Alef Logo
ابداعات
              

من ذاكرة مدينة

ماريان إسماعيل

خاص ألف

2014-03-02

-1-

الأصوات الهادرة من الشارع، والتي تشبه زعيق الموج في ليلة مجنونة، جعلها تفتح عينيها على الحائط أمامها، فمنذ اختفاء زوجها، تفترش الأرض للنوم مع أطفالها ، وللجدار الرطب تبكي بصمت، إلى أن يتسلل النعاس لجفنيها ،وتغرق في جلباب النوم. لم تفهم حقيقةً مقصد الأصوات الصارخة بكلمة كيماوي، وما تلاها من لعنات وشتائم، فحجر رحى يطحن رأسها، ووهن شديد ألمّ بها. اعتراها حدساً، دفعها لتقلب جسدها، الممدد بصعوبة إلى طرفها الآخر ، إطمئناناً على أطفالها، فرأت شبح الموت يحمل طفلتيها، ويقترب من طفلها الأصغر الذي يرقد بجانبها، طرفت بعينيها اللتين يسبح فيهما الضباب، للرجل الذي ظهر فجأة، عند الباب، صارخاً "الطبيب، هنا امرأة، لاتزال على قيد الحياة"، وفي غمرة لحظة، أخذ شبح الموت رضيعها، والآن يَهم للرحيل، ولمّا شاهدت الطبيب والمسعفين يخطون بعجالة نحوها، استجمعت قواها وتشبثت بالشبح، ورحلوا.

-2-

لم تُجدِ نداءات أحمد، الذي هرول للدار، في إعادة نبض قلبها الصغير للحياة، فقد ظن لوهلة، أنه شعر به.
لم تستيقظ آمنة، صاحبةُ سبعة أعوام، وأجمل جديلتين كستنائيتين، في الحي، وخدين مقروصين من لدغات الشَيطنة، الشَيطنة الصغيرة التي قبضها منجل السفاح، منذ دقائق، حين سقطت قذيفة على بيتها، وانهار السقف فوق رؤوس عائلتها.

"هذه المرة، أيضاً،لم ينجُ أحد من تحت الركام"، عصر بقبضته صدره، الجار الشاب، أحمد، الذي اندفع خارجاً، ليستجدي أنفاساً، عند العتبة، التي لم تعد عتبة، والباب الذي طَيّرهُ الانفجار. غيمة القهر أمطرت في عينيه، ولم تجعله يلحظ السفرجلة الصفراء الصغيرة، التي تدحرجت من ورائه، ومرت بجانبه، وتجاوزت العتبة، لتستقر في حضن الدار.

فقط أيامٌ قليلة، وبرز من بذورها أول جذرٍ، ليتشبث في أرضه. أيامٌ قليلة فقط، ومد البرعم الصغير في سمائه، رأسه. حينها، كانت الأرض تتنهد من حلاوة السفرجلة، وتغصُّ بها، تلك السفرجلة التي تدحرجت، بدايةً، من قلب آمنة.




-3-


أصفرَ كان البالونُ ... كبيراً.
تعلقتْ به، حين طافَ الغبار الرمادي، وأكل المدينة.
كان، يتصاعد أحياناً، هو، كأغنية الزورقِ الأحمرِ الصغير، الذي يغفو، فوق البحيرة الخضراء الساكنة. وأحياناً كان، يتقمصُ مهرجاً ضاحكاً، تهرشه الندوب، ويرحلُ بها على دراجته، تحت سطح الماء.
وكثيراً، كثيراً ما يصير زعنفة سلحفاة، تطير بها، لتتذوق حشائش الغيوم.
كان أيضاً، يدّبُ فوق أصابع هانز أندرسن، ويلمس ذيل حوريته الصغيرة. وغالباً، ما طفقَ يغيظُ لويس كارول، ويشد خصلة أليس، التي لا تنهك من التجوال، في عجائب بلادها. كان يحدث، ويسرق الكرة الذهبية من الأميرة والضفدع، فيلحق به الأخوان غريم، ويطاردانه. وذلك، بعد أن يجلس منهكاً على حافة البؤساء ويقص على جان فالجان مأساته الكبيرة.
بالنسبة لها، كل ذاك، وتلك، وما بينهم، وأكثر، وللآن، هوكتفُ أخيها الدَّفءُ، حين قبضت عليه بقوة طفلة، لا تتجاوز العام والنصف، وشدته إليها. فتفجرت حكاياته، مذ خرجا يتيمين، من تحت الأنقاض، جراء البرميل اللعين، الذي تفجّر فوق سطح بيتهم.











تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

السمكة

04-آذار-2017

يوم شتوي قارص

29-كانون الأول-2016

حدَثَ في شوارع العاصمة

21-تشرين الثاني-2016

رانديفو

16-حزيران-2016

الطاولة

23-شباط-2016

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow