Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

رتل الموت / قصة ميلان سميث ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2013-12-10

فكر بمهرجان للرعب، فيه مجموعة من العاهات. كانت هناك شيفي و هي من ممتلكات أخي، تقف على اليمين، و ترتيبها الثاني لو بدأنا العد من نهاية الصف. ما أن اقتربت حتى لاحظت أيضا أن الصدأ لحق بها قليلا. و لكن الصدأ هو شكل بطيء من التحلل، كما أفترض. و مع أن أخي قد تعفن حقا، و ربما لم يتحول لشيء آخر، كانت السيارة لا تزال هنا.

درت حول شيفي لفترة طويلة قبل أن أقترب منها. نظرت من النوافذ و نظرت عبر الزاوية الأمامية المهشمة، من الغطاء المتداعي. و كانت الأبواب الأمامية مضروبة و مغلقة، فتحت واحدا من الأبواب الخلفية، فانفتح مع صرير. زحفت على المقعد الخلفي و نظرت فيما حولي. رأيت القليل و كله معدن و زجاج مسنن و مكسور. انبعثت من المقاعد رائحة الرطوبة و صدر أنين من النوابض و أنا أتحرك على المقعد. ثم جلست بصمت، و حاولت أن لا أتحرك حتى أنني أمسكت أنفاسي. و رغبت أن أستمع، لألتقط صوت كلام أخي. كنت أود أن أسمع صوته يغازل صديقته الحميمة، أن أسمع صوته في الدقائق القليلة المتبقية، الطرائف، الضحكات، التنهدات. و لكن، لم أسمع شيئا.

بعد عدة دقائق، خرجت، و أغلقت الباب، و توجهت إلى مقدمة السيارة. التزمت بالصمت، و شردت داخل نفسي، مثل أخي قبل سنوات و هو في داخل سيارة ماركي. قرر صديقي أنني أريد أن أنفرد بنفسي، و قال إنه سينتظرني قرب كادي. و خطر لي و أنا هناك كم هذه الحياة غريبة، لقد جعلتني أشعر بتفاقم الفراغ في هذا العمر المبكر. و بالتأكيد ليس من المفروض أن ينتابك هذا الإحساس قبل أن تبلغ من العمر عتيا؟. لاحقا، ربما يحصل ذلك.

و مع أن فضولي المقلق قد أخذ كفايته، لم أرغب بالمغادرة، فقد انتابني الشعور أنه ربما تخطيت شيئا، شيئا سوف أندم إن لم ألاحظه أو أحس به. و غالبا ما كنت أشعر بهذه الطريقة منذ وفاة شقيقي. تنهدت، ثم سمعت شخصا يضحك من ورائي. في الواقع، لقد سمعت إثنين، رجلا و امرأة ، فاستدرت لأنظر إليهما. كانا إثنين من طلبة المدرسة الثانوية، و قد ارتديا بذة الرقص - لقد كان الوقت مناسبا في النهاية. انتبهت إليهما و هما يركضان و يتجاوزانني، اليد باليد، و شعرت بالسعادة حين علمت أن الحياة تواصل مسيرتها، حتى هنا في رتل الموت، و ابتسمت - إلى أن رأيت وجهيهما.

كانت البنت التي ترتدي ثوبا أحمر و كورسة، هي جيني، إنها صديقة أخي الحميمة. و الولد، الذي له ذقن منحدرة و رداء أزرق، هو أخي.

غرابة الموقف تسبب لي بالدوار، حتى استوعبت أن أمنيتي انقلبت لحقيقة. ها أنا أراهما في ليلتهما الأخيرة. لقد أسرعا للسيارة، و التي أصبحت سليمة لم يمسسها سوء، و لم تعد مهشمة، فتح أندرو الباب الأمامي و دخلت جيني. و حينما جلست، مال للأمام و همس لها بشيء، فابتسمت و قهقهت، و وضعت إحدى يديها على خده.

ثم نظرت باتجاهي، و التقت عيناها بعيني، فتوقفت عن الضحك و أشارت لي.

رفع أندرو عينيه، لا يزال يضحك، ثم تلاشت ابتسامته عندما عرفني. و استدار إليها و قال شيئا، فهزت رأسها. تراجع قليلا و أغلق الباب، ثم سار نحوي.

إنه على نفس الشاكلة كما كان في تلك الليلة. و أقصد بذلك أنه لم يكن مسنا، و لا زال في الثامنة عشرة. يجب أن يبلغ الآن 25 أو 26 مع سالفين عوضا عن الخدين الناعمين، و ربما أثقل وزنا. و لكنه ليس هكذا، إنه لا يزال في المدرسة الثانوية.

وقف بحانبي و ابتسم. سأل:" كيف حالك؟".

حدقت به، و تساءلت هل بمقدوري أن أرى من خلاله، كما هي الأشباح. و لكن حتى عن مقربة كان يبدو مصمتا و صلبا، نقل نقطة ارتكازه من قدم لأخرى و هو ينتظر، كما يفعل حين كان على قيد الحياة.

سألته:" أندرو؟".

قال:" مر وقت طويل. لقد كبرت".

قلت:" أنت بالعكس". و ندمت على ما بدر مني.

هز رأسه و قال:" أنت محق، لم أتقدم بالعمر".

وقفنا هناك، وجها لوجه، و لزمنا الصمت لدقيقة طويلة. كنت تقريبا بنفس العمر الذي كان عليه عندما توفي.

سألته:" ماذا يعني ذلك؟".

قال:" لا شيء. لا شيء يمكن تفسيره. هل أمضيت وقتا كئيبا؟".

" نعم. أقصد كلا. لقد اشتقت لك".

" و أنا اشتقت لك يا كليفي. أم هل يجب أن أناديك الآن كليف؟".

" نعم. بالعادة يفعلون ذلك".

" إذا، الصغير القوي تقدم بالعمر؟".

هززت رأسي و قلت:" نعم".

وقفنا صامتين لعدة دقائق إضافية، و لم أستطع التفكير بأي شيء أقوله. لقد كان ذلك مؤلما، لأنني حصلت على الفرصة لرؤيته مجددا، و لكن لم أعرف كيف أملأ تلك الدقائق القليلة. من ورائه جاء صوت حاد من انفجار بوق سيارته. استدار لينظر للحظة. ثم قال:" انظر. يجب أن أنصرف. و لكن عندي شيء لك. افتح يدك".

فتحتها، فوضع يده في جيبه. و قال:" أردت أن أتأكد أنه لم يحصل شيء لها، و لذلك حملتها معي". وضع شيئا في راحة يدي، ثم عقد أصابعه حول يدي. كانت أصابعه دافئة، تقريبا حارة. سألني:" هل تذكر هذا؟".

نظرت للأسفل، و شاهدت السكينة. و تذكرت الخدوش المرسومة على الغمد، و الاسم المحفور عليه:" كليفي".

اختنقت و التهبت النار في حلقي و قلت:" كنت أبحث عنها. بحثت ما بوسعي".

قال:" أعلم. كنت أنتظر لأعيدها لك بنفسي".

هززت رأسي و بدأت بالبكاء. كان لدي الكثير لأقوله، و لكن لم أعلم ماذا بالضبط. قلت:" لم أرغب لك بالموت".

قال:" أعلم". و أظهر القليل من العاطفة. ربما التعاطف، و لكن ليس الدموع. وقفنا مجددا صامتين، و لم أعرف ماذا أقول غير ذلك. ثم نفخ البوق مرة ثانية، فنظر إلى الخلف، و قال:" علي أن أغادر. وداعا، يا أخي الأصغر". و تردد، ثم اقترب و لف ذراعيه حولي، و بقوة. شعرت بخده يضغط على خدي بينما كنت أعانقه بالمثل. قال:" أصغ لي، الحياة قصيرة، لذلك افعل ما بدا لك، هل أنت معي؟". هززت رأسي، فانسحب و عاد إلى السيارة.

صحت قائلا:" أندرو". التفت و نظر لي، لوح بيده، ثم دخل في السيارة. و دار المحرك، و الذي يشبه بصوته هديرا صاخبا في مقبرة السيارات الميتة هذه. و رأيته يلتفت و يقول شيئا لجيني، و رأيتها تمد يدها و تضعها على خده لدقيقة. ثم نظر إلى الأمام، و حرر الكابح و صدر عن يد السرعة صوت أصم، و بدأت السيارة بالحركة. حياني بتلويحة من يده مع جيني، و عندما أصبحت السيارة على يميني سطعت المصابيح المرتفعة، و تأرجحت قليلا، ثم غاب كل شيء عن ناظري. لقد رحلوا - السيارة، الأضواء العالية، و زئير المحرك - و بقايا الليلة القديمة المتسللة التي مضت عليها فترة طويلة و أصبحت مجددا تلوح أمام ناظري، بلا تبدل و بلا حركة.

وقفت منوّما لعدة لحظات، على أمل أن يحصل شيء آخر، و لكن كنت متأكدا أن هذا غير صحيح. ما كنت أتمناه قد تحقق، و الآن انتهى كل شيء.

بدأت بالعودة إلى كادي، حيث ينتظر رفيقي. لمست السكين بأصبعي، و جريا على العادة القديمة فتحت النصل. و وضعته تحت ضوء القمر و رأيته يومض. كأنني ولد صغير مجددا، ضحكت على نفسي لأنني لا زلت طفوليا. ثم وقفت مذهولا. و نظرت لأتأكد أن النصل نفسه بحوزتي، السكين الكبيرة، و ليس الصغيرة. و لكن، هذه هي السكين التي كنت أستعملها، كما هي بلا ضرر. لقد قال أندرو إنه عمل على إصلاحها و صيانتها، و فعلا لقد صدق بكلامه.

استغرق الأمر سبع سنوات، غير أن أندرو لم يخل بوعده.


ميلان سميث Milan Smith : كاتب قصة أمريكي شاب.


الترجمة من مجلة أناذير ريلم ( فضاء آخر ). عدد 2011





































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow