Alef Logo
ضفـاف
              

العباس بن الأحنف.. الغزلي العفيف في زمان الخلاعة / سعدية مفرح

ألف

2013-12-26

لا يقال في العباس بن الأحنف أفضل من القول إنه شاعر قصر شعره على الغزل فلم يمدح ولم يهج على عادة شعراء ذلك الزمان الذي عاش فيه الشاعر خصوصيته الشعرية في وسط كان يعج بالمعاني المؤدية إلى الكسب السهل.. الممتنع في الوقت نفسه.

ففي العصر العباسي الذي ازدحم بالجواري وخلاعاتهن التي أسرفت كثير من كتب التاريخ الأدبي في توثيقها كحكايات ظريفة أبطالها شعراء ذلك الزمن بأجوائه اللاهية ، ظهر شاعر فتش بين دروب الشعر التي تشعبت آنذاك بين المديح والهجاء والفخر والرثاء وكثير من الغزل الصريح، عن درب منسي سبق أن سار عليه في العصر الإسلامي الأول مجموعة من الشعراء سموا بالعذريين ، وكان الغزل العفيف مادتهم الشعرية الوحيدة، فوجد العباس ضالته في تلك المادة ، واتخذ من أولئك العذريين مثلا شعريا جدد فيه ليصير خاصته وخصوصيته.

ولد شاعرنا أبو الفضل العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة بن جدّان بن كلدة من بني عديّ بن حنيفة اليمامي في اليمامة على أرجح الأقوال عام 103 هـ وتوفي 188 هـ ، لكنه نشأ في بغداد حيث عاشَ سحابة أيامه، واتصل بالخليفتين العباسِّيْين المهدي والرشيد دون أن يمدحهما، ومع هذا حظي بتقديرهما ، فقد تميزت قصيدة العباس بن الاحنف ليس بموضوعها الغزلي الصرف فقط ، بل أيضا برقة ألفاظها وخفة بحورها وعذوبة موسيقاها ورصانة لغتها وحواراتها القصصية ذات النفس الدرامي الذي أضاف لها خواص فنية ماتعة شجعت المغنين وصناع الألحان في ذلك العصر على الاستفادة منها في صناعاتهم التي بلغت أوجها في قصور الخلفاء والأمراء آنذاك ، وكما كان غزل العباس بن الاحنف دليله نحو تلك القصور المترفة كان شفيعه لدى سكانها ممن اعتادوا قصائد المديح التي كان يمطرهم بها الشعراء طمعا في الجوائز والمكافآت، فكان اختلاف العباس عن زملائه سببا في استحقاقه كثيرًا من تلك الجوائز والمكافآت من قبل ممدوحي الشعراء الذين ملوا من المديح ومن الغزل الصريح الذي كان يجري غناء إلى ألسنة جواريهم ،كما يبدو، وتاقت أرواحهم لغزل عفيف يذكرهم بأزمنة الحكايات الموروثة عن مجانين الشعر العربي.

وكان عشق العباس بن الأحنف لفوز عنوانه الشعري الأبرز فلم تكن محبوبته الأثيرة فقط، بل كانت موضوعه الغزلي الأوحد تقريبا، إذ كتب فيها جل شعره ولم يغادره إلا باتجاه عنوان شعري مشابه بطلته امرأة تدعى ظلوم. أما بقية العناوين فلم يبق لها سوى فتات لم يحتل من ديوانه إلا هامشًا ضيقًا جدا لا يكاد يظهر فيما ترك وراءه من قصيد.

ولم يكن ذلك العشق الذي تبلور قصيدا غزليا عفيفا عنوان العباس وحده بل كان أيضا عنوان آراء معاصريه من النقاد والمؤرخين والشعراء الذين أجمعوا على الحديث عن تلك الخاصية في شعره، فقال الجاحظ: «لولا أنّ العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاماً وخاطرًا، ما قدِرَ أنْ يكون شِعره في مذهب واحد لايجاوزه لأنه لا يهجو ولايمدح، ولا يتكسب ولا يتصرَّف، وما نعلمُ شاعرًا لزِمَ فَنَّاً واحدًا لزومه فأحسن فيه وأكثر»، وترجم له ياقوت الحموي في معجمه فوصفه بأنه «شاعر مجيد رقيق الشعر..» ، وذكره ابن خلكان بمثل ذلك حين قال: «كان رقيق الحاشية لطيف الطِّباع، جميع شعره في الغزل..»، وقال فيه زميله البحتري: «أغزل الناس»، وأشار اليه المبرّد في كتاب الروضة مفضّلا إياه على نظرائه باعتباره: «من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلاً ولم يكن فاسقًا، وكان ظاهر النعمة ملوكي المذهب شديد الترف، وذلك بيّن في شعره، وكان قصده الغزل وشغله النسيب، وكان حلوًا مقبولاً غزلاً غزير الفكر واسع الكلام كثير التصرف في الغزل وحده ولم يكن هجّاء ولا مداحًا». والذي ذهب إليه المبرّد أيّده آخرون منهم أبو الفرج الأصفهاني القائل: «كان العباس شاعرًا غزلاً شريفًا مطبوعًا من شعراء الدولة العباسيّة، وله مذهبٌ حسن، ولديباجة شعره رونق ولمعانيه عذوبة ولطف».

وقد احتفظت لنا كتب الأدب برواية عن وفاته لها أكثر من دلالة على سيرة الشاعر العاطفية ، وطبائعه الشعرية تحديدا. وتقول الرواية ذات النفس الأسطوري، التي يرويها المسعودي في كتاب مروج الذهب على لسان جماعة من أهل البصرة: «خرجنا نريد الحج فلما كنّا ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجّة وهو ينادي أيّها النّاس, هل فيكم أحدُ من البصرة؟ قالوا: فعدلنا إليه وقلنا له: ما تريد؟ قال إنّ مولاي.. يريد أن يوصيكم، فملنا معه فإذا شخص ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة.. فجلسنا حوله فأحسّ بنا.. وأنشأ يقول:



يا غريبَ الدار عن وطنه

مفردًا يبكي على شجنهِ

كلّما جدَّ البكاءُ بـهِ

دبّتْ الأسقامُ في بدنهِ




ثم أغمي عليه طويلاً ، ثم أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغّرد، ولما سمع تغريد الطائر فتح عينيه ثم أنشأ يقول:



ولقد زاد الفؤاد شجا

طائرٌ يبكي على فننهْ

شفّهُ ما شفّني فـبكا

كلَّنا يبكي على سكنهْ




ثم تنفس تنفّسًا فاضت نفسه، وبعد أن صليّنا عليه وواريناه، وسألنا الغلام عنه، فقال: هذا العبّاس بن الأحنف - رحمه الله.


عن مجلة العربي.






























تعليق



صفات المواطن العربي الصالح

24-شباط-2018

سحبان السواح

لن نحتاج إلى العديد من الصفحات لتحديد صفات المواطن العربي الصالح. فهي واضحة ولا تتغير. إنه باختصار المواطن الذي لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ..وهذا ينطبق على المواطن العربي...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

ادوارد سعيد ونقّاده الماركسيون / ثائر ديب

24-شباط-2018

السرد الصافي في رسائل الجاحظ / د. قيس كاظم الجنابي

24-شباط-2018

ماذا بعد الغوطة؟ رياض نعسان آغا

24-شباط-2018

ليلة إعدام دمشق! _ د. موسى رحوم عباس

24-شباط-2018

الحرب في سوريا لم تنتهِ حتى يقال انتصر الأسد! - هدى الجسيني

17-شباط-2018

بيوم المرأة العالمي

24-شباط-2018

سلمية تحرق نفسها

17-شباط-2018

من أنتَ ؟!

10-شباط-2018

مذكرات سجين سياسي 2

03-شباط-2018

سؤال وجواب

27-كانون الثاني-2018

الأكثر قراءة
Down Arrow