Alef Logo
الغرفة 13
              

سرة امرأة / أحمد الشريف

ألف

2014-04-10

.... لم يعرفوها ، ولم ير أحد منهم ما رأيت منها .
طاقة الريحان التى نفذت من سرتها لبحيرتى الراكدة ، جعلت الاضطراب يسود الحياة ..
حكايتى بدأت معها فى آخر ليلة من السنة القمرية، فى حقول الزيتون، عندما تركت أبى وعماله خلفى وتعمقت لحدود جبل شلالات المياه. عندها، صعقت وحدث لى ما فكك حياتى. امراة عارية، تستحم بمياه الشلالات،

سرتها قمر ينير ما حولها، شدهت وانقلب بصرى حديدا، فكانت سرتها تتسع وتكبر فى دوائر بلا حدود، كمياه البحيرة عندما تقذف بالأحجار، لو مددت يدى لأمسكت بسرتها فقد كادت أن تنفصل عن بطنها، تهتز ببطء وترتعش بلذة، تعلو وتهبط مع نفسها .

ضاقت المسافة بيننا، فانبعثت من سرتها رائحة هى مزيج من الرحان والياسمين. وفى لحظة لن أنساها، كنت على وشك القبض عليها، قفزت من المياه، جريت وراءها بجنون، سقطت بجوار شجرة زيتون، قبل وقوعى عليها، انتفضت وعدت بعيدا ثم اختفت خلف جبل الشلالات الذى تحول الى طوفان حجب كل شىء. يئست من ملاحقتها. فى طريق عودتى رأيت سرتها العجيبة مطبوعة على الأرض بجوار جذع شجرة الزيتون.. على مدى الأيام حاولت أن أنسى تلك الليلة وفشلت. أصبحت أسير فى الشوارع... حالما ، تائها، باحثا عن شىء مجهول وغامض. المرأة صاحبة السرة الأسطورية طارت بعيدا، ولا شفاء لى من سحرها المميت .
- الإعصار اقتلعنى يا رفيق .
- أى إعصار خيبك الله !؟
- المرأة صاحبة السرة الجهنمية التى تنادينى فى صحوى ومنامى .
- لا شىء يصلح معك، أذهب وأبحث عنها .
....... ينبغى أن أجدك يا معشوقتى، كى لا تمر حياتى سدى، سرتك حطمت حياتى وأجبرتنى على الفرار صوب البرارى والغابات والصحراوات النائية .
عدت الى فيلكسيا. على التلتاوى عند الطاحونة المهجورة، التى كانت يوما ملكا لجدي، صوت التلتاوى وهو يغنى مواله يوحى بفقدانه كنزا ثمينا " يا بوسرة فنجان، يا آتل ولاد الجان، عسكر وسجان، وهجموا بالسلاح بره ".
- أحكى عن سر الموال ده فورا .
- موال عادى !
- لأ مش عادى لازم أعرف حكايته .
.... أخذنى من يدى، جلسنا على حافة جدول صغير يتفرع من بحر الطاحونة وحكى.... شوف يابنى، ايام النشفةلما الميه بتجف من بحر البلد باخد قربتى وأملاها من المكان البعيد ده وأفضيها فى بيوت الناس الكبار حسب الطلب. فى يوم طلبت واحدة منهم قربة ميه، وخلى بالك نسوان الكبار دول أسرار وبيرهم غويط، خش يا عم تلتاوى فدخلت .
أدخلتنى فى أبعد وأعتم مكان فى البيت، وعلى طول رفعت فستانها ، فرأيت سرة كقعر الفنجان، قالت: لا كده لقول لجوزى.. توكلت على الله وأفرغت إبريقى فى قلتها... وبالطبع لم أسألها عن أسمها أو مكانها، فلا تشبه من تعشقت... هذا الوسواس وذلك الذهول لن يزايلانى حتى أعثر على امرأتى، سرتى، طاقة ريحانى....
عرق غزير يتسرب من ثنايا جسمى، عرق الخوف واللاجدوى من المحاولة. هذه الغمامة السوداء الكثيفة التى حطت على عالمى بعناد لا يبارى، سأمزقها ببحثى الدءوب، لا تحبطنى سخرية الأصدقاء، ولا يفزعنى فشل رحلاتى الواحدة تلو الأخرى، سافتش فى المدن الصغيرة والكبيرة، فى القرى والنجوع والكفور، فى الجبال والهضاب والسهول، بين طبقات الأرض وفى الأبار وصفحات الكتب والسجلات والدفاتر والمخطوطات وكتب السحر وسير الأحبة القدامى، فى أجساد النساء والبنات وموديلات الرسامين والنحاتين وعوالم شياطين الأرض والسماء.
وأنا أسير بين المقابر، حالما وغامضا بسرى، رأيت ثلاث فتيات ، يبكين عند قبر، تجاوزتهن. عرفت بعد ذلك بمجيئهن كل خميس للبكاء على قبر أبيهن المحبوب. الرجل وبناته بيتهم كان فى سرة الوادى، ودائما ما يضرب بالرجل المثل فى حبه وحنوه. جدتى العجوز الماكرة، التى تزوجت ثلاث مرات بعد جدى، قالت عند سؤالى عنه " رحمة الله، كان لا يقبل بنت من بناته إلا فى سرتها "... هكذا إذ، سامكث بين بيتهم والمقابر، لعل إحداهن تكون كمعشوقتى. شأت الأقدار الرحمة بى؛ فى اليوم الثانى، كن فى مواجهتى، تفرست فيهن بشغف، بيض بحمرة خفيفة، جسم طويل ممتلىء، والسرة، هى هى عند الثلاث، تماما كقعر الفنجان، كاملة الاستدارة ولا سرة قمرى .
.... توقى ولهيبى لحياة حافلة بالمسرة والرياحين لا يخمد ، وسعية للوصول لمنبتها السرى لن يفتر، وضمى لهاضم المستهام أراه فى حلمى ويقظتى الحالمة .
حدثت الشيخ الشهوى المعروف بنهمه الجنسى وشذوذه مع نسائه الذى أودى بحياة اثنتين منهم، فقال لى: لو رايت هذه المرأة أاتنى بها أو أرسل لى فى الحال، وسأتلو بعض الأيات التى تثبتها فى مكانها، فسرة كما وصفت لا أن تحتها طاقة من الجنة .
لأنسى ما أنا فيه من الهم والكرب، تجولت فى قصر المسافر خانة. بين أصدقائى من الرسامين، أكثر البشر تدلها بالجسد الأنثوى، يرسمون نساء عاريات، كالجنيات والملائكة فى الحكايات والأساطير القديمة، مع ذلك لا تجد أحدا منهم يهتم برسم السرة ، واذا رسمها، يضع دائرة صغيرة فارغة أو نقطة فى منتصف البطن؛ لذا أصبحت لا أهتم بهم كثيرا. فى زيارتى هذه وفجأة وجدت فنانا يرسم راقصة ،تمهلت عنده فقد شرع فى رسم السرة. كنت خلفه وهو مع الراقصة .
- عندما أشاهد راقصة أجدها تغطى سرتها مع أن جسمها أغلبه عريان، لماذا ؟
... بهت من سؤالى ، فسقطت ريشته على الأرض .
- لا اعرف على وجه التحديد لقد سمعت أن كاتبا كبيرا طلب أن تغطى الراقصة تلك المنطقة .
- أين هو لأقتله !؟
- مات .
أرغقت نفسى فى جوف مكتبة صديقى محمود ابن الشيخ الشهوى. ومحمود من الولاد الحبيبة المعروفين فى فيلكسيا، ولكنه لا ينتمى للأحبة القدامى، الذين اذا أحبوا ماتوا، بل هو من القلائل فى بلدنا ، الذين اذا أحبوا ضاجعوا. جذب الكتاب المقدس وفتحه على نشيد الأنشاد، " ألذ شىء فى الكتاب كله ". كما يقول، أشار الى جملة بعينها فى الإصحاح السابع .." سرتك كأس مدورة لا يعوزها شراب ممزوج " ابتسم وقال: حبيبتك تنتمى لهذا الصنف.. ولأول مرة أبتسم أنا أيضا، " يا راجل هونها تهون، امرأة كسائر النساء " .
- لك عندى حكاية يمكن تسرى عنك .
- إحكى .
وحكى أنه هو وبعض الشباب العاطلين، كانوا يتلصصون ليلا على البيوت ويضعون آذانهم ملاصقة لجدران غرف النوم. حطوا رحالهم فى ليلة صيفية حارة عند بيت بغرفة واحدة، شباكها مفتوح على زقاق معتم، راوا رجلا يضع أيرة فى سرة امراته. كانت تغمض عينيها وتشهق شهقة يسمعها المتلصصون " يا راجل بشويش طيب نزله شويه لتحت ".... هذه المرأة التى أشرقت على فى يوم أغبر، لماذا تحولت إلى كون هكذا ؟.... طال وقوفى على شواطىء البحار الكبيرة ومجارى المياه الصغيرة، علها تخرج لى كعروس البحر، تسمرى أمام التماثيل الفرعونية ضرب به المثل؛ فهم من نحتوا النساء عرايا بسررهن البارزة الغامضة كأنها منبع الحياة وبدء الكون... لا، لا، لن أستمر هكذا يجب أن ينتهى كل هذا. سأخرج مخاوفى الى نور الشمس إن أمكن، وأضرب بذاتى الصخور، ربما تكون هناك بداية جديدة .
عم عارف الرجل الصوفى السائر الى الله وفى الله. هو من سيرجعنى الى صحوى وسرورى.. كأنه ينتظرنى، ويعرف أنه قاربى الوحيد، إنه هادىء، ساكن الجنان، قال: - كاشفا عن باطنى وسعيد بمجيىء إليه فى الختام –
- أهلا بك يا ولدى وشبيهى .
- سيدى لقد تعبت .
- أعرف ، لا تدهش، فقد حدث لى ما جرى لك. فى يوم بعيد ، كنت وأمى نعيش وحيدين، يومها دخلت على وأنا أقرأ، قالت أنها ستنادينى بعد تجهيز طعام السحور..... وفجأة رأيت أن حروف الكتاب تحولت لقطع من نور والغرفة كلها قطعة من قمر، رفعت رأسى ونظرت، فذهلت، امراة بيضاء كاللبن، تبزغ من الركن فى الجدار، سرتها تفيض بضياء سر مدى، هزنى ودعانى لسعادة أزلية، ثم " عارف الأكل الجاهز " التفت بسرعة لأخبر أمى بقدومى كى لا تدخل، وعندما رجعت برأسى إلى موضعها فى الجدار، اختفت، وساعتها بدأت رحلة شقائى إلى أن وصلت إلى الله .
- تعال معى يا بنى، وأرجع إلى رشدك وإلا ..
- لا ، حكايتنا ليست واحدة، وطريقنا مختلف .
ما شئت .
- تركته وصعدت لأعلى الوادى، أراقب الشمس وهى تغوص فى السحاب على مهل. يبدو أن هذه الكلمات: العذاب، الحيرة، التشتت، السقوط، البحث عن شىء غامض ومجهول بمثابة علامات الطريق القادمة .
وتلك المرأة السرة ما دورها فى حكايتى، أتكون هويتى المفقودة منذ الولادة ؟
دخلت مقهى جابر، كان عدوش وحبشى يتكاذبان، جاء الدور على عدوش، قال: يوم عرس أبويا وأمى رقصت على حمار حصاوى سبعة أيام وسبع ليال انجرح ضهر الحمار نصحنى أهل الخير بطحن نوى بلح نسيت نواية سليمة فى ضهر الحمار فنبتت وصارت نخلة جاء أولاد كثيرون ورموها بالطوب والزلط فصارت جزيرة صعدت إليها أنا وأبى وبذرنا فيها سمسم ثم غيرنا رأينا وجمعنا السمسم سمسماية... سمسماية وبذرناها بطيخ البطيخ كبر أبويا جاب واحدة يشطرها بالسكين وقعت السكينة جوه البطيخة خلع أبويا هدومه ونزل يدور عليها بص شاف واحدة جميلة سرتها زى نور القمر نام معها خلف ولد خايب ساب الدنيا وراح ينجح فى مجتمع فاشل فسقط جوه قلعة فيها كتاب وفنانين سرقوا جزمته وتركوا القلعة له فاضية زرع شجرة كبيرة عشان الشجرة تظلل الدنيا الشجرة رمت ورق ناشف أصفر، خد الورق وعمل بلاط يقف عليه وقعه البلاط فى نقرة النقرة قربته من السجن فى السجن كتب رسائل لناس مجهولة الناس دول عرفوا أنه بيدور عن أم، حبيبة أنثى حاملة زيه، وبعدين لقى نفسه مرمى عند الطاحونة القديمة التى كانت يوما ملكا لجده... إلى متى هذه الهلوسات والشطحات يا كلب ؟
قم وأبحث عما تبحث عنه، لن تحتاج إلى عكاز منذ الآن سأبدأ بحثى من النقطة الأولى، هذه المرة سأحفر عميقا، فلا عزاء لى عنها، ولا بديل آخر، البداية من هناك حيث تشرق الشمس، سرتها مطبوعة على الأرض بجوار جذع شجرة الزيتون .
بيلانسى
عندما نظرت فى عينيها أول مرة قلت: ياه كل ده ....
أخرجت لى لسانها
هذه الفتاة دفعتنى للتحليق بعيدا حتى اصطدمت جناحاى بالشمس .
لم أصدق لحظتها أن هذا الوجه وذلك الجسم ينطويان على سرعميق... كانت تحمل بين يديها كلبا أسود ذا لسان كبير ، لا يكف عن اللهاث، قالت بعد تعارفنا إنها تعيش وأمها وحيدتين ، لم يتبقى لهما إلا بيلانسى .
مات أبوها، الثرى جدا، جعل بيتهم شارعا؛ من كثرة الرواد والزوار، أدق خصوصياتهم، كان يعرفها أى صعلوك، أصيبت أمها بحالات انهيار عصبى؛ نتيجة للصخب والجلبة وكثرة العيون . هذ الوالد كان يعتقد بأن الناس من حوله، سبب استمراره فى الحياة ، كثيرا ما تسلل إلى غرفة نومه، تاركا ضيوفه وموصيا إياهم بعدم الرحيل إلا بعد سماع شخيره.. بعد موته أغلقت الأم البيت وأشاعت أنها وابنتها سترحلان عن المكان بعيدا.. صار الليل يعنى لهما الجنة وبيلانسى حارس بوابتها.. تتعرى تدريجيا، فتختفى النجوم من السماء. جسمها عجن من نار هادئة، عند اللقاء تغمض عينيها، وتحرك لسانها على شفتيها، تزداد درجة غليانها، فتضغط بأسنانها على الشفتين مع تشنج فى أصابع يدها حتى تعثر عليه، تتحسسه باناملها ثم يدها تقبض عليه وتقربه من وجهها بوله وتقديس .
اشتعلت الجذوة بداخلى، لا مفر من هذا التهيج المستمر، أثناء لحظة القذف العصية التى تأخذنا فيها الغيبوبة، أتمنى لحظتها لو مت؛ لأستريح، لا إشباع أبدا .
زرت بيتهم واندهشت من تأدب أمها وخجلها، أكدت لى أن بيلانسى هو ما تبقى لهما، خصوصا هى، لإن ابنتها كثيرة الخروج، بعد وقت قصير، استأذنت وأشارت لبيلانسى، الذى قفز فى حضنها من أعلى المائدة وتلقفته بلهفة .
- حبيبى، حبيبى، معاد الحمام .
التفت لأبنتها محذرة :
- أوعى تفتحى الحمام علينا، حبيبى يا خد برد .
ضمته لصدرها بقوة، قبلته فى بوزه ودخلت به الحمام .
صارت حياتنا ليلا. جولاتنا النهارية تتعمد فيها أن تأخذنى للأماكن الغائرة والأزقة الضيقة والشوارع المسقوفة والبيوت القديمة التى لا تدخلها الشمس وتوشك على الأنيهار. بفضلها بات الليل دليلى لجسمها وجسم الأخريات. جسمها صار المكان الوحيد الصالح للاختباء من قسوة الحياة، وتحديدا الأماكن الخفية فيه، كالسرة ومنطقة ما بين الثديين وتحتهما وتحت إبطيها وعتمة ما بين فخذيها. كانت تقول لى .
- عايز تشوفنى جميلة تعالى فى بالليل !
هى لم تعد جميلة فى الليل، بل الحياة أمست لا معنى لها إلا فى الليل.. أتذكر وجهها بتوتره وانقباضاته وحركة يدها المتشنجة على جسمى وهى تضمنى وتكاد أن تبكى، لكم تعذبت وعذبتنى معها .
كنا فى شرفة بيتهم، نتأمل الليل الممتد لأطراف الدنيا، بغته، بدأت تغنج :
- بيلانسى، بشوش، كده تعضنى فى ....
التفت فرأيت الكلب دافسا بوزه ويذوم بشدة .
- إيه ده ؟
- خايف منك !
تركتها وأسرعت بالخروج، لحقت بى، احتضنتنى، بل وعى، قبضت على ردفيها، وغرزت أضافرى فيهما وهى تعول كحيوان جائع فى غابة، مع كل صرخة أؤمن بقدرة الخالق العظيم على تشكيل هذين الردفين الطريين الممتلئين دون إفراط، إنهما المعبر لى على جسر الزبد .
تسرد على أنواع الكلاب، تبوح بسر اختيارها وأمها لبيلانسى كى يعيش معهما؛ إنه هادىء الطباع، من فصيلة كثيرة التكاثر، له لسان خشن... بسبب هذا البيلانسى، كادت أن تحدث فضيحة على البحر، فى عز النهار والشاطىء غاص بالناس، كانت تلعب الراكيت مع صديقتها، بيلانسى جالس على مؤخرته، لا يحول عينه عن صاحبته، بلا مقدمات قفز تجاهها وبدأ يلحس، لم تهتم زاد الأمر ووقف عند فخذيها وشرع فى لحس ما بينهما وهو يجذب المايوه بأسنانه، طوحت الكرة بعيدا لصديقتها، دارت بعينيها فى المكان بسرعة، رأت بعض العيون ترقبهما، بكل قوتها ضربته على راسه بمضرب الكرة .
- آخر مرة أجيبه البحر .
لحظة تفكيرى فيها كزوجة، اختفت من حياتى فجأة كما ظهرت فجأة . لكن لماذا فكرت فيها كزوجة؟ وما سر انجذابى لها ولأمها ؟ ولماذا أختارانى أنا بالذات؟ هل أشبههما فى شىء؟ أم أن هناك شىء فى الأعماق يجمعنا؟ معهما أو معها، أشعر أن حياتى غير الآخرين، وأن هناك سرا مثيرا يدفعنى للحياة، دائما أبتهج وأنا بين أصدقائى وسط الصخب وحركة الحياة؛ لأنى سأذهب مع بداية الليل لحياة أكثر دفئا وخفاء.. فى بداية اختفائها، تصنعت الامبالاة وقلت لنفسى، إن هناك مئات غيرها مصابات بسعار الليل، لكنى أخطأت التقدير، لا أحد مثلها، النار التى أشعلتها بداخلى، لم تقدر أى امرأة على اخمادها، لم أنتبه وهى تقول لى ذات مرة .
- على فكرة أنا زي حلم فى الليل !
- يعنى ؟
- يعنى ممكن تقوم الصبح، لا تشوفنى ولا تشوف الليل .
وها أن أستيقظ ولم أجدها، أما الليل فسوف يأتى، كان بداخلى مقيما قبل رؤيتى لها ولا أعرف لماذا أمتزج وجوده بوجودها . قالت لى أمى، أنى عندما خرجت من بطنها للدنيا، كنت أصرخ وابكى كسائر أطفال الدنيا، مع اختلاف صغير، إن التيار الكهربائى انقطع، فتوقت عن الصراخ والعويل، اعتقدوا بموتى حتى عاد التيار متزامنا مع صراخى وعويلى .
الليل كان يعنى جسمها، وجسمها ليل بهيم، حياة مجهولة أحبها وأخاف منها، اختبىء فى منحنياتها وظلماتها وأتوق فى ذات الوقت للشمس والسماء الزرقاء والطبيعة وصخب الحياة .
ونحن فى عنفوان الالتحام، كانت تهذى وتصيح - انا عايزه الحب عايزه الحنان.. مع كل صيحة، تتحرك تحتى بتشنج وعصبية شديدة وكأنما كل جزء من جسمها سينفصل عن الآخر، تلقى برقبتها وراسها بقوة للخلف مع آه من الأعماق، ليست آه لذه وإنما آه إنسان يتعذب ويسعى للخلاص. أحس فى كل التحام معها ، أن بداخلها شيئا يبتغى السفر بعيدا ويتلاشى فى الفضاء وذرات الطبيعة، هذه الجملة التى كانت تكررها هى وامها عندما أحدثهما عن موضوع محزن :
- آه يا روحى آه يا عينى .
فى البداية أثارتنى هذه الجملة ولكن بعد ذلك ادركت أنهما مو جعتان فعلا وتحسان بضعف الآخرين واحتياجاتهم .
بديلا عن الجنون، توغلت فى جسم الليل والنهار ارتاد البرارى البعيدة والغابات النائية والمناطق نصف المعتمة حتى وصلت لجرن قمح، النجوم فى السماء تعكس ضوءها على أكوام القمح التى تأخذ شكل اهرامات صغيرة لمحت جسما ينزل من السماء ويحجب أشعة النجوم، نفس العينين المحمومتين وانقباضات الوجه، أعطتنى ظهرها وأشارت لأتبعها، مع كل خظوة يزداد الليل ظلمة وأزداد اشتعالا وحبا للحياة، أتوغل أكثر وأكثر إلى أن أصل لبقعة فى الأرض، لم أر مثلها، ولم أشعر بجوها من قبل ،فى اللحظة الفاصلة بين الليل والفجر، دنت منى، فتحت ذراعيها وابتلعتنى، وغصنا معا فى الظلام .
الحوار المتمدن

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز ج2

19-آب-2017

الأنثى الرمز، الإلهة (قناع الالوهة المؤنثة) مصطفى عبدي

19-آب-2017

رسالة فان جوخ إلى أخيه قبل أن ينتحر:

19-آب-2017

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow