Alef Logo
المرصد الصحفي
              

التحرش الجنسي في العالم العربي..من سلوك منبوذ إلى مزاج عام / لمياء السويلم

ألف

2014-07-12

اغتصاب

سجلت الدول العربية في الفترة الأخيرة حالات صادمة ومخيفة من التحرش الجنسي، كانت صدمة الحالات على أكثر من مستوى فهي من حيث العدد كبيرة جدا ومتكررة، وهي على مستوى آخر حدثت في ساحات عامة وداخل ميادين مليئة بالحشود، أي أن الضحايا وقعوا على مرأى ومسمع جماهير ليست قليلة وهذا أكثر ما يمكن أن يلفت النظر.

التحرش بكل أشكاله الجسدية واللفظية والرمزية تم نبذه في المجتمعات العربية كعملية غير شريفة وتنقصها المروءة، لكنه اليوم يتكثف كظاهرة مؤذية في الفضاء العام يتم تسجيلها بالصوت والصورة ويتم تداولها عبر كل قنوات الاتصال والإعلام ويقابلها حياد جماهيري لحظة الحدث، ورغم هذا لن يكون التساؤل فقط عن معنى التحرش كسلوك مريض ولا أخلاقي أخذ مكانه كظاهرة ثابتة بيننا، بل ستتنوع الاستفهامات بحجم تعقيد عمليات التحرش وتداخل كل الأسباب السيكولوجية والسياسية والاقتصادية فيه.
سيكولوجيا يتم التفريق بين التحرش المرضي والتحرش العرضي، فهناك متحرشون عرضيون لا يتحرشون إلا عندما تتهيأ لهم الظروف، بينما المتحرش المريض فهو يعاني من اضطراب جنسي يمكن تصنيفه كشخصيات أو ميول محددة، التحرش المرضي يحتاج للعلاج النفسي لكن ذلك لا يعني أنه لذاته ليس جريمة ولا يعني أن المريض ليس مجرما، تماما كما أن التحرش العرضي بالنظرة وبالكلمة وباللمسة وبما هو أقل من ذلك ليس إلا جزءا من الحالة النفسية عموما، تفريغ الإنسان لكبته وقهره في متعة لحظية وعدم تحسب الإهانة المترتبة على سلوك التحرش ينم عن الالتباس النفسي والتشويش الذهني الذي يدفع المتحرش لفعلته.

ظاهرة التحرش يجب أن تدرس ضمن كل أبعادها والحلول التي يجب اتخاذها عليها أن تكون شاملة ولا تتوقف على المبادرات العشوائية، الدولة أول المسؤولين عن فرض الأمن الذي تحتاجه كل امرأة كأي مواطن يحتاج للتنقل والحركة بأمان دون التعرض لأي أذى مهما كان شكله، تماما كما من شأنها تشريع قوانين رادعة وقاسية ضد المتحرشين وضد كل عملية ترهب المرأة عن ممارسة نشاطاتها، من واجب الدولة أن تحافظ على مستوى اقتصادي يوازن بين الطبقات الاجتماعية المتفاوتة، فالجماعات التي تعيش على هامش الحياة في حارات عشوائية تفتقد إحساسها بالانتماء للمجتمع وتنزع للتخريب لتلفت الانتباه لها، تماما كما أن البطالة يمكن أن تكون من أخطر الأسباب حيث تفصل شعور المواطن عن دولته وتكرس داخله انفعالات الغضب والقهر التي يتم تفريغها بمثل هذه السلوكيات.

تحول أخلاقي!

أوضح ما يمكن تدوينه عن هذه الظاهرة هو أنها أخذت تبرز تحت أثر الانفلات الأمني الذي حدث داخل الدول العربية بعد أو خلال سقوط عدد من الأنظمة السياسية، فالفضاءات العامة أصبحت تشهد حركة غير طبيعية فإما مظاهرات كبرى وشبه عصيان كامل عطل الحياة المدنية كما حدث في مصر، أو أنها أصبحت حالة حرب والتحرش فيها جزء من العملية العسكرية، والتاريخ الإنساني يعرف جيدا أن الاغتصاب كان ولم يزل سلاحا حربيا قذرا، وهو تحديدا ما يحدث في سوريا وليبيا، الاغتصاب والاعتداء الجنسي هو الحد الأقصى من التحرش، لكن التلفظ بالكلمات لا يقل عن الاغتصاب الكامل في المعايير، فما يحدث على مستوى الأيام العادية في الشوارع والأزقة الضيقة هو نبوءة الانفجار الذي حدث في أيام المناسبات الكبرى داخل أكبر الميادين وتحت كاميرات الإعلام والصحافة، إن تشكيل التحرش لظاهرة واضحة في المجتمعات العربية يفتح المجال لكل الأسئلة، ما الذي حول السلوك المستهجن أخلاقيا إلى حالة مزاج عام، فمن يتابع التحرشات يدرك كيف ينسجم في الحالة الواحدة مجموعة متفاوتة من الذكور في أعمارهم وتعليمهم وثقافتهم، في مشهد جماعي غير فردي يزيد من تأكيد الملاحظة أن ما يحدث أصبح مزاجا عاما وميلا للتعدي والإيذاء، الظاهرة بشكلها هذا لم تخرج عن العوامل المعروفة لكنها دخلت إلى منطقة جديدة من الاحتمالات، وأقسى هذه الاحتمالات أن يكون تأجج الظاهرة بسبب من حمى الإعلام الذي صاحب الأحداث المشتعلة في المنطقة منذ عامين.

انفلات دول الربيع العربي

في ليبيا أول حالة اعتداء سجلت ضد أحد المذيعات ذات الشهرة الواسعة، وفي مصر تحديدا كانت القوة الإعلامية قد لعبت دورها في المنعطف الذي دخل فيه الحراك الشعبي، فالثورة أخذت اسمها الأول من القنوات التلفزيونية المتفاوتة في توجهاتها، وما تلا ذلك من سقوط الحكومة السابقة كان شكلا من الحرب الإعلامية بين القنوات الإعلامية بتوجهاتها الليبرالية والإسلامية، وتصدير مشاهد التحرش وإحصائياتها كان يرتبط بتوجه القناة، فأصبح ميدانا رابعة والتحرير ملعبين لإثبات سوء سلوكيات كل طرف، القنوات ذات التوجه المنفتح لم تنكر حالات الاعتداء التي حدثت في تجمعات التحرير المعارضة لحكومة الإخوان المسلمين آنذاك.

أصبحت حالات التحرش مادة للمزايدة الإعلامية بين الفرقاء بدلا من أن تشكل انتفاضة موحدة نحو سن قوانين وأنظمة تحمي الضحايا

ولم تصدر حالات التحرش إلا كسلوكيات لا أخلاقية تخرج عن قيم وثقافة الشعب المصري، على الطرف الآخر كانت القنوات المؤيدة للحكومة الإخوانية قد ذهبت إلى اعتبارات متطرفة من أن ميدان رابعة حاضن أنصار الحزب الإخواني لم يشهد أي حالة تحرش لأن هؤلاء الأنصار أكثر التزاما أخلاقيا ودينيا من معارضي الحزب، أما المحايدون أو أصحاب التوفيقية السياسية فقد ذهبوا إلى أن ميدان التحرير في أول 18 يوما من الثورة لم يشهد أي حالة تحرش، معتبرين وحدة الصف والهدف هي من كان يردع هذه الجرائم، بمغزى أن الفرقة الوطنية هي سبب شيوع الظاهرة بعد ذلك، لقد شكلت حالات التحرش وقتها مادة مضاربة إعلامية بدلا من أن تشكل انتفاضة موحدة نحو سن قوانين وأنظمة تحمي الضحايا، إن سذاجة التفسير وعدم دقة المعلومات لا تنفصل عن التاريخ الثقافي ففكرة حشد الدين أو الحس الوطني هي مسألة في ضمير الثقافة العربية، ومع أن التدين أو الأخلاق العامة والانتماء الوطني عموما قد تشكل رادعا شخصيا لبعض الأفراد إلا أنه من المستحيل عزو أسباب التحرش من عدمها إلى أي دين أو معتقد إطلاقا.

كانت الثقافة العربية الإسلامية كثيرا ما تعزو للغرب الانحلال الأخلاقي، وتفسر هذا التصور المغلوط بما يمثله الدين الإسلامي من قيم وأخلاقيات تحفظ مجتمعاتنا من مثل هذه العمليات غير الأخلاقية، لكن واقعنا الاجتماعي والسياسي تاريخيا وحتى اليوم لا يثبت شيئا من ذلك، فالتحرش كعملية وسلوك متعدد الجذور وتفسيره بعامل واحد مثل الديانة هو فشل في فهمه، وأي توجه فكري يريد أن يصور العالم الإسلامي بريئا من عمليات التحرش والاغتصاب لم يعد مقبولا، فالتطرف الديني يمكن أن يشرع ما هو أسوأ من جريمة التحرش الفردية وغير المنظمة، فالسيدة مختار ماي من باكستان تم الحكم عليها من قبل المجلس القبلي بالاغتصاب الجماعي تحت ملابسات قضية عائلية في 2002م، أي أن الاغتصاب الجماعي تم تشريعه كجزاء قضائي في دولة إسلامية، هذا بالطبع لا يثبت أن الدين هو المشرع لجرائم التحرش لكنه بالمقابل يلغي التذرع به كمانع عملي عن ارتكاب هذه الجريمة بكافة أشكالها، ينسحب هذا الرأي على كل الطروحات التي لا تنفك تخلق معادلات كيفية وكمية بين الإحصائيات الغربية والعربية، في محاولة بائسة للتطهر من حقيقة هذه الجرائم لدينا واعتبار النسب الغربية دليلا على سوئهم وشهادة لسلامتنا، هذا الالتفاف يؤكد سوء معالجة جذري للمشكلة، فأولا نحن نكاد لا نعترف بوجودها، فكيف يمكن لنا أن نعتمد الإحصاءات الدقيقة في المجتمعات الأخرى أمام إحصاءاتنا نحن الذين لا ندرس الجريمة ولا نحصيها ولا نتعامل معها كواقع حقيقي، إن الشفافية التي ترصد بكل دقة الحالات التي تحدث لديهم والتحليلات والدراسات المستفيضة حولها والواقعية العلمية والسياسية في التناول هي وحدها الفيصل في الحكم، هذه الشفافية التي نحولها لسلاح ننكر فيه واقعنا الذي يلفه الصمت والإنكار والجهل والمكابرة، واقعنا الذي لا تتم دراسته ولا تحليله ولا تشخص مشاكله لا يعني أنه واقع نظيف لا يعاني، وهو التصور الذي عشنا فيه سنين طويلة حتى وصلنا اليوم لهذا الانفجار في الظاهرة بشكلها الصادم والرديء، الأخلاق والتدين لم يمنعا تفشي هذه الجرائم، بل الصمت والإنكار هو من أخفى الحقيقة حتى ظهرت اليوم عملاقة ومخيفة.

ازدواجية ذكورية

إن أحد أهم ما يمكن تشخصيه في ظاهرة التحرش التي انفجرت أخيرا في مجتمعاتنا هو الطبيعة التي نتعامل بها مع هذه الجريمة، فالكثير جدا من الشرائح الاجتماعية والقوانين في البلدان العربية لا تعترف بالاغتصاب كجريمة، والأسوأ أنها في مختلف الحالات يمكن أن تضع اللوم على الضحية لا على الجاني، ولأن الضحايا غالبا هن من النساء سيكون لعقدة الثقافة الذكورية العامل الأهم في تحليل هذه الظاهرة.

كثير من الشرائح الاجتماعية العربية لا تعترف بالاغتصاب كجريمة، والأسوء أنها يمكن أن تضع اللوم على الضحية لا على الجاني

كان ولم يزل التعامل مع جريمة الاعتداء والتحرش على أنها بسبب من سوء سلوك النساء وابتزازهن للرجال بالحضور السافر، ضعف احتشام المرأة كان يعتبر السبب الرئيس في كل التفسيرات العربية لهذه الجريمة، عدا عن أن التحرش والاعتداء يكاد لا يصبح جريمة بل يصبح حقا طبيعيا للرجل، فالأنثى متاعه على كل حال، الزوجة التي يحرم عليها رفض العلاقة الجنسية في أي وقت تعد هي المذنبة إذا تمنعت عن زوجها وأخذت بالقوة، في شرعنا لا يعد هذا اعتداء، والفتاة التي تنفرد برجل في أي موعد خاص تصبح محل الذنب حتى لو تم اغتصابها وقتلها، لأنها هي التي سمحت بذلك بمجرد قبولها بالتفرد برجل، هذا التطرف هو ما جعل المرأة أي امرأة مباحة لكل رجل أيا كان، في كل مكان وفي كل زمان، لم يعد فرقا بين المرأة السافرة والمرأة المختفية بالسواد، كلتاهما تتعرض للتحرش، لأن كل النساء هن اليوم مباحات لمجرد خروجهن من البيوت وتواجدهن في الشوارع، إن مجرد ظهور المرأة أصبح سببا كافيا للتحرش بها، لقد أصبح السؤال هل التحرش فعلا جريمة يقع بها الرجل تحت سطوة توهمات نفسية وثقافية اجتماعية ذكورية تسوغ حقه كذكر في التمتع بأي امرأة، أم أنه أصبح نوعا من العقاب الذي يفرضه الرجال على النساء لمجرد ظهورهن في الفضاءات العامة، هل التحرش نزعة نفسية شاذة أم هو سلاح جريمة؟
في الحقيقة يمكن اعتبار ظاهرة التحرش في العالم العربي اليوم نتيجة تدهور أخلاقي وقيمي في ثقافة المجتمع وفي دول محكومة باستبداد سياسي عاجزة عن توفير أبسط حقوق الإنسان لمواطنيها، ظاهرة التحرش ليست تصرفا فرديا لا يتحمل الجميع مسؤوليته بل هو نتيجة لتخلف الجميع عن مسؤولياتهم بدءا من المتحرش وانتهاء بالضحية التي تستسلم لقدرها وتتكتم عن المجرم بدلا من الثأر لنفسها منه.


عن مجلة المجلة .
















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow