصوِّر والصحافي الفرنسي جيل جاكييه الذي قتل في حمص يوم 11 يناير/كانون الثاني 2012. ثلاثة كتب اتخذت على غير اتفاق مسبق موضوعاً واحداً: الحرب التي يشنها النظام السوري على شعبه، ومكاناً واحداً: مدينة حمص، أيقونة مدن الثورة السورية.

وفي الوقت الذي وصل مؤلِّفا الكتابين الأوَّلَيْن مع زملائهما من الصحافيين الآخرين إلى حمص سرّاً بمساعدة الثوار الذين أشرفوا على نقلهم وإقامتهم ومعاونتهم على القيام بما أتوا من أجله، وسهروا على راحتهم، وبذلوا المستحيل بما في ذلك التضحية بأنفسهم كي يغادروا سورية سالمين، كان حضور جيل جاكييه بصحبة زوجته وصحافيين آخرين قد تمَّ بمعرفة حكومة النظام السوري وموافقتها المسبقة.

** ** **

تهدي إديث بوفييه كتابها إلى عددٍ مِمَّن تحب. من بينهم: «السوريون الذين حملوني على ظهورهم، أو بين أذرعهم، أو الذين بأيديهم الموضوعة على جبيني، أعادوا لي القوة كي أؤمن به عملاً، وأن أناضل.. لم يضع أحد البندقية على صدغي كي يرغمني على الذهاب إلى سورية. ولم يمنحني أحدٌ حقائب ملأى بالأوراق النقدية. إنه خيارٌ واع، نضج خلال زمن طويل. لا شيء من الجنون فيه، لا شيء من الغرابة».

لم تكن وحدها في هذا الوعي الناضج بما تفعل،لذا تنتقل من ضمير المفرد إلى ضمير الجمع: «نعرف أين نضع أقدامنا. لكننا نفعل كما لو أنه لم يكن ثمة شيء، كما لو أننا لا نسمع القنابل التي كانت تدوّي. نمزح، نلعب، كي نتجنَّب القدر. كان لابد من الذهاب إلى هناك. لأن الصراع قليل التغطية في الصحافة. لأنه يجب الحديث عما يجري فيها. لأن تلك هي مهنتنا». «طبيعي أننا نخاف، وأننا على وعي بالمخاطر، لكن الرغبة في الفهم، في رؤية الحرب عن كثب، في أشدِّ مظاهرها رعباً، كانت أقوى».

لم تكن وحدها، إذ حضرت مع المصوِّر وليام دانييل الفرنسي، والصحافيَّيْن: البريطاني بول كورنوا، والإسباني خافييه إسبينوزا. كانوا على موعد مع الصحافي الفرنسي ريمي أوشليك في بيروت الذي انطلق قبلهم بيوم إلى حمص، وإلى بابا عمرو تحديداً، ثم لحقوا به في اليوم التالي إلى المكان نفسه. كانوا جميعاً على موعد مع شبابٍ من الجيش الحرّ يتكفَّلون بنقلهم ذهاباً وإياباً ومرافقتهم خلال إقامتهم. أمرٌ لابدَّ منه. فالنظام يحول بكل الوسائل دون حضور رجال الصحافة والإعلام إلى سورية إلا بشروطه وتحت رقابته. وليس الأمر كذلك مع الجيش الحر.

ثلاثة أيام مضت على وصولهم كانوا خلالها يزورون المدينة على إيقاع القصف المتواصل، وتحت الحصار الذي فرضه جيش النظام على حيِّ بابا عمرو. كان عليهم كي يصلوا إلى قلب الحيّ أن يعبروا نفقاً يمتدّ على ثلاث كيلومترات. عرضه متر واحد وارتفاعه 1.60متراً. لكن الأمر لم يجرِ كما كان الجميع، يتوقعون. اليوم 22 فبراير/شباط. الساعة الثامنة صباحاً. انفجارٌ عاصف يصيب المركز الإعلامي حيث كانوا جميعاً فينقلب المكان والفضاء غباراً كثيفاً كان يكشف مع تلاشيه عن هول الكارثة: جسدان لامرأة ورجل: ماري كولفان الصحافية الأميركية، وريمي أوشليك، الصحافي الفرنسي. تراهما إديث وهي محمولة على ذراعي صديقها وليام دانييل لإسعافها بعد اكتشافهما أن الدم كان يفور من ساقها المنتفخة بغزارة. ثوانٍ من التردُّد قبل خروجها حالت دون سقوطها، مثلهما.

في المستشفى الميداني الذي نُقِلت إليه عرفت الأمر: كسرٌ في ساقها بفعل الانفجار تستحيل معالجته محلياً. لا بدّ من نقلها إلى بيروت وبأسرع وقت ممكن. هكذا تكتب القصة من جديد. لا قصة الشعب الذي يستميت في الدفاع عن حريته فحسب، بل قصة هؤلاء الشباب الذي يستميتون من أجل تأمين عودة الصحافيين إلى لبنان قبل الانقضاض المنتظر على حي بابا عمرو حيث كانوا.

وها هي إديث تطلّ يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، خلال عشرة أيام، من نافذة الغرفة التي تنتظر فيها بحيِّ بابا عمرو المُحاصَر على الحرب الدائرة ليل نهار، كانت تراقب وتنتظر وتخاف وتأمل مستعيدة أياماً أخرى في بلاد أخرى قريبة، تعيش مآسي شبيهة، راوية في الوقت نفسه محاولات الشباب الساهر عليها كي يخرجوها ورفاقها آمنين، بينما يقومون بتأمين نقل التموين والأدوية والجرحى من الحي وإليه. تزيد قناعتها رسوخاً بجدارة ما تعمله، لا بل بضرورته المطلقة. تلك هي مهنتها، وهكذا تكون.

سيُضَحّي عددٌ من الشباب السوري في الجيش الحرّ بحياته كي ينقذها ورفاقها، وستصل إلى برّ الأمان، وستعود إلى باريس لتحتفل وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية بها وحدها دون الاهتمام بالمكان الذي أصيبت فيه، لكنها في كل مرة كانت ترفض الحديث عن نفسها لتقول بصراحة: إنما جئت هنا لأتحدث عن سورية وعن نضال شعبها من أجل الحرية.. لتجعل من الثوار الشباب ونضالهم فحوى كلِّ حديث أو حوار.

كأنما جاءت إديث بوفييه، من حيث لا تدري، لكي تبرئ، من دون أن تقصد أيضاً الثوار من دم جيل جاكييه. فقبل مجيئها ورفاقها بنيّف وشهر، في مطلع شهر كانون الثاني/يناير 2012، وصل جيل جاكييه الصحافي الفرنسي، بصحبة زوجته كارولين بوارون، الصحافية أيضاً، وعدد من الصحافيين الآخرين، بصورة رسمية إلى دمشق. أي بموافقة السلطات السورية. أي الأمن السياسي. كان جيل جاكييه يتطلَّع إلى لقاء بشار الأسد، ورامي مخلوف وكذلك مناف طلاس، مثلما كان يروم زيارة المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة، درعا. ظنَّ، وقد زينت له مَنْ سهّلت له مهمته، أن بوسعه تحقيق ذلك. لكنه يُفاجَأ وقد وصل دمشق، أن عليه الذهاب إلى حمص، وأن لا خيار لديه في القبول أو الرفض. قيل له: «إما حمص أو الرحيل!». يُرسَلُ إلى قَدَرِه. يُرسَل لكي يُحال بينه وبين أن يكتب شيئاً عما كان قد رآه، أو سيراه، هو الصحافي المتمرِّس في مناطق الأزمات والحروب والمآسي. سيلقى حتفه جرّاء قصف، شبه مُخطط له في الزمان وفي المكان. سيُتَّهَم الثوار بقتله، على الرغم من أنه قُتِل في منطقة محميّة من جيش النظام. لكن زوجته كانت هنا، شاهدة على مقتله. زملاؤه كانوا هنا أيضاً شهوداً على كيفية مقتله. ومن حيث لا يحتسب من قتلوه، تحوّل الكتاب إلى مهمة تحقيق قام بها صحافيون مهنيون يستوون مع المحقِّقين القضائيين، إن لم يكونوا أشدّ منهم مع كتاب إديث بوفييه.تحوّل الموضوع إلى تسليط الأضواء كلها على النظام، وعلى ممارساته، وعلى تكتيكاته، وجرائمه خصوصاً.

هكذا يقودنا الكتاب إلى الإجابة عن تساؤلات كانت تبدو للوهلة الأولى بلا جواب، أو تكاد. كيف حدث أن قَبِل النظام استقبال صحافيين غربيين ينتمون إلى دول غير صديقة فجأة؟ كيف زيّنَ لهم قبل وصولهم أن بوسعهم أن يتحركوا كما يشاؤون ليكتشفوا إباّن وصولهم أن ثمة برنامجاً مُعَدّاً لهم طوال فترة إقامتهم؟

نكتشف شيئاً فشيئاً عناصر الإجابة كما لو كانت عناصر لغز تتكشف أمام أعيننا. كان المراقبون الذين أرسلتهم جامعة الدول العربية بقيادة الفريق الدابي هناك. وكان النظام يريد أن يبرهن على ضلال ما يقال عنه حول رفضه وجود الصحافة الحرة في سورية. ها هو يبرهن لمن يريد أن يرى أن صحافيين أوربيين، بل ومن دول معادية كفرنسا، يوجدون في سورية، ويعملون بمعرفة وموافقة حكومة النظام. بعض بنود البرنامج المُعَدِّ سلفاً لجيل جاكييه ورفاقه تكشف الأمر. إذ فجأة يجد نفسه ورفاقه بلا سبب أو مبرِّر في فندق شيراتون حيث يوجد المراقبون العرب، بل كما لو أن الأمر محض صدفة، في اللحظة التي يخرج فيها الفريق الدابي من غرفته مغادراً الفندق بطريقة لا يستطيع معها تلافي رؤية الصحافيين الغربيين أو تجاهُل وجودهم. في تلك اللحظة، أدّى جيل جاكييه ورفاقه من دون أن يدروا ما كان منتظَراً من وجودهم في دمشق. وعليهم الآن أن يتوجَّهوا إلى حمص مثلما قُرِّرَ لهم، شاؤوا أم أبَوا، ولم يكن جيل جاكييه يشاء ذلك.

سيصير الكتاب تحقيقاً بوليسياً حول مقتل جيل جاكييه يوم 11 كانون الثاني/يناير 2012 لدى وصوله إلى حمص، تحقيقاً مستمراً سنة كاملة قبل أن يُنشَر، وسيستخدم كل الوسائل المتاحة أمام الصحافيين الغربيين وخبرتهم في مثل هذا المجال، وسيكشف التحقيق عن عناصر لا تمتّ للتحقيق بصلة بقدر ماتمتُّ إلى لبّ الموضوع: زعْم النظام قتاله جماعات إرهابية مسلَّحة تعيث في البلاد فساداً. يكتشف أن هذه الجماعات المسلَّحة التي يحاربها النظام لا تهاجم إلا المظاهرات المناهضة للنظام في حين تعفّ عن مهاجمة المسيرات الموالية! يكتشف أنه يقابل على الدوام في السجون التي يزورها سجناء جاهزين من كل فئات الجماعات الإرهابية، وأن تليفزيون الدنيا موجود على الدوام قبيل الحدث (جرائم الجماعات المسلحة) بدقائق معدودات، مثله في ذلك مثل رجال الإطفاء! وأن كل الوسائل تبرِّر الغاية، بما في ذلك مثلاً الحيلولة بين مراقبي الجامعة العربية وبين القيام بوظيفتهم من خلال دسِّ العقاقير في طعامهم الصباحي كي يصابوا بإسهال يحول دون خروجهم من غرفهم ما داموا لم يستسلموا في العشية لإغراءات الفتيات اللواتي يمتهنَّ الصحافة نهاراً و«السهر» على راحة المراقبين ليلاً!

كان جيل جاكييه يعرف أنه سيكون حبيس شبكات الأمن التي بناها النظام السوري، وهي أشدّ قوة وأكثر صلابة من تلك التي بناها القذافي أو بن علي، وأنه لن يفلت منها. ولا بدّ أنه قد استسلم بقدر من السذاجة إلى شعوره بأن مهنته وجنسيته تحميانه من اعتداء مباشر على شخصه. لكنه كان، بلا أي شك، على وعي كامل بمخاطر مهنة اختارها، ولم يكن يفكِّر حتى في اتخاذ الحيطة من خطر كان يتجسّد أمام عينيه حين قيل له: «إما حمص أو الرحيل!». فكر بالأحرى بما يمكن أن يثري المهمة التي جاء من أجلها، وكانت تصطدم بكل العثرات التي لم يكن ينتظرها، لاسيما تلك التي لم يكن قادراً على التغلُّب عليها، تلك التي أودت بحياته بكل صفاقة.

«ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة»صدق الله العظيم. يستوون في ذلك جميعاً، نساءً ورجالاً، حين تتماهى أنفسهم مع مهنتهم، مع ما يعتبرونه رسالتهم. صارت خصاصتهم أن يؤدّوا الأمانة كما رأوها، كما شهدوها، كما عاينوها، كما تألّموا منها، كما يليق بهم أن يحملوها، وأن يؤثروها على أنفسهم.

تلك، أيضاً، حال الروائي والصحافي الأميركي الفرنسي جوناثان ليتيل. يصل بلا إذن من السلطات الأمنية السورية (ولكن بمعونة الثوار الذين استقبلوا من قبل صديقه مانون لوازو الذي حقق فيلماً وثائقياً عن حمص خلال شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2011) إلى حمص يقيم فيها بين 16 كانون الثاني/يناير و 2 شباط/فبراير 2012 ويعيش يوماً بعد يوم حياة شعب ثائر في مدينة ثائرة، بكل ما تنطوي عليه من بطولات وما تواجهه من فظائع ترتكبها قوات النظام وشبيحته.

لن يكتب جوناثان رواية، فهو لم يأت إلى حمص كي يفعل. كانت حصيلة ما نشره خمسة تحقيقات مثيرة بصدقها وبواقعيتها في صحيفة اللوموند التي رعت مهمته. لكنه سينشر كتابه الأساس، «دفاتر حمص»، بعد ثلاثة أشهر من عودته. كتابٌ كتبه لحظة بعد لحظة، ويوماً بعد يوم. يُسجِّل اللحظات اللاهثة على إيقاع القصف وفي زحمة الحوادث وتحت وطأة أشباح الموت. لن يكون جوناثان روائياً في طريقة كتابته، لكنه سيكون ماهراً في تصوير الوجوه والشخصيات بخطوط سريعة لا ترسم ملامحــــها الخـــــارجية فحســــــب، بل تســــبر - في الوقت نفسه - خصوصيتها الخفية. سيضع أقنعة على أسماء من التقاهم كي يحميهم. لكنه سيسَمّي، في ما وراء ذلك، الأشياء بأسمائها بلا محاباة أو خوف، لأنه شاهد. شاهدٌ، رأى بأمِّ عينيه كيف يتم تلوين بعض البيوت حماية لها من قصف الطائرات أو الحوامات أو مدافع الهاون البيوت التي يسكنها الموالون أو الشبيحة.. شاهدٌ لا يصادق على ما يسمعه إلا بعد أن يعاينه بنفسه: كيف يقتل شابٌّ أثناء وجوده ضمن مظاهرة سلمية على أيدي قناصة الجيش النظامي! وكيف نقل التليفزيون الرسمي مقتله على أيدي «العصابات المسلحة»! شاهدٌ على قطع الرؤوس واغتصاب الفتيات وقتل الناس من طوائف مختلفة من أجل تسعير الحرب الطائفية. شاهدٌ على قتل الأطباء والممرضين وعلى تدمير كل مستوصف أو مستشفى. شاهدٌ على نظام يستدرج الأطفال كي يعلم منهم كيف يعيش آباؤهم، وعما يتحدثون، ومن يستقبلون، وأي قنوات تليفزيونية يشاهدون! شاهدٌ على إخلاء البيوت بالتهديد وبالقتل. شاهدٌ أيضاً وأيضاً على صحافي بلجيكي جاء برعاية النظام وتحت رقابته وهو يعيد إنتاج رواية النظام عن «الجماعات المسلحة» و«الإرهابيين» الذين «يروِّعون الآمنين»!

ولأنه يستمع فيصغي، أمكنه أن يفهم ما لم يفهمه كثيرون. في مدينة تكاد تجتمع فيها طوائف سورية كلها، ويتظاهر فيها الناس جميعاً، ويشكِّلون حلقات كحلقات الذِّكْر بلا أي مضمون دينيّ، فيها المسلمون والمسيحيون، يغنون، ويرقصون، ويهتفون، نساءً ورجالاً، في انسجام وحيوية،«محتدّين، متوتِّرين. مستوى من طاقة فرح ويأس لم يسبق لي أن رأيت مثله من قبل أبداً» كما يقول.

يشهد جوناثان في المدينة على واقع اعتقال شاب فيها وتعذيبه لأنه رأى نفسه في حلم يقود فيه موكب الرئيس. عندما كتب زكريا تامر عن حلم مماثل قبل أكثر من ثلاثين سنة حسبه الناس خيالاً!

سيقابل عبد الرزاق طلاس. وسيشهد الخصومات العابرة لكن الكاشفة بين الثوار أنفسهم مسجلاً تعليقاً شديد البلاغة على إحداها: «يجب أن تفهمهم يا سيدي. أربعون عاماً من الخوف». ليعلِّق بدوره: «قبل أن يقتلوا بشار الحقيقي لابد من أن يقتلوا البشار الموجود في رؤوسهم»!.

سيقابل ضباطاً علويين انشقوا عن الجيش. خمسة منهم موجودون في الجيش الحر بحمص، وسيسمع أحدهم يقول له: «لم أسمع أبداً: نريد أن نقتل العلويين. فقط أشخاصاً محدَّدين قاموا بارتكاب الجرائم».

يرى جوناثان ليتيل، ويعاين يوماً بعد يوم كيف يحيطه الثوار بعنايتهم، هم الذين اتَّهمهم جورج مالبرونو بقتلهم جيل جاكييه اعتماداً على قول مصدره في حمص. يحاول أن يحصل من مالبرونو على اسم هذا المصدر كي يناقشه مباشرة حول المسؤول عن مقتل جاكييه، مادام موجوداً في حمص، على عكس مالبرونو، لكن هذا الأخير يرفض الكشف عنه لأسباب لا يعلمها إلا هو.

يستيقظ يوم 26 كانون الثاني/ يناير على القصف. طفل في الثانية عشرة من عمره يُقتَل. «إنهم يطلقون النار على الأطفال. من أجل لاشيء. لاشيء على الإطلاق. إلا من أجل معاقبة هذا الشعب الجموح، اللعين. الذي يرفض أن يحني رأسه بصمت لسيِّده ومعلِّمه. يعاقبونه على نار هادئة». سيرى جثامين الأطفال وقد ثقبتها ضروب الرصاص، وقوافل الجرحى الذين لا يجدون من يسعفهم إلا ممرِّضاً وحيداً بعد مقتل الأطباء أو اعتقالهم أو هرب من بقي منهم خوفاً من شبيحة النظام وجنوده.

ثلاثة كتب كالمأساة الإغريقية في وحدة شخوصها وزمانها ومكانها. لكنها هنا المأساة السورية، كتّابها هم أبطاله، هؤلاء «الشباب المبتسمون، الذين يفيضون حيوية وشجاعة، الذين لا يمثِّل لهم الموت أو الجراح الفظيعة أو الدمار أو الانحطاط أو التعذيب شيئاً بالمقارنة مع السعادة المذهلة التي يشعرون بها جراء رفض ما أثقل كواهل آبائهم طوال أربعين عاماً». ومكانها حمص أيقونة مدن الثورة، وزمانها هو زمان هذه الثورة الفريدة. أما شهودها فهم بعض نبلاء هذه المهنة، مهنة الكتابة في الميدان، مهنة الصحافة.

عن مجلة الدوحة.

الصورة للصحافي الفرنسي جيل جاكييه



تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow