Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الممنوعون / كارولاين كيبنيس ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2014-01-12

الممنوعون / كارولاين كيبنيس ترجمة: صالح الرزوق


توجهت إلى الصالة و ركعت على ركبتيها و قبضت على الجدار و بحثت عن زر النور ثم ضغطته و لكن لم يشع الضوء. لا شيء على ما يرام في الشقة. كم كانت حمقاء حينما اعتقدت أن الأشياء ستتحسن مع الوقت فالعالم يبدو لها كأنه يوشك على النهاية المحتومة.

كانت بحاجة لتلتزم جانب الهدوء لذلك تنفست بعمق و قالت بسرها كلا العالم لم ينته. هذا مجرد إظلام. لربما تعرضت مديرة العقار للطرد من عملها، و هذا أشعل غضبها بعدوانية لا شعورية، فتركت الصفيحة الحارة موصولة بالكهرباء. إنها طريقة وداعية تنطوي على الاحتجاج و التذمر. و لكن لا شك إنها تستحق الطرد. كان الجيران متعاطفين معها و يتكلمون كلاما مجانيا تافها عن كيف أنها بحاجة لعملها، و ربما كان طردها نوعا من الحيف.

يا له من هراء.

فمديرة العقار مستهترة. و تستحق الطرد، فهي تنصرف مبكرا لتلتحق بصف التدريب على التمثيل، و تمنح نفسها استراحات متكررة تستغلها للقيام بنزهة مع هرتها- هل يجد المرء شيئا مزعجا أكثر من ذلك؟- و كانت تدخن لفافات من السجائر و تتحدث مع المستأجرين بصوت مرتفع و ليس أمامك إلا أن تتحمل هذا الأسلوب الذي انتهى أوانه من أساليب المحادثة. ومن أقوالها المعتادة:

" أنا ألعب مع هذا الشاب في حصة التمثيل و هو يعتقد أنه ربما تهطل الثلوج هذا العام".

" كل ما تحتاج له بعض اليوغا. أنت لا تعلم ماذا يفعل للجسم".

" القطط هي التي تحكم يا رجل. أما الكلاب فهي للعصافير، يا صاحبي".

" هل سمعت أن فليتوود ماك يقوم بجولة ثانية؟".

" هيييه، هل تعلم أين أجد البخور الجيد الرخيص؟ أنا مفلسة و لكنني أحتاج له".

" لجينيفير أنيستون قدرات عظيمة مثل نجمة سينما".

لا تحتاج مديرة العقار للطرد. فهي مثل حيوان نافق و بحاجة لمن ينهي تعاستها و شقاءها. و لكن عددا كبيرا من سكان المبنى يعتقدون أنها مقبولة هي و مجموعتها اللطيفة من النعناع و البندورة اللعينة التي تحاول جهدها الاعتناء بها في باحة العقار بلا طائل. في ذلك الوقت تركت الصفيحة الساخنة تعمل - من يمتلك صفيحة حديدية حارة و الموقد موجود- و قد حاول الجيران التكتم عليها و أخبروا الإطفائية أن فاصمة منصهرة انفجرت.

و لكن هيلين تعلم على ماذا أزمع الجيران. لوس أنجليس مكان لا تحيا فيه بلا مشاق و تكدير، و قد رغبوا الاحتفاظ بها قربهم لأنها فاشلة، و هذا يخفف من ثقل إحساسهم بالخسارة الشخصية. إنه قانون النسبة و التناسب فقط.

غير أن هيلين تؤمن بالشرف و الأمانة. إنها مستقيمة و حسنة السيرة و السلوك. و لذلك كتبت رسالة مفصلة و فيها شرحت الأخلاق المشينة لصاحبة البيت و سلوكها المهمل و تصرفاتها غير المناسبة:

- مرارا و تكرارا تلقي الملاحظات عما أرادت لعيد الميلاد.

- سألت هيلين هل هي عاهرة.

- تحتفظ بالنحل على السطح لأنها " لا تستطيع تحمل العسل الذي نشتريه من الدكاكين".

- الفشل في التخلص من خلية النحل حتى بعدما لسعت هيلين و هي تحصل على حمام شمس ذات يوم جمعة مشمس مما أفسد عليها متعتها. و سد أحمق مجهول الباب المؤدي للسطح، فعلقت هيلين هناك مع النحل، و انتابها الخوف، فقد كانت وحدها، تتلقى اللسعات، و لم تكن توجد تغطية للخليوي.

- ترتدي زي السيدة روبير في الهولوين بشكل عبوات من العسل المنزلي، و هذا شيء غير عاطفي لو أخذت بعين الاعتبار حالة هيلين. و السيد روبير هو الذي اصطدم بسيارتين في شهر تشرين الثاني. إنه على ما يبدو كسول و كان في ذلك المكتب وحده بينما السيدة " روبير" تتقيأ. و ربما، سرق المفتاح الذي يفتح كل الغرف.

- و طبعا: هناك مشكلة الحريق الذي تسببت به الصفيحة الساخنة.

و طبعا لقد طردوا السيدة روبير و لكنهم منحوها فرصة شهر لتتسكع و تنوح. كان المستأجرون ينظرون إلى هيلين نظرات شزراء. أحدهم كتب على صندوق بريدها ( عاهرة) و آخرون مرروا الرسائل التافهة من تحت باب غرفتها. و لكن هذه هي طبيعة عامة الناس دائما. و أدركت هيلين أن عليها أن تمر من هذه العاصفة الهوجاء. فالناس سوف يسأمون من فكرة أن هيلين هي الشخص السيء بمجرد أن تغادرهم مديرة المبنى.

كانت آخر مرة تخلصت فيها من شخص ما في العمل. و هو ممثل يعاني من تناذر داون و يدعى تونكا. نعم، ذلك لأن شاحنات تونكا مفضلة عنده عما عداها في كل العالم. فهي تقدم في الهزيع الأخير من الليل برنامجا حواريا فظيعا و خلاله يقحم بتونكا في البرنامج و هو بدوره يجبر هيلين على أن تكون ملهمته و هذا شيء غير مستحب حتى بالنسبة لبرنامج متأخر في وقت عرضه.

أنت تعتقد أن الداونيين شهوانيون و غالبا يندفعون إلى داخل الشاحنات بأذهان صافية و فارغة و عاطلة عن العمل. حيث بمقدور عقولهم أن ترتاح و يترك كل ما تبقى لما هو تحت الرأس. كلا؟.

كان تونكا وغدا عنصريا. و دائم الانتصاب. ويطاردها طوال اليوم و كل يوم.

يقول لها: " امنحيني نفسك يا هيلين".

" لا تتكلم هكذا معي يا تونكا".

" أنت تعلمين أنك لست بحاجة لهذا العمل. لو استقلت و قدمت لي نفسك يمكنك أن تنصرفي للبيت و تهتمي بالطهي".

" و لكنني معجبة بعملي".

" كلا أنت لست معجبة به. البنات العاملات تعملن لأنه ما من أحد يرغب بأجسادهن".

" تونكا لا تلفظ تلك الكلمات المكشوفة".

" قدمي لي نفسك أو سأسرقك عنوة".

" يودون أن يعرفوا يا تونكا هل تريد الدجاج أم السمك للغداء".

" أريد ما بين ساقيك!".

كان والد تونكا رئيس المشرفين على شبكة إنترنيت هامة و هذه الحقيقة وحدها برهان على أن اتجاه الشبكة بغيض و جنسي و عرقي ومتعصب كما لا يمكن لك أن تظن. تونكا يكره السود. و يتكلم عنهم كلمات مشينة. باستمرار. و قد أحضروا له فتاة سوداء رائعة لتؤدي دور عشيقته في عدة مشاهد تمثيلية. و اعتقدت أن الأمور ستتحسن لأنه في النهاية سيندمج بالتمثيلية.

قالت له: " يا لها من مفاجأة مدهشة يا تونكا".

" هل سوف تقدمين لي فرجك؟".

" سوف أفتح الباب يا تونكا و ستدخل منه بنت جميلة اسمها تامارا. هل تعلم لماذا؟".

" لتركب على عضوي".

" تامارا بنت و ممثلة موهوبة و ستؤدي دور عشيقتك في مشهد تمثيلي هذا الأسبوع".

"أفضل لو أنها تحب السلوك القذر".

لم تتوقف هيلين عند لهجته لأن وقت فتح الباب قد حان. مدت يدها لقبضة الباب. و رسمت ابتسامة صبورة و متعاطفة. و فتحت الباب و هي تقول:" ما رأيك".

لم يقف تونكا على قدميه. و زأر من بين فكيه فقط و هو يقول:" لا يمكنني أن أقبلها، فهي زنجية عبدة سوداء".

قهقهت تامارا، و عمليا زعقت و صفقت مما أثار غيرة هيلين.

أحيانا، تتمنى لو أنها هامشية، قادرة على أن تضحك، و تتحرك بفعل هرموناتها، لو أنها تحيا بقوة اللاشعور. طبعا، هذا يساعد لو أن لك خلفية مالية قوية.

" لن أقبل عبدة سوداء أبدا".

" و زعقت تامارا قائلة:" اسمعي كيف يقول عبدة سوداء"، و جلست ثم ضربت يديها ببعضهما بعضا كما لو أن هذا تمثيلية مشينة.

" لا تضحكي يا تامارا من فضلك. هذه الكلمة فظيعة".

قال تونكا" كلا. العبد الأسود كلمة ممجوجة فقط".

ضاع رشد تامارا و بصقت و سعلت و ضحكت بجنون حتى بدا الأمر كأنها ستنهار و بدأت هيلين ترتعش. لقد كرهت أن تسمع هذه الكلمات البغيضة الممزوجة بالضحكات. كان هذا خطأ، مثل زبدة الفستق و أصابع السمك أو شرائح الخنزير و القشدة المخفوقة. ثم حاولت أن تكون صاحبة السلطة هنا فوضعت يديها على وركيها. وقالت:"عليكما أن تلتزما جانب الهدوء و السكينة".

" لا يمكنني أن أنكح زنجية!".

" توقف يا تونكا. اصمت".

" نحن نحضر شطائر الأوريو هنا ( 1). و لا يمكنك أن تعرضي ذلك في التلفزيون".

حاولت أن تخبره أنه خنزير عنصري بغيض مثل والده. و أرادت أن تقول له كلمة ليس من المفروض أن تناديه أو تلقبه بها و هي كلمة أيها المعتوه. و حاولت أن تخبره أنه لا يمكن له أن يكون أوريو مع تامارا لأن الأوريو من يتطلب من ناحية تكنيكية بنتين سوداوين صغيرتين أيها المعتوه الأحمق. و كم أبغضته فقد اندلعت نيران البغضاء بين جوانحها.. التقطت أنفاسها. و تفاقم الغضب بداخلها و تضاعف و أصبح بمقدورها أن تنتبه كيف تبدلت نبرة صوتها و هي تقول:" توقف عن هذا يا تونكا. تامارا ممثلة ممتازة. و لدينا مشهد رائع. و يمكن للأبيض و السوداء أن يتبادلا القبلات".

" كلا ليس بمقدورهما ذلك. و لو ضاجعتها ستنشب حرب".

و انفجر بأصوات غاضبة و هو يبصق حوله و رأت تمارا أن هذا تصرف هستيري.

كانت سيدة أعياد سوداء. و بطنها المنتفخة تهتز و هي تضحك مرارا و تكرارا و لم يدهش ذلك هيلين و لا سيما حينما فقدت تامارا السيطرة على مثانتها. و كان من واجبها تنظيف ذلك البول و بعد ذلك عقدت العزم على وضع نهاية لهذه المسألة كلها.

توجهت إلى المنتجين و لكنهم قالوا هذا محض اختلاق. كانوا، طبعا، يعلمون أنها تخبرهم بالحقيقة. و كذلك كانوا يعلمون أنها على يقين أن الحقائق قد أفل وقتها. و من غير المستحب لدى العامة أن يكتشفوا وجود شخص على شاكلة تونكا. و كان الحل برأيهم سهلا: اطردي البنت السوداء و أحضري غيرها و لتكن بيضاء. استبدليها، استبدليها.

و لكن هذا الحل لم يكن إلا هراء.

معظم العاملين كانوا يميلون لتونكا. و ربما لم يكن يفهم ماذا يقول بالضبط، و لكنه على وعي تام بما يقول. لقد كانوا يحبونه لأنه ليس مفرط الذكاء. و ارتفعت أسهم شعبية تونكا على الأرجح لأنه ساعد الآخرين على عدم اكتشاف كم هم حمقى و تافهين. لقد كانت المسألة مسألة تكاتف. على الأقل لم يكونوا معوقين عقليا. و لو أنهم اقترفوا الكثير من الأعمال الشائنة فقد غضوا الطرف عن عته غيرهم. كان الناس أغبياء و لم يكن أمامها من خيار. لقد رأت تونكا على الكاميرا و هو ينفث سمومه و يقول للجمهور إنه أمامهم 48 ساعة ليتخلصوا منه أو أن الشريط سيذهب إلى شركة TMZ.

و هكذا تخلصوا منه، لانقاذ العلاقات العامة من مصدر " الشقاء القديم" و مع ذلك ألقى الجميع اللوم عليها. و كما قال أحد الأغبياء:" كانت الحالة أفضل حينما كنا نفكر به على أنه رجل طيب".

و الآن اتضحت لها المسألة بكافة جوانبها. ربما ذلك المأفون ميت، مثل كل الآخرين في ذلك البرنامج و هذا العالم. باضطراد يبدو الأمر كأنها الوحيدة المتبقية على قيد الحياة في هذا الظلام المعقد الذي يرخي سدوله. فتحت نافذة و صاحت منها لكن ما من شيء يحدث. الفراغ هو الذي يملأ المسافات. ليس حدود المباني، و لا الحوامات التي تزأر أحيانا، و ليس ذباب الفاكهة التي تحفر قشور الموز في سلة نفاياتها. كل هذه الأشياء التي تكرهها تسعى في سبيلها الآن. الذباب و نحلات السيدة روبير و الجيران المزعجون الذي يتكلمون عن " رجال مجانين".

تسلقت النافذة و جلست على منفذ النجاة من الحريق. ربما مرض أحدهم من العالم و قرر أن ينهيه. و من الممكن أن يكون الرجال المجانين الذين يحبون قتل النساء و الأطفال في بلدان أخرى قد أطلقوا قنابل صوتية سوف تبتلع كل الأوكسجين المتوافر و معه هي ذاتها، و لسبب مجهول، لا تزال هي وحدها على قيد الحياة. و لكن لماذا لم تسمع صوت الانفجار المرتفع؟. و لماذا لم تتأذى؟ إنها ليست ويل سميث. هذه القيامة الملحمية محض هراء. يا له من مصدر للطمأنينة أن تكون صناعة بشرية و لكن أيضا إنه مصدر للسعادة أن تكون شيئا طبيعيا.

إذاً

ما

هذا

الهراء

صاحت و لكن هل يمكن للحياة أن تنزلق من جوارك هكذا. كما تبتعد عن حفلة عشاء عيد ميلاد قبل أن تأتي فاتورة الحساب؟. إنها لا تعلم الجواب المناسب.

من الممكن أنه وقع عليها الاختيار لتعيش لأنها عانت كثيرا في حياتها، من الحموضة، من المدراء الاستغلاليين، من ذل سلوك أمها العاهرة التي تزوجت لاحقا ثم تابعت سلوكها المشين المستهتر ثم حصلت على الطلاق لتتزوج مجددا، من الألم الناجم عن حقيقة أنك وحدك القوي بما فيه الكفاية لتتمكن من طرد السيدة روبير التافهة و السخيفة، و الشجاعة اللازمة للانفصال عن تانير بعد أن كسب أولى قضية له بصفته محامي الدفاع. كان يعلم أن موكله مذنب و قد ابتسم لهذه الفكرة فهو يعمل على تحرير رجل مذنب من العقاب، حسنا، لم يكن بمقدورها أن تمحضه الحب بعد الآن.

" ما جريمته؟ ".

" لا يوجد".

" هل هذه الشمبانيا غير ممزوجة؟".

" لقد قتل زوجته".

" القانون لا يهتم بالحقيقة".

" توقف عن الهراء يا تانير".

لقد أتلفت احتفاله. و لم تكن متأكدة أنها أتلفته جوهريا بسبب حنقها الأخلاقي على سلوكياته أم لأنها تغار. كان سعيدا. و يجتهد ليكون ثريا. و كم رغبت أن تمحو الابتسامة من على وجهه لسبب أو آخر. و لم ترغب بتحطيم أواصر الود معه لو أنه خسر قضيته. كان بمقدورها أن تحبه لو أنه خاسر و لكن من الصعب أن تحب شخصا فوضويا و حاد الطباع و لو شئت الدقة يتحرك من فوق القانون.

قالت" تانير". منذ الانفصال، كانت تفكر به على الأقل مرة في اليوم. بينما هي تتابع سيرورتها اليومية، سواء هي شؤون هامة أم جانبية. فجأة تضغط على زناد تفكيرها فكرة عنه. و حالا تنظر في مفكرتها الإلكترونية لتتأكد كم هو الوقت. إنها تتنظر النهار ببالغ الصبر لتستيقظ و ترى أن هذه آخر ليلة تتذكر فيها تانير.

و لكن بما أن العالم حاليا مظلم، قررت أنه من المباح أن تفكر قليلا بتانير الذي استحوذ عليها. لم يكن لديها شعلة تعمل بالبطارية و لذلك لم تكن جاهزة لتنطلق في طريقها و تعمل على الالتقاء بالآخرين. لم يكن لديها صاحب. كانت وحدها. و ماذا تبقى لديها إلا أن تكون نرجسية باعتبار أنها الشخص الأخير الذي تبقى على وجه الأرض؟.

تنهدت و عادت بذاكرتها لتلك الليلة. لقد كان فحلا رائعا مع جعته المستوردة و ربطة عنقه المرتخية و وجهه المتعرق و شعره الغزير. لقد زعقت أمامه بصوت مرتفع حتى بح صوتها. وطلب منها بطريقة سخيفة أن ترفع صوتها و تحدث معها كيف أن الله وحده يمكن أن يكون إلها. و كيف أنه لا يرتبط أخلاقيا إلا مع زبائنه. و لا ينتبه لصوت الحقيقة. ثم تشاجرا في المطعم و في النهاية ذهبا إلى موقف السيارات و تابعا المشاحنة هناك و دخلا في السيارة و لم يتوقفا فيها عن التشاحن. ثم انطلق بالسيارة.

" أعتقد أنك تريدين أن تفسدي هذه الليلة".

" لقد انزعجت لأنك تسمح لبعض الناس بالإفلات من جريمة و أنا أنظر بلا حول و لا طول. هل فهمتك جيدا يا تانير".

" يا للمسيح، يا هيلين، أنت صديقتي و هذه أكبر قضية أربحها في حياتي. إنها قضيتي. قضيتي".

" و ماذا عن المرأة التي لقت حتفها".

" و لكنها حمقاء لاقت مصيرها المحتوم".

قبضت هيلين على المقود و اتجهت به يمينا ثم ابتعدا عن الطريق و ضربا شجرة. معظم الرجال يتوقفون مباشرة في مثل هذه الحالات، و لكن ليس تانير. أول ردة فعل له أنه أمسك بها و ضغط على يديها و سألها هل هي على ما يرام. و اعتذر منها و بدأ يبكي لأنه أخطأ معها. و سمحت له بذلك. ثم انتصب بقامته و صاح آ، آ، آ، و اخترع قصة عن حادثة كاد يصدم بها غزالا و لكنه ضربه: يا له من كذاب. كم هو كذاب مبدع و هذا شأنه دائما. انظروا للطريقة التي يكذب بها أمام المحلفين في المحكمة، ألا يكذب إذاً على نفسه. و لكنه كان يحبها. جلس في المقعد الأوسط و هكذا لم يكن من المفروض على هيلين أن تجلس على المقعد المجاور للسائق.

و حينما وصلا للبيت طلبت منه الانصراف. قالت له:" فكر على هذا النحو. بما إنك رجل ناضج لا يجب عليك أن تعيش في بيت يشبه مكب نفايات مثل هذا البيت".

ناح طويلا و توقف في النهاية عن النواح و بدأ بالبحث عن مكان له بواسطة الإنترنت. و ذكر في الاستمارة أنه متزوج و عمله منتعش و سيارته بحالة جيدة لأنه لا يقترن بمجنونة خرقاء لقيطة تقودها و ترتطم بالأشجار الموزعة على جوانب الطرقات. كانت طيبة. بطريقة ما، شعرت بالحزن حينما غاب عن تفكيرها لقليل من الوقت. فهو أعظم اكتشاف مر بها في حياتها.

مدت يدها إلى جيبها لتتناول منديلا. و سحبت شيئا أخشن من منديل، قطعة ورق من كيس خضار. رمشت بعينيها. و التمعت الكلمات ببطء مثل غيمة بيضاء منفوخة تبرق في الظلام المدلهم قليلا. و قرأت سطرين:

إلى هيلين.

أنت الآن ممنوعة

الممنوعة؟. هل هذا خطأ مطبعي؟ هل هذه رسالة قديمة من أولاد وصلوا مؤخرا إلى الحي؟. من يمنعها؟. و من وضع هذه الرسالة في جيبها؟. مَن مِن بين جيرانها لديه هذه المهارة ليفككر بالانتقام منها بطريقة بائسة؟. ربما أرادوا أن يكتبوا:

إلى هيلين،

أنت جزء من الفرقة(1)

في ذلك منطق و لكن هل هذا منطق مفهوم؟. ما هي الفرقة اللعينة التي هي معها؟. من كتب ذلك؟. و كيف وصلت لجيبها؟. شعرت بالخوف، كما لو أنها في قطار الأنفاق وحدها، كما لو أنها تدنو من ساعة موتها. ثم نهضت. من الحماقة أن تعود من منفذ النجاة في هذا الظلام المخيم فأي وجه في الليل سوف يعتقد الجيران أنه لعاهرة ويسبب لهم الانزعاج أو الإحراج. و تنفست مثل شخصية متخيلة.

و قالت:" الآن أفضل" و فكرت بالأطفال المرحين، و الأطفال البدينين، و الأشقياء و المخنثين، بالطريقة التي تكذب بها أمريكا عليهم علنا في لوحات الإعلانات. أحيانا هذا يحسن من حالتك النفسية. و أحيانا تصبح ملعونا و ممنوعا.

عادت إلى الشقة و انهارت على ركبتيها. لم تفعل ذلك منذ كانت في الصف الثاني، حينما اشتركت مع ستيفين ميلي في مسابقة العربات المتدحرجة.

طلب منها ستيفين كيلي أن تأخذ مكانها في الأسفل على الأرض و أصر أن يكون هو الواقف على قدميه، السائق. كان شخصا أرعن متنمرا، إنه ستيفين كيلي. نظرت حولها و شاهدت كل البنات الأخريات واقفات، و بوضعية سائق. و كانت هذهأإول مرة تنتابها المشاعر بالإهانة.

و بعد نهاية السباق، أفلت ستيفين كيلي ساقيها فضربتا الرمل بقوة و ارتطمت مؤخرتها بصخرة كانت في الرمال فصاحت. و لكن كان ستيفين قد ابتعد عنها. حتى أنه لم يسمع تأوهاتها.

وقفت. هذه شقتها. بالتأكيد تستطيع أن تجد هنا طريقها حتى في الظلام. تلمست ورق الجدران و تعرفت على الشق الذي لم ترممه السيدة روبير و شعرت بالامتنان لهذا الأثر. وصلت تقريبا إلى المطبخ حينما سمعتها، ضحكة مرتفعة. تصدر عن إنسان. ثم ضحكة إنسان آخر. هناك ناس في مطبخها و هكذا بدأت ترتعد. كيف أمكن لهؤلاء الجيران أن يسرقوا مفتاحها؟. من السيدة روبير. يا لها من عاهرة.

لقد عثروا على ماكينة البطاقات الأوتوماتيكية و ها هم يلهون بها. إنهم يلعبون اذهبي يا سمكة حسب ظنها، لقد منيت بالخذلان. هذا ليس يوم القيامة و لم يقع عليها الاختيار. إنها ليست ويل سميث. إنها نفسها البنت الهامشية كما كانت دائما، مؤخرة حمقاء خشنة مبالغ بها سوف ينتهي أمرها بغزو منزلها. الناس يضحكون. الناس بكرهونها فعلا. و لا تعلم لماذا تجتذب الأعداء عوضا عن الأصدقاء.

اقتربت قليلا من الباب. و أصبح بوسعها أن تشم رائحة الخبز المدهون بالثوم فشعرت بالجوع. سوف تكون مهذبة مع الجيران. و سوف تخترع شيئا فظا حيال السيدة روبير و هكذا سوف يسامحونها لأنها طلبت طردها من عملها. و من الآن فصاعدا ستكون شخصية لطيفة. و ستستضيف الجيران للعب الورق و تطهو لهم اللاسانيا و تمضي ساعات من وقتها في الباحة لتلتقي بالجيران و ستغض النظر عن كلامهم غير المناسب أو الطريقة غير المناسبة في فتح الأبواب أو حتى لو أنهم انهمكوا بلعبة ضربات ألتون جونز القوية مرارا و تكرارا أو لو أنهم زينوا شرفاتهم بالجواهر المزيفة الخسيسة. و ستعقد صداقة مع هؤلاء الحمقى و لو أن ذلك آخر تصرف في حياتها.

هزت رأسها، كما لو أنها تنهي صفقة مع نفسها، و فتحت باب لمطبخ و كان النور مشتعلا. و هناك ناس. لكنهم ليسوا من جيرانها. و كانوا يلعبون اذهبي يا سمكة. و هم أربعة بالعدد.

قال رجل يشبه هتلر:" هل لديكم سبعة؟".

و رد رجل يشبه تونكا: " اذهبي يا سمكة".

دمدم هتلر ما يشبه شتيمة بالألمانية و مد يده لبطاقة. نظر تونكا للرجل الوسيم الذي لا يشبه شخصية شعبية معروفة أو رجلا عسكريا و قال:" هل لديك يا ستيفين سكيلي أية خمسة؟".

" و أنت يا تونكا؟".

" الخمسة هي رقم الحظ عندي".

قرض هتلر أسنانه و تناول قطعة توستيتو. و مضغها بفمه المفتوح و تظاهر أنه ينظر إلى الثلاجة و لكن كان من الواضح أنه يحاول سرقة نظرة من بطاقات تونكا. و استمرت اللعبة. و لم ينظروا لها. كان غير مرئي مثل بقايا اللاسانيا. قالت مرحبا و لكن لم يردوا. فمدت يدها إلى جيبها لتبحث عن لوح الملاحظات.

إلى هيلين

أنت الآن مع الممنوعين.

ربتت على كتف ستيفين كيلي و لكنه لم يتجاوب معها. فرقعت بأصبعها أمام شنب هتلر. لا شيء. مدت يدها إلى يد تونكا و لكنه أبعدها. تجملت بالصبر و سرعان ما نفد صبرها و بدأت بالصراخ. لم تحب أن يتجاهلها أحد. فصاحت بوجه هتلر لأنه وحش لعين و صاحت بوجه تونكا لأنه معاق أكثر مما يبدو عليه و صاحت بسكيلي لأنه يبدو مخادعا يرتدي البذة الخاكي.

و صاحت مجددا:" الأحمق الأرعن لمرة يكون أحمق و أرعن مرات".

وزعوا الأوراق و لم يتوقفوا عن اللعب. هذه اللعبة لن تنتهي. كان هتلر يقف على قدميه بين آن و آخر، و يضرب الطاولة بقبضته. و حاز تونكا على حظ جيد بالحصول على الخمسة و كان يجرع صودا العنب في كل مرة يلتقط بها ورقة من الطاولة. و دخل ستيفين كيلي في اللعبة و لكن بعد أن حاز على أعلى الأوراق.

و لم تتوسع حواراتهم. و اكتفوا بمناقشة اللعبة فقط. و حاولت أن تغادر، و لكن لم يكن هناك نوافذ و لم ينفتح باب المطبخ مجددا.

و شعرت بشيء من الاهتمام حيال اللعبة. و حاز تونكا على دور جنوني و ربح ثلاثة مرات متتاليات، و كم كان ذلك مثيرا. في أحد الأيام السابقة تعرفت على واحد من هؤلاء الشبان و كان يستريح قليلا ليأخذ منها نظرة مباشرة. و كان دورها يقتصر على أن تحافظ على مكانها في اللعبة و تحاول جهدها أن تتابع.



هوامش المترجم:


1- الأوريو نوع من شطائر الشوكولاتة مع القشدة. و التعبير يستخدم للأشارة لنوع انتهازي و متحول من الأفارقة الأمريكيين الذين يسعون ليلتحقوا بصفوف البيض.

2- هنا يوجد تلاعب باللفظ.ممنوع يلفظ banned و فرقة تلفظ band.


كارولاين كيبنيس Caroline Kepnes: قاصة و روائية أمريكية مولودة في كايب كودير و تعيش حاليا في لوس أنجليس. تكتب أيضا سيناريوهات بعض الأفلام. تنشر في بعض الصحف و المجلات المطبوعة و الإلكترونية. و الترجمة بإذن من الكاتبة.































































































































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow