Alef Logo
المرصد الصحفي
              

إخفاق العقلانية العربية كمقدمة للانبعاث الراهن للأصوليات التكفيرية / كرم الحلو

ألف

2014-06-28

أكثر الباحثين الذين دأبوا منذ نهايات القرن الماضي الى الآن على طرح التساؤلات المربكة بصدد اخفاق المشروع الليبرالي الذي عرفه الفكر العربي مطلع القرن التاسع عشر وتطور وتحددت سماته اواسط ذلك القرن، لا يتنبهون الى ان ذلك الاخفاق، فضلاً عن الاسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لا يمكن التقليل من اهميتها، انما يعود في شكل اساسي الى اخفاق الإجابة عن سؤال العقل. فالتيارات الحديثة التي تبنت الليبرالية والاشتراكية والديموقراطية، تبنت قشرة الحداثة من دون الحداثة ذاتها، واساساً من دون العقلانية التي كانت الخطوة الاولى في الحداثة. ومن هنا بالذات في رأينا كان الانفلات الراهن للعقل الاصولي الظلامي من عقاله وتهديده للساحة العربية بالكامل، بما بات ينذر الأمة العربية بالتذرر الى عصبوياتها الاثنية والطائفية والمذهبية، بينما يقف الفكر السياسي والاجتماعي العربي عاجزاً عن تصوّر افق للمواجهة او الخروج من المأزق.

لقد تنبه بعض مفكري النهضة العربية بحس عبقري الى التلازم الضروري بين الحداثة والعقل الذي يسعى دائماً الى اسقاط اللامعقول في الفكر والسياسة والاجتماع، بما يؤكد مرجعيته المطلقة في التقدم والحداثة.

من هؤلاء المفكر النهضوي فرنسيس المراش الذي رأى ان التمدن والسلام والعدل والحرية منوطة جميعها بانتصار العقل وقيام دولته، وان كل ما يخالفه قهر للانسان وعبودية وخراب للهيئة الاجتماعية. فبقدر ما يقترب المجتمع والسياسة من العقلانية يقتربان من التمدن، وبقدر ما يبتعدان عنها تتقدم الاكاذيب والاباطيل والخرافات ويعم التخلف. فالشرق، مهد الحضارة الانسانية، بتعبير المراش «هوت سرادقه الشامخة، وبرز الخراب من زواياه، عندما اولج الدهر سنانه في مقتل العقل». اما في الغرب حيث «جلس العقل على عرشه واستوى، فقد ساد الامن والسلام وعم الرفاه».

هذا المنحى العقلاني الذي برزت بعض ملامحه في فكرنا النهضوي لم يلبث ان انكفأ وتراجع وصولاً الى تصور امكان الانفصام بين التحديث والعقلانية بعد اكثر من قرن على تصور المراش العقلاني، حتى ان ابا يعرب المرزوقي ذهب عام 1999 الى ان فكر النهضة العربية لم يزل من دون فكر ابن خلدون وابن تيمية تشخيصاً للداء وتقديماً للدواء.

كما انه من المفارقات اللافتة ان تبقى الطريقة التي سلكها ابن رشد هي الاقوم والانسب للاجابة عن سؤال الحداثة، حتى في نظر ناقد العقل العربي محمد عابد الجابري. وما الخطوة الأولى وفق هذه الطريقة سوى وضع قضايا الحداثة واحدة واحدة في ميزان الشرع والاحتكام اليه. ولم يجد الجابري سبيلاً للتصالح مع قضايا الحاضر وقيم الحداثة سوى تأصيل هذه القضايا وهذه القيم في تراثنا بحيث يمكن اعتباره مرجعية مطلقة لا يمكن الانخراط في الحداثة الا من داخلها.

هكذا اذاً لا يزال الفكر العربي في العقدين المنصرمين، باستثناءات محدودة، يدور في دائرة التراث وفي فلك الماضي، وهو لم يدرك بعد استحالة النهضة العربية الراسخة والقابلة للتقدم والاستمرار من دون نهضة عقلية شاملة. وعليه فقد ظل أسير اللغة التراثية يستخدم العدة المفهومية نفسها التي كانت ولا تزال سبباً من اسباب انكسار المشروع النهضوي العربي وعثاره المزمن.

تساوقت هذه الرؤية اللاعقلانية الى الحداثة وشكل التعامل معها في الفكر الايديولوجي العربي عموماً مع تصدر تراث «عصر الخراب» بلغة ابن خلدون لائحة الكتب الأكثر قراءة اليوم في العالم العربي، فوفق موقع «الوراق الالكتروني» المعروف بتحقيق الكتب التراثية ونشرها، يتبين ان قراء هذه الكتب يتراوح بين المليون وربع المليون والمئة وخمسة وعشرين الفاً، وهي كتب يغلب عليها التفسير الخرافي، وتعبر عن حالة الضعف والتقهقر التي عانتها البلدان العربية والاسلامية في ذلك العصر، فضلاً عن انها تعتمد النقل والتقليد وتبتعد عن المناقشة والتحليل والاستنتاج، فيما الكتب الفكرية والعلمية والابحاث الادبية والفلسفية الجادة لا يتجاوز اكثرها تداولاً الخمسة آلاف نسخة على مدى العالم العربي قاطبة.

إن الاقبال على تراث عصر الخراب في رأي الباحث رشيد الحاج صالح في كتابه «الوجه السياسي للثقافة العربية المعاصرة» يكمن في ان مجاله الابستمولوجي يشبه المجال الابستمولوجي لعصرنا، فطرق تفكيرنا في واقعنا وهو يتناول وعينا السياسي والعقائدي، تشبه ما كان موجوداً في عصر الخراب. وليس ادل على استشراء اللاعقلانية في فكرنا من شيوع التنجيم في تفكيرنا السياسي والاجتماعي عبر تخصيص برامج يومية واسبوعية للفلكيين والمبصرين والمنجمين على القنوات التلفزيونية حتى في لبنان بلد فارس الشدياق وشبلي الشميل وفرح انطون ومارون عبود.

على خلفية هذا الخواء العقلاني يجب ان نقرأ الردة الاصولية التكفيرية من مشرق العالم العربي الى مغربه، فما يحصل ما هو الا النتيجة الحتمية لسقوط العقل والعجز عن مواجهة اسئلته، بتعيين الحدود في ما بينه وبين الايمان والخرافة، ما يؤكد الحاجة الى استعادة اللحظة العقلانية النهضوية الموؤودة في فكرنا العربي، فمنها يجب ان نبدأ وان نفكر في مآلاتنا الخائبة الراهنة.


عن جريدة الحياة.










تعليق



صالح الرزوق

2014-06-27

العقل وحده لا يكفي، لا بد من التطبيقات العملية. نحن ننتج كلاما بمواصفات نهضوية و تستعمل أحدث الأساليب و لكننا نستهلك الأدوات التي صممها و نفذها عقل الحضارة المغايرة. قدم العرب في عصورهم الذهبية اكتشافات مذهلة و نقلوا علم الكلام عن اليونان و لكننا اليوم ننقل النشاط الكلامي و الذهني من أوروبا و أمريكا و لا نعرف ماذا يحصل في الهند و جنوب افريقيا، ناهيك عن اننا اكثر تخلفا منهما في الانتاج العسكري و الصناعي.

رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow