Alef Logo
مقالات ألف
              

غواية المؤنث - قراءة في رواية لسعد محمد رحيم

صالح الرزوق

خاص ألف

2014-07-24

من الواضح أنه من الكلمة الأولى و حتى آخر حرف في رواية ( ظلال جسد ضفاف الرغبة ) لسعد محمد رحيم والتي ستصدر قريبا عن دار المدى هي عمل عن شخصية واحدة لها عدة أسماء و عدة هويات و علاقات غامضة مع سبعة أشخاص لا نعرف شيئا عنهم سوى تلك اللحظات الملتهبة بالحب المادي و المحرم.

و لكن إذا كان بناء شخصية البطلة الغامضة غير محدد لأنها أصلا مدعاة للشك و لا نعلم شيئا يقينيا عنها فإن ضحاياها لهم صفات معروفة. و هم يحتلون مستوى رمز فني يصلح للتعبير ليس عن مستوى من مستويات الحكاية و لكن عن شريحة من شرائح المجتمع. و ما يعنيه ذلك من هموم و وجهات نظر و إيديولوجيا أو طرائق في التفكير و استجابة للأحداث.

و الأحداث هنا و إن كانت تأتي بصيغة عشق مفاجئ فهي تدور في إطار متشابه أو على خلفيات متكررة تغطي ملابسات الإحتلال الأمريكي للعراق و ما نجم عنه من فوضى و خراب و عنف.

و أكاد أجزم أن رواء العطار ( الاسم الإفتراضي لسبع نساء هن في الواقع امرأة بعينها ) لديها سلاح واحد هو أنوثتها الطاغية و لذلك كانت رمزا مركبا، إنه بالإضافة لفتنة أنوثتها لها نظرات حيوان مفترس . و كما ورد في مستهل الرواية ( فوق ابتسامتها المشعة توجد عيون حيوان بري من فصيلة النمور ) ( ص 3).

فهل هي رمز للخطأ الذي تحول إلى خطيئة؟ هل هي إغواء الغرب؟ لحظة التورط في تحرير البلاد من الطاغية و لكن فقط لتسليمها ليد الإحتلال بأبشع صوره و أساليبه؟..

لقد تناوبت على الرواية أحداث عنفية لها شتى أنواع الغرائز ، من القتل بدم بارد و حتى الحب الشهوي المدنس.

و هذا حولها من قصة صراع على الأرض و كرسي السلطة لصراع إنساني مكشوف تتحارب فيه الغرائز الأساسية، الشهوة و حب التملك و الأنانية و ذلك بلا هدف واضح. حتى العدوان الأمريكي كان يبدو مجانيا. و يعبر عن رغبة لاشعورية بالتوسع و التملك.

و يبدو أن فرضية الرواية كانت فنية بالأساس. و هي تقديم عمل روائي يتطلب منك المشاركة بكل حواسك.. الانتباه و التيقظ. ثم المشاهدة و الترقب. فهي كما يقول الصوت الداخلي للروائي في إحدى الفقرات ( هذه محاولة في الكتابة تقتضيها ظروف حدث جلل و غير مألوف - ص 197).

بعبارة أخرى كان هم الرواية شخصيا و نفسيا عاما. فقد تألفت من استجابة فنية لضرورات الواقع ( من غير تحوير أو انتقائية - ص 198). و احتفظت بكل عناصر المساءلة و الشك و التأمل التي تقف وراء أي عمل فني ناجح بالإضافة لرصد أحداث الساعة و التي هي مثار اهتمام كل إنسان.. من النمط اليومي البسيط المهموم بغذاء يومه و حتى النمط النخبوي الذي يحترق بأتون التخيلات و الأفكار.

و لذلك حاولت كشف ما ظهر و ما بطن من صراع بين الغرائز الأساسية و في المقدمة: الحياة و الموت، المازوشية و السادية، البناء و الهدم، ثم الخطأ و الصواب في الحضارة. و هذا يمتد ليشمل ضمنا الفرق الإشكالي بين التحرير و الإرهاب.

**

لقد احتلت واجهة الرواية قصة حب غامضة. و لكن في الخلف تجد أصداء اجتماعية و سياسية وفرت العمق المناسب للخيال الفني. و إنه من خلال شخصية رواء العطار المتحولة و الغامضة تم الكشف عن بدايات و نهايات عشاقها الذين هم بدورهم رموز لعدة شرائح من المجتمع. أولهم الأستاذ الجامعي ( الذي يروي الأحداث كلها ) و آخرهم الشاعر المتشرد الذي يعبر عن أزمة الأنتلجنسيا العضوية. و يقف بينهما طيف واسع من الأنماط و النماذج مثل تاجر و رجل قانون و طبيب...

فهل كان سعد رحيم يحاول أن يتكهن بمصير دراما المجتمع البغدادي بكل مستوياته.

إن الإجابة على هذا السؤال تكون سهلة لو أن الرواية تنتمي للواقعية الجديدة أو الواقعية الطبيعية. فمن أهداف هذا النوع تحديد مصائر الأبطال بعد الدخول في معارك وهمية مع الطبيعة أو الذات.

و لكن النص التزم بقانون المؤسسة و بمفردات قانون السوق. فقد دمج كل الصفات الرصينة للرواية الواقعية بمحسنات مستعارة من رواية المغامرات و منها التشويق و الإلغاز و الحب المحرم أو الحب العاري حيث يكون الرجل و المرأة أكثر من نصف الوقت في السرير و بلا ملابس.

و يرجى عدم إساءة الظن بالرواية. إنها ليست عملا هدفه ابتزاز العواطف الرخيصة أو إثارة وجدان المراهقين.

بالعكس. لقد صعدت بهذه المحسنات. و قامت بترقيتها من مجرد تحريض إلى تركيب و ربما إلى تكوين. فقد ارتفعت مشاهد الحب و المطاردات لمستوى طقوس و شعائر. و أقصد بذلك أنها حولت الألغاز النسائية الغامضة إلى أسرارية أخلاقية . و قد ضربت لنا مثالا من خلال قصة النبي يوسف مع امرأة العزيز ( ص 123). و لا يخفى على أحد ما في ذلك من كناية على معنى الكيد النسوي و شرور المجتمع و سوء استعمال السلطات. أو كما قال بطل الرواية ( صراع الغواية مع الإيمان و برهان الإله - ص 123).

لقد كان سعد رحيم ماهرا جدا في الإمساك بخيوط هذه الألغاز التي تربط ما هو مدنس و مشكوك به في الحب بصور الفساد و الإنحلال و الخراب الذي لحق بالحياة كلها.

حتى أصبحت شخصية رواء العطار مجرد رمز فاضح يدل على تدهور القيم و تراجع سلم الأخلاق إلى حالة التهريج و اللامبالاة و اللامسؤولية. و كأنها خيال لموبقات مدام بوفاري و الليدي شاترلي بعد إضافة لمحات من تهتك الصغيرة لوليتا بطلة رواية نابوكوف.

إن الصيغة التي اعتمدها سعد رحيم برأيي هي معادلة شديدة الإنضباط و التوازن. عبر بها عن فوضى السياسة و الاقتصاد و السلطة بفوضى الحواس.

و حين نصل في الربع الأخير من الأحداث لشخصية نرمين ( ص 69). و هي مجرد نقطة تنوير رمزية تسلط الضوء على ماضي و حاضر رواء العطار تنغلق الدائرة. ما هو خاص في حياة رواء يتحول لما هو عام في حياة المدينة. و بعبارة أخرى إن الخراب النفسي في شخصية رواء يتم تعميمه ليكون معياريا.

و هنا أرى أن مبدأ فيرشوف الفانتازي .. أن الضفدع يأتي من المستنقع و اليرقة تأتي من الجيفة يكون مبررا. فرواء حسب معلومات نرمين هي ابنة أم تغريد.

و للعلم بالشيء. أم تغريد قوادة وعاهرة محترفة تدير بيتا للبغاء.

و بقراءة معلومات نرمين بمفردات فيرشوف تكون رواء هي من نتاج ماكينة الفساد النظامي. و هذا يحول منطق الرواية من ألغاز نسائية إلى احتضار لا ريب فيه يلفظ خلاله الرجل أنفاسه كما تلفظ فيه الحضارة بقايا أنفاسها المريضة. و هكذا نكتشف من خلال النساء خبايا عالم الرجال و لا سيما و هم في لحظة عري و ضعف. وحين يكونون مجردين من كامل احتياطاتهم و أسلحتهم.

***

أما أهم مبدأ تحكم بهذه الرواية هو أسلوب لقاء و افتراق شخصياتها الأساسية بواسطة الصدفة المستحيلة. و الشيء بالشيء يذكر. نادرا ما يلجأ الكاتب العربي لمثل هذا الأسلوب. و في الذهن مثالان نادران عنه. الأول رواية ( من قتل سلمى الحايك و لماذا ) لغسان كنفاني. و الثاني قصة ( قبل السهرة ) لصدقي إسماعيل. حيث أن الرابط بين الشخصيات هو غير الرابط بين الأحداث. بمعنى أن العلة لا تفسر المعلول و لكنها تفاقم من غموضه.

و هو أسلوب استشراق غربي انتقل إلينا من تقنيات الرواية الغربية التي اهتمت بألغاز و أسرار المشرق مثل بيلا دونا لهيتشنز أو أيام بورمية لجورج أورويل.

لقد وقفت هذه الروايات عاجزة أمام استهتار الشرقي بالألم و أمام إصراره على تطهير أمراض الروح باللامبالاة و ازدراء الواقع.

و من هذا الموقف تطورت نظرية وجودية جديدة تدين ظروف الحياة و لا تكتفي بمجرد الانخراط في خضمها دون مساءلة.

و عليه كانت شخصيات هذه الرواية مركبة من عدة شخصيات جزئية. كل جزء منها هو إعادة تفسير لسبب من الأسباب. و لمزيد من التوضيح. أرى أن الشخصية الواحدة إشكالية و تتألف من عناصر تثبيت و إلغاء. بمعنى أنها بمقدار ما تضيء و تفسر إنها تفاقم من حالة الشك. و أهم ما يطاله الشك في الرواية هو بطلتها رواء العطار. هل هي فعلا شخصية حقيقية أم أنها إشاعة مثل كرة الثلج، كلما تدحرجت يكبر حجمها؟.

لم يحاول سعد رحيم تقديم جواب على ذلك. و حتى أنه لم يرسم صورة أو بورتريه لرواء العطار. و لكنه استعمل ثلاثة أساليب اختص كل واحد منها بمستوى من شخصيتها. تماما كما فعل في روايات سابقة أهمها ( غسق الكراكي ) و ( ترنيمة امرأة، شفق البحر). و قد سمى ذلك في شهادته المنشورة بمجلة ضفاف بـ " ما وراء الرواية ". حيث أنه دائما ينوب عن البطل في كتابة الأحداث شخص من الثقاة. و هكذا تصبح الرواية عملا من عدة خطوط متلاحمة " بالتتابع و الاستعادة و المتوازيات و اللواحق " كما ورد في شهادته أيضا بالحرف الواحد، و ذلك يسمح للرواة بتبادل الأدوار، ويُصبح الراوي مروياً له، والمروي له راوياً.

و بغض النظر عن تفسير الكاتب لأسلوبه أثناء العمل، أرى أن لكل خيط من الحكاية أسلوبا و خطابا.

الأسلوب الأول هو التعليقات المباشرة التي يسجلها الكاتب ( الروائي الحقيقي سعد رحيم). و مع أن حجمها لا يتجاوز عشرة بالمائة من الرواية إلا أنها تقدم لنا محطة استراحة و استجمام. من خلالها تتوفر لنا الفرصة لإعادة النظر بركام المعلومات و فرز الغث من الثمين فيها. ما يفيد هدف الرواية و ما يفسده. ما يقربنا من المعنى الفني للمضمون و ما يبعدنا عنه.

الثاني هو السرد المباشر للأحداث بلسان بطل الرواية. و هو شخصية متخيلة يعمل جهده لكشف ملابسات حياة و اختفاء رواء العطار. و لا شك أنه يحتل أكبر مساحة من الرواية. و هو بدوره يعمل وفق محور أفقي نتابع من خلاله تحولات شخصية رواء العطار و تفريعاتها. و محور عمودي يقدم لنا فيه تحصيل حاصل لأثر الفساد و السقوط الذي لحق ببغداد و توسيع دائرة الخراب و العنف، و أثر ذلك على تفتيت لحمة المجتمع .

و أخيرا الأسلوب الثالث و الذي يقترب جدا من تقنية الأصوات. و لكنه يأتي بشكل فصول تختص بها شخصيات مستقلة. كل منها يظهر ثم يختفي ليتحدث عن قصة حبه مع رواء العطار. كيف بدأت و كيف انتهت

**

لو أن الرواية نتاج عقل كلاسيكي لقلت إن الخطوط الثلاثة ( الروائي و السارد العليم بما تخفي الصدور كأنه إله أو خالق حقيقي و الأصوات التي لها قيمة رموز أو استعارة مكنية ) تنتمي لعالم التصورات و المثل الأفلاطونية و التي تتألف من صورة مرفوعة و صورة جزئية و معنى مادي.

و لكن سعد رحيم أبعد ما يكون عن المذهب الكلاسيكي بكل ألوانه، حتى أن حداثته لا تدخل تحت عنوان الحداثة الكلاسيكية التي أكل الدهر عليها و شرب. إنه لا يسبح في مياه النهر مرتين. و توجد انعطافات حتى في كل خط من الخطوط السابقة. فاللغة و الصور و المنطق تتبادل الأدوار فيما بينها و ذلك لتحقيق الهدف المنشود: استكمال المعنى و إغلاق الدائرة على الأفكار.

لقد كانت الرواية تجريبية بكل معنى الكلمة. ما تبدأ به لا تنتهي إليه. و للتوضيح. إذا كانت البداية مع علاء و رواء العطار في مكتبة الجامعة. إن النهاية تكون مع علاء متحول و مع امرأة لا نعرف عنها شيئا محددا. و كأنها صورة عن هذا العالم الذي ينقصه الإيمان أو الرسالة أو المبدأ. العالم اللاأدري الخائن لنفسه و المنقلب على وصاياه. عالم " الوصايا المغدور بها " على حد تعبير ميلان كونديرا.

بالمناسبة توجد خلطة في الرواية لا تبتعد عن خلفيات كونديرا في الهجاء السياسي و تصوير دوائر العنف و التغلب عليها بواسطة الاغتراب النفسي و أدواته ( الكحول و السكر و العربدة و الجنس و الفكاهة حتى الغثيان - بإيحاءات سارترية تفيض على روحك و حواسك بلا رادع).

و ربما كان العنوان هو المفتاح لهذه الرؤية، فقد استعمل مفردتين تعبران عن الشك و عن جوهر اللايقين، و هما : ظل ( و أتبع ذلك بكلمة لم يدخل إليها ال التعريف و هي جسد ) . ثم ضفاف التي تضع حدا فاصلا بين أن تكون مجرد شاهد على الشيء أو أن تخوض في عبابه.

لقد كانت الرواية تتحرك بين هاتين النقطتين.. عالم الظل المبهم غير الواضح لامرأة مشكوك بهويتها أصلا. و عالم الحدود التي تحرس خطوط العزل و تحول ما كان متصلا لشراذم منفصلة و معزولة و مقهورة.


آذار 2014











































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow