Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الحياة السرية للشاعر أودن / إدوارد مينديلسون ترجمة

صالح الرزوق

خاص ألف

2014-04-07


لدبليو إتش أودن حياة سرية لا يعرف عنها حتى أقرب أصدقائه إلا القليل أو لا شيء على الإطلاق. و كل شيء عنها كما يبدو مشرف و مدعاة للفخر و الزهو. و قد احتفظ بها طي الكتمان لأنه يشعر بالخجل من الإفراط بالمديح. و قد نما شيء منها لعلمي بالصدفة. و لذلك ربما هناك المزيد الذي لا أعرف عنه لا أنا و لا سواي شيئا. ذات مرة في إحدى الحفلات قابلت امرأة تنتمي لمطرانية كان أودن يداوم على التردد إليها في الخمسينات، و هي كنيسة القديس مرقص في شارع بواري ( 1) من نيويورك. و أخبرتني أن أودن سمع عن امرأة عجوز من تبعية الكتيسة تعاني من رعب ليلي، و قد حمل بطانية و ذهب لينام في الصالة أمام شقتها حتى تشعر بعودة الأمان مجددا.
شخص آخر يؤكد أن أودن سمع نبأ عن صديق بحاجة لعملية جراحية و ليس بإمكانه توفير تكلفتها. فقام أودن بدعوة صديقه للغداء، و خلال كل الفترة لم يذكر شيئا عن العملية، و لكن حينما أزمع صديقه على الانصراف قال له:" أرغب لو تقبل مني هذا". و مد له يده بدفتر كبير يحتوي على مخطوطة " عصر القلق". و قد اشترت جامعة تكساس المخطوط و هكذا أجرى صديقه العمل الجراحي.
و من بعض الرسائل التي اكتشفتها في أوراق أودن انتبهت أنه بعد سنوات قليلة من الحرب العالمية الثانية خطط بواسطة وكالة غوث أوروبية كي يدفع تكاليف الدراسة في الجامعة ليتيمين إثنين تختارهما الوكالة، و قد استمرت هذه التدابير التي غطى بها عدة مجموعات من الأيتام على مدار سنوات طويلة، حتى وافته المنية عن عمر يبلغ ستة و ستين عاما.
وفي بعض الأوقات، كان يخرج عن مساره و يبدو أنانيا مع أنه يقوم بأداء إنجازات غيرية. حينما كانت محطة تلفزيون NBC تنتج برنامجا عن ( القيثارة السحرية ) و الذي قام أودن، بالاشتراك مع شيستير كولمان، بترجمة أوبرا خاصة من أجله، دخل كالعاصفة إلى مكتب المنتج يطالب بأتعابه المادية فورا، عوضا عن الموعد المحدد في العقد. و انتظر هناك، عابس الوجه مقطب الأسارير، حتى وصله شيك بكامل المبلغ. و بعد عدة أسابيع، عاد الشيك إلى NBC بسبب إلغائه، و لكن أحدهم لاحظ أنه حمل العبارة التالية من الخلف:" ادفع المبلغ لحساب دوروثي داي". و كانت مديرية الإطفاء في مدينة نيويورك قد طالبت داي بإجراء إصلاحات عالية التكلفة لترميم ملجأ المشردين الذي تديره لصالح حركة العمال الكاثوليك، على أن يغلق الملجأ إن فشلت بتوفير المبالغ اللازمة لذلك.
و في المؤتمرات الأدبية كان يبتعد عن المهمين و العظماء، المشهورين الذين سيرتهم على كل لسان" كما قال عنهم في إحدى قصائده" حتى يصبح قريبا من أقل الأشخاص شهرة في الغرفة. و ذكرنا كاتب محترف ينشر في تايمز أوف لندن في العام الماضي بحادثة من هذا النوع: من ستين عاما صحبتني معلمة اللغة الإنكليزية من مدرسة التعليم الأساسي في الأرياف إلى لندن لحضور مؤتمر أدبي. و من المنطقي أن تتركني وحيدا لتنضم إلى صديقاتها بعد وصولنا، و هكذا شردت هنا و هناك، و كنت لا أعلم شيئا عن المكان و ليس لدي أية فكرة كيف أتصرف.
و لا شك أن أودن شعر بذلك لأنه اقترب مني و قال:" كل شخص هنا يغمره القلق مثلك، و لكنهم يخدعون أنفسهم، و عليك أن تحذو حذوهم". و في أواخر حياته كتب أودن قصائد و مقالات تكلم فيها عن نفسه و صور فيها حالته كمعتزل و نوستالجي، و لا يزال يعيش بالخيال في عالم الطفولة الإدواردي.
و كانت بداية نصه " تقاسيم المواطن المحترم " على النحو التالي:" أرضنا في عام 1969 / لن تكون الكوكب الذي أقول عنه كوكبنا"، و قد تابع بتذمر هجائي صبه على العصور الحديثة بقوله:" لا أستطيع أن أقرر ماذا هو الأسوأ / الرواية المضادة أم الشعر الحر". و بعد عام من هذه الكتابات توفرت لي الفرصة لأطلع على الكتاب الأول لشاعر شاب هو إن جاي لوفتيس عنوانه ( المنافي و الرحلات ). أجزاء من ذلك الكتاب من الشعر الحر، و معظمه انصب على هارليم و أفريقيا؛ كان ولاء الكاتب العرقي واضحا منذ اسم الناشر، و هو مطبوعات السوق السوداء. و قد أهدى الكتاب " لصديقي الأعز ، إتش دبليو أودن". و بعد عدة سنوات تلقيت مكالمة هاتفية من لص كندي أخبرني أنه اطلع على قصائد أودن في مكتبة السجن ثم إنه بدأ بمراسلات طويلة معه و فيها قدم له أودن درسا مجانيا حول الأدب.
و قد شجعه أودن أن يبدأ مع كافكا.
و كان بنفس المستوى يشد من أزر الشعراء الشباب المجهولين الذين يرسلون له قصائدهم، إذ لم يبخل عليهم بتقديم المشورة حول بعض المسائل التقنية مثل الصفات و أبيات الشعر المدورة. و إذا شعر أنه مضطر لاتخاذ موقف مبدئي حيال مسائل أدبية أو أخلاقية، كان يفعل ذلك دون ضجيج، و كان لا يتحمل كتابا مثل روبيرت لوويل ممن تبدو له اعتراضاتهم السياسية متمركزة حول الذات و بلا تأثير. و عندما ربح ميدالية الأدب الوطني في عام 1967، لم يرغب باستلامها في البيت الأبيض الذي يحتله ليندون جونسون خلال الحرب على فيتنام و كذلك لم يرغب " باصطناع ضجة مثل لويل بالرفض العلني"، و لذلك رتب الحفل ليكون في معهد سميث صان ( 2)"، حيث ألقى كلمة عن إفساد اللغة بالسياسة و البروباغاندا.
كان دائما ماهرا في التعامل مع المحررين و الناشرين - و يعيد كتابة كل المقالات بلا تذمر لو طلبوا منه ذلك باستثناء مناسبتين على الأقل حينما ضحى بالنقود و الشهرة و لم يقبل بالانحراف عن قناعاته. في عام 1964 ترجم بالاشتراك مع ليف سجوبيرغ كتابات تركها داغ هامارسكجولد بعد وفاته و كتب لها مقدمة ذكر فيها " افتتان هامارسكجولد بنفسه لحد النرجسية" و أشار تقريبا لمثليته الجنسية التي تراها بين السطور، و اعتبر أودن ذلك شيئا داخليا و ضمنيا و لا داعي للتوقف عنده: إنه " شوكة في الخاصرة". و قد اقتنع أنه لا يتمنى أن يجرب، ما هو لدى معظم البشر، واحدا من أهم متعتين أرضيتين تمنحهما لك الحياة، المتعة العاطفية المتبادلة، أو الزواج السعيد طوال العمر. و كذلك أشار للإحساس الضمني لدى هامارسكجولد عن مهمة التضحية المسيحية - شيء يبدو أنه ينظر له كأنه نسخة من فانتازيا مسيحية كان تورط بها من خلال شهرته في شبابه كشاعر يساري و ثوري. و كان أودن قد أيد هامارسكجولد للحصول على جائزة نوبل الذي كان من المتوقع على نحو واسع أن يفوز بها في عام 1964. و بعد أن رأى أعداء و أصدقاء هامارسكجولد مخطوطة مقالة أودن، زاره دبلوماسي سويدي و أشار له أن الأكاديمية السويدية لن تكون مسرورة لو طبع المقالة بصيغتها الحالية و من الأفضل تعديلها. و تغاضى أودن عن التحذير و لم يذكر الحادثة غير مرة واحدة حينما حضر عشاء مع صديقه لينكولن كريستين في نفس الأمسية و قال " من هناك تأتي جائزة نوبل". و قد ذهبت الجائزة لجان بول سارتر الذي رفضها.



هوامش:

1- شارع بواري: حي في مانهاتن.
2- نسبة للمعهد الوطني للتعليم في واشنطن، العاصمة.

إدوارد مينديلسون Edward Mendelson: كاتب أمريكي معاصر. و هذه الفقرات مترجمة من مقال نشرته مجلة نيويورك لعرض الإصدارات الحديثة ( نيو بورك ريفيو أوف بوكس ). عدد آذار . 2014.


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow