Alef Logo
مقالات ألف
              

القراصنة والعلم

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-12-01

في أواخر ثمانينات القرن الماضي عرفني الصديق الروائي المرحوم غالب هلسا إلى سيدة أميريكية من أصل سوري, وكانت في زيارة طويلة إلى أرض الأجداد, هذه السيدة كانت تعمل في الصحافة الأميريكية المستقلة, وكانت تحمل شهادة الدكتوراه من جامعة جورج تاون في الأنثروبولوجيا الثقافية عن شعوب نيبال وطقوس حياتهم, وكان عليها بالتالي حسب التقاليد الجامعية الأميريكية أن تقيم بينهم في نيبال لسنوات"تعيش" بينهم و"تأكل" طعامهم بطريقتهم, وتنام على فراش على الأرض على طريقتهم, وترحل معهم إلى المدينة حيث يبيعون منتجاتهم, ويشترون ما سيحتاجونه للشتاء الطويل, وعليها أن تقوم بدوري "العائشة والمتعايشة " بينهم , و"المراقبة " لهم التي تكتب الملاحظات أولا بأول لتضع المواد الخام التي ستستطيع في المستقبل أن تصنع منها رسالتها الجامعية الي ستدافع عنها أمام سابقيها من حملة الدكتوراه, وحاملي شرف الجامعة التي ينتمون وستنتمي إليها .

وكانت صداقة طويلة بين ثلاثتنا كنا نناقش فيها قضايا الأدب والظواهر الأنثروبولوجية في سوريا وفي العالم, وفي تلك الأيام كانت السيدة الأميريكية السورية قد عادت إلى أميريكا لمتابعة حياتها هناك على وعد بالمراسلة, و بعد سفرها بشهور فقدنا الصديق غالب في حالة أقرب إلى النكتة منها إلى الموت, فقد قضى في أحد المستشفيات نتيجة غلباويته, وإهمال, وجهل الأطباء في المستشفى الخاص والمكلف جدا حين أدخل إلى المستشفى في حالة إسعاف وهو يتلوى من الألم, وكان أول ما قاله للطبيب الذي كان يفحصه : لدي قرحة في المعي الاثني عشري, فصدقه الطبيب, ولم يجر له الفحص العام كما يجب أن يفعل أي طبيب مبتدئ, وقبل بتوصيفه لحالته, وأمربمنع الطعام عنه حتى يقوم بفحصه في اليوم التالي, وكان اليوم التالي "جمعة" فلم يعرف أصدقاؤه بدخوله المستشفى, وكنت واحدا منهم بما حصل له حتى السبت, وحين عرفت بوجوده في المستشفى طرت إليه لأعرف ما الوضع بالضبط, وفي المستشفى وبعد الاطمئنان عليه رجاني أن أساعده في تغيير ثيابه الداخلية التي كانت مبللة بالعرق, وبينما كنت أساعده في تغيير القميص الداخلي لاحظت انتفاخاغير طبيعي في ثديه الأيسر, فسألته عنه, وإن كان قديما لديه, ولكنه نظر إليه وكان شديد التعب ليقول لي إنها المرة الأولى يرى شيئا كهذا, فسارعت بإحضار الطبيب المناوب الذي ما إن رأى الورم, وقرأ تشخيص الطبيب بالتهاب المعي الاثني عشري حتى اصفر وارتبك, وأمر بنقله فورا إلى العناية المشددة حيث اكتشفوا أن جلطة قد أصابته قبل يومين, ولكن الطبيب غير المبالي حوله إلى التجويع, ولم يعطه أية مميعات للدم, أو أي علاج طيلة هذا الوقت الحرج, بل لم يعالج إلا بالتجويع, وتوفي في اليوم التالي بعيدا عن أحبائه وأصدقائه, وخسر الأدب العربي كاتبا من أجمل من عرفت لأكثر من عقدين.

الزميل طارق حريب اقترح علينا بعد شهورالقيام برحلة إلى الشرق والشمال الشرقي السوري,أنا , والمخرج التلفزيوني الكبير غسان جبري, والصحفي الإعلامي الداعي طارق حريب, أماغسان جبري, فهو الآن في اميريكا, وأما طارق حريب, ففي سوريا حيث لم أعد أعرف عنه شيئا ....كانت الرحلة أساسا للتعرف إلى جزء كبير من بلادنا المجهولة من أكثر من ثمانين بالمئة من الشعب السوري, وأعني محافظات الرقة ودير الزور والحسكة, ورغم أني كنت قد عرفتها قبل حوالي عشرين عاما عابرا للرقة ودير الزور, أو مقيما لساعات أو لليلة, ومدرسا في الحسكة لسنتين إلا أن إغراء زيارتها متأملا و..دارسا...كان أكبرمن الاعتذار, ومضينا في رحلة من أجمل رحلات التعرف إلى جزء كبير ورائع من بلدنا. كان من الذكريات التي علقت في الذاكرة زيارة للبصيرة حيث يلتقي الفرات والخابورفي نهر واحد, ورؤية الأصداف الملقاة على شواطئه بحجم الكف, وزيارة لبحيرة الهول أو الخاتونية في الحسكة المالحة الماء في عمق الجزيرة والتي يحدثك أهل الحسكة أن نفقا يصلها بشط العرب مع أن هذا صعب الوقوع , ولكنهم يقوون روايتهم بالقول إن هذا هوالسبب في ملوحة مائها, وسمكها البحري, وبطها الأسود الذي يغطي أكثر سطح البحيرة.

لكن الذكرى الأشد غرابة كانت في مدينة الحسكة حيث دبر لنا الزميل طارق حريب حفلا كان يحدثنا عنه طيلة الرحلة وهو عن مجموعة متصوفة لم أعد أذكر اسمها, ولكني أذكر الرجل الذي كان يدس السيخ الحديدي في بطنه وهويهتف باسم شيخه, وأعتقد أنه الرفاعي, ثم يدس السيخ أو السيف حتى المقبض في عنقه أو خده.

كانت القاعة طويلة كبيرة المساحة, وقد اختنقت بالمريدين, ودخان البخور, وصيحات الاستنجاد بالأجداد, والنقباء, والسادة الرفاعية, وربما إن لم تخني الذاكرة كان هناك شيخ يستنجدون به باسم أخو نزهة, وكنت مفتونا بالمشهد من ذاكرين مهللين, و منادين منفجرين صارخين: مدد, مدد, يا جداه يتفاخرون بالجد الذي يمنع عنهم النزف, ويبرهن على صدق إيمانهم, وكانت جدران القاعة مغطاة باللوحات المستنجدة بالشيخ المرخي حمايته على المحتفلين, ومن صلوات على النبي, وآل النبي, وصحابة النبي, والنقباء المحليين مذكورين بالاسم, ولست أدري ِأي شيطان حثني على أن أنسخ اللوحات عن الجدران, فلعلي أستفيد منها في الكتابة يوما, وبالفعل استخرجت من جيبي الداخلي دفترا, وأخذت أنسخ الكتابات عن الجدران, ويبدو أن حركتي العادية هذه قد استثارت حذرهم, وكان الصديق غسان جبري وما يزال محبا للمقالب, فغمز لكبير الذاكرين بأني غير مصدق بما يفعلون, وأن عليه أن يفعل شيئا لإقناعي وهنا تقدم الرجل مني وعرض بأدب أن يبرهن لي شخصيا على أصالة وصدق ما يفعلون, وحتى لو كنت غير مؤمن بما يفعلون, فإن بركة الجد الحائمة في المكان ستحميني من الأذى, وأشار بالسيخ بما ينتوي جادا فعله " أن يدس السيخ في بطني "و رفضت معتذرا في لطف, وأصر, وأصررت حتى تحلق الجميع بأنظارهم حولنا يرون إلام سينتهي هذا الجدل, وشارك غسان في الجدل, وأخذ يحرضني على التجريب, ولم لا, فالكثيرون فعلوها, وأضاف أحدهم : حتى الأطفال يفعلونها, فلم الخوف؟ وأخذت الدائرة تضيق من حولي, كان الزمن خريفا وكنت ألبس كنزة فضفاضة فوق البنطلون وكان معي علبة للنظارات معلقة إلى الحزام فتحسستها بالصدفة لأحس بكتلة ضخمة معلقة إلى حزامي, واكتشفت أن من لايعرفها سيعتقد أنها مسدس, فقلت لكبير الذاكرين في فحيح غاضب, وأنا أضع كفي على ما يفترض أنه المسدس : إن لم تبتعد فسأكومك! وابتعد الرجل, وتابع المجتمعون استعراضاتهم واستنجاداتهم بالأجداد, وشكهم الأسياخ في خدودهم وبطونهم بل, وأنوفهم.

طبعا كان للرحلة مناحي أخرى...السواقي المعلقة لكيلو مترات ترفع الماء من بحيرة السد إلى أراض ستصبح مسقية بعد تاريخ طويل من السقاية البعلية, هذه الأراضي المزروعة, المسقية وما يستتليه هذا من زراعة الخضار والقطن, بل والشوندر, ولكني شهدت أيضا بداية الخراب في الأراضي المسقية على أيدي فلاحين يزرعون أرضا مروية للمرة الأولى في حياتهم, وكانوا يعتقدون لجدة علاقتهم بالري أن الإكثار من الري سيعني الإكثار من المنتوج, ولكن ماحصل هو أن الإكثار من الري وتسرب الفائض منه إلى جوف الأرض جعل المياه الجوفية ترتفع سنة إثر سنة حتى تختلط المياه الجوفية بالمياه السطحية, فإذا ما جففت الشمس سطح الأرض انتشر الملح الجوفي الصاعدعليها, وسأزور المنطقة بعد سنين لأرى طبقات الملح تغطي الأرض حتى الأفق معلنة خراب مئات الكيلومترات من الأراضي التي كانت زراعية وصارت قاحلة.

أما الناس من العرب حديثي الفلاحية, ومن الكرد ,ومن السريان والآشوريين, واليزيديين, فكنا بعيدين عنهم, نراهم من بعيد, ولا نعرف عن عوالمهم الداخلية, وهموهم, وطموحاتهم إلا ما نسمعه من الرسميين الذين كانوا في غالبهم من البعثيين, أو من المقربين منهم.

حين عدت إلى دمشق فوجئت بعدة مكالمات هاتفبة من الصديقة الأميريكية, وحين مضيت إلى لقائها في نادي العمال الذي كانت تحبه لشرقيته المخالفة لمعظم المقاصف الي لاتعرض إلا نسخة غربية هجينة, وهناك فوجئت بصديقة لها بريطانية, وكانت عالمة انثرو بولوجيا أخرى, وكان قد مضى عليها في سوريا ما يزيد عن الشهر, كان في نادي العمال كل مفردات البيت الشامي, البحرة, والحديقة الداخلية, والإيوان, والزخرفة المقرنصة, وباختصار كان بيتا شاميا فاتنا .

بعد التقديم والتعارف سألت البريطانية عرضا إن كانت تجري دراسة انثروبولوجية ما في سوريا, وتطوعت بالحديث إليها عن تجربتي في الحسكة, وعن الطاعنين بالأسياخ, وعن عدم نزفهم رغم اختراق السيخ لهم, فقالت في تواضع إن لديها اربع طالبات يجهزن رسائلهن عن الأقوام في الحسكة, وما قدمت إلى سوريا إلا لتتابع تقدمهن في عملهن, وأن واحدة منهن قد تسللت إلى لالش في العراق لتدرس اليزيديين عن قرب, أما اليابانية الأخرى فتقيم لدى عشيرة كردية, وهي تضع دراسة عن طريقة عيشهم وزواجهم وطقوسهم الدينية والحياتية, والرعوية, والحربية, وكانت صدمة حقيقية لي, فلم أعرف أو اسمع عن دارس سوري أو عربي فكر في دراسات كهذه, ثم اكملت أن دارسة أخرى تقيم لدى عشيرة عربية, ونشرت دفتر مذكراتها لتقرأ الاسم وقالت بصعوبة : الشرابيين, وتشاطرت فقلت : أفضل صانعي السمن العربي, وتجاوزت تدخلي وتابعت : أما الرابعة فتقيم لدى عشيرة البو بدران .

وأخذت أفكر وزجاجة البيرة تسخن بين يديّ في هاته البنات القادمات من اليابان يدرسن اليزيديين, وطرائق عيشهم وطقوسهم الدينية والحياتية ,والشوايا, أو فلاحي البدو وكيف يعيشون, ويفكرون, وينتخون, ويحاربون, وشيوخهم, وعباداتهم, وعلاقاتهم بالمدينة, وما المدينة لهم, المدينة التي لم تقدم لهم إلا الشرطة المرتشية, والسياسيون الفاسدون, والمنشورات الكئيبة التي يسمونها تعليمات حزبية, بينما يأتي هؤلاء الناس من آخر الدنيا لايريدون ظاهريا إلا العلم, ولايريد طالبو الوظائف لدينا إلا أصواتهم, ولايعرف الكتاب عنهم إلا ما يقرأونه لدى الكناب الغربيين الرحالة, ولا الصحفيون إلا ما يرونه من نافذة القطار أو الباص.

شعبان يدير كل منهما ظهره للآخرمتجاهلا أو مزدريا, وتساءلت: ترى هل سيستطيع الشعب السوري معرفة نفسه في الآخر الشاوي, واليزيدي, والكردي, ولن أتكلم عن المذاهب الاسلامية, فقد درسها الجميع إلا أصحاب القضية من السوريين, كما تفعل هذه القادمة من آخر الدنيا لتشرف على دراسات لا أثر لمنفعة مباشرة لها, بل هو العلم ولا شيء غير العلم؟ ولكن متى كان العلم على هذه البراءة.

khairyalzahaby@hotmail.com خيري الذهبي


تعليق



سماء سليمان

2013-12-07

مقالة جداً مهمة وأكثر من رائعة يا قوم اسمعوا وادعوا

رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow