Alef Logo
مقالات ألف
              

عن الله الذي قتله التكفيريون

وائل السواح

خاص ألف

2014-06-08

يتبدى لي يوما بعد يوم أن الله الذي كنا نعبده أيام طفولة جيلي يختلف جذريا عن الله الذي يعبده غلاة المسلمين اليوم. فبينما كان إلهنا أكثر تسامحا وسموا وترفعا عن صغائر الأمور، تتخذ صورة الله في هذه الأيام صورة أكثر يهوية (من يهوه إله التوراة) وهو في ذلك يميل لأن يغدو مع تشدد غلاة المسلمين ودعاة القنوات الفضائية ومفتي الإرهاب والعمليات الانتحارية أكثر دموية وأشد تطلبا وأكثر إيغالا في التفاصيل. ونراه، كما يميل أئمة الإرهابيين إلى تصويره، وكأنه يغار من سعادة الإنسان وراحته. يروي البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال: "ان الله يغار، وإن المؤمن يغار وغيرة الله ان يأتي العبد ما حرم عليه." وروى ابن مسعود ان النبي قال: "ما أحد أغير من الله، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ وما أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه، وما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل مبشرين ومنذرين."

الله الذي كنا نعبده كان مختلفا. ونبيه الذي كنا نتوسل شفاعاته كان مختلفا أيضا، فهو نبي مثل إلهه لا يخيف ولا يُرهب. هو الذي تغني له أسمهان: "عليك صلاة الله وسلامه، شفاعة يا جد الحسنين، ده محملك رجعت أيامه، هنية وتملت بو العين." لو استمعنا إلى أسمهان الآن وهي تتغنج في كلمة "ده محملك" لاعتبرنا ذلك كفرا لأنها لا تتعامل مع النبي بالاحترام اللائق وإنما تعامله كواحد من أهل البيت.

الله الذي كنا نعبده هو الله الذي غنت له أم كلثوم "القلب يعشق كل جميل، وياما شفت جمال يا عين؛ واللي صدق في الحب قليل، وان دام يدوم يوم ولا يومين؛ واللي هويته اليوم، دايم وصاله دوم." هو الذي "لا يعاتب اللي يتوب، ولا في طبعه اللوم." وهو كما يمكن أن نلاحظ مختلف عن الإله ذي الطبع اليهووي الذي يروج له الإسلاميون اليوم.

الله الذي كنا نعبده هو الذي غنت له فيروز "غنيت مكة أهلها الصيدا، والعيد يملأ أضلعي عيدا... من راكع ويداه آنستا، أن ليس يبقى الباب موصودا؛ أنا أينما صلَّى الأنام رأت عيني السماء تفتحت جودا."

كانت جدتي تبكي إذا ذكرت الله، ولكنها لم تكن تصلي دائما، ولم تكن تصوم. كانت تقول لي إن الله ليس بحاجة إلى أن نجوع ونركع، فهو أسمى من ذلك بكثير. وكانت ترتدي ما تلبسه نساء سوريا في مطلع القرن الفائت، فتغطي وجهها بمنديل إذا خرجت إلى الشارع، ولكنها حين يأتي أبناؤها بأصدقائهم، تقبلهم كما تقبل أبناءها، وهي مدركة أن الله يستطيع أن يميز بين قبلة وقبلة. وكان والدي حجّة في الفقه الحنفي في حمص، بينما كانت زوجته وابنته تمشيان سافرتين، رافعتي الرأس في شوارعها.

وكان الرجال يشربون الخمر باعتدال، ثم إذا جاء رمضان، عملوا "تكريزة رمضان،" فشربوا تلك الليلة ما حلا لهم، ثم اغتسلوا وصاموا رمضان من دون كحول، وعادوا إلى الخمر بُعيد رمضان بأيام. وكانت أجمل خمارات المدينة الجميلة التي ولدت فيها، حمص، تقابل جامعا قديما، وما كان ذلك يسبب أية شكوى، حتى قام إسلاميو التكفير بالطلب إلى السلطات فأغلقوا الخمارة. وفي هذا التقابل قال شاعر حمص الكبير عبد القادر الحصني:

وحمصُ الهزيعُ الأخيرُ من اللّيلِ

بعد انغلاق الحواني على الخمرِ

قبل انشقاق الأذان عن الفجرِ

تخبرني أنَّ همّي يزيدُ

وتنقصُ واحدةً أضلعي

الله الذي كنا نعبده كان يفضل أن يبقى الإيمان في القلب، أن تظل العبادة عقدا سريا بين الطرفين: الله والإنسان الفرد. ولم تكن العبادة طقسا جماعيا بقدر ما كانت إشارات خاصة بين الفرد والله، يتبادلانها بالطريقة التي تناسبهما وتناسب وقتهما. ومن هنا لم تكن الشوارع تفرغ من السابلة إذ ينادي المنادي للصلاة، ولم تكن المحال تُغلق، ولم تكن لافتات صغيرة كئيبة تعلق على نوافذ دكاكين البقالين وبائعي الجوارب والشوكولاتة والآيس كريم، تقول: "نعود بعد الصلاة." لم يكن يبالغ المؤمنون في إظهار إيمانهم، بل كانوا يفضلون أن يدَعوا ذلك في ضمائرهم. ولم يكن المحسنون يدعون كل البريّة تعرف أنهم تبرعوا بكذا لصالح كذا، بل كانت تبرعاتهم غالبا ما تكون مستورة. ولم يكن المؤمنون يعقدون صفقاتهم في الجامع، ولم يكن باعة الخضار والفاكهة يجثمون أمام مداخل الجوامع يوم الجمعة لبيع تجارتهم. ولم يكن المؤمنون يغادرون المسجد ليتابعوا أعمال الفساد والرشوة والسرقة التي كانوا يزاولونها قبل أن يذهبوا إلى الصلاة.

كلُّ ذلك تحول الآن. الدين الليِّن الرقيق الذي كان في القلب تحول إلى يافطة وشعارات، ثم تحول إلى دم وقتل وتدمير. والله الذي كنا نحبه ونلاطفه تحول إلى إله نخشاه وندفع أذاه عنا بالصلاة والجهاد. وتحوّل اسمه الذي كنا نناجيه في السر إلى مسبحة نتداولها في كل أحاديثنا التجارية والسياسية والاقتصادية. وتحولت نساؤنا إلى أشباح سوداء تسير في الطريق فلا ترى ولا تُرى، ولا تترك أثرا طيبا ولا سيئا. وتحولت الجوامع من أماكن تواصل مع الخالق إلى أماكن لإظهار القوة. والحج الذي كان لمن استطاع إليه سبيلا، صار البشر يستدينون ويحرمون أولادهم من العلم والدواء والفاكهة، لكي يؤدوه. والله غني عنهم وعن تعبهم. وتحول رجال الدين من دماثة الشيخ طاهر الرئيس وطيب الأتاسي إلى قساوة يوسف القرضاوي وعبد الرحمن البرّاك وعبد العزيز آل الشيخ وعبد العزيز الخطيب الرفاعي. وانتقلوا من الجامع إلى التلفزيون، ومن سجادة الصلاة إلى ساحة القتال، ومن مبشرين ومصلحين إلى مشجعين على القتل والدم والانتحار.

لقد ازداد الدين ولكن ازداد معه الخوف. كانت والدتي تعود إلى بيتها قرابة منتصف الليل، تسير وحيدة من بيت أهلها إلى بيتها، دون أن ينتابها الخوف من أذى أو اعتداء. اليوم لا تتجرأ زوجتي على الخروج إلى الشارع وحيدة على الأقدام بعد التاسعة ليلا. ازداد الدين وازداد الخوف. كان صراع الخير والشر في مدينتي يتم بين شخصيتين طريفتين هما أبو شمسو (الضابط في الأمن الجنائي) وعواد اللص الظريف الذي كان يتسلل إلى بيوت الأغنياء ليسرقها ثم يتقاسم الغلّة من فقراء حمص. اليوم صارت السرقات تتم في وضح النهار، وصار أبو شمسو وعواد شريكين يتقاسمان الغلة آخر النهار.


أريد الإله القديم الذي كانت جدتي تسامره وأبي يصلي له في البيت وأم كلثوم تغني له في الإذاعة. الإله اللطيف الذي لم يكن يأمر بالعمليات الانتحارية، وقتل النساء بدافع "الشرف،" ولف الفتيات بالبراقع السوداء. الإله الذي لم يكن يأبه إذا شرب المؤمنون الخمر أو رقصوا ليلة رأس السنة أو امتدت يد الصبي إلى يد الصبية في الطريق إلى المدرسة خلسة، بل كان، على الأرجح يبتسم، ويدير وجهه كأنه لا يراهما. أريد الإله الذي لا يغار من عباده، ولكنه يحبهم ويتمنى لهم الخير. هذا الإله لم يعد موجودا، فقد قتله تحالف ابن لادن ويوسف القرضاوي وعمر عبد الرحمن ومحمد سعيد رمضان البوطي.















تعليق



صالح الرزوق

2014-06-07

الغيرة و الغيرية من اصل او جذر واحد و هما ضد نرجسية الأنا. انه شعور حيال الآخر سواء كان بالسلب او الايجاب.نعم نحن نعلم ان الله موجود اين كنا ( ثمة وجه الله اين توليتم ) و لذلك نحن في وحيه و في ماهيته و هو ليس بحاجة لعبادتنا، انه الأخلاق التي تضبطنا لنكون جزءا من الاتجاه.@و لكن لو ابتعدنا عما نري و اقتربنا من موضوعيات اسلامية ندرك ان الاسلام جاء لتأسيس دولة و لذلك فيه من الاوامر و النواهي ما لا تحدها لدى اديان اخرى اكتفت بالروحانيات و فشلت في تحقيق الملكوت على الأرض.و اسلامنا يحمل من اثار بني انية اكثر مما يحمل من فترة الاستضعاف ( الوحي و مكة).مهما كان الأمر المقال يفيض بالامنيات و العواطف

Dollymassamiri

2014-06-08

كلام سليم وصحيح وعايشناه كلنا لكن اختلف الامر منذ مدة ليست بالقليلة وهناك أسباب عديدة لن أتكلم عنها إنما اجد ان المغالاة بالتدين والتعصب أبعدنا عن الدين كما جعلنا نشكرك في مصداقية هذا التدين الذي بات بعيدا عن الإيمان هناك خلط بينهما كما ان الدين الاسلامي اصبح اقرب الى خط التوراتي الذي يظهر الله او يلهوه الغاضب والمنتقى اي اله مقيت وبغضي وغير متسامح وهذا النهج يحقق أمال الصهاينة

رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

عن الله الذي قتله التكفيريون

11-تشرين الثاني-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

21-تشرين الأول-2017

في الذكرى المئوية لثورته: إشكاليات لينين الثلاث القاتلة

14-تشرين الأول-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

07-تشرين الأول-2017

مَن الذي هُزم في الحرب السورية؟

16-أيلول-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow