Alef Logo
مقالات ألف
              

" لاهوت التحرير "

محمد علاء الدين

خاص ألف

2013-12-08

الدين والإنسان والواقع ثلاثية يجب أن تكون مكوناً واحداً لا انقسام فيه ولا تضاد فالدين يجب أن يكون متوافقاً مع الفطرة السوية للإنسان تلك التي تلبي إحتياجاته النفسية والروحية والجسدية بصورة صحيحة وسوية لكي لا يركن إلى ذلك الجزء الحيواني بداخله ولكي ينال السعادة في الدنيا والآخرة وإلا فلمن يكون الدين. كما ان الواقع يجب أن يكون مرآة لإيمان الإنسان بالدين وتطبيقاً له في الحياة إلا ان التاريخ ينبؤنا بغير ذلك لا لأن الدين لا يتناسب مع الفطرة البشرية ولكن لأن الإنسان أغترب عنها ليصبح حيوانا مفترسا قادرا على تشويه الدين ورسم واقع مآساوي ومظلم في آن. هي أذن معضلة تاريخية قديمة قدم وجود الإنسان على الأرض حديثة بفعل الإغتراب المستمر لبني البشر تلك المعضلة التي حاول بعض الأساقفة في امريكا اللاتينية أن يوجدوا لها حلاً فيما عرف بلاهوت التحرير.


للكنيسة في أمريكا اللاتينية تاريخ طويل أمتزج فيه ماهو سياسي بما هو ديني بدأ مع بداية الإستعمار الأوربي للأمريكتين ويذكر الأب " وليم سيدهم " انه مر بأربعة مراحل تاريخية المرحلة الأولى تمتد من عام 1492 إلى 1808 وهي مرحلة الرأسمالية الإستعمارية وفيها ارتبطت المسيحية بشكل مباشر بالإستعمار حيث كان الأوربيون يقومون بنشر المسيحية بين السكان الأصليين. أما المرحلة الثانية فقد أمتدت من عام 1808 إلى 1880 وهي مرحلة الإستقلال وبناء الدولة الوطنية حيث أستقر المستعمرون في القارة الجديدة وأنقطعت أي صلة لهم باوروبا وفي هذه المرحلة ظهرت الرأسمالية في ثوب إستعماري جديد وظلت الكنيسة تابعة له حتى وأن تميزت هذه المرحلة بالخروج عن دائرة المؤسسات الإستعمارية المسيحية في حين أمتدت المرحلة الثالثة من عام 1880 إلى 1968حيث كان الإقتصاد بدائياً يعتمد على التصدير إلى الخارج وظهر على السطح إتجاهان متعارضان هما المحافظ والليبرالي وبطبيعة الحال إختارت الكنيسة أن تخرج من عزلتها وان تقف بجانب الإتجاه المحافظ في مواجهة الليبرالية وفي عام 1930 دخلت أمريكا اللاتينية في عهد التصنيع وظهرت طبقة برجوازية وطنية ذات توجهات ليبرالية جديدة كما ظهرت على الساحة نقابات عمالية قوية وهنا كان لزاماً على الحكومات التي تبنت التنمية من منطلق النظام الرأسمالي الصناعي أن تواجه اليمين واليسار في آن وفي هذه المرحلة أنقطعت الصلة بين الكنيسة والنظام الإقطاعي القديم بل وتحالفت مع الليبرالية الوطنية التنموية وهنا أنتقل الصراع بين الكنيسة والعلمانية إلى صراع بين الكنيسة والإشتراكية للسيطرة على العمال والطبقات الشعبية |أما المرحلة الرابعة والأخيرة فقد بدأت من عام 1968 وفي هذه المرحلة تلاشت الطبقة البرجوازية التنموية وأستطاعت الشركات متعددة الجنسيات وبرجوازية أمريكا الشمالية أن تجعل من البرجوازية الوطنية مجرد تابع ووكيل إقتصادي وسياسي لها وفي ظل حالة التخلف والتدهور الإقتصادي الشديد التي إجتاحت القارة ظهرت مجموعة من الإنقلابات العسكرية وحلت " دولة الأمن الوطني " محل " الدولة الليبرالية التنموية " وقامت السلطات بقمع أي معارضة سواء كانت ليبرالية أو إشتراكية بحجة ان هذه المعارضة تشكل خطراً على الأمن القومي للدول وهنا قررت الكنيسة أن تعادي الدولة وان تنضم تدريجياً إلى الحركة العمالية الشعبية .


كان التيار الكلاسيكي " التوماوي " – نسبة إلى توما الأكويني - هو التيار السائد في الكنيسة الكاثوليكية حتى المجمع الفاتيكاني الثاني الذي فتح الباب إلى تعدد التيارات اللاهوتية في أوروبا وساعد على ذلك التقدم في العلوم الإنسانية والطبيعية على السواء ووقوف الكنيسة أمام تساؤلات إيمانية جديدة نتيجة للإكتشافات العلمية المتلاحقة وهنا تداخل كل ماهو إنساني بما هو ديني وبالفعل ظهرت تيارات لاهوتية جديدة منها اللاهوت المدرسي الجديد واللاهوت الأنثربولوجي واللاهوت السياسي وغيرها إلا ان هذه الأنواع جميعها خرجت من رحم القارة العجوز لذا كان لزاماً على أبناء العالم الثالث خاصة في مرحلة الإنتقال ان يكون لهم لاهوتهم الخاص الذي يتناسب مع أوضاعهم وظروفهم الخاصة ومن هنا نشات فكرة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية ليتطابق مع الواقع اللاتيني بكل أزماته ويحاول أن يغيره بآليات توافق متطلباته الخاصة وبالفعل أنطلقت هذه الدراسات اللاهوتية من وجهة نظر تاريخية تعتمد على التحليل الماركسي " المادية الجدلية " وصراع الطبقات والتناقض بين الراسمالية والإشتراكية .


في عام 1971 نشر الأب " غوستافو غوتيرييز " كتاب بعنوان " لاهوت التحرير " أدخل فيه تعيدلات جوهرية على المفهوم الأوروبي لكلمتي " لاهوت " و " تحرير " فاللاهوت بالنسبة له ليس موقفاً علمياً فقط بل هو موقف عملي مسخر لخدمة الشعب المسحوق لا السلطة الكنسية وبالفعل أعتمد لاهوتي التحرير على قراءة الكتاب المقدس قراءة تاريخية لا تعزله عن سياقة الإقتصادي والسياسي بل واكتشاف كيفية تطبيق النص على الأوضاع في أمريكا اللاتينية إنطلاقاً من فكرة رئيسية هي أن كل هذه الأوضاع تعبر بصورة واضحة عن اللاعدالة في المجتمع أما كلمة تحرير فتتضمن ثلاثة مراحل الأولى تتمثل في التحرر الإجتماعي والإقتصادي عن طريق تحقيق المساواة والعدالة الإجتماعية أما المرحلة الثانية فتعتمد على حصول الفقراء على حريتهم وان يكونوا مشاركين بشكل فعال في تغيير مجتمعهم بدلاً من ان يكونوا مجرد تابعين ومأمورين في حين تعتمد المرحلة الثالثة على تحقيق الأخوة الإنسانية عن طريق الإيمان المشترك وهي مرحلة تهدف إلى تحقيق المرحلتين الأولى والثانية .


بالنسبة لي هناك إعتراضان اساسيان على فكرة لاهوت التحرير الأول يتمثل في إرتباطها بنظرية بعينها وهي النظرية الماركسية وهنا يبرز التناقض ما بين كونها فكرة نشأت اساساً للإلتحام مع الواقع وتغييره وبين كونها مرتبطة بنظرية قد تكون صالحة في زمن دون آخر او في مكان دون آخر أو غير صالحة على الأطلاق مما يفقدها الطابع الدينامي المرتبط بتطور البشرية على مدار تاريخها والثاني في أن دعاتها لم يحاولوا بشكل جدي ان يجعلوها فكرة إنسانية غير مرتبطة بديانة بعينها بمعنى ان تدخل نفس الفكرة إلى ديانات مختلفة بطرق وأساليب مختلفة بل وبأسماء مختلفة للمساهمة بصورة أو باخرى في تغيير الواقع المأساوي للبشرية.

ما أريد ان أقوله انه يجب لكي تكون ثلاثية الدين والإنسان والواقع مكوناً واحداً لا إنقسام فيه ولا تناقض أن نقضي أولاً على فكرة الإغتراب الإنساني لأنه وحده القادر على تشويه الدين لكي يتناسب مع ما يهوى الإنسان ومايشاء وبالتبعية رسم واقع مظلم ومأساوي كما ذكرت من قبل وفي ظل الوضع الراهن وظهور أشكال مختلفة من الكهنوت المقنع في عالمنا الإسلامي وجب علينا ان أردنا أن نتحرر منه ومن كل أشكال العبودية الثقافية ان نعود إلى التمييز بين الأصول والفروع الثوابت والمتغيرات المتن ومساحة الهامش التي يجب ان نتحرك فيها جميعاً كما يجب أن يفتح باب الإجتهاد بشكل جدي من جديد سواء بدأ من حيث أنتهى الاخرون بما يتناسب مع أوضاع العصر أو بدأ من الأصول أي من القرآن والسنة كما يجب الفصل بين كل ما هو إجتماعي وماهو ديني نظرلصبغ العادات مع مرور الأيام بصبغة مقدسة مما يجعلها تحفظ في الذاكرة الشعبية بتلك الصبغة الدينية هذا بالإضافة إلى أن التربية الدينية يجب أن تندمج مع الواقع ومشكلاته وأن تنتقل حتى على مستوى العقيدة من مرحلة إدراك الحقيقة إلى مرحلة إدراك أبعادها – أي إدراك الأسباب والنتائج - الأمر الذي سيؤدي إلى تربية وعي جمعي ناقد قادر على التحليل ومعالجة المشكلات بصورة لا ينفصل فيها ماهو ديني عن ماهو إنساني وواقعي وأخيراً يجب أن تنتقل فكرة لا هوت التحرير إلى ديانات ومذاهب مختلفة وان تعمل على تنمية فكرة التعايش المشترك والسلام الإجتماعي والعالمي لكي تصل المجتمعات إلى حالة بنائية داخل المجتمع الواحد – أي حالة تعتمد على التكامل لا الصراع – والأمم إلى حالة من التعارف والتعايش السلمي كما ان فكرة لا هوت التحرير لا يجب أن تكون لها قواعد ثابته اللهم إلا السعي من أجل إلغاء حالة الإغتراب الإنساني لكي لا تفقد ديناميتها وقدرتها على تحقيق مقاصدها بأختلاف الأزمنة والأمكنة .









تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

العلم مقابل الميتافيزيقا

18-آذار-2017

" ماعت "

07-تشرين الأول-2014

" القناع persona "

29-حزيران-2014

" ميثولوجيا القرن الواحد والعشرين "

17-نيسان-2014

الاغتراب 5 / 5

06-آذار-2014

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow