Alef Logo
يوميات
              

طريق الحب يبدأ بكلمة

مديحة المرهش

خاص ألف

2014-07-22

منذ يومين في طريق العودة من موعد مقتضب مع صديقة سورية في أحد شوارع بيروت سمعت أحداً ينادي :مس مديحة ...مدام مديحة// لم أبحث كثيراً عن مصدر الصوت لأن صاحبه كان راكضاً نحوي ... بادرني بالقول فوراً: أكيد لن تعرفيني. ضحكت و جررته نحوي رغم ضخامة جسمه و عانقته وقبلته على طريقتي التي يعرفها أصدقائي و التي لا أفرق بها الذكور من الإناث، وقلت له اسمه بالكامل( س ) .. لحقت به شابة عرفت فيما بعد أنها أخته ... عرّفها عليّ وجحظت عيناها وقالت: مو معقول انتي مديحة المرهش ؟؟!!

فلاش باك:

هههههههههه قبل 5 أو 6 سنين اتصل فيّ مدير مسؤول لأحد المدارس الخاصة لأولاد الأغنياء جداً و المسؤولين جداً وطلب مني أن أجرّب حظي مع طلاب البكالوريا لأن الإدارة يئست من إيجاد مدرّس يستطيع أن يواكب حالة أولئك الطلاب ... و أن (مدرسة المشاغبين) لاشيء يذكر أمام هؤلاء... و كعادتي لم أفكر ولأنني أدرّس هذه المرحلة منذ أكثر من 10 أعوام و أعرف كيف أتعامل مع البشر و مع الطلاب المراهقين تحديداً قبلت ... آنذاك ...و بعد أن أنهيت دروسي في المدرسة الحكومية أرسلوا لي سيارة لتوصلني هناك، و لمّا وصلت كان الطلاب قد دخلوا الصفوف. قال المدير سأدخل معك لأنك جديدة و لن تتوقعي ما سيقومون به من مفاجآت....ستنزعجين من اللحظة الأولى و ستغادرين. رفضت طبعاً و قلت أنا لا أحب أن يقدمني أحد إلى طلابي... كان الصف في فوضى عارمة لا يمكن أن يتصورها عقل ... بنات وشباب يتضاحكون ... كل بيده موبايل لم أر مثله أبداً و لا يوجد أياً منهم على مقعده.. بغض النظر عن سيماء الغنى و النفوذ التي تظهر على وجوههم و ألبستهم وطريقة فوضاهم...كلٌ حسب مكانته و نفوذه... دخلت ... طبعاً لم ينتبهوا أصلاً لوجودي و خاصة أن ثيابي سبور جداً لا توحي بأني مدرّسة و في مدرسة كهذه ... كان معي قلم الحوار( الطبشور) للكتابة ... اقتربت من اللوح لم أطلب من أحد أن يمسحه ...فعلت ذلك بنفسي تفادياً من إجابة غير متوقعة من طالب قد أطلب منه ذلك ، و بدأت أكتب بالإنكليزي// أرجو عدم النظر إلى بوط الرياضة الذي أنتعله لأنه لا يساوي ربع ثمن حذاء أياً منكم ... و اللهجة الإنكليزية التي تتقنونها أكيد أفضل من لهجتي لأنكم تواكبون الأحدث و بكل الوسائل، ليس كمدرّسة مثلي لا تملك إلا هذا الموبايل// ... وحين كتبت كلمة موبايل أخرجت موبايلي الذي كنت قد اشتريته من بداية فتح الإتصالات في دمشق نوكيا ...و وضعته على الطاولة - نسيت أن أقول أنه أثناء الكتابة وصلني عدد لا بأس به من القوارب و الطيارات الورقية التي انهالت عليّ و على اللوح و الطاولة - بدأت الضجة تخف، نظرت نظرة سريعة لا مبالية رأيت نصف الطلاب قد جلسوا في مقاعدهم... و الآخرون مرتبكون يحاولون أن يفهموا لماذا لم أصرخ أو أطلب منهم السكوت أو الجلوس و يحاولون لفت نظري بأشكال مختلفة، و يحرضون الجالسين ليقوموا من أماكنهم، و كان أكثرهم سوءاً وتحريضاً هو الطالب( س ) الذي تحدثت عنه في بداية كتابتي... جاء إلى الطاولة، أخذ موبايلي و بدأ يقلّب به و يضحك بصوت مسموع ... حمل الموبايل ورماه في سلة المهملات ... لم أنظر إليه ولا مجرد التفاتة واحدة ... هنا وفي هذه اللحظة أصاب الطلاب الذهول و صمت مطبق خيّم على الصف توجساً مما قد يصدر مني كردة فعل ... جلس الجميع ماعدا ( س ) ظلّ يعبث بموبايله الحديث و هو يتجوّل كفأر خائف من حركة غير متوقعة ... في تلك اللحظة هدأ الجميع و تأكدت أنهم قرؤوا كل حرف كتبته ... أمسكت بالمسّاحة لأنظف اللوح لكن طالبة جميلة و راقية قفزت برشاقة و صارت أمامي أخذتها مني و قالت بلطف شديد(sorry miss you shouldn,t do that)آسفة يا معلمة يجب ألاّ تفعلي ذلك ... مسحت ( ل) اللوح و كتبت أنا بالإنكليزية أيضاً : أنا جئت كمنقذة لكم قبل الإمتحان ... لن أتبارى معكم بالأخلاق و لا بالمعلومات، سأكتب عدة جمل فيها أخطاء تظهر دائماً عند الطلاب في مرحلتكم هذه ... إذا عرفتم الأخطاء سأنسحب و لن تروا وجهي إطلاقاً ... و إذا لم تعرفوها سأبقى رغماً عنكم ... و كتبت جملة أخرى: قبل أن أبدأ,أشكركم على كل الطائرات و الزوارق التي وصلتني لم أعرف أنكم تحبون السفر كما أحبه أنا... اتمنى أن تحطوا رحالكم بأماكن أفضل من هنا. بعدها مسحت(ل) اللوح دون أن أطلب منها ذلك و قالت: ممكن أن تملي عليّ ما تريدين و أنا سأكتب عنك.شكرتها و لم أقبل أن تكتب عني لأني أعرف أنهم سيعتبرون ذلك ضعفاً مني لأخذ فرصة و مراقبتهم وجهاً لوجه... و أعطيتهم ظهري مرة أخرى و كتبت بنفسي و لم أتلق أياً من الطائرات هذه المرة و لم أحس بأي حركة مشبوهة ماعدا ( س ) الذي كان يخور كثور هائج.... طبعاً لم يعرفوا الإجابات رغم سهولتها .. كانت من النوع السهل الممتنع الذي يخسر فيه الطلاب علامات لابأس بها. لم أقل لهم اكتبوا أو أخرجوا كتبكم .... لكنّ أغلبهم سارع بإخراج ورقة أو فتح موبايله و سجّل ما كتبت ... مرت قرابة الساعتين المقررتين بسرعة ...دق جرس الفرصة للإستراحة ... لم أقترب من سلة المهملات فتحت باب الصف لأخرج فوجئت بمدير المدرسة واقفاً وراء الباب ... قال لي أنه رأى كل شيء بنفسه وأنه يعرض عليّ الثمن الذي أريد لإعطاء الدروس لكل صفوف البكالوريا بفرعيها العلمي و الأدبي و أن الله أرسلني للنجدة ... لحقني طالب وهو يقول ( miss this is your cell phone ) هذا موبايلك.أمسكت بالموبايل و اتجهت إلى سلة المهملات و رميت الموبايل هناك... كان ( س ) واقفاً كنمر متأهب للهجوم و ليس للدفاع لكن بضعف يفهمه أناس مثلي خبروا هكذا حالات عند طلاب ذوي حالات خاصة ...قال المدير ألا تريدين الموبايل ؟! قلت: بلى شرط أن يجلبه ( س ) الذي رماه و لا أريد عقابه .. توّجه المدير للطالب( س ) و حاول إقناعه برفع الموبايل لكنه لم يرض أبداً، و بدأ بالشجار مع المدير و بدأ رفاقه جميعاً بتوبيخه و لومه لأنهم أحسّوا أنهم سيخسرون مدرّسة ستضمن لهم علامات النجاح بالتأكيد. هنا و رأفة بحال الطلاب الذين تحلّقوا حولي متوسلين للبقاء قلت ل( س )و المدير حاضر و أمام الجميع و كأنني أعمل صفقة تجارية إنسانية: لا مانع عندي سأجلب موبايلي بنفسي و سأقبل بتدريس كل الصفوف شرط ألاّ يدخل ( س ) أياً من صفوفي..... رأيت حرجاً على وجه المديرعرفت فيما بعد أن والد ( س ) له الحصة الأكبر من الأسهم في المدرسة و هذا ما سيسبب له إحراجاً كبيراً، لكن ( س ) المعتد بنفسه و الذي أحس بأنه توّرط بادر قائلاً : أنا لست بحاجة إلى الإنكليزي ...خاطب المديرو لم ينظر بعيني إطلاقاً: لن أدخل يا أستاذ إلى أي من دروس اللغة ... نظرت بحيادية إليه ثمّ ابتسمت له و كأنه لم يؤذني و لم يفعل شيئاً و قلت : سأعتبر ذلك وعد رجال.. و تابعت. طبعاً وكعادة المدارس دخلت وساطات لإعادة الطالب تمت بالرفض من قبلي ... وجاءت أمه تعرض عليّ السعر الذي أحدده كي أعطيه دروساً خاصة ... اعتذرت بلباقة ... وكنت كلّما خرجت من صف أراه يتجول محاولاً لفت نظري ... وكلّما صادفته كنت ألقي عليه التحية بأريحية و ود و كأنه أحد طلابي المحببين إلى أن جاءني يوماً يحمل بطاقة دعوة لحضور عيد ميلاده في أضخم مطاعم دمشق و أرقاها... أخذت ا لبطاقة وذهبت في الميعاد و أهديته مجموعة من الكتب ولم أحضر الحفل... بعدها انقطعنا جميعاً عن المدرسة بسبب الامتحانات و لم أر(س ) و لم أعرف عنه شيئاً من وقتها... إلى أن رآني منذ يومين. قال لي: أريد أن أقول لك شيئاً لست مرغمة على سماعه و يمكنك أن تبقي على عنادك و لكن ما سأقوله يريحني أنا هل عندك وقت نجلس و نشرب القهوة ... قلت: نعم و سأعزمكما على منزلي لنتغذى سوياً ... جلسنا و تكلم كثيراً وهو بين كل جملة و أخرى يقول : آسف ... جد آسف ... و لكنك الشخص الوحيد الذي وضعني على الطريق الصحيح و الذي أثّر بي.... و سأبوح لك بسر : انني حضرت كل دروسك و لم يفتني ولا همسة ولا نفس من أنفاسك طوال الأشهر الثلاثة التي أمضيتها في المدرسة.... سألته كيف ذلك؟؟!! قال: كان صديقي يسجّل لي كل شيء ..و بالمناسبة نقصت علامتي بالإنكليزي درجة واحدة فقط. وأنا أعترف أمامك أنني كنت مذنباً لكنني عنيد مثلك... تكلمنا كثيراً واستفسرت عن بعض الطلاب الذين أحب والذين ما زال يتواصل معهم، ودهشت حين ردد جملتي التي كتبتها على اللوح عن السفر حسبته لم يقرأها، و قال إنه مسافر ليتابع دراسته في الخارج ..و أنا أودعه همس( رغم أنك معارضة أحبك و أحمل أحد كتبك معي؟!) ... قلت بصوت عال: ( أي كتب يا مؤيّد؟؟!! ) ضحك ( لالالا أنا لست مؤيد ..فقط الوالد ... و الكتاب واحد من الكتب التي قدمتها لي في عيد ميلادي ) ... عانقته مرة أخرى و أحسست و كأنه لا يريد أن يفلتني أو ربما يريد أن يعوَض عن ندم الماضي... لم أعرف بالضبط ... لكنني كنت ثملة بفرح غريب وخاصة حينما قال بالإنكليزية: أتمنى أن تحط رحالنا في أماكن أفضل من هنا.... لأنني أعتقد أنه كان يقصد سوريا هي المكان الأفضل.


تعليق



رولا جوخدار

2014-07-21

من يعرف الشاعرة مديحة المرهش و يقرأ و يتابع شعرها الإنساني و يومياتها البسيطة المليئة بالحب لسوريا و ناسها يعرف تماماً أن سوريا لا زالت بخير و أنها ستنهض من أزمتها

سهى بدور

2014-07-22

الأخلاق يا سيدتي هي الأخلاق جميل ما قرأت لك الحب

etab

2014-07-22

رائعة مديحة واسلوبك الراقي مع الطلاب

عزة البحرة

2014-07-22

من أروع ماقرأت صديقتي... وبدون شك وأنا أعرف ذلك منذ زمااااااااااان ومتأكدة منه .. وواثقة مما أقوله كل الثقة بأنك من أفضل المدرسات التي قد تمر على الطلبة بالعموم ..بالإضافة "وهو الأهم جدا" أيضا , بأنك قاصة رائعة وشاعرة متميزة ومبدعة .. وكما سبقتني "رولا جوخدا" الى القول بأن سوريا بك.. بنا ..بهم ستنهض مجددا ..وشكرا لألف التي أمتعتننا بما تبدعين .. تحياتي

مصطفى الحسيني

2014-07-23

الإنسان يبقى إنسان مهما مر بمشاكل و امتحانات أكيد يوجد في جعبتك الكثير أيتها الشاعرة الرائعة من مواقف الحياة هذهبالمناسبة أشكر الموقع ألف فأنا من متابعي المجلة سابقاً و الموقع

حيدر هادي السلامي

2015-02-25

دمتِ انسانةً بكل معنى الكلمه

رئيس التحرير سحبان السواح

رائحتك

18-شباط-2017

كَتَبَتْ على صَفْحَتِهَا في الـ"فِيْسْ بُوْكْ": " لِلغيابِ رائحةٌ كما لِلحُبِّ. ولِكُلِّ رائحةٍ زمنٌ حَيٌّ تولَدُ مِنْهُ، وتعيشُ فيهِ، ومعَ استنشاقِها في زمنِها الَّذي بَزَغَتْ فيهِ تسكُنُ في الذَّاكرةِ كالأيَّامِ، ببساطةٍ...
المزيد من هذا الكاتب

ثرثرة صامتة

04-شباط-2017

حياء الحب

06-كانون الثاني-2017

نعم ..نعم ..أخشى أصدقائي

12-كانون الأول-2016

لجوء اللغة إلى الداخل

21-تشرين الثاني-2016

قصائد عشق

08-تشرين الأول-2016

كان لي أمل

18-شباط-2017

اعطني مزبلة ... كي أكون ديكاًـ حسين بصبوص

11-شباط-2017

مرحى ..ثابر إلى الأمام يا بطل

04-شباط-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow