Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

السقوط / قصة إليزابيث باينز ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2014-03-04

< 1 >

و في إحدى السنوات سقطت.

تناولت معه المشروب ( هل سكرت؟ لا تعتقد ذلك)، هناك لمعان داكن لعدة قوارير مصفوفة على رف بارز في المطبخ، الذي صممه مهندس؛ حيث ضوء السقف خافت، و الخطوط على الثوب النسائي تعترض طريق الأشعة الخفيفة غير الملحوظة.

حفلة مسائية في موسم الأعياد، في مدينة رأسمالية غربية، الليل أسود و يبدأ من عتبات الباب و ينعكس على المعاطف المجمدة من البرد و المعلقة في الصالون. الظلال و الخيالات، و صوت شاب ينوح على ضياع مدخراته، و صوت آخر من زاوية مقابلة، و يصر على الجلوس بانضباط و تكتم، حتى لا يستعجل الأمور، و يرى ماذا تصل له الحال، لا يمكن لأحد أن يعلم مسبقا.

الأصوات ترتعش مثل قصاصات من الورق، هذا ما تتذكره، إحساسها بالإنفصال - بالتأكيد ليس الإنفصال الذي يعاني منه السكارى، و لكن هل أنت متأكد من أي شيء على الإطلاق؟. لقد بدأت بالشرود، هذا مؤكد، و كانت تتساءل ترى أين هو عشيقها؟. اقتربت من الصالون لتبحث عنه، و في تلك اللحظة، اللحظة التي استغرقت وقتا طويلا من عمرها - هكذا تتذكرها - استندت بكل ثقلها على كعب حذائها الأيمن الطويل و لكن انزلقت، وحاولت أن تتوازن، فتمسكت ببروز معدني في العتبة، وشعرت أنها تدور، كراقصة، ثم تسقط، كانت تلك اللحظة بطيئة و هي تفكر بما حصل، كانت لا تزال تحت تأثير الإنفصال، لم يكن هناك ما ينقذها، لا شيء تستطيع أن تتمسك به، و لا أحد بجوارها ليسارع لنجدتها. و هي تنظر للوراء بذاكرتها تشاهد نفسها تدور، و تقترب من مستقبل مختلف، و كانت اللحظة نفسها هي حالة التوازن.

ومع أن اللحظة تلك مرت بسرعة، و هذا شيء آخر تفكر به، و كانت واعية تماما أن الوقت لم يسعفها لتقوم بردة فعل مناسبة تنقذ جسمها من السقوط،. و لكن حينما سقطت، بدأت ردود الفعل تتوالى: انحنت للأمام لتستعيد توازنها، و قرفصت و غرست نفسها في الأرض، ثم وجدت المساحة اللازمة لترى الوجهين المتفاجئين و هما في نهاية الصالون الذي تسرع إليه، أحدهما يقدم الستار للآخر، و قد انطبعت صورة في رأسها عن هذا المشهد الأحمق الغبي الذي رأته، لقد حصلت على كفايتها من المؤثرات و هي في ثوب الكوكتيل المنقوش بالورود و بكعبها العالي الأحمر. و هنا ضربت الأرض، الخشب القاسي للصالون، و كل ما تتذكره عن ذلك هو صوت سقوط كوب النبيذ و تحطمه و الذي كان في يدها اليسرى.

< 2 >

في اليوم التالي فكرت بما حصل: الرجلان اللذان كانا في نهاية الصالون فوق بعضهما البعض، اهتما بنزيف الدم و بالكوب الذي كان في يدها. و هي تتذكر أيضا: الشظايا التي انغرست و الخيوط الحمراء القاتمة التي بدأت تتلألأ. ساعدها للوقوف على قدميها؛ و تتذكر الإحساس بأناملهما و هي تقبض على إبطيها، و الحماقة التي أظهرت ساقيها و كشفت سروالها و هي تحاول النهوض. و كانت يدها هي الشيء الدرامي بالحكاية، و لم تفهم أنها ضربت رأسها بعمود الباب حتى صباح اليوم التالي.

مشطت شعرها في الصالون بمرآتها الشخصية، لم يكن ذلك سهلا لأنه بالإضافة للألم في يدها و ركبتها اليمنى كانت قد أثرت بكتفها الأيمن. و حينما لامست الفرشاة طرف رأسها لاحظت أن أذنها اليمنى متورمة، و حين نامت أمس لم تكن كذلك. رفعت يدها لتتحسس بها جمجمتها، فانكمش وجهها من الألم.

في المرآة برز عشيقها من الخلف، شاحبا، بالدرجة التي تتركها عليك المرايا، و انعكس عدم التناسق الخفيف في قسماته بشكل مبالغ به، هذا هو الأثر الذي تتركه رؤية انعكاس صور الآخرين أمامك. إنه رجل تعتقد النساء أنه كذاب، رجل اعتقدت إحدى النساء أمس أنه جذاب، و طلبته للرقص، حيث كان حينما سقطت. و هكذا سمحت لأفكارها أن تتكلم مع خياله المنعكس على صفحة المرآة.: بوصة لليمين لكانت ضربت رأسها بدرجة أقسى. و كان يمكن لها أن تموت.

استدارت نحوه، لتنظر بوجهه الحقيقي، كان عدم التناسق غير واضح للعيان، و كان من الواضح أنه يعتقد أنها مرت في حالة ميلودرامية- حسنا، لم يكن هناك . أليس كذلك. لقد كان بعيدا عن الموقف الملموس و الحي - و لكنها لا تمانع، لأن كل ما يهمها أنه حالفها الحظ بتلك المسافة الحاسمة التي تقدر ببوصة واحدة، أن تكون حية الآن علما أنه كان الموت قرابة قوسين و أدنى، و ها هي تستغل الفرصة، أن لا تنزعج بصديقها، و أن لا تسمح لتلك التفاهات و المشاكل النفسية الخاصة بصرف انتباهها عن ضرورة التماسك، ثم الاختلال و السقوط. و بما أن الخطأ هو في الحذاء الذي ترتديه، عليها أن لا ترتدي ثانية أحذية الكعب العالي.

< 3 >

و مرة أخرى تعرضت للسقوط.

كانت في أحد الأيام رسامة و تخلت عن ذلك للبحث عن طريقة آمنة لكسب قوت يومها. و بعد السقوط، استغلت كل لحظة من حياتها، قررت أن تفعل ما ترغب به، و عادت للرسم. و بعد عام من السقوط، و قرابة عيد الميلاد مجددا، كانت في طريق العودة من صالة الرسم إلى الحوانيت، و تسير بخطوات واسعة بالجينز و الحذاء الرياضي، و لها قسمات إنسانة مختلفة تعرف ما تفعل، و ليست المرأة المترددة التي اعتادت عليها.

في وقت متأخر بعد الظهيرة و السماء الزرقاء بلون البحار تمزقها أضواء الشارع، تحول الظلام لهوامش رقيقة فقط. أمامها وقفت شاحنة على الرصيف الضيق بمحاذاة حانوت للرهن، و قفز منها لسائق و دخل من الباب بسرعة ، بحماسة أو بيأس هو من صفات تلك الفترة الراكدة، أو ربما لأنه وضع سيارته في مكان لا يسمح به القانون. و لم يترك مكانا على الرصيف للمشاة كي يمروا. أما هي فقد كانت تسير بالجينز و تشعر بالاعتزاز لأنها رشيقة مثل السائق، ثم قفزت من فوق الجدار القصير و الذي وضع سيارته أمامه. و كانت هناك ساحة إسمنتية رفيعة تمتد قبالة دكاكين مهجورة.

تجاوزت الجدار، إلى ممر مظلم بين الشاحنة و واجهة الدكان، و وصلت لمؤخرة الشاحنة، حيث نهاية الجدار القصير. و تجاوزت نهاية الجدار و وصلت للزاوية المفتوحة، و هنا انزلقت قدمها ببقايا أوراق أشجار تراكمت من فترة طويلة. و سقطت بكامل طولها، من الرصيف و تمددت وراء الشاحنة.

حصل ذلك في هذه المرة بسرعة فائقة. و لم تكن تتمالك مشاعرها في الفترة الطويلة الفاصلة بين انزلاق قدمها و الارتطام بالأرض. لقد سقطت على ركبتها، و كان الألم مبرحا و لم تتمكن من الحركة لدقيقة أو إثنتين. ثم سألها المارة هل هي بحالة جيدة. و توقف رجل يحمل حقيبة و هو يشعر بالحرج قليلا. وردت في النهاية تقول إنها لا بأس و كافحت لتنهض، فابتعد عنها و تحرك نحو الطريق و دار من حول الشاحنة. و تلكأت امرأة بكرسي له عجلات و كانت أكثر قلقا و لا سيما حينما انهارت مجددا بسبب الألم الشديد، و لكنها مضت في طريقها أخيرا. و اضطرت للعودة إلى الطريق و هي تنظر للخلف و تسأل للمرة الثانية هل أنت متأكدة أنك بعافية. ثم اختفت وراء الشاحنة.

< 4 >

نهضت. و تحركت قليلا ثم استدارت. خرج السائق مسرعا من حانوت الرهن. - و خطر لها: يا له من من وقت لا يكفي لرهن شيء. و لاحظت كيف صعد لسيارته.

الابتعاد عن الكعب العالي لم ينقذها من السقوط. و الابتعاد عن التردد لم ينقذها كذلك من السقوط. في الواقع، عزيمتها و إصرارها دفعاها للسقوط، و حتى النعل الناعم الأملس لحذائها الرياضي ساعد في ذلك. ما تحتاج له في النهاية هو المزيد من الانتباه و الحذر.

حينما وقعت الواقعة للمرة الثانية كانت ترتدي كعبا قصيرا، بلون وردي ليتلاءم مع سترتها الوردية القاتمة، و لكنها كانت تتوخى حذرها. و في هذه المرة كان الوقت صيفا و في المساء: عبرت من الساحة الممهدة من فترة قريبة و تلفتت لتتأكد أن الترام ليست في الطريق. و في الجهة التي نظرت إليها شاهدت خطوط الترام تلمع على الحجر الممهد المستوي و الأبيض؛ و لكنها لم تنتبه أنها حيث كانت تتقدم بخطواتها يوجد رصيف يصنع زاوية مع الأرض المستوية. و هكذا تعثرت.

و مجددا في هذه المرة لم تشعر كيف سقطت. و لكن في هذه المرة كما يبدو ارتطمت بالأرض بليونة، لقد سهل عليها الأمر، هذا شيء اعتادت عليه، و هي تعلم كيف ستكون، يبدو أنها سقطت على يديها كلاعب في سيرك. و لم تشعر بالرضة، بالأخص بصلابة البلاط و لم ينتشر الألم في جسمها، و لكن فيما بعد حينما هرع الناس لمساعدتها تألمت. جاءتها امرأة شابة و شاب يحمل جعبة على كتفه و نصف شطيرة كباب بيده.

هل أنت على ما يرام؟. سألاها، و تردد صدى الأصوات، إنه تكرار، ثم مجددا و قبل أن يغرس الألم نابه فيها مزقتها ستائر الوعي التي أسدلت على عينيها بسبب الألم المبرح في كاحل قدمها. و جاءتها فكرة لن تذهب من رأسها: إنها تحلم، هي تحلم بهذه السقطات، تحلم بحياة لا تسقط فيها مرارا و تكرارا.

و ربما بعد المرة الأولى استلقت على سرير المستشفى و قد بارحها الوعي و انخرطت بالأحلام.

و لربما هذا ما حصل: لقد سقطت في صالة أرضها خشبية، و في اللحظة التي وصل إليها الرجلان اللذان تغطيهما الظلال كانت قد توقفت عن التنفس. و انتهت الحفلة بكارثة، الضوء الأزرق يبرم من حولها، و يحول البريق المتناثر لشرائح رقيقة و منكسرة.

< 5 >

أو: انسحب سائق الشاحنة من دكان الرهن بسبب القلق على سيارته، و أسرع بمغادرة مكتب الرهن و شغل المحرك و تراجع ليكون بمأمن من الجدار القصير، و دهس المرأة التي سقطت وراءه على الرصيف.

أو ربما: راقبها الشاب بشطيرة الكباب بينما الآخرون يهرعون لنجدة المرأة ذات السترة الوردية التي وقعت في الساحة. نفخوا بفمها و قدموا لها قبلة الحياة، و مع أن عينيها كانتا مفتوحتين على وسعهما لم تكن تتنفس. قال واحد من الموجودين: لا بد أن ذبحة قلبية أصابتها. و في لحظات أصبح لون وجهها أزرق. فألقى الشاب شطيرة الكباب برعب واضح. لم يسبق له أن شاهد شخصا يموت أمامه. و هو لا يرغب بذلك. كما أنه ليس متأكدا أن هذا هو حقيقة ما يجري أمامه. و تساءل بسره هل إنه يمر بحلم.

إليزابيث باينز Elizabeth Baines : كاتبة قصة وروائية بريطانية. من أهم أعمالها رواية الآلة البريطانية، و مجموعة قصص بعنوان التوازن على حافة العالم.

الترجمة من مجلة ( إيست أوف ذي ويب ) الإلكترونية.






























تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

روبوت ترفيه الجدة/ وليام هوكنز ترجمة:

28-تشرين الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow