Alef Logo
دراسات
              

البنية الاجتماعيّة للثورة الإيرانيّة: دروسٌ من تجارب الشعوب لـ "الربيع العربيّ" حسن الخلف

ألف

2014-03-19

منذ انهيار الكتلة الشرقيّة عام 1989 تراجع الحديثُ عن أهمّيّة الأحزاب اليساريّة كقوى ثوريّةٍ منظّمة لقيادة الجماهير المنتفضة ضدّ القمع والفساد، وصارت المقولة الروبوتيّة العمياء، "الشعب يريد إسقاط النظام،" ثوريّةٌ في حدّ ذاتها. ولكنّي أتفق مع أنيس نقّاش في تهافت هذه المقولة حينما تُرفع دونما بديلٍ ثوريّ يحدّد إلى أين يريد أن يأخذ البلاد. نعم، هذه المقولة صارت أسطوانة مشروخة لا تُطْرب مَن يريد بديلًا جذريًّا فعليًّا، لا تغييراتٍ شكليّةً هزليّة.


فما شهدناه من سيطرةٍ سريعةٍ للإسلاميين "النيوليبراليين" على بلادنا، بحكم التفاهمات الإقليميّة والدوليّة، يعيدنا إلى نقاشاتٍ سبقتْ ربيعَ مصر، تدور حول "شبه حتميّةِ" سيطرة الإخوان على السلطة في حال سقوط مبارك. وما حصل عمليًّا هو أنّ الطرف الأكثر تنظيمًا والأحسن انتشارًا هو مَن كسب المعركة، وأعني الإسلاميين، مع الأخذ في الاعتبار أنّ هذا الكسب جاء أيضًا بسبب التفاهم الخليجيّ معهم ليلعبوا دورَ الكومبرادور الجديد بالإشتراك مع نُخب النظُم السابقة.
سأسعى هنا إلى أن أذكّر القرّاء بأهمّيّة البنية التنظيميّة للقوى الثائرة، وسأركّز على الحالة الإيرانيّة التي لعب فيها التنظيمُ الاجتماعيُّ التقليديُّ دورًا مهمًّا في تطوّر الثورة نحو التصدّي للهيمنة الغربيّة. إنّ التعرّف على القاعدة الاجتصاديّة التي استندتْ إليها القوةُ الوطنيّةُ التقليديّة (الحوزة ـ البازار) في إيران ضروريٌّ لمعرفة حجم قوة "الملالي" (كما يسمّيهم احتقارًا بعضُ علمانيي العرب وأشباه مثقفيهم). فهل فعلًا جاء هؤلاء كتجّار دينٍ وخرافةٍ وشعوذة، أمْ أنّهم ممثّلون لمصالح البرجوازيّة التقليديّة الوطنيّة، المتصارعة مع الغرب منذ ثورة التنباك (1891) وحركة المشروطة (1905) وأحداث سنة 1951 أثناء ولاية مصدق وانتهاءً بثورة 1979؟
من مهازل القدر أن يأتيك ناشط سياسيّ في منظمةٍ دوليّة، أو صحيفةٍ خليجيّة، يتقاضى أجرَه من الخارج، ليهاجم "رجعيّة" القوى الوطنيّة التقليديّة في إيران، التي صمدتْ أمام الحروب والحصارات الغربيّة، وبَنَتْ صناعةً وطنيّةً وبنًى تحتيّةً متطوّرةً، وأسّستْ (أو دعمتْ) حركاتِ مقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، ويُنظر إليها كقوةٍ دوليّةٍ محترمةٍ من قبل منظمة شنغهاي مثلًا التي تقودها روسيا والصين. وممّا يثير الأسى أنّ معظم جيل الثوريين العرب بين الأربعينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي هُزم ودُجّن: ففي معظم البلاد العربيّة تكفّلت الأنظمةُ القمعيّة المخابراتيّة بتفكيك البدائل الثوريّة، فبرزتْ قوًى يساريّة انتهازيّة، بعضُها رضي بالقعود إلى جانب الطغم الحاكمة في "جبهات وطنيّة تقدميّة" (كما في العراق وسوريا)، بينما رضي الآخرون بما هو أسوأ، أيْ باللجوء إلى الغرب ومواصلة "النضال" من هناك؛ فتورّط بعضُهم تدريجيًّا، وأصبحوا "حلفاء وشركاء" للحكومات الغربيّة ومشاريعها (ولنا في الحالات العراقيّة والسوريّة والليبيّة، وحتى الإيرانيّة، أمثلة واضحة على ذلك).
لكنّ المأساة ليست هنا، وإنّما في تفشّي آفة "الليبراليّة الوهّابيّة" (كما يسمّيها أسعد أبو خليل) في صفوف توّابي اليسار وبعض الشرائح العلمانيّة الوضيعة. فهؤلاء تخلّوا عن العمل الثوريّ السرّيّ وتنظيم الجماهير ضدّ الاستبداد لأسبابٍ كثيرةٍ، منها: جبروتُ الأجهزة الأمنيّة، وجزالةُ العطايا الماليّة من النظُم الحاكمة وحلفائها الخليجيين. وبدلًا من أن يجترح أولئك "التوّابون" و"العلمانيّون" أساليبَ جديدةً في النضال، فضّل الكثيرُ منهم أن يتحوّل إلى "النضال السلميّ" المأجور (تمييزًا لهم من مناضلين سلميين شرفاء رفضوا الهيمنة الخليجيّة والمشاريع الغربيّة)، ووصل معظم هؤلاء المأجورون إلى المنظّمات الدوليّة ومنظّمات المجتمع المدنيّ التي تلبرلتْ تدريجيًّا وخلقتْ جيلًا شابًّا من المؤمنين بسلميّة النضال وضرورة "التفاهم" مع الغرب والسلام والتعايش وإدانة كافة أشكال "العنف." وسيشكّل كثيرٌ من هؤلاء الجناحَ الليبراليَّ والسياسيَّ والفكريَّ لطبقة الكومبرادور العربيّة، الحاليّة والقادمة.

إيران: من بقايا شرقنا القديم: قصبة البازار
استندت القوى التقليديّة في إيران إلى قواها الذاتيّة، لا في المساهمة الفعّالة في انطلاق الثورة فحسب، وإنّما في "اختطافها" أيضًا من يد القوى اليساريّة والطلّابيّة التي لعبتْ دورًا مهمًّا في تفجير الثورة. ويمكننا أن نقسم البرجوازيّة الوسطى الإيرانيّة إلى معسكرين، حديثٍ وتقليديّ، كما فعل الباحثُ الإيرانيّ إيرفند آبراهاميان، إذ يرى أنّ أحد أهمّ أسباب نجاح الثورة هو نجاةُ تنظيمات القوى التقليديّة الإيرانيّة من مساعي الإصلاحات الحداثيّة والغزو الرأسماليّ إلى تفكيك بناها العريقة. فالقوة التنظيميّة والبشريّة والماليّة للطبقة البرجوازيّة التقليديّة بقيتْ، نسبيًّا، سالمةً ومنظّمة، مقابلَ بقاء قوى الشرائح الحديثة غيرَ مكتملة النمو أو مهمّشةً بسبب قمع النظام.
فبعد انقلاب عام 1953 نجح الشاه، بمساعدة وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة والموساد الإسرائيليّ، في تأسيس جهاز مخابرات قمعيّ (السافاك)، وفي بناء جيشٍ نظاميّ حديث ومحترف، مكملًا سياسةَ أبيه في مركزة السلطة وفق النموذج الحداثيّ الذي أنهى اللامركزيّة العسكريّة التي كانت سائدةً في الشرق. ولم تصمد أمام إصلاحاته العصبيّاتُ التقليديّةُ، كالقبائل في معظم أرجاء إيران؛ واختفت أو انكمشتْ طوائفُ صوفيّةٌ كثيرة. كما أنه ضَرب الإقطاعَ وملّاكي الأراضي الكبار، خصوصًا بعد "الثورة البيضاء" التي قام بها بتشجيعٍ أمريكيّ للخلاص من تلك الفئة الطفيليّة التقليديّة الجالبة لتذمّر الفئات الريفيّة والمؤسِّسة لتربةٍ خصبةٍ لانتشار الشيوعيّة في الريف. وعوّقت القوانينُ الاستبداديّة نموَّ النقابات والبرلمان والأحزاب؛ بل منعتْ أيضًا أهمّ الأحزاب والقوى الحديثة، مثل "توده" (الشيوعيّ)، من العمل وتمثيل الناس بشكل طبيعيّ. وبعد تنفيذ سلسلةٍ من الاعتقالات، التي صاحبها قتلٌ وتعذيبٌ ونفيٌ، تمّ تهميشُ الشيوعيين والوطنيين والليبراليين وممثّلي الإسلام السياسيّ، وإبعاد نماذج مشاغبة، مثل الخميني، إلى الخارج.
وعلى الرغم من أنّ هذه الإجراءات القمعيّة فجّرتْ تجاربَ مثيرةً للكفاح المسلّح في غابات إيران وجبالها وصحاريها، على يد قوًى يساريّةٍ وإسلاميّةٍ أو يساريّة ـ إسلاميّة، فإنّ هذه القوى عجزتْ عن أن تكسب الحربَ مع النظام وتُحقّق ما يكفي من شعبيّة، وعجزتْ عن أن تمتدّ إلى المدن. وعلى الرغم من أنّ الحداثة الفكريّة جلبتْ معها الكثيرَ من الأفكار الثوريّة لتحلّ بين الشباب في الجامعات وأبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، فإنّها حقّقتْ أيضًا نجاحاتٍ ملحوظةً في تغريب جزءٍ لا بأس به من أبناء الطبقة الوسطى وبناتها، فحوّلت اهتمامَهم نحو الأنماط الاستهلاكيّة الغربيّة ـ وهي التي رمز إليها علي شريعتي بحلم اقتناء سيارة كاديلاك، ومحاكاةِ الغرب بكلّ أنماط العيش ومقاييس النجاح والذوق: ابتداءً من ربطة العنق، إلى التحرّر الجنسيّ، ونيل الشهادات الغربيّة من أرقى الجامعات.
وعلينا أن ننتبه أيضًا إلى أنّ الجيوش النظاميّة الحديثة والمؤسّسات العسكريّة الحديثة التي اعتمدت السلاحَ الغربيّ المعقّد والمكلف بُنيتْ على أساس رصّ المجتمع وحشدِه خلف سلطة الدولة الوطنيّة الحديثة، واعتمدتْ نظام التجنيد الحديث الذي حصر حملَ السلاح وتنظيم القوات بها. وقد أنهت تلك الإصلاحات تقليدًا عمرُه آلافُ السنين في بلادنا، سيرًا على مبدأ "مواكبة التطور الدوليّ" وتنفيذًا غير حكيم على ما يبدو لـ "نصائح" الخبراء الغربيين.
ومن أهمّ المشاكل التي خلقتها هذه السياسةُ التحديثيّة أنها أنهت قدرةَ المجتمع القديم على المعارضة. فهذا المجتمع كان منقسمًا على هيئة قبائل ومقاطعات وطرق صوفيّة ومدن مسلّحة؛ فما إنْ تعلَن الحربُ حتى تجتمع كلُّها تحت راية الشاه أو السلطان، فيُضطرّ الحاكم المعتمد على شعبه المسلّح إلى أن يتّبع سياسة توافقيّة ما.
ومع تحوّل المجتمع إلى مجموعات استهلاكيّة وعزلاء ومحرومةٍ من التمثيل السياسيّ، ومع تزايد نِسب التشظّي الاجتماعيّ تحت ضباب الاغتراب وغبار أنقاض التنظيمات والعصبيّات التقليديّة والحديثة، لم يعد يتراءى أمام ناظري الشاه وأجهزة أمنه أيُّ بناء تنظيميّ مستقلّ سوى مركزين: الحوزة الصامتة في حينها بعد إبعاد الخميني، والبازار. ويبدو أنه، ورجاله، لم يقدّروا خطرَ البازار والحوزة إلّا متأخّرًا.
كان البازار هو القلعةَ الأخيرةَ للمجتمع العصبويّ المنتظم بمدن إيران، وكان مركزَ الطبقة التقليديّة الرئيسَ ورئتَها الاقتصاديّة. وتعود قوتُه إلى ما بعد انهيار تجارة الحرير مع نهاية العصر الصفويّ عام 1730، وتراجُعِ الصدارة الأرمنيّة عن عرش التجارة لصالح التجّار المسلمين الذين ترافق تعزيزُ مركزهم مع تحوّلهم إلى الإماميّة وتوثيقِ تحالفهم مع طبقة المجتهدين الشيعة عبر التبرّعات وزكاة الخمس وغيرها. واكتملتْ صورة هذه التحوّلات بحلول القرن التاسع عشر.)1)
وبحلول سبعينيّات القرن العشرين كان في البازار ما يقارب 250 ألف محلّ في كلّ أنحاء إيران، سيطر أصحابُها على ثلثيْ تجارة الجملة في البلاد، وتمكّنوا من المحافظة على نقاباتهم وطوائفهم المهنيّة وتنظيماتهم الموروثة التي كانت ترتبط بدورها بشبكةٍ واسعةٍ من البائعين الجوّالين والتجّار الصغار والعمّال والصبيان المتدرّبين.2. ويضاف إلى هذه القوة الاجتصاديّة الجبّارة المنظّمة مئاتُ الآلاف من المزارع التجاريّة والمصانع والمشاغل والورش الصغيرة والمتوسّطة المنتشرة في الأرياف والمتخصّصة في إنتاج السلع التقليديّة الإيرانيّة كالسجّاد والأثاث والأحذية والجلود والملابس وغيرها من السلع التي كانت تعتمد على البازار في التصريف؛ كما أنّ الكثير من تجار البازار كان يملك، بنفسه، مثلَ هذه المشاريع الزراعيّة والصناعيّة. وتقدّر المصانع أو الورش الصناعيّة الصغيرة بـ 430 ألف وحدة في الأرياف تعتمد على تمويل ودعم مدينيين؛ ويقدّر بأنّ كلّ وحدة كانت توظّف 10 عمّال، معظمُهم من النساء، وغالبًا ما ترتبط كلّ واحدة منهنّ بأُسرٍ ريفيّةٍ متماسكةٍ وكبيرة العدد.3
كما تحالف البازارُ مع قوةٍ أخرى، هي المؤسّسة الدينيّة أو "الحوزة." وفي الحوزات، التي تتمتع بنفوذ قويّ في الأحياء الشعبيّة والعشوائيّة جنوب طهران وبقيّة ضواحيها، 90 ألف رجل دين، و50 من آيات الله، و5000 حجّة إسلام، و11 ألف طالب علوم دينيّة، وعدد كبير من الدعاة والمعلّمين ومنظّمي المناسبات الحسينيّة وأئمّة المساجد والجوامع المنتشرين في كلّ أنحاء البلاد.. وقد نظر الحوزويون إلى التاجر المتوسّط الحال والتاجر الصغير والحرفيّ على أنهم أقربُ إلى النموذج الإسلاميّ الذي خرج منه النبيُّ محمّد وناضل من أجله ضدّ كبار التجّار والأثرياء في مكة؛ واعتبر "نواب صفوي" أنّ أصحاب الحوانيت والبقّالين والتجّار الصغار أشطرُ وأقدرُ على إدارة اقتصاد البلاد من دكاترة الاقتصاد!(4)
أمام هذه القوة المنظّمة لم تكن الطبقة الوسطى الحديثة تمثّل أكبرَ شرائح المجتمع: ففئة الكفاءات والموظّفين العاملين بأجر (كالأطبّاء وأساتذة الجامعات والمهندسين وموظّفي الدولة) لم يمثّلوا أكثر من 6.7% من مجموع القوى العاملة (حوالى 630 ألفًا من أصل 9.4 مليون موظف)؛ بينما يقدّر حجمُ القوة البشريّة تحت تصرّف قوى البازار بربع القوة العاملة. ولقد أثبتتْ هذه القوة البشريّة قدرةً كبيرةً على التأقلم، وإعادة إنتاج نفسها اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وبقيتْ متقاربةً في مساحة البازار نفسه، ومتفاعلةً يوميًّا في عشرات النشاطات الحيويّة ــ من إحياء تقاليد عاشوراء، إلى المناسبات الرياضيّة والحياتيّة الشعبيّة. ومن هنا لم تكن الطبقة الوسطى التقليديّة أكثرَ عددًا وانتشارًا وأعمقَ تنظيمًا وأغنى في كثير من الأحيان من المنظّمات الطلابيّة والأحزاب اليساريّة مثلًا فحسب، وإنما كانت أيضًا الأقدر على فرض مرشّحها إلى السلطة: الخميني.5

حزب "البعث" الإيرانيّ؟!
في العام 1975 قرّر الشاه تأسيسَ حزب البعث أو الانبعاث القوميّ (حزبي راستاخيز)، واستقى فكرته من طلبة دكتوراه إيرانيين يدْرسون في الولايات المتحدة الأمريكيّة ومتأثّرين بالمفكر الإمبرياليّ الأمريكيّ صاموئيل هانتنغتون، ولاسيّما بفكرته التي تقول إنّ تحقيق الاستقرار في المجتمعات النامية يتطلّب تأسيسَ حكومة الحزب الواحد التي ستقود الجماهيرَ نحو أهدافٍ معيّنة. ولا يُستبعد أن يكون الشاه قد تأثّر بما حدث في العراق وسوريا، من هيمنة أحزاب قوميّة تؤمّم السياسة وتؤسّس لدولة الحزب الواحد. وسرعان ما ستشهد السنواتُ الأربع اللاحقة مواجهةً دراماتيكيّةً بين تلك القوة "الفاشيّة" الفتيّة، وقوةٍ عريقةٍ ومتمرّسةٍ على النضال، وهي الطبقة الوسطى التقليديّة المتمثّلة في تحالف البازار ــ الحوزة وملحقاتهما.
في البداية وضع الشاهُ الإيرانيين أمام خيار صعب: إمّا أن ينضّموا إلى الحزب القائد، وإمّا أن يغادروا البلاد! وكان الهدف ترهيب المثقفين، وضبط الطبقة العاملة وإعادة تنظيمها لتتصل بالسلطة وفق أسسٍ شوفينيّةٍ وأمنيّةٍ سلطويّةٍ جديدة "تحصّنها" إيديولوجيًّا من تنظيمات اليسار السريّة. أما الساحة الثانية التي عمل فيها حزبُ الراستاخيز فهي البازار، وتمّ ذلك بطرق فجّة اتّبعتْها سلطةٌ كومبرادوريّة تمثّل مصالحَ قوًى خارجيّة أكثر ممّا تمثّل مصالحَ شعبها. فحلّت جميعَ النقابات المهنيّة العريقة ("الأصناف")، وفتح الراستاخيز فروعًا له بدلًا منها في البازار لتنظيم التجّار والعاملين فيه، وأضاف نقاباتٍ جديدة بقيادة بيرقراطيي الدولة وأعضاء الحزب. كما أسّست السلطة غرفًا تجاريّةً في المدن الكبيرة، وفرضتْ على تجّار البازار أن يقبلوا بقيادة تجّارٍ من خارج البيئة البازاريّة، عيّنهم الشاهُ نفسُه، وغالبًا ما اعتبرهم البازاريون من البرجوازيّة العميلة. كما دمّرت الدولةُ جزءًا من البازار الوطنيّ، بشقّ الطرق الحديثة عبره، وهدمِ محلّاتٍ قديمة، وفتحِ سلسلةِ أسواق سوبرماركت حكوميّة، مقلّدةً مشروعَ تطوير كوفنت غاردن بلندن، وقاضيةً على حياةٍ تجاريّةٍ ومهنيّةٍ عريقة "حميميّة." وتواصلتْ "إصلاحاتُ" الشاه بأن فرض على تجّار البازار تحمّل نفقات علاج العاملين، بدلًا من أن يوفّر الرعاية الصحّيّة للجميع، كما يجدر ببلادٍ نفطيّةٍ وغنيّة.
فجأةً، إذن، وجد البازاريون أنفسَهم محاطين بسلسلةٍ جديدةٍ من المطاعم ومتاجر السوبرماركت الحديثة التي يملكها أثرياءُ غرباءُ عنهم من شمال طهران وغيرها. ولم يكن أمام الكثير من البازاريين - وأكثرُهم من تجّار البرجوازيّة الصغيرة ـ فرصًا لمنافسة الرأسمال الكومبرادوريّ المتمتّع بقدرةٍ على الاقتراض بنسبٍ منخفضة (6%) من البنوك الوطنيّة والأجنبيّة، مقابل عجزهم عن الاقتراض إلّا من الصرّافين التقليديين وبنسبٍ عاليةٍ تصل إلى 20-30%.
ومع تصاعد التضخّم بين عاميْ 1975 و1977، زادت شراسةُ السياسات الحكوميّة على البازار عبر حملاتٍ متواصلةٍ قام بها أكثرُ من 10 آلاف مفتّش ضدّ "مَن يمصّون دمَ الشعب" برفعهم الأسعارَ. فسُجن 8 آلاف تاجر وعامل وشغّيل وبائع متجوّل، وأبعد 23 ألفًا آخرين عن مواطنهم ومدنهم ومصادر رزقهم، وغُرّم 200 ألف آخرين. فصار التحرّك ضدّ الشاه أمرًا لا بدّ منه. وقد عبّر أحدُ البازاريين المتضرّرين لصحيفة نيويورك تايمز وقتها بالآتي: "إذا ما تركنا الشاهَ يفعل ما يشاء فسيدمّرنا. البنوك في طريقها اليوم للسيطرة على كلّ شيء. والمخازن الكبيرة دمّرتْ نحل معاشنا. وسينتهي الأمر بالحكومة إلى تسوية البازار بالأرض من أجل بناء دوائر حكوميّة!"6

عرين الفقهاء
ترافقتْ هجماتُ الشاه على البازار مع الهجوم على المؤسّسة الدينيّة ورموزها، وعلى الثقافة الإسلاميّة في البلاد. فلقد قرّر الشاه أن يتحوّل إلى القائد الروحيّ للشعب، لا أن يكتفي بأن يكون زعيمَه السياسيّ فقط. وتمّ ذلك أيضًا من خلال الراستاخيز، بإعلانه عن انبلاج فجر حضارةٍ آريّةٍ جديدةٍ ستغيّر وجهَ البلاد. فألغي التقويمُ الإسلاميّ، وحلّ محلّه تقويمٌ فارسيّ ملكيّ. وسُنّت قوانينُ معاديةٌ للإسلام ولرجال الدين والشريعة. وأغلقت المدرسة الفيضيّة في قم على أثر احتجاج رجال الدين. واغتيل آية الله شمس أبادي، أحدُ أشهر خطباء أصفهان، لانتقاده الروزنامة القوميّة الجديدة، وعُذّب آخرون حتى الموت، مثل الشيخ حسين غفاري، وسُجن مئاتُ العلماء والطلّاب والدعاة (جَمعتْ زنزانةٌ واحدةٌ آيات الله زنجاني وطالقاني وبهشتي ومنتظري وحسين قمّي، وحجّتي الإسلام كاني ولاهوتي!). وكان هذا، بحسب آبراهميان، هجومًا غيرَ مسبوق على مؤسّسات الطبقة التقليديّة الوسطى ورموزها.7
لم يمهل التاريخُ الشاهَ كثيرًا لمعالجة أخطائه. فبحلول العام 1978 ثار الشعب، ونجح الطرفُ الأكثرُ تنظيمًا وعددًا وخبرةً ومالًا، تحالفُ البازار ـ الحوزة، أو فريقُ الخميني، في أن يحسم الثورةَ لصالحه، ويوصل مرشّحَه إلى سدّة الحكم كما أسلفنا. فقد نجح في انتزاع المزيد من الشرعيّة من الفقراء بسبب توزيع الأراضي والسماح لأهل مدن الصفيح والبناء غير الشرعيّ بتملّك أراضيهم. فتوسّعتْ طهران فجأةً بحوالى أكثر من نصف مليون هكتار، وضمّت عشراتِ المستوطنات والقرى (الناشئة بفعل الهجرة من الريف منذ الأربعينيّات) إلى طهران الكبرى. وهو ما عنى لأهلها أنّ وجودهم صار شرعيًّا، وأنّ بلديّة طهران ووزارات السلطة الجديدة مسؤولة عن تزويدهم بالخدمات الأساسيّة من ماء وكهرباء وطبابة وتعليم، فضلًا عن تملّكهم لهذه الأرض رسميًّا.8
نذكر أنّ نجاح قيادة البازار ـ الحوزة لم يكن مصادفة تاريخية؛ فالقوى المحافظة أو الطبقة التقليديّة الوسطى نجحتْ في أن تحسم المعركة لصالحها أيضًا عام 1905، في ما عُرف وقتها بـ "ثورة المشروطة" لتي كادت تقود البلاد نحو نموذج استقلاليّ مبكّر لولا تدخّل روسيا (بقوة القوزاق) وبريطانيا (بالمال والنفوذ) لاحتلال البلاد ودحر الثورة وتنصيب شاهٍ جديد. كما سبق للتحالف نفسه تقريبًا (الحوزة ـ البازار)، يضاف إليهم منتجو التنباك، أن تحرّك في انتفاضة التنباك عام 1891. المسألة الأهمّ هي أنّ عصبة البازار ـ الحوزة شكّلتْ هيكلًا تقليديًّا لبرجوازيّة وطنيّة تقليديّة، منظّمة شعبيًّا، ذات إرث ثوريّ. وهي معادية للغرب عمومًا، بالدرجة الأولى بسبب تصادم مصالحها بامتيازاته. وهي مكتفية ذاتيًّا وماليًّا. وقد تلاقت مصالحُها الطبقيّة والوجوديّة بمصالح البلاد غيرَ مرةٍ خلال القرنين الفائتين، وهذا ما دفعها في لحظاتٍ ثوريّةٍ معيّنة (وحين توفّرتْ قيادةٌ كارزميّةٌ ذاتُ رؤيا) في أن تنظّم الناس وتتولّى قيادتهم دفاعًا عن استقلال إيران وقرارها السياسيّ والجيوستراتيجيّ وهويّتها بالحدّ الأدنى كما حدث في أعوام 1891 و1905 ومنذ 1979 حتى الآن.
إنّ تدخّل البازار والحوزة دفاعًا عن مصالحهما ووجودهما، إلى جانب الطلّاب واليساريين وغيرهم عام 1978، قد تلاقى مع مصلحة البلاد ككلّ، وفجّر ثورةً. وهذا ما يؤهّل هذه العصبة لأن توصف بأنها "الطبقات التقليديّة الوطنيّة،" مثلها مثل البرجوازيّة الوطنيّة.
ولكنّ تطورًا مهمًّا طرأ على ثورة نخبة النظام، عنيتُ: تشكّل ركنٍ جديدٍ من أركان الحكم في إيران، هو "الحرسُ الثوريّ." وهذه القوة العسكريّة الأمنيّة شبه النخبويّة تأسّستْ أصلاً لقمع الحركات الانفصاليّة التي طفت على السطح أيام الثورة، وصارت مهمّتها الأساسيّة هي الحفاظ على وحدة البلاد والتصدّي لما صنّفتْه في خانة التدخّلات الخارجيّة والمؤامرات؛ ثم نما دورُها من مجرد كيان عسكريّ أمنيّ إلى جهاز إنمائيّ اقتصاديّ وصناعيّ ذي دور كبير في التصدّي لمشاريع البناء التي تخلّى عنها الغربيّون أو انسحبوا منها (مثل استثمارات الغاز في الخليج). ومن ضمن مهامّ هذه القوة تحقيقُ الأمن والاستقلال الاقتصاديّ لإيران عبر تطوير واستحداث عشرات المشاريع الإستراتيجيّة في مجالات الصناعة والبنى التحتيّة والطاقة والجيش وغيرها، وضمان بقاء هذه المشاريع بأيدٍ وطنيّة.
من المؤكّد أنّ نظام الثورة الإسلاميّة لم ينجح إلى الآن في تلبية طموحات مواطنيه في ما يخصّ الحريّات الشخصيّة والسياسيّة وتنفيذ مشاريع أكثر مساواتيّة، مثلما حصل في المجتمعات الإسكندينافيّة مثلًا. كما تتعارض دوغمائيّةُ النظام مع حقوق النساء والحريّات العامّة والفنون والفكر. ولكنّ هذه القوة، المنظّمة داخليًّا بالشكل الذي طرحناه، هي "نواةُ المجتمع": فهي تعمل كحكومة ظلٍّ في وقت الأزمات والاحتلالات، وتمثّل خطّ الدفاع الأخير، والاحتياطَ التنظيميّ الإستراتيجيّ للشعب. ويمكننا، في مقال آخر، أن نوضح كيف أمكن دولةً مثل إيران، بقيادةٍ تسعى إلى تطوير البلاد عبر مشاريع التصنيع والبنى التحتيّة الكبرى، أن تحققَ استقلالها بعيدًا عن الغرب، بل أن تصير "بروسيا" المنطقة أو القاطرةَ التي ستقود محورَ المواجهة والتحدّي والتطوير والوحدة والمشاريع الإستراتيجيّة: من خطوط سكك الحديد، والغاز، وصناعة السيّارات والأقمار الصناعيّة، إلى الأسلحة التي بدأتْ تربط تدريجيًّا ما بين إيران والعراق وسوريا ولبنان.
وبالمناسبة، فإنّ توحّد المنطقة ليس له بالضرورة أن يقوم على أساس قوميّ، كما أورثنا الغربُ رؤيته "الحداثيّة" إلى العالم (وهي رؤيةٌ تجاوزها هذا الغربُ نفسُه بنجاح). وإنما قد تتمّ هذه الوحدة على أساس المصلحة الوطنيّة والوجوديّة المشتركة لشعوب المنطقة، وعلى أساس تاريخ بلادنا الغنيّ والمتداخل. وهذا ما يمكن أن نسمّيه "مشروع نهضة شرقنا العريق."

المسألة السوريّة
دعونا ننظر الآن إلى المسألة السوريّة، وهي أشدُّ حالات "الربيع العربيّ" تأزّمًا ودمويّةً، ولنُجْرِ بعضَ المقارنات مع التجربة الإيرانيّة. فمع إدراكنا أنّ مجالات الاختلاف بين إيران وسوريا كبيرة، فلا يمْكن المتابعَ أن يتغاضى عن وجود مشتركيْن مهمّيْن بينهما: البازار (أو الحميديّة)، وحركة إسلاميّة منظّمة.
بدأ التغييرُ في سوريا على شكل مظاهراتٍ سلميّةٍ في المحافظات انطلاقًا من درعا. ويبدو أنّ قمع النظام وعقليّته الأمنيّة الفجّة في التعامل مع الناس فاقما الوضع. ولكنّ المسألة السوريّة لم تقتصرْ يومًا على نظام قمعيّ وشعبٍ يطمح إلى الحريّة؛ فالشعب السوريّ نفسه كان منقسمًا على نفسه: ما بين أغلبيّةٍ صامتةٍ لم تتحرّك، وأقليّتيْن، ثارت أولاهما على النظام، والثانية دافعتْ عنه. ويبدو أنّ أغلب أهل المدن الكبيرة، كدمشق وحلب، لم يخرجوا على النظام. ويفسّر بعضُ المحلّلين هذه الظاهرة بأنّ تجّار حلب وصناعيي الشام استفادوا كثيرًا من حكم البعث؛ فلقد خُفضت الضرائبُ على التجّار السوريين الكبار في الحميديّة بدمشق، وزادت نِسبُ رخص الاستيراد أيام حافظ الأسد من 1.72 مليار ليرة إلى 4.2 مليار ليرة بحسب الباحث جمال واكيم.9 ثم جاء عصرُ بشّار الأسد "النيوليبراليّ" عام 2000 ليفتح المجالَ أمام كبار التجّار والمستثمرين السوريين والعرب ليحقّقوا نسبَ أرباحٍ فاحشة، مقابلَ تقليص الدعم عن الريف السوريّ وإفقار أهله الذين هاجروا إلى المدن (كحمص وحماة وحلب ودمشق)، مشكّلين أحزمةَ فقرٍ وقنابلَ مطلبيّةً مرشّحةً للانفجار.10
إذن لم تستجب أكبرُ مدينتين في سوريا للثورة، وفُسّر ذلك بأنّ مفتاح مدن الشام تاريخيًّا هو وجهاؤها ـ أي التجّارُ في الحميديّة بدمشق، وصناعيّو حلب ـ ومَن يتصل بهم من عوائل طبقة وسطى وعليا. لم يفكّ هؤلاء تحالفهم مع النظام، وانضمّت إليهم الأقليّاتُ الخائفة على مصيرها من وصول الإسلاميين إلى السلطة. وهذا ما أبقى "الثورة" شبهَ ريفيّة، وبعيدةً عن "ساحات التحرير." فتشتّتتْ تنسيقيّاتُها المدينيّة أمام مَن رفعوا السلاح، الذين تلقّوا دعمًا غير محدود (بعض الأرقام تتحدّث عن 6 مليارات دولار) من دول الخليج وتركيا والناتو.
هذا الأمر وضع شبابَ التنسيقيّات في مأزق لأنّ قسمًا منهم كان ومازال مؤمنًا بسلسلة من القيم الوطنيّة والديمقراطيّة، كالحريّة والمساواة والعدل والاستقلال، ولكنّ الدعم الخارجيّ للثورة همّشهم واشترى آخرين منهم وفرض عليهم القبولَ بالجناح العسكريّ الذي حوّل الثورة (أو الانتفاضة بمعنى أدقّ) إلى حرب إقليميّة. واختير تنظيمُ الإخوان المسلمين رأسَ حربةٍ لهذه المعركة الكبرى، التي سرعان ما ضمّت تنظيماتٍ سلفيّةً وجهاديّةً دوليّةً كـ "القاعدة،" فضلًا عن عناصر أجهزة مخابرات دوليّة.
مثّلتْ حركةُ الإخوان المسلمين في سوريا، في مرحلةٍ ما، صغار التجّار وأواسطهم من أبناء المدن (كما بيّن حنّا بطاطو)، وانحدر الكثيرُ من قادتهم من أُسر العطّارين وصغار التجّار والحرفيين ــ وهم الفئة الأشدّ حماسًا للثورة على الشاه في بازار إيران كما مرّ معنا. وكما أضرّت إصلاحاتُ الشاه بصغار الباعة والتجّار، فقد أضرّت إصلاحاتُ البعثيين في الستينيّات والسبعينيّات بصغار التجّار المدينيين. أما موظّفو الضرائب المنحدرون من أصول ريفيّة، وهي فئةٌ ينظر لها من قبل أهل السوق بأنّها خشنة الطباع ومفتقرة إلى العقليّة التجاريّة ومتطلّباتها، فكانت تشتبك يوميًّا بصغار التجّار والحرفيين، وخلقتْ حساسيّاتٍ ما بين هذه النماذج المركنتاليّة والقاعدة البيرقراطيّة البعثيّة الجديدة.11 ولكنّ ضرر الإصلاحات البعثيّة في الريف ـ من ضربٍ للإقطاع، وتوزيعٍ للأراضي، وفتحٍ لمراكز التموين الحكوميّة التي أخذتْ توزّع على أهل الريف ما يحتاجون إليه بأسعار مدعومة ـ أثار حنقَ فئةٍ أخرى من الباعة، هم فئة "المتعيّشين" الذين يجوبون (كما في إيران) أرجاءَ الريف ليبيعوا لأهلها ما يحتاجون إليه، وقد تضرّروا من بروز تلك المراكز التي قطعتْ أرزاقَهم.12
وسرعان ما اكتسب الإخوانُ زخمًا لا بأس به مع انضمام هذه الشرائح الساخطة على السياسة البعثيّة الجديدة. ولكنْ من سوء حظّ الإخوان وصغار التجّار أنّ كبار التجّار لم ينضمّوا إليهم، بل بقوا متحالفين مع النظام حتى الآن. طبعًا لم تقتصرْ حركة الإخوان على هذه الفئات التجاريّة وإنما اكتسبتْ شرائحَ أخرى، كطلّاب الجامعات وموظّفي الدولة ومهنيين مثل المهندسين والأطبّاء والمعلّمين وغيرِهم من ذوي الأصول المدينيّة غالبًا. ولكنْ ظلّ الجوُّ العامّ في سوريا بعيدًا عن هيمنة الإخوان لعدة أسباب، منها: انتشار الإيديولوجيّات القوميّة واليساريّة أنذلك على حساب الإسلام السياسيّ؛ ونسبةُ الأقليّات العالية نسبيًّا لمن هم من غير السنّة (مثل العلويين والمسيحيين والدروز)، إضافةً إلى الأقليّة الكرديّة غير المتزمّتة دينيًّا عمومًا. ومن الأسباب أيضًا ضعفُ القوة الدينيّة المؤسّساتيّة وصغرُها مقارنةً بإيران: ففي سوريا كان لكلّ 2217 سوريًّا رجلُ دينٍ واحد، بينما كان هناك رجل دين لكلّ 308 إيرانيين؛ أي إنّ مجموع رجال الدين في إيران حوالى 120 ألفًا حسب بطاطو، بينما لم تتجاوز قوةُ رجال الدين في سوريا 2843 رجل دين في السبعينيّات.13
ولكنْ مع اشتداد المعارك بين السلطة وحركة الإخوان في الثمانينيّات، وهزيمةِ الحركة في حماه وغيرها، لجأتْ إلى الخليج. فوجدتْ في السعوديّة، وفي الغرب لاحقًا، ملجأً. وهي لم تتأثّر بالفكر السلفيّ السعوديّ المتزمّت والعدوانيّ فحسب، بل ببوصلة المصالح الغربيّة والخليجيّة أيضًا، لترتمي في حضن "الاعتدال الواقعيّ" الرسميّ. ولئن كان من المؤكّد أنّ للحركة جمهورًا ما بين صغار المدن وصغار التجّار والعطّارين والمتعيّشين، فكم بقي لقيادتها من الاستقلاليّة والرغبة في تمثيل مصالح المتعيّشين والعطّارين مقابل أجندة المموّل الخليجيّ؟!
إنّ للبترودولار الخليجيّ، والقنوات الفضائيّة العربيّة التابعة للإمارات والممالك الخليجيّة، دورًا كبيرًا في ترجيح كفّة التيّارات الإخوانيّة والسلفيّة في سوريا، وفي تنميتها، وفي تدجين المتمرّدين كجزء من لعبة التخادم المشترك ما بين حلفاء المنظومة الناتويّة في منطقتنا. وإنّ من حسن حظّ الإيرانيين أنّ ثورتهم جاءت قبل ثلاثة عقودٍ من سماع العالم بقطر آل ثاني، أو بظهور السعوديّة لاعبًا أساسيًّا في المنظومة الأمريكيّة في المنطقة. ولربما صحّ لنا أن نقول إنّه من حسن حظ الإيرانيين أيضًا أنّ سلالات النفط ليست إماميّة المذهب، وإلّا لكانت غمرتْ ثورتَها وحوزتَها وبازارَها بالمال المشبوه بحجّة الغيرة على أتباع آل البيت من ظلم الزمان!

الربيع النيوليبراليّ
في حالة إيران لعبت الحصونُ التقليديّة للتنظيم الاجتماعيّ، كالبازار والحوزة، دورًا أساسيًّا في تنظيم الناس وطردِ نخبة الكومبرادور الشاهنشاهيّة وتحريرِ إيران من سيطرة رأس المال العالميّ، في زمنٍ كانت القوى والتنظيماتُ الحديثة فيه قد ضُربتْ بقوّةٍ على يد السافاك. وبالتالي عندما ثار الناسُ عام 1979 كان هناك شكلٌ من التنظيم والقيادة تُوّج بكاريزما الخميني، ودُعم بشبكةٍ من العلاقات التقليديّة الدينيّة والمعيشيّة والمركنتيليّة، فتمكّن من حشد الناس نحو التظاهر باتجاه هدفٍ بعيد.
تحلو لبعض ليبراليّي الغرب تسميةُ أحداث العام 1989 في شرق أوروبا "ثوراتٍ ديمقراطيّة" لأنها تقدّم نموذجًا للجماهير الثائرة من أجل الحريّة والديمقراطيّة. لكنّ "ثورات" 1989 حصلتْ بلا تنظيم ثوريّ، فماذا كانت النتيجة؟ تمكّن النظامُ الدوليّ من التسلّل وقيادةِ التغيير بنفسه نحو مصالحه، فتحوّلتْ مجتمعاتُ شرق أوروبا من هيمنة البيرقراطيّة السياسيّة والأمنيّة الستالينيّة إلى هيمنة ممثّلي السوق ووكلائه الذين انحدر أغلبُهم من صفوف النخبة السابقة. ولم نرَ أيّ محاولة حقيقيّة من قِبل هذه النخب الجديدة لحفْر مجرى جيواستراتيجيّ واقتصاديّ جديد يجنّب شعوبَ شرق أوروبا مهانةَ السقوط في شرك السوق النيوليبراليّة الغربيّة.
فمع غياب القوة الثوريّة المنظّمة التي يُفترض أن تشقّ طريقًا ثالثًا بين ما يمكن أن تسمّيه أدبيّاتُنا "الشبّيحة الستالينيّة" و"ثوّار الناتو،" فشل التحوّلُ في أوروبا الشرقيّة في إيجاد البديل الإنسانيّ التقدميّ المأمول، وأنجب "ديمقراطيّة الكمبرادور." وفي هذه "الديمقراطيّة" تُختصر المعاركُ بالصراع بين يسارٍ مدجّن، ويمينٍ عنصريّ، وليبراليي السوق، على "تقريب وجهات النظر" بين المطالب الشعبيّة والمصالح الوطنيّة من جهة ورأس المال العالميّ من جهة أخرى. ويبدو أنّ "الربيع العربيّ" سيعاني النتائجَ التي حاقت بشرق أوروبا، فيوصل كومبرادوريّةً إسلاميّةً إلى السلطة، ما لم تتشكّل قياداتٌ ثوريّةٌ منظّمة.
هذه الكومبرادوريّة تدعونا اليوم إلى "تصحيح" العلاقة مع الغرب بالتحرّر من إيران، والتصدّي لها، وتأديب "الشيعة،" والتخلّص من مشاريع المقاومة "المشبوهة" التي أوقفتْ تقدّم الأمة واستقرارَها! ولم تنجح التنظيماتُ الثوريّة الحقيقيّة حتى الآن في كسب الجماهير إلى صفّها أمام الإخوان، الذين ضُخّت ملياراتُ الخليج لتدعم تقدّمَهم ـ وتقدّمَ السلفيين وفلول الأنظمة السابقة ـ ضدّ أيّ بديل ثوريّ منظّم.
نعم، لا يكفي أن يخرج الناس إلى التظاهر ضدّ كومبرادور الانفتاح وكامب ديفيد والنظام الرسميّ القديم، ليسقطوه. ذلك لأنّ النظام الدوليّ الغربيّ سرعان ما سيتمكّن من فرض "بديل" نيوليبراليّ مستغلّ وبشع، كما يبدو من التجارب التي مرّت علينا.


عن مجلة الآداب.










تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج4 المؤلف : الخطيب القزويني

14-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج3 المؤلف : الخطيب القزويني

07-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج2 المؤلف : الخطيب القزويني

30-أيلول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج1 المؤلف : الخطيب القزويني

23-أيلول-2017

مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي / إعداد : ليث زيدان

23-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow