Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب:أخبارالظراف والمتماجنين ابو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ج 1

ألف

خاص ألف

2013-12-31

بسم الله الرحمن الرحيم عونك اللهم الحمد لله الذي قسم الأذهان فأكثر وأقل ، وصلواته على محمد أشرف نبي أرشد ودل ، وعلى أصحابه وأتباعه ما أطل سحاب فطل وبل
أما بعد ؛ فلما كانت النفس تمل من الجد ، لم يكن بأس بإطلاقها في مزح ترتاح به
1 - كان الزهري يقول : هاتوا من أشعاركم ، هاتوا من طرفكم ، أفيضوا في بعض ما يخف عليكم وتأنس به طباعكم
2 - وقد كان شعبة يحدث الناس ، فإذا تلمح أبا زيد النحوي في أخريات الناس ، قال : يا أبا زيد ( استعجمت دار نعم ما تكلمنا ** والدار لو كلمتنا ذات أخبار ) !
3 - وقال حماد بن سلمة : لا يحب الملح إلا ذكران الرجال ، ولا يكرهها إلا مؤنثوهم
4 - عن بكر بن عبد الله المزني ، قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطيخ ، فإذا كانت الحقائق كانوا الرجال
5 - قال قبيصة : كان سفيان مزاحا ، ولقد كنت أجيء إليه مع القوم فأتأخر خلفهم مخافة أن يحيرني بمزاحه
6 - قال سفيان بن عيينة : أتينا مرة مسعر بن كدام ، فوجدناه يصلي ، فأطال الصلاة جدا ، ثم التفت إلينا متبسما ، فأنشدنا : ( ألا تلك عزة قد أقبلت ** ترفع نحوي طرفا غضيضا تقول : مرضنا فما عدتنا ** وكيف يعود مريض مريضا ) قال : فقلت : رحمك الله ، بعد هذه الصلاة هذا ! قال : نعم ! مرة هكذا ومرة هكذا
7 - قلت : وقد بلغني عن جماعة من الفطناء والظرفاء حكايات تدل على قوة فهومهم ، فسماعها يشحذ الذهن ، وينبه الفهم ، فأحببت أن أذكر منها طرفا

8 - وبلغني عن جماعة من المجون ما يتفرج فيه
ومعنى المجون : صرف اللفظ عن حقيقته إلى معنى آخر ، وذلك يدل على قوة الفطنة
فكتبت من ذلك في هذا الكتاب طرفا
وقد قسمته ثلاثة أبواب : الباب الأول : فيما ذكر عن الرجال
الباب الثاني : فيما ذكر عن النساء
الباب الثالث : فيما ذكر عن الصبيان
والله الموفق

***


الباب الأول

فيما ذكر عن الرجال قد قسمت هذا إلى خمسة أقسام : أحدها : ما يروى من ذلك عن الأنبياء عليهم السلام
والثاني : ما يروى عن الصحابة
والثالث : ما يروى عن العلماء والحكماء
والرابع : ما ما يروى عن العرب
والخامس : ما يروى عن العوام .


القسم الأول

فيما يروى عن الأنبياء عليهم السلام 22 - عن محمد بن كعب القرظيّ ، قال : جاء رجل إلى سليمان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال : يا نبي الله ! إن لي جيراناً يسرقون إوزّي ، فنادى : الصلاة جامعة ؛ ثمّ خطبهم ، فقال في خطبته : واحدكم يسرق إوزّة جاره ، ثمّ يدخل المسجد والرّيش على رأسه ! فمسح رجلٌ رأسه ، فقال سليمان : خذوه ، فإنّه صاحبكم
23 - قلت : وذكروا في الإسرائيليات أنّ الهدهد جاء إلى سليمان ، فقال : أريد أن تكون في ضيافتي ، فقال سليمان : أنا وحدي ؟ فقال : لا ! بل أنت والعسكر ، في يوم كذا ، على جزيرة كذا ؛ فلمّا كان ذلك اليوم ، جاء سليمان و عسكره ، فطار الهدهد ، فصاد جرادةً ، فخنقها ، ورمى بها في البحر ، وقال : كلوا ، فمن لم ينل من اللّحم نال من المرقة ؛ فضحك سليمان من ذلك وجنوده حولاً كاملاً
24 - عن أبي هريرة ، قال : قال رجل : يا رسول الله ! إن لي جاراً يؤذيني ، فقال : ' انطلق ، فأخرج متاعك إلى الطريق ' فأنطلق ، فأخرج متاعه ، فاجتمع الناس عليه ، فقالوا : ما شأنك ؟ فقال : لي جارٌ يؤذيني ، فذكرت ذلك للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال : ' انطلق ! فأخرج متاعك إلى
الطريق ' ، فجعلوا يقولون : اللهّم العنة ، اللّهم اخزه ؛ فبلغه ، فأتاه ، فقال : ارجع إلى منزلك ، فوالله لا أؤذيك
25 - قال محمد بن إسحاق : لما خرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى بدر ، خرج هو ورجلٌ آخر تبعه ، فرأيا رجلاً ، فسألاه عن قريش وعن محمد وأصحابه ، فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما ؛ فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' إذا أخبرتنا أخبرناك ' فقال الشيخ : بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا ، وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا
ثم قال : ممن أنتم ؟ فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' نحن من ماء ' وكان العراق يسمى ماءً ، فأوهمه أنّه من العراق ، وإنّما أراد أنّه خلق من نطفة
26 - وقال الحسن البصري : جاء رجلٌ إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] برجلٍ قد قتل حميماً له ، فقال له : ' أتأخذ الدية ؟ ' قال : لا ، قال ' أفتعفو ! ؟ ' قال : لا ، قال : ' اذهب فاقتله ' ، فلما جاوزه ، قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' إن قتله فهو مثله ' فأخبر الرجل ، فتركه
قال ابن قتيبة : لم يرد أنّه مثله في المأثم ، إنّما أراد أنّ هذا قاتلٌ وهذا قاتلٌ ، إلاّ أنّ الأوّل ظالمٌ والثاني مقتص
27 - قال خوّات بن جبير : نزلت مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مرّ
الظهران ، فخرجت من خبائي ، فإذا نسوةٌ يتحدّثن ، فأعجبنني ، فرجعت ، فأخرجت حلةٌ لي من عيبتي ، فلبستها ، ثم جلست إليهن ، وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من قبته ، فقال : ' أبا عبد الله ! ما يجلسك إليهنّ ؟ ' قال : فهبت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقلت : يا رسول الله ! جملٌ لي شرودٌ ، أبتغي له قيداً
قال : فمضى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، وتبعته ، فألقى إليّ رداءه ، ودخل الأراك ، فقضى حاجته ، وتوضأ ، ثمّ جاء ، فقال : ' أبا عبد الله ! ما فعل شرادُ جملك ؟ ' ثمّ ارتحلنا ، فجعل لا يلحقني في الميسر إلا قال : ' السلام عليكم أبا عبد الله ، ما فعل شراد جملك ؟ '
قال : فتعجلت إلى المدينة ، فاجتنبت المسجد ومجالسة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فلما طال ذلك عليّ تحيّنت ساعة خلوة المسجد ، [ ثم أتيت المسجد ] ، فجعلت أصلي ، فخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من بعض حجره ، فجاء ، فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم جلس ، وطولت رجاء أن يذهب ويدعني ، فقال : ' طوّل أبا عبد الله ما شئت ، فلست بقائم حتّى تنصرف ' فقلت : والله لأعتذرنّ إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، ولأبرئن صدره ؛ فانصرفت ، فقال : ' السلام عليكم أبا عبدالله ، ما فعل شرادُ الجمل ؟ '
فقلت : والذي بعثك بالحق ما شرد ذاك الجمل منذ أسلمت ، فقال : ' رحمك الله ' مرتين أو ثلاثاً ، ثم أمسك عني ، فلم يعد

28 - عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، قال : كان بالمدينة رجلٌ يقال له : نعيمان ، وكان لا يدخل المدينة طرفة إلاّ اشترى منها ، ثمّ جاء بها إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال : يا رسول الله ! هذا أهديته لك ؛ فإذا جاء صاحبه ، فطالب نعيمان بثمنه ، جاء به إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال : يا رسول الله ! اعطِ هذا ثمن متاعه ، فيقول رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' أو لم تهده لي ؟ ' فيقول : يا رسول الله ! والله لم يكن عندي ثمنه ، ولقد أحببت أن تأكله ؛ فيضحك رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، ويأمر لصاحبه بثمنه

القسم الثاني

فيما يروى عن الصحابة 29 - عن أنس ، قال : لما هاجر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، كان يركب ، وأبو بكر رديفه ، وكان أبو بكر يعرف لاختلافه إلى الشام ، فكان يمرّ بالقوم ، فيقولون : من هذا بين يديك يا أبا بكرٍ ؟ فيقول : هذا يهديني
30 - عن عبد الجبار بن صيفي ، عن جدّه ، قال : إنّ صهيباً قدم على النبيّ [ صلى الله عليه وسلم ] ، وبين يديه تمرٌ وخبزٌ ، فقال : ' ادن فكل '
قال : فأخذ يأكل من التمر ، فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : ' إنّ بعينك رمداً ' فقال : يا رسول الله ! أنا آكل من الناحية الأخرى ؛ فتبسم النبي [ صلى الله عليه وسلم ]
31 - عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : وفدت على عمر بن الخطاب حللٌ من اليمن ، فقسمها بين الناس ، فرأى فيها حلّة رديئة ، فقال : كيف أصنع بها ؟ إن أعطيتها أحداً لم يقبلها إذا رأى هذا العيب فيها ؛ فأخذها ، فطواها ، فجعلها تحت مجلسه ، فأخرج طرفها ، ووضع الحلل بين يديه ، فجعل يقسم بين الناس ، فدخل الزبير بن العوّام وهو على تلك الحال ؛ قال : فجعل ينظر إلى تلك الحلة ، فقال : ما هذه الحلة ؟ قال عمر : دع هذه عنك
قال : ما هيه ، ما هيه ، ما شأنها ؟ قال : دع هذه عنك
قال : فأعطينيها ؛ قال : إنّك لا ترضاها
قال :
بلى ! قد رضيتها ؛ فلما توثّق منه واشترط عليه أن يقبلها ولا يردّها ، رمى بها إليه ؛ فلمّا أخذها الزّبير ، ونظر إليها ، إذا هي رديئةٌ ، فقال : لا أريدها ؛ فقال عمر : أيهات ، قد فرغت منها ؛ فأجازه عليها وأبى أن يقبلها منه
32 - عن حنش بن المعتمر أن رجلين أتيا امرأة من قريش ، فاستودعاها مئة دينار ، وقالا : لا تدفعيها إلى واحدٍ منا دون صاحبه حتى نجتمع ، فلبثا حولاً ، فجاء أحدهما إليها ، فقال : إنّ صاحبي قد مات ، فادفعي إلىّ الدنانير ؛ فأبت ، [ وقالت : إنّكما قلتما لا تدفعيها إلى واحدٍ منّا دون صاحبه ، فلست بدافعتها إليك ؛ فتثقّل عليها بأهلها وجيرانها ، ] فلم يزالوا بها حتّى دفعتها إليه
ثمّ لبثت حولاً ، فجاء الآخر ، فقال : ادفعي إليّ الدنانير ؛ فقالت : إنّ صاحبك جاءني ، فزعم أنّك متّ ، فدفعتها إليه ؛ فاختصما إلى عمر بن الخطاب ، فأراد أن يقضي عليها ، فقالت : أنشدك الله أن تقضي بيننا ، ارفعنا إلى عليّ ؛ فرفعهما إلى عليّ ، فعرف أنّهما قد مكرا بها ، فقال : أليس قلتما : لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه ؟ قال : بلى ؛ فقال عليّ : مالك عندنا ، فجئ بصاحبك حتى تدفعها إليكما
33 - عن أسامة بن زيدٍ ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كان عمر بن الخطّاب يعدّ للنّاس خرقاً وخيوطاً ؛ فإذا أعطى الرجل عطاءه
في يده أعطاه خرقةً وخيطاً ، وقال له : اربط ذهبك ، وأصلح مويلك ، فإنّك لا تدري كم يدوم هذا لك ! فأدخل عليه رجلٌ يقاد ؛ فأعطاه ، فكأنه استقله ، فقال عمر لقائده : اخرج به ؛ فخرج به ، ففرشها ، ثمّ دعاه ، فقال : خذ هذه كلّها ؛ فجمعها ، وخرج فرحاً
34 - عن عبد الله بن عاصم بن المنذر ، قال : تزوّج عبد الله بن أبي بكر الصديق عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ، وكانت حسناء ، ذات خلقٍ بارعٍ ، فشغلته عن مغازيه ، فأمره أبوه بطلاقها ، فطلّقها ؛ وقال : ( ولم أر مثلي طلّق اليوم مثلها ** ولا مثلها في غير جرمٍ تطلّق ) فرق له أبوه ، وأمره فراجعها ، ثمّ ثم شهد مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] غزاة الطائف ، فأصابه سهمٌ ، فمات منه ، فقالت عاتكة : ( رزيت بخير الناس بعد نبيهم ** وبعد أبي بكرٍ وما كان قصّرا وآليت لا تنفك عيني حزينةً ** عليك ولا ينفك جلدي أغبرا فللّه فلله عيناً من رأى مثله فتىّ ** أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا إذا شرعت فيه الأسنّة خاضها ** إلى الموت حتى حتى يترك الرمح أحمرا ) ثم تزوّجها عمر بن الخطاب ، فأولم ، وكان فيمن دعا علي بن أبي طالب ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ! دعني أكلم عاتكة ؛ فقال : كلّمها ؛ فأخذ عليّ بجانب الخدر ، ثم قال ؛ يا عديّة نفسها : ( وآليت لا تنفك عيني قريرةً ** عليك ولا ينفك جلدي أصفرا )
فبكت ، فقال عمر : ما دعاك إلى هذا ؟ كل النساء يفعل هذا
35 - قال يهودي لأمير المؤمنين علي : ما دفنتم نبيكم حتى قالت الأنصار : منّا أميرٌ ومنكم أميرٌ ! فقال له عليٌ : أنتم ما جفّت أقدامكم من البحر حتى قلتم : اجعل لنا إلهاً ! 36 - عن أبي مليكة ، قال : قال ابن الزبير لابن جعفر : أتذكر إذ تلقينا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، أنا وأنت وابن عباس ، قال : نعم ، فحملنا وتركك
37 - عن أبي رزين ، قال : سئل العباس : أنت أكبر أم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ؟ قال : هو أكبر مني ، وأنا ولدت قبله
38 - عن مجاهد ، قال : بينا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في أصحابه ، إذ وجد ريحاً ، فقال : ' ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ ' ، فاستحيا الرجل ، ثمّ قال : ' ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ ، فإن الله لا يستحيي من الحق ' فقال العباس : ألا نقوم ، يا رسول الله ؛ كلنا نتوضأ ؟ 39 - عن ابن عباس : وروي مثل هذه القصة في خلافة عمر ، فقال جرير : يتوضأ القوم كلهم ؟ فقال عمر : نعم السّيد كنت في الجاهلية ، ونعم السيد أنت في الإسلام

40 - عن عكرمة ، أن عبد الله بن رواحة كان مضطجعاً إلى جنب امرأته ، فخرج إلى الحجرة ، فعرف جارية له ، فانتبهت المرأة ، فلم تره ، فخرجت ، فإذا هو يعرف الجارية ، فرجعت فأخذت شفرةً ، فلقيها ومعها الشفرة ، فقال : مهيم ؟ فقالت : مهيم ! أما إنّي لو وجدتك حيث كنت لوجأتك بها ؛ قال : وأين كنت ؟ قالت : تعرفها
قال : ما كنت ! قالت : بلى ! قال : فإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] نهانا أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب ؛ فقالت : اقرأه ؛ فقال : ( أتانا رسول الله يتلو كتابه ** كما لاح مشهودٌ من الصبح ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ** به موقناتٌ أنّ ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ** إذا استثقلت بالكافرين المضاجع ) قالت : آمنت بالله وكذبت بصري
قال : فغدوت إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فأخبرته ، فضحك حتى بدت نواجذه
41 - عن أم سلمة ، قالت : خرج أبو بكر في تجارةٍ إلى بصرى قبل موت رسول الله بعام ، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة ، وكانا قد شهدا بدراً ، وكان نعيمان على الزّاد ، وكان سويبط رجلاً مزاحاً ، فقال لنعيمان : أطعمني ! قال : حتى يجيء أبو بكرٍ ؛ قال : أما لأغيظنّك
قال : فمروا بقومٍ ، فقال لهم سويبط : تشترون مني عبداً لي ؟ قالوا : نعم ؛ قال : إنّه عبد له كلامٌ ، فهو قائل لكم : إنّي حرٌ ، فإن
كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا علي عبدي ! قالوا : لا ؛ بل نشتريه منك
قال : فاشتروه بعشر قلائص
قال : ثم أتوه ، فوضعوا في عنقه عمامةً أو حبلاً ، فقال نعيمان : إن هذا يستهزئ بكم ، وإني حرٌ ولست بعبد ! فقالوا : قد أخبرنا خبرك ؛ فانطلقوا به ، فجاء أبو بكرٍ ، فأخبروه بذلك ، فاتبع القوم ، فردّ عليهم القلائص ، وأخذ نعيمان ؛ فلمّا قدموا على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أخبروه ، فضحك النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه منه حولاً
42 - عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب استعمل المغيرة بن شعبة على البحرين ، فكرهوه ، فعزله عنهم ، فخافوا أن يردّه ، فقال دهقانهم : اجمعوا مئة ألف درهم حتى أذهب بها إلى عمر وأقول له : إن المغيرة اختان هذا ودفعه إليّ ؛ ففعلوا ، فأتى عمر ، وقال : إنّ المغيرة اختان هذا ودفعه إليّ ؛ فدعا عمر المغيرة ، وقال : ما يقول هذا ؟ قال : كذب ! إنما كانت مئتي ألف ! قال : فما حملك على ذلك ؟ قال : العيال والحاجة
فقال عمر للعلج : ما تقول ؟ قال : والله لأصدقنّك ! والله ما دفع إلي قليلاً و لا كثيراً ! فقال عمر للمغيرة : ما أردت إلى هذا ؟ قال : الخبيث كذب عليّ ، فأحببت أن أخزيه

43 - عن نافعٍ ، قال : كان عبد الله بن عمر يمازح مولاة له ، فيقول لها : خلقني خالق الكرام وخلقك خالق اللئام ! فتغضب وتصيح وتبكي ، ويضحك عبد الله
44 - مازح معاوية الأحنف ، فقال : يا أحنف ! ما الشيء الملفف في البجاد ؟ قال : هو السخينة
أراد معاوية قول الشاعر : ( إذا ما مات ميتٌ من تميم ** فسرك أن يعيش فجئ بزادٍ بخبزٍ أو بسمنٍ أو بزيتٍ ** أو الشيء الملفّف في البجاد ) يريد وطب اللبن
والبجاد : كساءٌ يلف فيه ذلك
وأراد الأحنف ب ' السخينة ' أن قريشاً كانوا يأكلونها ويعيّرون بها ، وهي أغلظ من الحساء وأرق من العصيد ، وإنّما تؤكل في كلب الزمان وشدة الدهر
45 - وكان بين يدي معاوية ثريدةٌ كثيرةُ السمن ، ورجلٌ يواكله ، فخرقه إليه ، فقال له : ! ( أخرقتها لتغرق أهلها ) ! [ 18 سورة الكهف / الآية : 71 ]
فقال : ! ( فسقناه إلى بلد ميت ) ! [ 35 سورة فاطر / الآية : 9 ]

46 - ولمّا قدم معاوية حاجاً تلقّته قريشٌ بوادي القرى ، وتلقّته الأنصار بأجزاع المدينة ، فقال لهم : ما منعكم أن تلقوني حيث تلقتني قريشٌ ؟ قالوا : لم يكن دوابٌ ؛ قال : فأين النواضحٌ ؟ قالوا : أنضيناها يوم بدرٍ في طلب أبي سفيان
47 - وقال معاوية لعقيل : إن فيكم لشبقاً يا بني هاشم ! قال : هو منّا في الرجال ، وهو منكم في النساء
48 - عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جده ، قال : شهدت مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقتلت رجلاً ، وضربني ضربةً ، فتزوّجت بابنته بعد ، فكانت تقول : لا عدمتُ رجلاً وشحك هذا الوشاح ؛ فأقول : لا عدمت رجلاً عجّل أباك إلى النار
49 - قال معاوية لعبد الله بن عامر : إن لي إليك حاجةٌ ، أتقضيها ؟ قال : نعم ! ولي إليك حاجةٌ ، أتمضيها ؟ قال : نعم ؛ قال : سل حاجتك ، قال : أريد أن تهب لي دورك وضياعك بالطائف ؛ قال : قد فعلت ؛ قال : وصلتك رحمٌ ، فسل حاجتك ؛ قال : أن تردها عليّ ؛ قال : قد فعلت

50 - قال رجلٌ لأبي الأسود الدؤلي : أشهد معاوية بدراً ؟ فقال : نعم ، من ذاك الجانب
51 - روى سعيدٌ المقبري ، عن أبي هريرة ، أنّه قال : ' لا يزالً العبدُ في صلاةٍ ما لم يحدث ' فقال رجلٌ من القوم أعجمي : ما الحدثُ يا أبا هريرة ؟ قال : الصوت ، قال : وما الصوت ؟ فجعل أبو هريرة يضرط بفيه حتى أفهمه

القسم الثالث

فيما يروى عن العلماء والحكماء 52 - عن شيخ من قريش ، قال : عرض شريحٌ ناقةً لبيعها ، فقال له المشتري : يا أبا أميّة ! كيف لبنها ؟ قال : احلب في أيّ إناءٍ شئت ؛ قال : كيف الوطاء ؟ قال : افرش ونم ؛ قال : فكيف نجاؤها ؟ قال : إذا رأيتها في الإبل عرفت مكانها ؟ قال : كيف قوتها ؟ قال : احمل على الحائط ما شئت
فاشتراها ، فلم ير شيئاً مما وصفها به ، فرجع إليه ، فقال : لم أر شيئاً مما وصفتها به ! قال : ما كذبتك ؛ قال : أقلني ؛ قال : نعمٌ
53 - عن أبي القاسم السلمي ، عن غير واحدٍ من أشياخه ، أن شريحاً خرج من عند زيادٍ وهو مريضٌ ، فأرسل إليه مسروقٌ بن الأجدع رسولاً ، فقال : كيف تركت الأمير ؟ قال : تركته يأمر وينهى
قال : يأمر بالوصية وينهي عن النياحة
54 - عن زكرياء بن أبي زائدة ، قال : كنت مع الشعبي في
مسجد الكوفة ، إذ أقبل حمّال على كتفه كودن ، فوضعه ، ودخل إليه ، فقال : يا شعبي ! إبليس كانت له زوجةٌ ؟ قال : ذاك عرسٌ ما شهدته ، قال : هذا عالم العراق يسأل عن مسألةٍ فلا يجيب ! فقال : ردّوه ، نعم له زوجةٌ ، قال الله عز وجل : ! ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) ! [ 18 سورة الكهف / الآية : 50 ] ولا تكون الذّرّيّة إلا من زوجةٍ
قال : فما كان اسمها ؟ قال : ذاك إملاكٌ ما شهدته
55 - عن عبد الله بن عياش ، قال : جلس الشعبي على باب داره ذات يوم ، فمرّ به رجلٌ ، فقال : أصلحك الله ! إني كنت أصلي ، فأدخلت إصبعي في أنفي ، فخرج عليها دمٌ ، فما ترى : أحتجم أم افتصد ؟ فرفع الشعبي يديه ، وقال : الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة
56 - أقر رجلٌ عند شريح ، ثم ذهب لينكر ، فقال له شريحٌ : قد شهد عليك ابن أخت خالتك
57 - روى عامرٌ الشعبي يوماً : أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، قال : ' تسحروا ، ولو أن يضع أحدكم إصبعه على التراب ثمّ يضعه في فيه '
فقال رجلٌ : أيّ الأصابع ؟ فتناول الشعبيّ إبهام رجله ، وقال : هذه

58 - ولقيه رجلٌ وهو واقفٌ مع امرأةٍ يكلّمها ، فقال الرجل : أيّكما الشّعبيّ ؟ فأومأ الشعبيّ إلى المرأة ، وقال : هذه
59 - وسأله رجلٌ عن المسح على اللّحية في الوضوء ، فقال : خلّلها بأصابعك
فقال : أخاف أن لا تبلّها ! قال : فانقعها من أوّل اللّيل
60 - ودخل الشعبي على عبد الملك ، فقال له : كم عطاءك ؟ قال : ألفي درهم
فقال : لحن العراقي ؛ ثم رد عليه ، فقال : كم عطاؤك ؟ قال ألفاً درهم
قال : ألم تقل : ألفي درهم ! فقال : لحن أمير المؤمنين فلحنت ، لأني كرهت أن يكون راجلاً وأكون فارساً
61 - ودخل الشعبي الحمام ، فرأى داود الأوديّ بلا مئزر ، فغمض عينيه ، فقال له داود : متى عميت يا أبا عمرو ؟ قال : منذ هتك الله سترك
62 - وجاء رجلٌ إلى الشعبي ، فقال : اكتريت حماراً بنصف درهم ، وجئتك لتحدّثني ؛ فقال له : أكتر بالنصف الآخر وارجع ، فما أريد أن أحدثك
63 - وقيل للشعبي : هل تمرض الروح ؟ قال : نعم ! من ظل الثقلاء

64 - قال بعض أصحابه : فمررت به يوماً وهو بين ثقيلين ، فقلت : كيف الروح ؟ قال : في النزع
65 - قال أبو عبد الله الأسناطي : لما نزل في عين سعيد بن المسيب الماء ، قيل له : اقدحها ، فقال : فعلى من أفتحها
66 - كان إبراهيم النّخعي إذا طلبه إنسانٌ لا يحبّ لقاءه ، خرجت الخادم فقالت : اطلبوه في المسجد
67 - عن جرير ، قال : جئت الأعمش يوماً ، فوجدته قاعداً في ناحيةٍ ، وفي الموضع خليجٌ من ماء المطر ، فجاء رجلٌ عليه سواد ، فرأى الأعمش وعليه فروةٌ ، فقال : قم عبرني هذا الخليج ؛ وجذب بيده ، فأقامه ، وركبه ، وقال : ! ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) ! [ 43 سورة الزخرف / الآية 13 ]
فمضى به الأعمش حتى توسط الخليج ، ثم رمى به ، وقال : ! ( وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) ! [ 23 سورة المؤمنون / الآية : 29 ]
ثمّ خرج ، وتركه يتخبّط في الماء

68 - عن الهيثم بن عدي ، قال : قيل للأعمش : ممّ عمشت عيناك ؟ قال : من النظر إلى الثقلاء
69 - قال الأعمش : وقال جالينوس : لكل شيءٍ حمى ، وحمى الروح النظر إلى الثقلاء
70 - قال شريك : سمعت الأعمش يقول : إذا كان عن يسارك ثقيلٌ وأنت في الصلاة ، فتسليمة عن اليمين تجزءك
71 - قال إسحاق الأزرق : قال : رجلٌ للأعمش : كيف بتّ البارحة ؟ قال : فدخل ، فجاء بحصير ووسادة ، ثم استلقى ، وقال : كذا
72 - قال سعيد الورّاق : كان للأعمش جارٌ ، كان لا يزال يعرض عليه المنزل ؛ يقول : لو دخلت فأكلت كسرةً وملحاً ؟ فيأبى عليه الأعمش ، فعرض عليه ذات يوم ، فوافق جوع الأعمش ، فقال : مرّ بنا ؛ فدخل منزله ، فقرّب إليه كسرةً وملحاً ؛ إذ سأل سائلٌ ، فقال له ربّ المنزل : بورك فيك ، فأعاد عليه المسألة ، فقال له : بورك فيك ؛ فلما سأل الثالثة ، قال له : اذهب ، وإلا والله خرجت إليك بالعصا ! قال : فناداه الأعمش : اذهب ويحك ! ولا والله ما رأيت أحداً أصدق مواعيد منه ، هو منذ سنةٍ يعدني على كسرةٍ وملح ، ولا والله ما زادني عليهما
73 - قال الأعمش لجليسٍ له : تشتهي كذا وكذا من الطعام ؟
فوصف طعاماً طيباً ؛ فقال : نعم ؛ قال : فأنهض بنا ؛ فدخل به منزله ، فقدّم رغيفين يابسين وكامخاً ، وقال : كل ؛ قال : أين ما قلت ؟ قال : ما قلت لك عندي ، إنّما قلت تشتهي
74 - دخل على الأعمش رجلٌ يعوده ، فقال له : ما أشدّ ما مرّ بك في علّتك هذه ؟ قال : دخولك
75 - قال أبو بكرٍ بن عياش : كنّا نسمي الأعمش سيّد المحدثين ، وكنّا نجيء إليه إذا فرغنا من الدّوران ، فيقول : عند من كنتم ؟ فيقول : عند فلان ؛ فيقول : طبلٌ مخرقٌ ؛ ويقول : عند من ؟ فنقول : فلانٌ ، فيقول : دفٌ ممزّقٌ
وكان يخرج إلينا شيئاً لنأكله ، فقلنا يوماً : لا يخرج إليكم الأعمش شيئاً إلا أكلتموه
قال : فأخرج إلينا سنّاً ، فأكلناه ، وأخرج فدخل ، فأخرج فتيتاً ، فشربناه ، فدخل ، فأخرج إجانةً صغيرةً وقتاً ، وقال : فعل الله بكم وفعل ! أكلتم قوتي وقوت امرأتي ، وشربتم فتيتها ! هذا علفٌ الشاة ، كلوا ! قال : فمكثنا ثلاثين يوماً لا نكتب فزعاً منه ، حتى كلّمنا إنساناً عطاراً كان يجلس إليه حتى كلمه لنا

76 - قال شعبة : كان الأعمش إذا رأى ثقيلاً ، قال له : كم عزمك تقيم في هذا البلد ؟ 77 - قال عمر بن حفص بن غياثٍ ، حدّثني أبي ، قال : قال لي الأعمش : إذا كان غد فاغذ عليّ حتى أحدثك عشرة أحاديث ، وأطعمك عصيدةً ، وانظر ! لا تجيء معك بثقيل ! قال حفص : فغدوت أريد الأعمش ، فلقيني ابن إدريس ، فقال : لي : أين تريد ؟ قلت : إلى الأعمش ، قال : فامض بنا
قال : فلمّا بصر بنا الأعمش دخل إلى منزله ، وأجاف الباب ، وجعل يقول من داخل : يا حفص ! لا تأكل العصيدة إلا بجوزٍ ! ألم أقل لك لا تجئني بثقيل !
78 - قال السيناني : دخل مع أبي حنيفة على الأعمش ، فقال : يا أبا محمد ! لولا أني أكره أن أثقل عليك لزدت في عيادتك ؛ فقال له الأعمش : إنّك تثقل عليّ وأنت في بيتك ، فكيف إذا دخلت عليّ ؟ 79 - قال الرّبيع بن نافع : كنّا نجلس إلى الأعمش ، فنقول : في السماء غيمٌ
يعني : ههنا من نكره
80 - قال جرير : دعي الأعمش إلى عرس ، فنشر فروته ، ثم
جاء ، فرده الحاجب ، فرجع ، فلبس قميصاً وإزاراً ، وجاء ، فلمّا رآه الحاجبُ أذن له ، فدخل ، وجاءوا بالمائدة ، فبسط كمّه على المائدة ، وقال : كل ! فإنما أنت دعيت ليس أنا ! وقام ولم يأكل
81 - قال حفص بن غياثٍ : رأيت إدريس الأودي جاء بابنه عبد الله إلى الأعمش ، فقال : يا أبا محمد ! هذا ابني ، إنّ من علمه بالقرآن ، إنّ من علمه بالفرائض ، إنّ من علمه بالشعر ، إنّ من علمه بالنحو ، إن من علمه بالفقه ؛ والأعمش ساكتٌ ، ثم سأل الأعمش عن شيءٍ ، فقال : سل ابنك !
82 - قال وكيعٌ : كنا يوماً عند الأعمش ، فجاء رجلٌ يسأله عن شيءٍ ، فقال : إيش معك ؟ قال : خوخٌ ؛ فجعل يحدثه بحديثٍ ويعطيه واحدةً ، حتى فني ، قال : بقي شيءٌ ؟ قال : فني يا أبا محمدٍ ؛ قال : قم ، قد فني الحديث
83 - قال خبيقٌ : عوتب الأعمش في دخوله على بعض الأمراء ، فقال : هم بمنزلة الكنيف ، دخلت ، فقضيت حاجتي ، ثم خرجت
84 - قال محمد بن عبيد الله بن صبيح : ولى الحجّاج رجلاً من الأعراب بعض المياه ، فكسر عليه بعض خراجه ، فأحضره ، ثم قال له : يا عدوّ الله ! أخذت مال الله ! قال : فمال من آخذ ! أنا والله مع الشيطان أربعين سنةً حتى يعطيني حبّةً ما أعطاني

85 - قال عبيد الله بن محمدٍ التيمي : سمعت ذا النّون يقول بمصر : من أراد أن يتعلم المروءة والظرف فعليه بسقاة الماء ببغداد ، قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : لمّا حملت إلى بغداد ، رمي بي على باب السلطان مقيّداً ، فمرّ بي رجلٌ متزرٌ بمنديل مصري ، معتمٌ بمنديل دبيقي ، بيده كيزان خزفٍ رقاقٍ وزجاج مخروط ، فسألت : هذا ساقي السلطان ؟ فقيل لي : لا ! هذا ساقي العامة ؛ فأومأت إليه اسقني ، فتقدّم وسقاني ، فشممت من الكوز رائحة المسك ، فقلت لمن معي : ادفع إليه ديناراً ؛ فأعطاه الدينار ، فأبى ، وقال : لست آخذ شيئاً ! فقلت له : ولم ؟ فقال : أنت أسيرٌ ، وليس من المروءة أن آخذ منك شيئاً ؛ فقلت : كمل الظرف في هذا
86 - قال نسيمٌ الكاتب : قيل لأشعب : جالست الناس وطلبت العلم ، فلو جلست لنا ؟ فجلس ، فقالوا : حدّثنا ! فقال : سمعت عكرمة يقول : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول ' خلّتان لا يجتمعان في مؤمن '
ثم سكت ، فقالوا : ما الخلّتان ؟ فقال : نسي عكرمة واحدة ، ونسيت أنا الأخرى

87 - قال الواقديّ : لقيت أشعب يوماً ، فقال : وجدت ديناراً ، فكيف أصنع به ؟ قلت : تعرفه ؛ قال : سبحان الله ! قلت : فما الرأي ؟ قال : أشتري به قميصاً وأعرفه ؛ قلت : إذن لا يعرفه أحدٌ ؛ قال : فذلك أريد
88 - قال الهيثم بن عدي : كان أشعب مولى فاطمة بنت الحسين ، فأسلمته في البزّازين ، فقيل له : أين بلغت معرفتك بالبزّ ؟ فقال : أحسن النشر ، وما أحسن أطوي ، وأرجو أن أتعلّم الطيّ
89 - وقال أشعب : رأيت في النوم كأني أحمل بدرةً ، فمن ثقلها أحدثت ، فانتبهت ، فرأيت الحدث ولم أر البدرة
90 - قال عثمان بن عيسى الهاشمي : كنت عند المعتز ، وكان قد كتب أبو أحمد ابن المنجّم إلى أخيه أبي القاسم رقعةً يدعوه فيها ، فغلط الرسول ، فأعطاها لابن المعتز وأنا عنده ، فقرأها ، وعلم أنّها ليست له ، فقلبها وكتب : ( دعاني الرسول ولم تدعني ** ولكن لعلّي أبو القاسم ) فأخذ الرسول الرقعة ومضى ، وعاد عن قريب ، فإذا فيها مكتوب : ( أيا سيّداً قد غدا مفخراً ** لهاشم إذ هو من هاشم تفضّل وصدّق خطأ الرسول ** تفضل مولى على خادم )
( فما أن يطاق إذا ما جددت ** وهزلك كالشهد للطاعم فدى لك من كل ما يتّقيه ** أبو أحمد وأبو القاسم ) قال : فقام ، ومضى إليه
91 - قال عثمان بن سعيد الرزاي : حدّثني الثقة من أصحابنا ، قال : لمّا مات بشرٌ المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم والسنّة أحدٌ إلا عبيد الشّونيزي ، فلمّا رجع من الجنازة لاموه ، فقال : أنظروني حتى أخبركم ، ما شهدت جنازةً رجوت فيها من الأجر ما رجوت في شهود جنازته ، إنّني لما قمت في الصف ، قلت : اللهمّ ! عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة ؛ اللهمّ ! فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون ؛ اللهم ! عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر ، اللهمّ ! فعذبه اليوم في قبره عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين ؛ اللهمّ ! عبدك هذا كان ينكر الميزان ، اللهمّ ! فخفف ميزانه يوم القيامة ؛ اللهمّ ! عبدك هذا كان ينكر الشفاعة ؛ اللهمّ ! فلا تشفع فيه أحداً من خلقك يوم القيامة ؛ قال : فسكتوا عنه وضحكوا
92 - دخل أبو حازم المسجد ، فوسوس له الشيطان أنّك قد أحدثت بعد وضوئك ؛ فقال : أو بلغ هذا من نصحك ؟ !
93 - قال المدائني : كان المطلب بن محمدٍ على قضاءٍ مكة وقد كان عنده امرأة قد مات عنها أربعة أزواج ، فمرض مرض الموت ، فجلست عند رأسه تبكي ، وقالت : إلى من توصي بي ؟ قال : إلى السادس الشقيّ
94 - قال أبو العباس محمد بن إسحاق الشاهد : سألت الزبير ابن البكار ، فقلت : منذ كم زوجتك معك ؟ فقال : لا تسألني ، ليس يرد القيامة أكثر كباشاً منها ، ضحيت عنها بسبعين كبشاً
95 - عن عبد الرزّاق ، عن أبيه ، أن حجراً المدري أمره محمد بن يوسف أن يلعن علياً ، فقال : إنّ الأمير محمد بن يوسف أمرني أن ألعن علياً ، فالعنوه ؛ لعنه الله
قال : فعمّاها على أهل المسجد ، فما فطن لها إلا رجلٌ واحدٌ
96 - قال القرشي : وامتحنت الخوارج شيعيّاً ، فقال : أنا من عليّ ومن عثمان برئ
97 - قال مثنى : كان ابن عونٍ في جيشٍ ، فخرج رجل من المشركين ، فدعا إلى البراز ، فخرج إليه ابن عون وهو ملثم ، فقتله ، ثم اندسّ في الناس ، فجهد الوالي أن يعرفه ، فلم يقدر ، فنادى مناديه :
أعزم على من قتل هذا إلا جاءني ، فجاءه ابن عونٍ ، فقال : وما على رجلٍ أن يقول : أنا قتلته ؟
98 - قال شميرٌ : إنّ رجلاً خطب امرأة وتحته أخرى ، فقالوا : لا نزوّجك حتى تطلّق ، فقال : اشهدوا أني قد طلقت ثلاثاً ، فزوّجوه ، فأقام على امرأته ، فادعى القوم الطلاق ، فقال : أما تعلمون أنّه كانت تحتي فلانةٌ بنت فلانٍ فطلّقتها ؟ قالوا : بلى
وكانت تحتي فلانةٌ بنت فلانٍ فطلّقتها ؟ قالوا : بلى
وكانت تحتي فلانةٌ فطلّقتها ؟ قالوا : بلى
قال : فقد طلّقت ثلاثاً
فبلغ إلى عثمان ، فجعلها نيّته
99 - قال علي بن عاصم : دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذ من شعره ، فقال للحجام : تتبع مواضع البياض ، قال الحجام : لا ترد ، قال : ولم ؟ قال : لأنّه يكثر
قال : فتتّبع مواضع السواد لعله يكثر
100 - دخل أبو حنيفة على المنصور ، وكان أبو العباس الطوسي سيىء الرأي في أبي حنيفة ، فقال الطوسي : اليوم أقتله
فقال : يا أبا حنيفة ! إن أمير المؤمنين يأمرني بقتل رجل لا أدري ما هو ؟ فقال أبو حنيفة : أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل ؟ قال : بالحق
قال : أنفذ الحق حيث كان
101 - قال محمد بن جعفر الإمامي : كان أبو حنيفة يتّهم
شيطان الطاق بالرجعة ، وكان شيطان الطاق يتهم أبا حنيفة بالتناسخ ، فخرج أبو حنيفة يوماً إلى السوق ، فاستقبله شيطان الطاق ومعه ثوبٌ يريد بيعه ، فقال له أبو حنيفة : تبيع هذا الثوب إلى رجوع علي ؟ فقال له : إن أعطيتني كفيلاً أنك لا تمسخ قرداً ، بعتك ؛ فبهت أبو حنيفة
102 - ولمّا مات جعفر بن محمد ، التقى هو وأبو حنيفة ، فقال له أبو حنيفة : أمّا إمامك فقد مات
فقال له شيطان الطاق : أمّا إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم
103 - قال محمد بن مسلمة المديني : وقيل له : إن رأي أبي حنيفة دخل هذه الأمصار كلّها ولم يدخل المدينة ؛ قال : لأنّ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' على كل نقبٍ من أنقابها ملكٌ يمنع الدّجّال من دخولها ' ، وكلام هذا من كلام الدّجّالين ، فمن ثم لم يدخلها !

104 - قال أحمد بن محمدٍ ، عن يحيى القطان : قال لي يزيد بن هارون : أنت أثقل عندي من نصف حجر البزر ، قلت : لم لم تقل من الرّحى كله ؟ فقال : إنّه إذا كان صحيحاً تدحرج ، فإذا كان نصفاً لم يرفع إلا بجهدٍ
105 - قال المبرد : سأل المأمون يحيى بن المبارك عن شيءٍ ، فقال : لا ، وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين ؛ فقال : لله درك ! ما وضعت واوٌ قطّ وضعاً أحسن منها في هذا الموضع ؛ ووصله وحمله
106 - عن أبي سمي الزاهد ، عن إبراهيم بن أدهم ، إنّه كان في بعض السّواحل ومعه رفقاءٌ له ، ومعهم حميرٌ لهم ، فجاء إليهم رجلٌ ، فقال : أريد أصحبكم وأكون معكم ؛ فكأنّهم كرهوا ذلك ، فلما خرجوا إلى ساحل البحر والرّجل معهم ، قال إبراهيم بن أدهم للحمار : زر ؛ فصاح الحمارٌ ، فانصرف الرّجل عنهم ، وقال : أنا ظننت فيكم خيراً ؛ فصرفوه بهذا
107 - قال عبدالله بن أحمد بن حربٍ : كلّم رجل عيسى بن موسى عند عبد الله بن شبرمة القاضي ، فقال عيسى : من يعرفك ؟ قال : ابن شبرمة ، فقال : أتعرفه ؟ قال : إني لأعلم أن له شرفاً وبيتاً وقدماً ؛ فلما خرج ابن شبرمة ، سئل عن ذلك ، فقال : أعلم أن له
أذنين مشرفتين ، وأنّ له بيتاً يأوي إليه ، وقدماً يطأ عليها
108 - بلغنا أنّ رجلين سعيا بمؤمن إلى فرعون ليقتله ، فأحضرهم فرعون ، فقال للسّاعيين : من ربّكما ؟ قالا : أنت ! فقال للمؤمن : من ربك ؟ فقال : ربي ربّهما ! فقال لهما فرعون : سعيتما برجلٍ على ديني لأقتله ! فقتلهما
109 - قال الأصمعيّ : أنشدت محمد بن عمران قاضي المدينة : ( يا أيها السائل عن منزلي ** نزلت في الخان على نفسي يغدو عليّ الخبز من خابزٍ ** لا يقبل الرّهن ولا ينسي آكل من كيسي ومن كسوتي ** حتى لقد أوجعني ضرسي ) فقال : اكتبه لي ؛ قلت : أصلحك الله ! إنّما يكتب هذا للأحداث ! فقال : ويحك ! اكتبه لي ، فإن الأشراف يعجبهم الملاحة
110 - امتحن ابن أبي دؤاد الحارث بن مسكين أيام المحنة ، فقال له : أشهد أنّ القرآن مخلوقٌ ! فقال الحارث : أشهد أنّ هذه الأربعة مخلوقةٌ ، وبسط أصابعه الأربع ؛ وقال : التوراة والإنجيل والزّبور والفرقان ؛ فتخلّص
111 - قال رجلٌ لأبي تمّام : لم لا تقول ما نفهم ؟ فقال : لم لا تفهمون ما أقول ؟ 112 - قال أحمد ابن أبي طاهر : قال أبو هفّان ، ووصف
رجلاً ، فقال : هو أثقل على القلوب من الموت على المعصية ! 113 - قال سفيان بن وكيع : سمعت سفيان بن عيينة يقول : دعانا سفيان الثّوري يوماً ، فقدّم إلينا تمراً ولبناً خاثراً ، فلمّا توسّطنا الأكل ، قال : قوموا بنا نصلي ركعتين شكراً لله
قال سفيان بن وكيع : لو كان قدّم إليهم شيئاً من هذا اللوزينج المحدث ، لقال لهم : قوموا بنا نصلي تراويح
114 - قال أبو حاتم : أنشدنا الأصمعي : ( إذا جاء يومٌ صالحٌ فاقبلنه ** فأنت على يوم الشقاء قدير ) ثم قال : أتدرون من أين أخذت هذا ؟ أخذته من قول العيّارين : أكثر من التخم ، فإنّك على الجوع قادرٌ
115 - قال بكر بن عبد الله المزني : أحوجٌ الناس إلى لطمةٍ من دعي إلى وليمةٍ فذهب معه بآخر ؛ وأحوج الناس إلى لطمتين رجلٌ دخل دار قوم ، فقيل له : اجلس ههنا ، فقال : لا ! بل ههنا ؛ وأحوج النّاس إلى ثلاث لطماتٍ رجلٌ قدم إليه طعامٌ ، فقال : لا آكل حتى يجلس معي ربّ البيت
116 - قال عمرو بن عثمان : دخل المنصور قصراً ، فوجد في جداره كتاباً :
( ومالي لا أبكي بعينٍ حزينةٍ ** وقد قربت للظّاعنين حمول ) وتحته مكتوبٌ : إيه إيه ؟ - قال أبو عمرو : ويروى آهٍ آهٍ - فقال المنصور : أيّ شيءٍ إيه إيه ؟ فقال له الربيع ، وهو إذ ذاك تحت يدي أبي الخصيب الحاجب : يا أمير المؤمنين ! إنّه لمّا كتب البيت أحبّ أن يخبر أنّه يبكي . فقال : قاتله الله ما أظرفه
117 - قال أبو الفضل الرّبعي : حدثني أبي ، قال : قال المأمون لعبد الله بن طاهر : أيّما أطيب : مجلسي أو منزلك ؟ قال : ما عدلت بك يا أمير المؤمنين ! فقال : ليس إلى هذا ذهبت ، إنّما ذهبت إلى الموافقة في العيش واللّذّة ، قال : منزلي يا أمير المؤمنين
قال : ولم ذاك ؟ قال : لأني فيه مالك وأنا ههنا مملوكٌ
118 - عن الأصمعي ، قال : قال رجلٌ : ما رأيت ذا كبرٍ قطّ إلا تحوّل داؤه فيّ
يريد : إنّي أتكبّر عليه
119 - بلغنا عن بعض ولاة مصر أنّه كان يلعب بالحمام ، فتسابق هو وخادمٌ له ، فسبقه الخادم ، فبعث الأمير إلى وزيره يستعلم الحال ، فكره الوزير أن يكتب إليه : إنّك قد سبقت ؛ ولم يدر كيف يكني عن تلك الحال ، فقال كاتبٌ : ثم إن رأيت أن تكتب : ( يا أيّها المولى الذي جدّه ** لكلّ جدّ قاهرٌ غالبٌ طائرك السّابق لكنّه ** أتى وفي خدمته حاجب ) فاستحسن ذلك ، وأمر له بجائزةٍ ، وكتب به

120 - أطال الجلوس يوماً عند الواثق حسينٌ الخادم ، فقال له : ألك حاجةٌ ؟ قال : أمّا إلى أمير المؤمنين فلا ، ولكن إلى الله تعالى أن يطيل بقاءه ويديم عزّه
121 - جاء رجلٌ إلى أبي خازم القاضي ، فقال : إنّ الشيطان يأتيني ، فيقول : إنّك قد طلّقت امرأتك ، فيشككني ؛ فقال له : أو ليس قد طلقّتها ؟ قال : لا ! قال : ألم تأتني أمس فتطلّقها عندي ؟ فقال : والله ما جئتك إلا اليوم ، ولا طلّقتها بوجهٍ من الوجوه ، قال : فاحلف للشيطان كما حلفت لي ، وأنت في عافيةٍ
122 - كتب بعض ملوك فارس على بابه : ' تحتاج أبواب الملوك إلى عقلٍ ومالٍ وصبرٍ ' فكتب بعض الحكماء تحته : ' من كان عنده واحدةٌ من هذه الثلاث لم يحتج إلى أبواب الملوك ' فرفع خبره إلى الملك ، فقال : زه ! وأمر بإجازته ومحو الكتابه من الباب
123 - مرّ الشّعبي بخيّاط ، فقال : يا خيّاط ! عندنا راقود قد انكسر ، تخيطه ؟ فقال له الخيّاط : إن كان عندك خيوطٌ من ريحٍ خطته لك
124 - لمّا حاصر خالد بن الوليد أهل الحيرة ، قال : ابعثوا لي رجلاً من عقلائكم ؛ فبعثوا عبد المسيح بن عمروٍ ، وكان نصرانياً ،
فجاء ، فقال لخالد : أنعم صباحاً أيها الملك ! فقال : قد أغنانا الله عن تحيّتك هذه ، فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ ؟ قال : من ظهر أبي ؛ قال : فمن أين خرجت ؟ قال : من بطن أمي ؛ قال : فعلام أنت ؟ قال : على الأرض ؛ قال : ففيم أنت ؟ قال : في ثيابي ؛ قال : أتعقل ؟ قال : أي والله ، وأقيّد ؛ قال : ابن كم أنت ؟ قال : أبن رجلٍ واحدٍ ؛ قال خالدٌ : ما رأيت كاليوم ، أسألك الشيء وتنحو في غيره ! فقال : ما أنبأتك إلا عما سألتني
125 - قال المبرّد : قال رجلٌ لهشام بن عمروٍ الفوطي : كم تعدّ ؟ قال : من واحدٍ إلى ألف ألف ؛ قال : لم أرد هذا ، قال : فما أردت ؟ قال : كم تعدّ من السّنّ ؟ قال : اثنان وثلاثون ؛ ستة عشر من أعلى وستة عشر من أسفل ؛ قال : لم أرد هذا ، قال : فما أردت ؟ قال : كم لك من السنين ؟ قال : ما لي منها شيءٌ ، كلها لله عز وجل ؛ قال : فما سنّك ؟ قال : عظمٌ ؛ قال : فابن كم أنت ؟ قال : ابن اثنين : أبٌ وأمٌ ؛ قال : فكم أتى عليك ؟ قال : لو أتى عليٌ شيءٌ لقتلني ؛ قال : فكيف أقول ؟ قال : قل : كم مضى من عمرك ؟ 126 - لقي الخوارجٌ رجلاً ، فهمّوا بقتله ، فقال : أعهد إليكم في اليهود شيء ؟ قالوا : لا ! قال : فامضوا راشدين
127 - قال الرشيد لأبي يوسف : ما تقول في الفالوذج
واللوزينج ؟ أيهما أطيب ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! لا أقضي بين غائبين ؛ فأمر بإحضارهما ، فجعل أبو يوسف يأكل من هذا لقمةً ومن هذا لقمةً ، حتى نصف جاميهما ، ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ! ما رأيت خصمين أجدل منهما ، كلما أردت أن أسجل لأحدهما أدلى الآخر بحجّته
128 - عن مطر الورّاق ، قال : إذا سألت العالم عن مسالةٍ فحكّ رأسه ، فاعلم ، أنّ حماره قد بلغ القنطرة
129 - وعنه أيضاً أنّه قال : غضب عليّ أبي ، فأسلمني إلى الحاكة نصف يومٍ ، فأنا أعرف ذلك في عقلي
130 - قال ابن خلفٍ : حدّثني بعض أصحابنا قال : بلغني أنّ
الرشيد خرج متنزهاً ، فانفرد من عسكره والفضل بن الرّبيع خلفه ، فإذا هو بشيخٍ قد ركب حماراً وفي يده لجامٌ كأنّه مبعرٌ محشوٌ ، فنظر إليه فإذا رطب العينين ، فغمز الفضل عليه ، فقال له الفضل : أين تريد ؟ قال : حائطاً لي
فقال : هل لك أن أدلك على شيء تداوي به عينيك فتذهب هذه الرطوبة ؟ قال : ما أحوجني إلى ذلك ! فقال له : خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكمأة ، فصيّره في قشر جوزةٍ واكتحل ، فإنّه يذهب عينيك
قال : فاتكأ على قربوسه ، فضرط ضرطة طويلةٌ ، ثمّ قال : تأخذ أجرةٌ لصفتك ، فإن نفعتنا زدناك
قال : فاستضحك الرشيد حتى كاد يسقط عن ظهر دابّته
131 - قال المهدي لشريك : لو شهد عندك عيسى كنت تقبله ؟ وأراد أن يغري بينهما ؛ فقال : من شهد عندي سألت عنه ، ولا يسأل عن عيسى إلا أمير المؤمنين ، فإن زكيّته قبلته
132 - دخل الوليد بن يزيد على هشام [ بن عبد الملك ] ، وعلى الوليد عمامةٌ وشي ، فقال هشام : بكم أخذتها ؟ قال : بألف درهم
فقال : هذا كثيرٌ ؛ قال : إنّها لأكرم أطرافي ، وقد اشتريت جاريةً بعشرة آلافٍ لأخسّ أطرافك ! 133 - وقعت على يزيد بن المهلّب حيةٌ ، فلم يدفعها عنه ، فقال
له أبوه : ضيّعت العقل من حيث حفظت الشجاعة
134 - قال عمارة بن عقيل : قال ابن أبي حفصة الشاعر : أعلمت أنّ أمير المؤمنين ! يعني : المأمون - لا يبصر الشعر ؟ فقلت : من ذا يكون أفرس منه ؟ والله إنّا لننشد أوّل البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه ؛ قال : إنّي أنشدته بيتاً أجدت فيه ، فلم أره تحرك له ، وهذا البيت فاسمعه : ( أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ** بالدّين والنّاس بالدّنيا مشاغيل ) فقلت له : ما زدت أن جعلته عجوزاً في محرابها في يدها سبحةٌ ، فمن يقوم بأمر الدّنيا إذا كان مشغولاً عنها وهو المطرق لها ؟ ألا قلت كما قال عمّك جريرٌ لعبد العزيز بن الوليد : ( فلا هو في الدنيا مضيعٌ نصيبه ** ولا عرضٌ الدنيا عن الدين شاغله ) 135 - بلغنا عن الرّشيد أنّه كان في داره حزمةٌ خيزران ، فقال لوزيره الفضل بن الرّبيع : ما هذه ؟ فقال : عروق الرماح يا أمير المؤمنين ؛ ولم يرد أن يقول : الخيزران لموافقته اسم أم الرّشيد
136 - قيل للحسن بن سهل ، وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله : ليس في السرف خيرٌ ؛ فقال : ليس في الخير سرفٌ
137 - رأى الفتح بن خاقان شيئاً في لحية المتوكل ، فنادى : يا غلام ! مرآة أمير المؤمنين ؛ فجيء بها ، فقابل بها وجهه حتى أخذ ذلك الشيء بيده
138 - قال الحسن بن علي بن مقلة : كان أبو علي ابن مقلة
يوماً يأكل ، فلمّا رفعت المائدة ، وغسل يده ، رأى على ثوبه نقطةً صفراء من الحلواء التي كان يأكلها ، ففتح الدواة ، واستمد منها ، ونقطها على الصفرة حتى لم يبق لها أثرٌ ، وقال : ذلك عيبٌ ، وهذا أثر صناعةٍ ؛ ثم أنشد : ( إنّما الزّعفران عطر العذارى ** ومداد الدّوي عطر الرجال ) 139 - قال السلامي الشاعر : دخلت على عضد الدولة ، فمدح










تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow