Alef Logo
يوميات
              

سيرة ذاتية ناقصة لحصان مرهق / ج2

أحمد بغدادي

خاص ألف

2013-12-16


بعد أن دخلَ آدمُ منزله يمجُ بصاقه يميناً وشمالاً، وجد أن شيئاً غريباً كأطياف من ضباب تجوْلُ في كل ركنٍ من أركان المنزل!. لم يتوانَ لحظةً عن ركل كل شيءٍ أمامه، مبدياً غضباً وضجيجاً واسعاً جراء الأصوات التي صدرت عن الأشياء المتكسرة!؛ حتى أنّ جيرانه المتطفلين وخاصةً النساء منهم، تجمّعوا على أبواب بيوتهم متهامسين تارةً فيما بينهم ومستنكرين هذا الأمر تارةً بكلامٍ مرتفع متعمدين أن تصلَ أصواتهم إلى صاحب البناء كي يسببوا لآدمَ إحراجاً ويختلقون فتنةً قصيرة كفيلة أن تضع علامة استفهام في سجل آدم عند الرجل الذي استأجر منه المنزل منذ ثلاث سنوات...!

هم منذ شهرين جاءوا مستأجرين غرفتين جانب بعضهما كونهم نزحوا من بيوتهم جراء الحرب، فهم جيران حروب لهم عاداتٌ وتصرفات غريبة وخاصةً نساؤهم المتصابيات ــ المغنيات ــ !!.

كانوا يعمدون على إزعاج آدم دائماً بصوت الأغاني السوقية الراقصة، وأيضاً كما بدا لآدم أنهم يخططون لإخراجهِ من المنزل كي يقطنوا بدلاً منهُ أو يأتوا بأقارب لهم مهجرين أيضاً، من باب الاحتلال الآني " لكن بنقود دائماً يشكون من قلتها عندما يأتي آخر الشهر ليحاسبهم صاحب البناء على الأموال المترتبة عليهم من ماء وكهرباء وقيمة الآجار"!.

الجشع داءٌ مزمن كالكذب ... صاحب البناء الذي كان يرتجف عندما يمسك النقود وكأن بهِ يريد أن يأكلها أو يضعها بين ضلوعهِ لشدّةِ بخلهِ وحرصهِ، أيضاً لم يوفّر حتى الدفء عند الجيران، فقد كان ينزل هو وزوجتهِ وأولادهِ بذريعة السهر والملل عندهم، كي يوفّرَ شموعاً ووقوداً للمدفأةَ!. وتبدأ السهرات الشتائية بالضحك والحكايات والنميمة والغيبة، والأغبياء لم يدركوا أنّـه يسرقهم حتى الدفء عوضاً عن نقودهم في السكن.!


كانت ليلةُ آدم تلكَ، من أغرب الليالي في هذا المنزل.. فهو كالمعتاد يومياً يستيقظ بذات الأحلام والمكان ذاتهُ ووجهِ قطه ذاتهُ! والتفاصيل كلها كأنها حجارة لم تتزحزح من مكانها في البيت منذ سنين طوال. عملهُ .. أصدقاؤه ذاتهم .. وفي آخر النهار، إمّا في بيت صديق أو اثنين، أو يعود إلى بيته وفي ظهرهِ فأس الوحدة !.

الوحدة فعلٌ غير مُعرب، ولا يُـعرب، خاصةً في الحرب!. فما معنى أن تكون ضمن دائرة ضيقة في وطنكَ كالبيت والشارع والأيام ذاتها والتفاصيل ذاتها؟!... إنها السجنُ ذاتهُ !

لا فرقَ بينكَ وبين السجين، غير أنّ مساحتكَ أكبر بقليل، أكبر حيث تستطيع أن تذهب إلى المكان ذاتهِ كل يوم، وكذلك السجين فهو يستطيع أن يمشي من جدارٍ لآخر بمحض إرادتهِ !.. وتستطيع أن تفكر بما تشاء وكذلك السجين.. إلا أنّ وحدتكَ ليست قسرية من حيث أنكَ ملتزمٌ بقوانين موضوعة لكَ، تنفذها رغم عنك.. وهناك قوانين خارج السجن تجبركَ أن تكون سجيناً رغم أنفكَ !.. منها الملل وتكرار الفعل ذاته يومياً؛ هنا يأتي السجن ـ الكيفي ـ أكثر جنوناً وعقاباً للمرء!.


التقى آدمُ بصديقتهِ التي كانت تنوي السفر إلى مدينتها، بعد ليلةٍ قضاها بالتفكير والتقلّب والندمِ على خسارةِ صديقه مراد، الذي كان يجب عليه الندم على فعلتهِ الشنيعة حين تحرّشَ بصديقة آدمَ وقتَ استضافهما في منزلهِ تلك الليلة، مستغلاً غيابَ آدم وخروجه لشراء بعض الأطعمة والحاجيات للسهرة!. التقيا في الظهيرة وبين عيونهما جليدٌ لا يُـفسّر ولا تذوبهُ آوابدٌ من الشموس والنيران!. لم يكُ خطأ آدم ولا خطأ صديقتهِ عفراء.. وبعضُ الأصدقاء الذين علموا بالموضوع، حمّلوا الخطأ الفادح وهذا الصرف من قبل مراد على ــ الخمر ــ إذ أنهم برروا فعلته الدنيئة بعدمِ صحوهِ ووعيهِ، وأن تصرّفه كان من باب الثمالة لا غير!... كما برره مراد أيضاً بعدّة أجوبة حين واجهه آدم بفعلتهِ، ومنها أنّه كان مخموراً، وغيرها، أنّـه يستلطف الفتاة وهي تستلطفه ويريد أن يخطبها بنيّــةٍ صادقة من أهلها، وغير ذلك من تبريرات لا تُـقنع أبلها!ً.

إذاً .. على كل شخص يريد أن يتصرف تصرفاً غير سوي ومنطقي، أن يشربَ الخمرَ ويتصرف ما يحلو له دون عقابة أو مساءلة !. وكأن الجميع ومراد يريدون الإفصاح عن هذه الذريعة الواهنة !.


في طريقهما إلى المكان الذي ارتاداه منذ أيام مع بعض الأصدقاء، وهو عبارة عن مقهى صغير مُـحدّث، تُـقدّم فيه الأطعمة والأشربة بأنواعها، كانت الحيرة بادية على لسانهما والكلام المرتّب والمنمّق، المحسوب، هو سيد الموقف!.

إلا أنّ آدمَ خرجَ عن هذا السياق وشرعَ يتحدّث عن الموضوع كي يجد مخرجاً للحالة الجامدة التي أصابت عفراء والصدمة الكبيرة التي شتتّـها أيضاً جراء خسارتها لحبيبٍ ظنّته يقفُ إلى جانبها في غربتها القصيرة عن أهلها في هذه المدينة، إذ أنه تركها بين صديق وغريب مفتعلاً قصةً لا مبرر لها كي يُـنهي العلاقة التي لم تكن تشبه قصص الحب.




نهاية الجزء الثاني...

/ خاص ألف /

يتبع ..




















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الشام عروس عروبتكم أولاد القحبة.. لا استثني أحدا منكم

22-تموز-2017

سحبان السواح

صرخ الشاعر مظفر النواب ذات يوم في وجه الأنظمة العربية قائلا: "وأما انتم فالقدس عروس عروبتكم أهلا.. القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كل السيلانات إلى حجرتها ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها وسحبتم كل خناجركم و تنافختم...
المزيد من هذا الكاتب

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

"ثلاث قصائد لمنفى الحب"

20-أيار-2017

أيتها البلاد القتيلة

08-نيسان-2017

جنس الجنة.. المكافآت والغيب!!

25-آذار-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

ترشيد الفساد

08-تموز-2017

سلمية تحرق نفسها

01-تموز-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow