Alef Logo
ضفـاف
              

الرموز في رواية ( 366 ) لأمير تاج السر

صالح الرزوق

خاص ألف

2014-01-30

ظهرت بوادر جيل الاتجاه المعاكس ( أو ما يعرف باسم الجيل الغاضب ) بعد الحرب العالمية الثانية. وسرعان ما اننتقلت إلينا شرارته في مرحلة التهيئة لحرب حزيران وحتى منتصف السبعينات.

وأستطيع أن أضع معظم أعمال أمير تاج السر في هذا الإطار ، فهو غالبا ساخط على الحظ والقدر وينظر بعين الشك والريبة للحالة الاجتماعية. والأهم من ذلك أنه يرى في الأحزاب السياسية نوعا من السفسطائية، ناهيك عن نظام الخوف والترهيب والذي تفرضه السلطات. وبعبارة مختصرة لقد وضع في كفة واحدة من الميزان سلوكيات النفي أو ورقة الضد جنبا إلى جنب مع أخلاق الللامنتمي مقابل الشرط الوجودي.

ولا شك أن هذه الرؤية لا تأتي من فراغ. فقد مهد لها الطريق رمز من رموز الرواية العربية وهو نجيب محفوظ.

من منا ينكر حالة الضياع التي خصص لها نجيب محفوظ نصف حياته الفنية، بدءا من اللص والكلاب وحتى عائش في الحقيقة. لقد رسم صورة اغترابية ومجحفة بحق أبطاله ومساعديهم. ولم يترك لهم في خاتمة المطاف غير المقابر. ولا يخفى على أحد ما في هذا الاختيار من تجريد. فهو يساوي الحياة مع الموت. ويمكن أن نصل لنفس هذه النتيجة مع أمير تاج السر في روايته ( 366 ) التي تبدأ وتنتهي برسالة من شخص اسمه ( المرحوم ). وهنا ما يهمنا هو المرسل، وليس المرسل إليه. وبالأخص أن المرحوم موجود ولدينا دليل إثبات أنه من بقايا الجيل المعاكس، وأنه يوزع حياته بالتساوي على شرطه الإنساني ( أو بعبارة مالرو على العامل البشري ) ثم على تصوراته وعالمه النفسي. بينما المرسل إليه خيال أو صورة في الذهن. وربما هو رمز مجرد لما نقول عنه المكبوت وأحيانا الاشعور.

وباعتبار أن الأحداث تدور حصرا في عالم تسعون بالمائة منه ذكور لا بد للصور والرموز أن تكون مؤنثة. وعليه أجزم أن حب بطل الرواية لأسماء ( بشخصيتها المركبة: صورتها التي تنقصها التفاصيل والمتبقي منها في النشاط النفسي للمرحوم) لا تدخل في حالة الحب العذري. وهي ليست قصة عاطفية أصلا. وهذا ما تثبته لنا الحبكة وهي تتطور من النهاية إلى البداية، ومن خلفيات المجتمع أو من هوامشه وحتى جوهره المأزوم.

فقد نذرت الرواية نفسها لبناء مشاهد متباينة: من الأعراس في الأحياء الشعبية وحتى بيوت الوزراء ومديرية الأمن الوطني، وما بينهما من عجائب ومفارقات تؤثر في الأحزاب والسياسة.

لقد كان معنى شخصية أسماء بهذا السياق عبارة عن رمز فوق واقعي. إنه إشارة من ضمير بطل الرواية أو أنه طريق هداية. ولعله بديل تجريدي للصور المحسوسة. وهو ينوب حتما عن جوهر الإيمان. لقد تحملت بطل الرواية ما لا يتحمله أحد إلا إذا كان مؤمنا. فهو لم يعترض على الشقاء و درب المصاعب. و سار على الوحل و الشوك بهمة من يتوجه إلى فجيعة ( ص 10 ).

جقا، إن بطل رواية ( 366 ) اختلف مع نفسه. ولكنه لم يكن عدميا مثل أبطال حداثة الستينات أمثال زكريا تامر وغادة السمان. إنه لم يعتنق مبدأ الرفض لمجرد الاستنكار والهجاء، ولا كان مثل غيره من أبطال الجيل المعاكس أمثال شخصيات جاك كيرواك في روايته المعروفة والرائدة ( على الطريق ). فهو لم يهرب مثلهم من الموضوع نحو الذات. ولم يختلف مع المبدأ القانوني للحرية ( أقصد أن حريتك تنتهي حينما تبدأ حرية الآخرين). وكانت خطاياه لا تتعدى الإثم المفروض عليه والذي هو بدوره من جراء الشعور بالعجز.

وبالاستطراد.

إنه في رحلته من الضياع إلى الهداية لم يتورط بالمشكلة التي يسميها التحليل النفسي ( عقدة أوديب ). إن أية قراءة مبسطة للرواية سوف تلاحظ أنها نموذج جاهز لهذه العقدة. أليست هي رحلة بحث عن امرأة ولها رصيد في الذهن وهو رصيد يعود لأيام الطفولة ولرضة الفطام؟؟.

لا أعتقد أنه يوجد في الرواية العربية نص بريء من الدم والعنف كهذا النص.

أولا – لأنه لم يخرج على الأصول المرعية في تسلسل الأحداث، وتتاليها وفي ترابط الأسباب بالنتائج ثم في طريقة بناء الشخصيات التي انتقاها أمير تاج السر لتكون صورة عن تقاليد مجتمع بطريركي وله خلفيات طوطمية والمثال على ذلك طقوس الموت عند شمس العلا. وأساليب الصراع للبقاء عند جارته الجديدة عفراء.

وثانيا – حتى الجرائم لم تنتهك الشرط الخاص للحياة. فهي جرائم نظيفة ومن غير نقطة دم واحدة. وأضرب مثلا على ذلك بالأسلوب المبتكر في قتل تجار الماشية ( ص 135 ).

ثم ثالثا وأخيرا، لقد انتهت فصة العشق أو الغرام العفيف بموت العاشق من غير إسراف بالدراما، وكذلك من غير أية وعود بالخلاص. وكان موت البطل ( الذي تسميه الرواية بالمرحوم ) تصعيدا للجوهر الإيماني وبمثابة عودة إلى الفطرة أو اللاشعور وربما اللامتناهي. وبقليل من التساهل يمكن أن أرى أنه فعلا قرار رمزي والغاية منه الاتحاد مع الصورة الكلية – الله.

ولا أعتقد أن هذا التفسير يتضارب مع الرؤية الرمزية لصراع الخير والشر في مجمل أعمال تاج السر. فهو إن صوّر جوهر التوحيد في الألوهية برمز أسماء ( ضع في الذهن أنها حبيبته الوحيدة وغير المرئية ) فقد رسم صور الشر المتعددة والمتشابهة في روايته السابقة ( قلم زينب )، وفيها إسقاط غير مباشر على شخصية الأفاق محور الأحداث، والذي يبدو للقارئ وكأنه صورة لإبليس. فهو من غير مكان إقامة. وليست له هوية محددة. وغالبا وجهه أسمر بسبب ضياء الشمس الحارق.

وهنا أشير لفرضية جورج طرابيشي .. أن أعمال نجيب محفوظ ، ولا سيما ( الطريق )، هي رحلة رمزية مخصصة للتواصل مع أفضل معنى لصور الجلالة – الله أيضاو الحقيقة أن صابر بطل ( الطريق ) كان مدفوعا بدوافع نرجسية تعادي مفهومنا للخير وتقترب من المنطقة الحرام.

لقد كانت لديه أسباب تحدوها المنفعة وليس الإيمان. وخلال ذلك لم يتورع عن كل الموبقات. وإذا بدأت الرواية بمشهد احتضار الأم ثم وفاتها، وهذا يحمل بصمات التهام الأم ( بطقس أوديبي مروع ) فإنها تنتهي أيضا بجريمة قتل مدبرة لرجل عجوز ( وفي ذلك بصمات جريمة وأد الأب بطقس أوديبي أيضا ).

لقد التأم في المشهد قبل النهائي من ( الطريق ) كل أطراف عقدة أوديب: الزوج العجوز المخدوع، الزوجة الحسناء الفاتنة ، والعاشق المتيم مفتول العضلات الذي يقيم معها علاقة زنى.

وهذا يعني أن كل أركان الاستعارة الصريحة متوفرة أيضا. وهي: المشبه والمشبه به ووجه الشبه.

وهكذا أعتقد أن ( الطريق ) تتفق مع رواية ( 366 ) في نقطة يتيمة.

وهي الانتماء لتقاليد الرواية المضادة، ولكنها تختلف معها في النظر لمفهوم الإيمان ورمزية الله.

لقد كان نجيب محفوظ في روايته لا أدريا وشعائريا. وهذا يتضح بصورة تامة في أعماله الرمزية الأخرى ولا سيما ( أولاد حارتنا). بينما كان أمير تاج السر أقرب لحالة الوجد وبنفس الدرجة من الانطواء الرومنسي على الذات. ويكفي أنه قدم حياته ثمنا لقناعاته.


كانون الثاني / 2014























تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow