Alef Logo
دراسات
              

الهوية العاطفية: حول مفهوم الحب كتجربة تعالٍ / الفاهم محمد

ألف

2014-03-10

ليس هناك موضوع يشد انتباه الجميع وينشغل به كل الناس مثل موضوع الحب، فقد لا نبالي بأمور السياسة ولا ننجذب للحديث فيها، وقد نعتبر أن مسائل العلم والتكنولوجيا عويصة، وبالتالي فهي مقصورة على المتخصصين، وقد نظن كذلك أن الفلسفة مملة بمواضيعها ولغتها الملتوية، غير أن هناك موضوعا واحدا لا نستطيع أن نتغاضى عنه ونضعه جانبا، أو نعتبر أنفسنا غير معنيين به وهو موضوع الحب. فسواء كنا مثقفين أو أميين، رجالا أو نساء، شبانا أو كهولا، متواضعين في مظهرنا الخارجي أو لا فتين للنظر، فقراء أو أغنياء ... فإنه بالنسبة لجميع الناس وفي جميع العصور والحضارات هناك قاعدة واحدة سائدة: أن نحب وأن نكون محبوبين. إن الكائن البشري لا تستقيم حاله، ولا يهدأ باله ولا يقبل على الحياة إلا إذا وجد شريكا يتبادل وإياه عاطفة الحب، شريكا ينظر إليه على أنه موضوعا محبوبا وجديرا بالعناية.

مع ذلك يأبى الحب أن يستسيغ للتعريف بلغة العقل، وقد قال باسكال في هذا الصدد جملته الشهيرة: «للقلب أسبابه التي لا يستطيع العقل أن يعرفها». فليس للحب وضوح وتميز يمكن أن يعرف من خلاله، كما أن مبادئ العقل الكلاسيكية لا تنطبق عليه، ففي الحب مثلا تجتمع المتناقضات على عكس مبدأ عدم التناقض الشهير، وهو ما أسماه فرويد بالثنائية العاطفية.L’ambivalence. ومعناه أن الإنسان يمكن أن يحب الشيء ونقيضه، أو يمكنه أن يحب الشيء في لحظة معينة ثم يكرهه فيما بعد. للحب تقلبات غريبة عجيبة وصفها لنا ابن حزم الأندلسي في كتابه طوق الحمامة قائلا إن الحب حينما يشتد بصاحبه ينقلب إلى ضده وذلك مثل: "الثلج إذا أدمن حبسه في اليد، فعل فعل النار، ونجد الفرح إذا أفرط قتل، والغم إذا أفرط قتل، والضحك إذا كثر واشتد سال الدمع من العينيين، وهذا في العالم كثير فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما تأكدا شديدا كثر تهاجرهما بغير معنى، وتضادهما في القول تعمدا وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه وتأولها على غير معناها"(1).

من الصعب إذن الوصول إلى وصف نظري شامل لهذه التناقضات التي يعرفها الحب، لكن رغم ذلك ليس هدف هذا البحث الدخول في سيكولوجيا الحب، فهذه المسألة وضعت فيها تآليف كثيرة خصوصا من طرف علماء النفس. إن ما نطمح إليه ها هنا هو بالأحرى وصف الانقلاب الكبير الذي عرفته هذه العاطفة بالنسبة للإنسان المعاصر. والتركيز هنا سيكون على شكل هذا الحب الذي يجعل الإنسان مطلق ذاته، بحيث كل تعالي لا يكون إلا باتجاه الذات نفسها، فالتضحيات البطولية والانفعالات المبالغ فيها، والتعلقات التي تأخذ شكل إلزامات عاطفية، أو عهودا ومواثيق ضمنية كلها رفعت الحب في الأزمنة المعاصرة من مجرد تجربة عاطفية لكي يكون نظاما أخلاقيا بديلا. إن طبيعة هذه الأخلاق الجديدة هي ما ينبغي مساءلته.

ما سيتم الوقوف عليه إذن في هذا البحت، هو هذا التأليه المطلق للحب، لأنه تأليه لا يعبر في نهاية المطاف سوى عن الصعود الليبرالي للفردانية المطلقة المتحللة ليس فقط من الالتزامات الاجتماعية ولكن أيضا من الاقتضاءات الأخلاقية، حيث امتلاك المحبوبة يدفع إلى التخلص من العالم ككل ومواجهته. بديهي إذن أن مثل هذا التعالي لا يمكن أن يصنع إلا السقوط وهو الأمر الذي تابعناه وما زلنا نفعل ذلك من خلال الانهيار الأسري العام، وظهور أشكال الزيجات غير التقليدية، وانحرافات الرغبة.

من الصعب أن نتجاهل ما قيل حول هذا الموضوع لكن الأمر مع ذلك يفترض منا أن نطأ هذه الأرض كما لو لأول مرة، وكما قال ثيودور رايك: "في منظورات واسعة المنظور مثل موضوع البحث السيكولوجي في الحب، من المفيد أن تنسى كل ما تعرفه، أو ما تعتقد أنك عرفته عنه، وأن تلقي جانبا بما قرأته أو سمعته، وتقارب المشكلة ببساطة كما لو أنها المرة الأولى"(2). لا يركز هذا البحث إذن على طرق التودد العديدة التي عرفها الإنسان عبر التاريخ، بل على شكل محدد من الحب تمتاز به حضارتنا وهو حب حبيس لتمزقات نفسية وغرائزية في الآن ذاته، تعبر عن الاضمحلال الذي يعيشه الكائن المعاصر. فكيف لعبت تحولات الرغبة دورا في ظهور أشكال متغايرة للطبائع والكينونات البشرية؟ ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الحب في المقام الذي يوجد عليه وضع الإنسان المعاصر؟

تحولات الرغبة
عبر تاريخ الوجود الإنساني ظل الحب دوما تجربة أساسية، ترفع الكائن البشري درجة لملامسة ما يخص إنسانيته ويميزها، غير أنه ومنذ الأزمنة المعاصرة انقلبت مواقع هذه العاطفة وتغيرت دلالات الحب، إذ لم يعد تجربة عاطفية تفضي إلى لقاء الآخر المكمل للذات وتكوين وحدة مكتملة معه {أفلاطون}. أصبحنا بعيدين كل البعد عن الأيروس الجمالي الأفلاطوني الذي يلعب دور الوسيط بين الطبيعة البشرية والإلهية، ذلك أن الحب أصبح هدفا في حد ذاته بعد أن تم خفضه إلى مجرد متعة غرائزية. ابتعد الحب من ثمة حتى عن كونه تحاب aimance مفضي إلى أوضاع اجتماعية وعلاقات صداقة داخل المجتمع، أو ما كان يدعوه أرسطو بفيليا، أي ذلك الحب الذي هو عبارة عن تودد وقبول للآخر وانفتاح عليه خارج أية رغبة عشقية جنسية. ولا حتى عن ذلك الحب المسيحي الذي يدفعنا إلى حب الإنسانية جمعاء، بل حب الأعداء والمخالفين لنا وهو الحب الذي يعرف تحت مصطلح أغابي.

لقد رفعت حركات التغيير الثقافية المدافعة عن الحرية الجنسية الحب كبديل عن كل تجربة خلاص سواء كانت سياسية أو دينية، أو اجتماعية. أصبح الحب هو البديل ضد الإيديولوجيات السياسية، وضد المعتقدات الدينية، لم يعد الإنسان معنيا بما تقوله هذه الإيديولوجيات ولا بما تبشر به الديانات، ولا حتى بما يمكن أن يمنحه الحب ذاته للإنسان من تطور للأنا وبحث عن كمال الذات ورقيها كما كان الأمر في الماضي. أصبح الحب تابعا فقط لما يعيشه الإنسان على مستوى عاطفته، حيث يبدو أن الافتتان العشقي هو الديانة الوحيدة التي ينبغي أن يؤمن بها هذا الإنسان. هذا الحب الهيامي الذي يجعل الأفراد يتوهمون أنهم فوق المجتمع، وفوق الأسرة وأنهم بواسطته يمكنهم مقاومة الجميع وتحدي كل الأوضاع، ينتهي في نهاية المطاف إلى ترك هؤلاء العشاق أمام مأساتهم الخاصة. تلك هي المفارقة الكبيرة التي ينبني عليها الحب الهيامي، حب المسلسلات المدبلجة والقصص الغرامية l’amoure des arlequins. إن مفارقة هذا الحب تكمن فيما يلي: من ناحية يطمح إلى تحقيق السعادة وهو يعد الأفراد وعدا صادقا بذلك، لكنه من ناحية أخرى يقدم نفسه على أنه انقطاع الأفراد بذواتهم عن العالم وعن المجتمع والأسرة، ومن ثمة انعزاليتهم وشقائهم.

يتساءل لوك فيري مشككا: "هل يمكن للعواطف التي يوحي بها الهيام والولع أن تؤسس علاقات دائمة؟ أليست بطبيعتها غير قادرة على ذلك إلى حد أن لا شيء متين يمكن أن يقوم عليها؟"(3) جواب فيري قد يكون استثناء بالنسبة للفكر المعاصر وللفلسفة الفرنسية بالخصوص التي اعتادت الدفاع عن كل ما ينفلت من السلطة والعقل. فالزواج المبني على الحب بالنسبة للكاتب يحمل في ذاته أسباب فشله لأنه باقتصاره على العاطفة وحدها وإغفاله "للدوافع التقليدية" سواء كانت اقتصادية أو عائلية فإنه ينجر إلى ما يسميه فيري "باستنزاف الرغبة"(4)

ولكن لا ينبغي أن نفهم من هذا بطبيعة الحال أن الأسرة ينبغي أن تتخلص من عاطفة الحب، وأن تتحول العلاقات البشرية إلى محض علاقات مادية مباشرة، فتصبح الأسرة بذلك كما لو أنها مقاولة مصغرة بدل أن تكون مبنية على المودة والتساكن. إن المشكل المطروح هو كيف يمكن للحب أن يمنح معنى للحياة؟ أعتقد أن كل ما يريد أن يقوله فيري هو أن الحب العشقي ينبغي أن لا ينظر إليه على أنه ما يمكن الإنسان من أن ينظر إلى نفسه كما لو أنه إلاه ذاته، ومن هنا معنى عنوان الكتاب "الإنسان المؤله" الذي بدل أن يحقق تعاليه باتجاه المطلق كيفما كان الاسم الذي يمكن أن يأخذه هذا المطلق، يختزل تعاليه عوض ذلك في اختيارات عاطفية محدودة وحبيسة تمزقاتها الداخلية. إن الرهان الأساسي الذي يعترض مسألة الحب اليوم هو كيف يمكن الانتقال من الافتتان العشقي بالذات إلى تحقيق هذه الذات؟ مبررات هذا السؤال واضحة ما دام أن التوترات العشقية والتجارب الجامحة للحب الخالص التي ميزت القرن العشرين، قد عصفت بالإنسان بعيدا داخل الانغلاق المطلق للذات المطلقة المتوهمة. هذه الذات المطلقة التي هي في العمق تشكل جوهر الفردانية الليبرالية القائمة على التملك والتفوق بدل قيم الوجود والتضامن. إن الحب المنتقد هنا هو الحب الذي يقدم نفسه باعتباره المنتج لمعناه ولحقيقته الخاصة، فلا هو بالحب التروبادوري المشتمل على أخلاق الفروسية والشهامة، ولا هو بالحب الرومانسي الذي يرفع المرأة إلى مستوى رمز كوني، ولا بالحب العذري المتعفف الذي مدحه ابن حزم في آخر كتابه (طوق الحمامة)، ولا حتى بالحب الصوفي المفضي إلى تلمس المطلق.

سياقات الأزمة
من المهم أن نعرف كيف تم هذا الانحراف، كيف أصبحنا ما نحن عليه اليوم؟ لقد قدمت في هذا الصدد العديد من التحليلات والطروحات منها ما يستلهم التحليل الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بظهور المجتمعات الصناعية الاستهلاكية، ومنها تحليلات أخرى استعانت بالتأويل التاريخي أو الفلسفي لتطور الحضارة الغربية. من هذه الأطروحات يمكن الوقوف على الأطروحة التي يدافع عنها فياتشيسلاف شيستاكوف في كتابه "فلسفة الحب والفن الأوروبي"(5) ففي نظره أن أزمة الحب الأوروبي بدأت ليس فقط مع تصاعد المجتمعات الصناعية والاستهلاكية. إن الأمر أقدم من ذلك بكثير، لقد بدأت هذه الأزمة منذ دخول الديانة المسيحية كمكون أساسي في الحضارة الغربية، هذا الدخول الذي جعل العالم الإغريقي يتراجع إلى الوراء مما: "أدى إلى فقدان الكثير من القيم الأخلاقية والروحية التي أصبحت من منجزات الثقافة لأهميتها وقيمتها أو أصبحت منسية. وهذا هو ما حصل لمفهوم الإيروس الإغريقي، فوظائف الحب الإيروتيكية، والتسامي الإيروتي إلى المعرفة وإضفاء النزعة الروحية على الجسد ـ كل هذا استبدل بمفهوم آخر للحب يتطابق إلى حد كبير مع طابع الدين المسيحي ومتطلباته"(6). بمعنى آخر أدى سيادة مبدأ الأغابي في الحضارة الغربية إلى ضمور الذات الأوروبية، ذلك أن هذا الحب الجديد موجه أساسا إلى الله حتى وإن كان يظهر من الناحية الشكلية أنه موجه إلى الآخرين.

إن هذا سيكون أحد الأسباب القوية لردة الفعل التي ستقوم بها الفلسفة الحديثة، التي ستحاول إعادة الاعتبار لمسألة الذات هذه. لقد ترك هذا الحب المسيحي فراغا كبيرا في الثقافة الأوروبية، فبما هو حب موجه لمملكة الرب وتعلق بها، كان الحب البشري في نظر المسيحية ـ على عكس الإسلام ـ لا يضفي أي معنى على الذات، بل بالعكس وجب احتقاره والابتعاد عنه، ما دام أنه يشكل نوعا من الدنس وذهابا للعقل. هنا يبدو كما لو أن المسيحية أسست تعالي بدون ذات. إن هذا الحب الخالي من القلق والانفعال والألم والمعاناة، الحب القائم على الطمأنينة والسكون لم يكن سوى القاعدة التي قام عليها الإيمان المسيحي.

الأطروحة الأخرى نجدها مع دونيس دوروجمون في كتابه الذائع الصيت: "الحب والغرب"(7) حيث يمكن أن نقول معه أن هذا الفراغ ستملئه ولادة جديدة لمفهوم آخر للحب، إنه الحب الكورتوازي(8)، الرومانسي الذي معه سيتكون تشكل جديد للذات الأوروبية. يذكر الكاتب أن الغرب عرف هذا الحب الرومانسي عن طريق الحب العذري الذي تغنى به الشعراء في الأندلس، ويذكر قبيلة بني عذرة العربية التي كان أهلها يموتون من الحب كما استشهد بالحديث النبوي الذي يقول: "من عشق فصبر فكتم فعف فمات، مات شهيدا"(9) ويؤكد طيلة الكتاب على أن هذا الحب العذري هو الذي سيؤثر فيما بعد على الحب الكورتوازي، غير أن ثقافة الحب في الغرب وإن كانت قد استلهمت جانبها العاطفي من الحب العذري، فقد استلهمت كذلك جانبها الحسي من التيار المانوي القادم من إيران. بشكل مجمل يستنتج دوروجمون أن التشكل العاطفي للغرب لعب فيه تيارين الدور الأساسي: العذرية العربية والحسية المجونية المانوية يقول: "هكذا نشأ النموذج الغربي الكبير للتعبير عن الحب الولهان، من لقاء زندقتين: زندقة الروح وزندقة الشهوة اللتان جاءتا من الشرق نفسه من شاطئ بحر هو مصدر للحضارات"(10)

ورغم هذا الفرق الكبير بين الاتجاهين إلا أننا نعتقد أنهما معا يلتقيان في نقطة واحدة، وهي الرغبة في إنكار العالم باسم الحب الطاهر والخالد مع الرومانسية، أو باسم الخروج عن المجتمع والاندفاع في الهياج العاطفي مع الغرائزية. هذه إذن هي طبيعة الحب وأزمته المهيمنة اليوم ليس فقط على الغرب بل وعلى باقي الحضارات بحكم التلاقح الثقافي أو بحكم سلطة العولمة. هناك من ناحية الحب الرومانسي العفيف الذي يقود في حالاته الملطفة والمعتدلة إلى نوع من السعادة، لكنه في حالة جيشانه القصوى يصبح نوعا من البطولة الخرقاء التي قد تنتهي بالانتحار. ومن ناحية أخرى هناك الحب الحسي المجوني وهو المهيمن أكثر من سابقه، والذي يقود كما يعلم الجميع إما الإفراط الشهوي والى التفكك الاجتماعي تحت شعار الحرية الجنسية وأزمة الزواج(11)، أو إلى التكاثر الأسري و الانفجار الديموغرافي كما هو حاصل اليوم. والحال أن الحضارة المعاصرة إذا كانت تعلي من قيمة التملك على حساب الوجود، فإن ذلك لا يترك آثاره فقط على السلوكيات الاجتماعية الاستهلاكية، بل أيضا على الأجساد والرغبات والعواطف، إن الانحرافات الجنسية التي أصبحت تميز حضارتنا والتي أبدع علم النفس عموما والتحليل النفسي بالخصوص في وصف عقدها ومركباتها مثل النيكروفيلي والزوفيلي والبيدوفيلي .. كلها تدل على تمزقات الرغبة وعلى الانحرافات التي عرفها الحب المعاصر نتيجة عدم قدرته على البوح بالكينونة وتعلقه المرضي بالتملك الحسي للآخر.

الحب من نظرية العواطف إلى نظرية الوجود
يؤكد إريك فروم(12) أن الحب لا ينبغي النظر إليه كمجرد شجون نفسية عاطفية، ولكنه الجواب على مشكلة الوجود البشري أساسا، بمعنى أن الحديث في موضوع الحب ليس مجرد حديث في انفعالات النفس وتقلبات العاطفة، رغم أن هذا هو المسعى الذي سارت فيه العديد من الدراسات التي تناولت الموضوع وبالخصوص الدراسات النفسية، وإنما الحديث في الحب هو حديث في وجود الإنسان ذاته، وفي طبيعة الذات البشرية وحضورها التاريخي يقول إريك فروم في هذا السياق إن: "أية نظرية عن الحب يجب أن تبدأ بنظرية عن الإنسان، بنظرية عن الوجود الإنساني"(13). بالنسبة له الحب ليس إلا جوابا على تجربة الانفصال التي يعيشها الكائن البشري، رد فعل ضد القلق والعزلة اتجاه العالم وعدم قدرتنا على مواجهته والتغلب عليه. هناك إذن حاجة ماسة داخل النفس البشرية من أجل تجاوز هذا الانفصال، ووضع حد للقلق والعزلة التي يخلقها، وما الحب سوى وسيلة لإيجاد حل لكل ذلك. إن الرغبة في التوحد مع شخص آخر وربط مصيري الشخصي به هي الرد الأمثل على عزلة الإنسان وانفصاله. قد نتفق مع إريك فروم في كل هذا شريطة أن لا نفهم الانفصال على أنه شيء مناقض للحياة، كما لو أن ثمة خارج ما يمكن محاكمتها انطلاقا منه. إن الحب ليس بديلا للحياة، بل هو الحياة عينها. إنه بطبيعته مفارق لكنه بذلك لا يفعل شيئا سوى أنه يجسد مفارقة الحياة ذاتها. إننا هنا نتحدث عن الحب في حدود الإمكان البشري أي إمكان الحياة.

عندما نفهم الحب على أنه استقرار عاطفي ورضا نفسي وتوحد مطلق بالآخر، أو بتعبير إريك فروم بديلا عن الانفصال، نكون قد حولنا الحب إلى بديل للحياة حيث تتموقع التجربة العاطفية كمناوئة لتجربة الحياة، وفي النهاية فإن الهرب من الحياة لن يكون إلا إلى الموت. لذلك كان الحب في التجارب العاطفية للرومانسية وللحب العذري مرادف للموت: نحن قوم إذا أحبوا ماتوا يقول العذريون. يبحث الإنسان من خلال تجربة الحب عن استقرار عاطفي وهذا من قبيل الاستحالات، لأن تجربة الحب هي مد وجزر، انفصال واتصال. إن كل حب لا بد بالضرورة أن يتضمن نقيضه الانفصال عن الجسد من أجل معانقة المطلق، تجربة الانفصال والاتصال هاته هي التي تلخص ليس فقط طبيعة الحب ولكن أيضا طبيعة الحياة ذاتها. بعد كل امتلاك للجسد واللذة التي يحدثها تأتي تجربة الانفصال: ماذا يوجد بعد هذا الامتلاك. ماذا يوجد وراء هذا الحب الذي لا ينتهي. هكذا فالحب الحقيقي هو بالأساس قلق. في الحب لا يكون هناك تملك ولا استسلام، وإنما توثر وصراع وتجاذب لا ينتهي، ففي كلتا الحالتين يتضمن الحب سلبية مطلقة، والحال أن الحب الحقيقي هو شعلة من التوترات نشاط قوي للفعالية النفسية بين الاثنين. إذا لم أتمكن من أن أرى في الطرف الآخر المحبوب، محتوى أكثر مما يمكن أن يجسده هو ذاته كمعطى واقعي، أي كذات تنتصب صباح مساء أمامي طوال حياتي، إذا لم يكن هذا الإنسان الحاضر أمامي يذكرني بالغياب الذي لا أستطيع أن أتمثله رغم أنني أحياه، فإن كل ما يمكن أن يقال بصدد الرعاية والمسؤولية والحنان لن يكون له أي معنى.

بشكل آخر إذا كان هذا المحبوب لا يشكل بالنسبة لي عونا على تجربة الانفصال باعتبارها سر الوجود، وإذا كان وجوده غير موحي لي بدرجة كافية، أي أن وجوده يتموقف عند مجرد التمظهر الجسدي، فإن الحب من ثمة حتى وإن أشهرناه في كل مرة لن يكون إلا حبا زائفا. والحال أن حضارتنا الصناعية لا تسمح لنا بمعرفة بعضنا البعض إلا كأجساد معطاة للاستمتاع الحسي وليس كذوات عميقة وسرية. هكذا بدل أن يكون الحب جوابا على مشكلة الوجود الإنساني كما رأى إريك فروم، أصبح هو مشكلة الوجود الإنساني ذاتها ونحن نفهم كل التصحر الذي تعرفه المشاعر البشرية، وكل المكابدات والعنف الذي تعيشه المرأة، والصعود المخيف للكائن/ السلعة على أنه علامة على هذا التحول الذي تعرفه مشاعر الحب لدى الإنسان.

وصف بيير بورديو الحب بكونه "البديل الدنيوي لله"(14). يمكننا أن ندرك من خلال هذا التوصيف، أن الحب في نظر بورديو والفكر الغربي عموما أنه يعاش بالأساس كتجربة حياة محققة لتعاليها الخاص بها، ففي تجربة الحب تبحث الذات عن التطابق مع الموضوع المحبوب. لكن ألا يجعل هذا التطابق تجربة الحب هذه تسقط في التوحد الذاتي، كما لو أنها ألوهية دينية تكفي ذاتها بذاتها ولا تحتاج إلى أي معنى خارجي. إذا كان ما نعشقه في الحب هو الحب ذاته أما المحبوب فهو ذريعة كما يقال، فهذا معناه أننا عندما نحب فنحن لا نكون لوحدنا في الحياة، إن الوجود يتم تلقيه كآخر. إننا نرى في موضوع الحب أكثر مما يتيحه المعطى الواقعي، وما ندركه يظل دائما في أفق الممكن الضروري، الذي لولاه لاستحال الكائن المحبوب إلى محض وجود عيني محدود في التجلي المكاني. إن العينية هنا تخفي الكلية التي بدونها تصبح العينية ذاتها مجرد تجربة حسية. صحيح أن ما يجري بين الاثنين: تطاحنات ومعارك سيكولوجية، هنات وآهات ... لكن كل ذلك في حقيقة الأمر هو تعبير عن تناقضات الحياة ذاتها وتمزقاتها الداخلية، أن تقع في الحب معناه أنك قد وقعت في فخ الحياة، أليس لهذا السبب نقول بأن من لم يختبر تجربة الحب لم يختبر بعد تجربة الحياة.

اكتشاف الذات وألقها، تعاليها الداخلي المفضي إلى القداسة، ولا أقصد هنا فقط الحب الصوفي، وإنما أقصد أن كل حب هو مقدس بالضرورة ما دام أن عليه أن يعاش كتجربة تعالي. إن الذات نفسها تتبلور تلك هي النظرية الشهيرة لستاندال(15) فغصن الشجيرة الذي ألقي به في مناجم سالزبورغ ثم تراكمت فوقه قطع البلور حتى اختفى شكله الحقيقي وأصبح بمظهر بديع هو رمز لعملية تذويت. واضح إذن أن ستاندال كان يفهم الحب على أنه بحت عن الكمال حتى وإن كان يدرك الكمال كتأنق دنيوي وليس انبعاثا للمطلق كما هو الأمر عند أفلاطون .

لا يعترف الحب بأي قانون غير قانون السمو ذاته، فمن خلال السمو يرفض الحب كل أشكال الوضاعة ويتشبث بالتعالي وتلك هي عظمته وجنونه ـ ليس غريبا أن يوصف الحب بالجنون الإلهي ـ لكن من خلال رفضه هذا وجموحه يتجه إلى تأسيس قانونه الخاص: اللقاء بالكائن الفريد. هنا لا يكون الحب بديلا لله وإنما هو بالعكس من ذلك طريق مفضي إليه. لهذه الأسباب كانت تجربة الحب في الحضارات الشرقية جميعها تعاش بجوار المطلق، أما اليوم فإن تسطيح العواطف لا يدل سوى على أفول الكائن البشري ذاته. لماذا تحبني؟ هو أصعب سؤال يمكن أن يطرحه العشيقين لبعضهما البعض. في نص شهير يعرض بليز باسكال المفارقات التي ينطوي عليها هذا السؤال. هل نحب الشخص لجماله أو لذكائه أو لذاكرته؟ .. يجيب باسكال بأن هذا غير ممكن لأن الإنسان يمكن أن يفقد هذه الصفات لسبب أو لآخر. فماذا نحب إذن هل نحب الأنا المتحصنة والمنيعة عن الاختراق؟ جواب باسكال أيضا أن هذا غير ممكن لأننا لن نحب أي شخص إلا بسبب تلك الصفات والنهاية التي ينتهي إليها هي: "إننا لا نحب أحدا إذن، بل نحب فقط صفات معينة" هذه النتيجة المخيبة للأمل تعكس الطابع المفارق للحب، لكن هذه المفارقة لا ينبغي أن تقودنا إلى إنكار الحب ذاته. فعدم فهمنا للشيء لا يعني أن هذا الشيء غير موجود. إذا لم نكن نحب الجسد بسبب طابعه العابر. وإذا لم نكن نحب الأنا بسبب انغلاقها ومناعتها، فنحن في الحقيقة نريد أن نحب ما يوجد وراء هذا الجسد وهذه الأنا. غالبا ما يستنكر البعض، ما الذي أعجبه في هذه الفتاة وجذبه إليها، ليس لها أي مفاتن خاصة ولا أي مؤهلات. غير أن هذا عليه أن لا ينسينا قدرية الحب لأن ما ننجذب إليه ليس الكائن ولكن ما يوجد ورائه، حتى وإن كان هذا الذي يوجد ورائه سيظل دائما وأبدا غير قابل للتحديد.

هنا بالضبط تبرز محدودية ظاهرة التبلور عند ستاندال La cristallisation التي تبقي الحب في حدود التعلقات الحسية، لأننا عندما نحب فنحن نتجرد من كل الاعتبارات المادية، أي من كل تلك الدوافع المباشرة التي تجعل البعض يقول: أحببته لأنه يمتلك منزلا أو سيارة، أو أن له وظيفة ومركز اجتماعي، أو حسن وجمال، نحن لا نحب الصفات - عكس ما ذكر باسكال - ولكننا في الحقيقة نحب الآخر في ذاته وفي شخصه العميق، في كيانه الذي لا نستطيع الإمساك به مع ذلك. تجربة الحب تخرجنا من انغلاقنا الذاتي ومن أنانا المحدودة والصغيرة، لنلتقي بهذا الآخر المحبوب الذي يكتسح دواخلنا فنشعر كما لو نحن محمولين على أمواجه في بحار مظلمة تضيع فيها أنانيتنا، ونحن هنا لا نتحدث عن ذلك الحب الزائف الذي نطلب فيه من الآخر أن يأخذنا كمطلق، إذ إن كل حب يكون مبنيا على تفضيل الأنا لا ينتهي سوى إلى العبودية. ولكن في نفس الوقت عندما نطابق بين الخيالي والواقعي ونحمل صفات نسقطها على الآخر ألا نطلب من المحبوب أن يكون وفق متطلبات قد لا يكون مستعدا أو حتى أهلا لتجسيدها، هنا أيضا ألا نخاطر بتكسير البلورة.

لقد وضعنا هذا التحليل أمام أبواب موصدة كما يقال، من ناحية أولى الجيشان العاطفي المنفلت يقود إلى تلك النهاية الحزينة التي انتهى إليها الحب العذري في تاريخ حضارتنا أو الحب الكورتوازي في تاريخ الحضارة الغربية. ومن ناحية ثانية، الحسية والغرائزية لها بدورها مساوئها التي تتجلى في الاختزال الحسي المغرض للكائن البشري. كيف يمكننا أن نعثر إذن عن معنى للحب فيما وراء المثالية والحسية؟

ما وراء المثالية والحسية
إن ما يتوجب تحليله في موضوع الحب هو تعالي الروح على الجسد، تعالي الصبا والهيام على الغريزة والشهوة، لكن هذا الحب مع ذلك لا يصنع انتصاره إلا على الحياة: لقد انتصر حبنا على الحياة، أليس هذا هو ما قاد مثل هذه التجارب إلى الضنى والسقم. الحب من أجل الحب وليس من أجل المحبوب تلكم هي العفة والطهارة التي تميز الرومانسية والعذرية، ولكن هل كان حقا حبا من أجل الحب؟ هل ما عرفه هؤلاء ينتمي إلا جنس ما كانوا يقصدونه؟ نحن لا نشير هنا إلى الدراسات السوسيولوجية التي شككت في مثل هذا الحب مؤكدة أنه عبارة عن ظاهرة اجتماعية وتقليد من طرف الشبان الذين انطلقوا لمثل هذه التجارب العاطفية حتى يعرفوا ويشتهروا بين القبائل بصاحباتهم.(16)

كما لا نشير إلى دراسات علم النفس العديدة التي قد لا ترى فيه سوى تعويض عن مركب نقص، وإملاء لرغبة مكبوتة لم تعتر على الموضوع الحقيقي لإشباعها. وإنما نقصد أن الانهمام بالشيء لا يدل بالضرورة على أننا قد وضعنا أيدينا على حقيقته. إننا نلاحظ جميعا تضخم كبير في خطاب الحب كما تعرضه علينا ثقافتنا المعاصرة في القصائد والأغاني والموضة ... لكن كل هذا لا يعكس سوى ضحالة لافتة للنظر فيما يتعلق بإنتاج الحقيقة حول هذا الموضوع. نحن نفكر في هذا الشيء، لكن هذا الشيء قد لا يبوح بكينونته في حضوره العيني، مع أن وعيي بهذه الكينونة لا يستقيم بدون هذا المدرك الحسي الذي هو أمامي هنا، تكون تجارب الحب المطلقة قد غامرت بالاقتراب من حالة الفراغ، فما دام أن تعلقها بالمحبوب ليس إلا مطية نمّت لديها بشكل ملحوظ نزعة إنكار الحياة.

والعكس صحيح أيضا حينما نتأمل التجارب الحسية العشقية التي ميزت عواطف المجتمعات الصناعية، ونتيجة الاختزال الشديد للعواطف في الغرائز، واختزال كل طرف للطرف الآخر في التمثل الحسي، كانت قد جانبت الصواب تماما، بل لم تصنع سوى الانحرافات والأزمات التي ذكرناها سابقا. وهنا يكون الحب الرومانسي متفوقا عليها مادام أنه على الأقل خلف لنا تراثا إنسانيا أدبيا وشعريا ما زلنا نقف عنده إلى اليوم. أما الغرائزية فهي لم تخلف سوى التفكك الاجتماعي والأمراض الجنسية والنفسية.

خارج المثالية وخارج الحسية ما الذي يمكن أن يكونه الحب حقا؟
أن النقطة القوية التي تضمنها طرح إريك فروم هي نقله لمسألة الحب من مقام الانفعالات النفسية إلى مقام الأنطولوجيا، أي أنه قدم نظرية عن وجود الإنسان من خلال تناول مسألة الحب كمقاومة للانفصال. لكن ما يعيب هذه النظرية هو ادعاؤها إمكانية استعادة الوحدة الأصلية من خلال تجربة الحب وتجاوز الانفصال والاغتراب، إذ يبدو أن مثل هذا الطرح ينطوي على منحى أفلاطوني واضح، لذلك لا غرابة أن يقارن إريك فروم بين الحب والتصوف، فالمحب يذوب في محبوبه ويستطيع أن يكون معرفة عميقة عنه من خلال فعل الحب مثلما يستطيع التصوف أن يكون معرفة عن الله من خلال التوحد به. قد نتجاوز هنا قضية الحب الذي يقود إلى المعرفة خاصة في السياق العاطفي، وهي قضية استدعت ملاحظات كثيرة أبرزها أن المحب ونظرا لأنه محب لا يستطيع أن يعرف الطرف الآخر بشكل موضوعي، مادام أنه غير قادر على رؤية عيوبه وتقييمها. أليس لهذا السبب نقول بأن الحب أعمى؟

رغم أهمية الملاحظات السابقة فإن النقطة التي تهمنا هي أن هذا الحب كوحدة وتطابق، هذا الحب الذي يتموقع ضد الانفصال قد يكون مناقضا لذاته، بل أكثر من ذلك قد يكون حبا لا ينتج سوى الملل. يعتقد كثيرون أن الدخول في شرنقة الحب بإمكانه أن يقضي على الانفصال، ويجنب الإنسان العزلة ويحقق له نوعا من التعالي الذي قد يغنيه عن الآخرين. والحال أن مثل هذا الحب لا يصنع سوى المأساة لا على الصعيد العاطفي ولا على الصعيد الاجتماعي، لأنه حب يدفع الإنسان باتجاه مطلق متوهم هو مطلق ذاته. في حين أن الحب لا يجنبنا القلق بقدر ما يثيره: القلق مثلا على فقدان الآخر أو على خذلانه، ولا يقضي على العزلة وإنما يحييها كأساس يقوم عليها الموجود البشري، أقصد أننا في النهاية وحتى بعد حياة زوجية طويلة نظل مغلقين على ذواتنا، فكل معرفة لن تكون إلا معرفة تقريبية.

لكن مع ذلك ورغم هذا القلق وهذه العزلة واستحالة التواصل التي يؤججها الحب في أعماقنا، يظل الحب محاولة وجود ضد قسوة الحياة والرغبة في صنع الاختلاف، والأمل في إمكانية حياة سعيدة. إن الإنسان يرغب دائما في أن يظل إنسانا وأن يحافظ على استقراره الأنطولوجي، لذلك يفترض الحب حضور الإرادة، وهذا ضد النظرة البوفارية التي ترى أن الحب يذهب بإرادة صاحبه ويجرفه إلى الهاوية.

ما العمل الذي يمكن أن يحققه الحب ضد سموم الغرائزية وضد اليأس الذي يمكن أن يقودنا إليه الانغماس في المثالية المطلقة؟ الجواب يقدمه دوروجمون قائلا: "العمل ليس معناه التهرب من عالم نعتوه بالشيطاني. وليس معناه قتل هذا الجسم المعرقل. إلا أن معناه ليس أيضا إطلاق مسدسنا على الروح بحجة أنها خدعتنا. العمل في الحقيقة هو قبول الأوضاع التي كتبت لنا في الصراع بين الروح والجسد. والعمل هو محاولة التغلب على هذه الأوضاع لا بتهديم القوتين المتنازعتين بل بتزويجهما. لتأت الروح لنجدة الجسد تجد عنده السند والعون، وليخضع الجسد للروح وليجد عن طريقها سلامته تلك هي الطريق".(17)

إننا نتحدث هنا عن حب يستقيم مع المقام الخاص بالإنسان حيث لا يسعى المرء إلى إشباع اللذة الحسية فقط، ولكن إلى خوض تجربة التعالي ذاتها، ولكنه تعالي ينبغي أن يعاش داخل الحياة وليس خارجها، أي أنه تعالي في سياق المحايثة، فالحب لا يشل الإرادة وإنما يحييها كدافع للحياة. كما يفترض أيضا حضور الوعي والمسؤولية بضرورة إسعاد الطرف الآخر وتقبله كآخر، أي في غيريته، للحب إذن علاقة بالتجاوز تجاوز الذات من خلال الآخر في إطار التوتر والقلق. أمام تهديد العدم يكافح الإنسان بالتوحد مع هذا الآخر والبحت عن الكمال والعلو بواسطة أشياء كثيرة ومنها الحب، والحب بالأخص هو انفعال إنساني يستوعب الوجود ككل، فما نجد أنفسنا في مواجهته هو هذه الكلية لتي نلتقط فيها معنى لحياتنا من خلال الآخر، شريطة أن يكون هذا الآخر ملهما لنا. والإلهام في حد ذاته يعني أننا لا نتوقف في تجربة الحب على التوحد مع هذا الآخر والانطواء عليه. إن هذا هو معنى قولنا إننا نرى في المحبوب أكثر مما تسمح لنا به واقعيته الحسية. وإن غياب هذا الإلهام بالذات هو ما أصبح يميز تجارب الحب في المجتمعات الصناعية المعاصرة، نظرا لأنه أصبح يعاش كارتواء جسدي خالص، فثمرات الحب أصبحت تقطف سريعا، إنه اليوم مجرد انفعال عاطفي عليه أن يعي جيدا طابعه العابر ويقبله مع ذلك كمتعة غرائزية مباشرة، والنتيجة هي أن الحب المعاصر لا يساهم سوى في أفول هذه الذات أمام جموح الغرائز.

إن كلمة السر في الحب ليست هي الجنس كما تقول حركات التحرر الجنسي ولكنها الإلهام، والإلهام يعني أن تجربة الحب لا تختزل لا في الحسية ولا في المثالية، وإنما تدمجهما معا دون أن تكتفي بهما. فالحب إحالة إلى شيء ما ألتقطه من خلال احتكاكي الحسي لهذا الآخر. فالشيء ذاته في تجربة الحب ـ إذا ما جاز لنا استخدام المصطلح الأثير لدى هوسرل ـ هو الإلهام إنه وحده الذي يجعل الحب ليس مجالا للطمأنينة المفترضة ولكن مرتعا للخيالات.

يرى أوكتافيو باث أنه:" ثمة سؤال يطرحه المحبون جميعا وفيه يتكثف السر الإيروتيكي: من أنت؟"(18) وبطبيعة الحال فهذا السؤال ليس له جواب محدد، لأنه في تجربة الحب يصبح الجسد لامرئيا، أما الروح فهي التي تتخذ طابعا حسيا، أي أن المحسوس يسمو ويتعالى إلى لطائف وأنوار، والذات تتحول إلى بوابة للمجهول. إن الإلهام يعني من بين ما يعنيه الذهاب أبعد مما يتيحه الحضور العيني للمحبوب. إن الحضور نفسه يتحول إلى حالة ورمز للغياب، غير أن هذه الإحالة هي ما يجعل الجسد في نهاية المطاف قادر على خلق الدلالة المتجددة. إن الحب إذن تعلق بالجسد ونفي له في الآن ذاته. تعلق به في الحالة التي يصبح فيها الجسد تعددي واختلافي، ونفي له كذلك لأنه يدفعنا إلى التعالي عليه. هناك تجاذب إذن بين مشاعر الانفصال والاتصال ولولا هذا التجاذب لما كان الحب توترا واتقادا للروح بين الشعور بالرضا والقلق وعدم الطمأنينة. إننا حينما نعرف الحب فقط على أنه اتصال كما يفعل إريك فروم نكون قد قفزنا على الشرط الإنساني باعتباره شرطا يؤلف بين التعالي والسقوط في الآن ذاته، بين اللذة والألم، الوصل والفصل، الحضور والغياب.(19) وبالتالي ليس الحب محاولة للتحرر من هذا الشرط والبحث عن محاولة تطابق بدئية، بل بالعكس في الحب يبلغ الشرط الإنساني مداه الأقصى.

هكذا كانت المرأة الملهمة سواء لدى اليونان أو العرب أو باقي الأمم الأخرى تحيل إلى أفق مفعم بالدلالات، بل إن التغني الحسي بجمال المرأة ومفاتنها ما هو إلا استدعاء لهذا العطاء الحي الذي يمثله كيانها الوجودي كامرأة وهو نفسه الكيان الذي أهدرته ثقافتنا المعاصرة.

آفاق
إن عالم المرأة هو عالم كلية الحياة حيث يتجاور الجمال والموت والأبدية جنبا إلى جنب، وما الحب سوى طاقة الإلهام التي يخلقها فينا كيانها من أجل ربط مصيرنا بمصيرها، إننا نعيش معا في الحياة ولكننا نتعانق في الآفاق. الحب هو الذي يمد الجسور ويربط بين الروح والجسد، بين السماء والأرض، الحاجات الحسية والحاجات الروحية.

قد يقال بأن هذا الطرح الذي دافعنا عنه هنا يركز على الحب الجنسي بين الطرفين، وبتالي فهو يغفل الحديث عن باقي أشكال الحب مثل حب الأم لطفلها وحب الوطن وحب الله، والحق أن إحدى المظاهر الأساسية التي نتجت عن أفول مبدأ الحب في الحضارة الغربية هو ظهور كل أشكال التشوهات الأخرى للانحرافات المميتة مثل العدوانية والعنف والكراهية وعدم التسامح والإرهاب ورفض الآخر ... لذلك يمكن القول أنه من خلال فهم هذا المبدأ يمكننا أن نفهم غياب ثقافة الحب في حضارتنا. لا بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك بكثير إذا أثبتنا أن الأزمة الحضارية التي نعيشها حاليا والتي تبرز بالإضافة إلى الانهيارات الاجتماعية في أزمة التقدم التكنولوجي التي لم تؤدِ سوى إلى تخريب الطبيعة والإخلال بالتوازنات البيئية كل ذلك كان ناتجا عن غياب مبدأ الحب. إذا لم يحب الإنسان إنسانا آخرا فكيف له أن يحب الكائنات الأخرى والطبيعة بشكل عام. إن عالما بدون حب لا يمكن أن يكون إذن سوى عالما بدون فضيلة، لذلك وبدل الثورة الجنسية يبدو أننا اليوم في حاجة إلى ثورة عاطفية une révolution sentimentale.


عن مجلة الكلمة.



































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow