Alef Logo
ابداعات
              

طيري ليزا

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2014-07-21

-1-

كنتَ قد أتيتني، مرة أخرى، من وراء النافذة، فاتحاً جناحي كبريائك، من ورائك، على امتداد السماء المتثائبة، الُمؤرقة، تنزُ خاصرتها عرقاً من جمر الليل، المسفوعةِ أحجاره بلهب الحَر، وكثرة الأنفاس الزافرة.

فتحتُها، مددتُ يدي لأخلع عنك ابتسامة الموناليزا المبهمة، والمثبتة على وجهك، بمسمارين صغيرين، لكنك تبددت َكما أتيتَ صورة، فضباب، فسرب جراد جائع وراحل.

-2-

السرير عريض، وغطاؤه القطني بات مهترئاً، العفونة المتسلقة فوق الجدران الرطبة تبتلعُ الجص، وحده العنكبوت يبني مصائده فوقها بثقة، ولا شيء يمنعُ عني صوت الماء الــَمسحُوح من الصنبور، والمطر الذي لا أطيق، ينهمر، في الخارج، كشلالات تشغم.

الرابعة صباحاً، أنهض مفزوعة من ولولة المدينة، تُجهض للمرة الألف أطفالها الأصحاء، تُنشب أظافرها الطويلة في وجه الغيم، وتتكور "حاجتي الماسة للعشق تقتلني".

-3-

الوقت كسيح والظلمة دامسة.

دبّ الإعصار فجأة، ارتبكت النوافذ، طفقت الريح تلعب بها، وعلى وجناتها المقشرة كاللوز صفعتها، ثم دخلت كأياد مقطوعة من النافذة الجنوبية، شدتني من على سريري، ورمت بي من الطابق الخمسين.

سكون غريب، أهوى فيه إلى قعري ببطء، صوت يولكا الدافئ يتهادى إليّ بارداً، "لِــيــتـــِي ليزا لِــيــتـــِي" (طيرا ليزا طيري)*، وبين عينيّ الشريط الكهربائي، يترنح بين البنائين المتجاورين، ظلالنا لاتزال تتأرجح عليه، كما كنتَ في زهوة الربيع سنونواً بهياً تستخبر الشمس عني كلما طلعتﹾ، والبرق كلما لمع، وأنا، هاهنا، بجانبك، أطردُ البراغيث بمنقاري، عن ريشي الليلكي.

في القعر سلاسل لا متناهية من النوافذ.

-4-

النافذة (الشباك) جسرٌ بين الداخل والخارج، المغلق والمفتوح، بين الغموض والوضوح، السر والعلانية، الكمون والانطلاق، المحدود واللامحدود، السجن والحرية.

ومن لا يفتح نوافذه لن يفتح أبوابه.

-5-

البارحة تحديداً، عند منتصف النهار، فَتحتني عنوةً بعض النوافذ، ثم أَطلقت على المشاهد الرازحة تحت أنياب غضبها صواريخاً، وبراميلاً مسمارية لسنوات متتالية، وحين قُتل الطفل بائع البسكويت، كان آباؤه الشرعيين يمارسون الرذيلة مع الجارة، طافت الدماء من المغاسل والأنابيب وتبخرت، ثم هطلت فوق رؤوسنا، فقرروا زراعة البسكويت.

لم ينقذني من اعدامات النوافذ المتواصلة سوى انعطافَكَ، عليَّ، ليلاً مُكحلاً بسهول اللافندر، متموجاً، شاعراً، نبيذياً، تمددتُ قطاراً خائفاً في اتساعك الــُمقمر، انتشيتكُ، وانطلقت فيك حتى محطة إدلر.


*"لِــيــتـــِي ليزا لِــيــتـــِي" باللغة الروسية (طيرا ليزا طيري)


















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

رائحتك

18-شباط-2017

كَتَبَتْ على صَفْحَتِهَا في الـ"فِيْسْ بُوْكْ": " لِلغيابِ رائحةٌ كما لِلحُبِّ. ولِكُلِّ رائحةٍ زمنٌ حَيٌّ تولَدُ مِنْهُ، وتعيشُ فيهِ، ومعَ استنشاقِها في زمنِها الَّذي بَزَغَتْ فيهِ تسكُنُ في الذَّاكرةِ كالأيَّامِ، ببساطةٍ...
المزيد من هذا الكاتب

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

رانديفو

16-حزيران-2016

الطاولة

23-شباط-2016

البلوكات التسع

08-تشرين الأول-2015

كان لي أمل

18-شباط-2017

اعطني مزبلة ... كي أكون ديكاًـ حسين بصبوص

11-شباط-2017

مرحى ..ثابر إلى الأمام يا بطل

04-شباط-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

كمصيدةٍ على الأحداقِ

06-كانون الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow