Alef Logo
ابداعات
              

نقد / العبور إلى الذات

محمد ديبو

2006-04-09

تشكل قصيدة الشاعر السوري (عادل محمود) واحدة من أهم اتجاهات الشعر الشفوي الحديث، داخل المشهد الشعري السوري، فالقصيدة الشفوية التي أبدعها جيل السبعينات السوري (بندر عبد الحميد- نزيه أبو عفش- محمد منذر مصري- عادل محمود) كاستمرار لقصيدة الماغوط، دون أن تكون امتدادا لها، استطاعت أن تتصدر المشهد الشعري السوري إلى جانب قصيدة التفعيلة، منذ السبعينات حتى الآن،ولكن شعراء هذه القصيدة لم يركنوا لما أنجزوه، بل ما انفكوا يحرثون في أرض الشعر -كل على حدة- بحثا عمّا يطور حقولهم الشعرية، وعما يفتح للقصيدة كوى جديدة، نحو فضاءات عذراء لم يطأها الشعر بعد، محاولين البحث عن لغة جديدة قوامها البحث والتجريب، تعبر عن حزنهم الفائض، وعن هشاشة أحلامهم، وعما يعتمل في دواخلهم الممزقة من تناقض واغتراب وبحث دائم عن طوبى ما، عن معجزة ما، عن أي شيء يمكن أن يعيد للحياة توازنها وللشعر ألقه وحضوره الغائب.
إلا أن ما يميز عادل محمود، عن مجايليه من الشعراء السوريين، على صعيد الكم –على الأقل – هو إنتاجه الشعري القليل، وتريثه الحذر قبل القدوم على إصدار عمل شعري ما.
ففي الوقت الذي زاد إصدار مجايليه على العشرين ديوانا، يصدر عادل محمود ديوانه الخامس "حزن معصوم عن الخطأ".
وكأن الشاعر يرى أن الشعر شكل من أشكال الغياب المؤثث على حضور لا يغيب، إذ رغم الغياب والقلة في النشر هنالك من الشعر ما يفيض على حقول متعددة، ومن الجمالية ما يوزع على عمر من بالخيبات، وأكوام من الهزائم التي يعترف الشاعر أنها الربح الوحيد الذي جناه، مما يتوج الشاعر ملكا للخراب، ويجعل منه ظلا آخر للحزن.
فالشعر عند عادل محمود ابن شرعي للصمت، لا يخرج إلى عالم الوجود ما لم يختمر في رحم الصمت الذي يشذب الشعر من نوافله و زوائده، ليغدو أكثر صفاء وصمتا وأقل صخبا وكلاما. لذلك فالشاعر قانع بوحدته، وخسارته ليربح الشعر، حيث يقصي ذاته وفردا نيته ليبقى الشعر دون نسب ينسب إليه، وكأن الشعر يعرف بالشعر وحده، بالنص وحده، فاللشاعر الغياب وللشعر الحضور، إذ ما الذي يفعله الشاعر في عالم باذخ في عهره، في حياة (تنصب أفخاخ الموت، حياة غير شعرية على الإطلاق).
لذا ليس غريبا أن يعنون الشاعر ديوانه بكلمة الحزن ؟
تلك الكلمة التي باتت توحد الشعراء أكثر مما يوحدهم الشعر، إذ لم يبق للشعراء سوى آهاتهم وأحلامهم المعطوبة، أولئك الأنبياء الذين خسروا نبوتهم وخانتهم رسالتهم، واستفاقوا متأخرين على كذب ونفاق إيديولوجيات، كانوا من أتباعها إيمانا منهم أنها الطريق نحو الخلاص، فإذا بها برزخ يضيق حتى بالشعر، الذي يكره كل ما يضيّق الحياة ويضغطها.
لكن الملفت للنظر أن يكون الحزن معصوما عن الخطأ؟
فالشاعر الذي اكتشف خطأ العالم، لم يعد لديه شيء معصوم، كل شيء قابل للخطأ، باستثناء الحزن لأنه الحقيقة الوحيدة المطلقة، التي تشكل ركن الشاعر الثابت ومنزله اليومي، ولأن الحزن في الأساس ابن شرعي للخطأ، والشاعر سليل الأخطاء، وحفيدها المدلل بامتياز.
مع إيغال العالم في الخطيئة، واتشاح اللغة بالحزن وانهيار عالم الشاعر الداخلي، يغدو الكون موحشا وممرضا ومشبعا بالاستهلاك، لذا أصبحت عودة الشاعر حتمية إلى فرديته وعوالمه الخاصة، إذ لم يبق للشاعر سوى ذاته المهشمة والمنقسمة والمتعددة والمفتوحة على ذوات أخرى.
يحاول الشاعر أن يربح نفسه بعد أن خسر العالم، عابرا في فضاء ذكرياته ونسائه وماضيه الحافل بالأخطاء وطفولته ذلك الفردوس المفقود الذي يشكل معجم الشاعر، ومنهله الذي لا ينضب، لذا نجد الشاعر يفتتح ديوانه بالمقطع التالي:
منذ أن تعبت مني
وألقت بي إلى شبابي
لم ألتمس ذهابا إليها
(...)
وأنا في كل عام
أتركها خلفي
تضحك حينا
وتحزن حينا.
فالشاعر يوهمنا بطريقة مواربة وجميلة في آن، أنه يتحدث عن حبيبة هجرها أو هجرته، لكنها ما تزال تحتل الذاكرة وتوغل فيها، لنكتشف في النهاية أنها الطفولة الأنثى، التي يطل عليها الشاعر بين حلم وحلم، بين عمر وسراب، متابعا تجواله في شارع الذاكرة (الماضي)، مستحضرا الشوارع والأشجار والأصدقاء والنساء اللواتي ترعرعن على جسده وانغمس في بواكير أنوثتهن، يستنطق الأشياء ويحورها بحثا عن أجوبة غير موجودة، يقارن بين ما كانه وما صار اليه، كيف غّيرته الحياة، عكس ما يشتهي، من طفل ضحوك مشرق مبتهج بالحياة إلى وجه عابس حزين، يتعبه القناع المتشح به في عالم لا يعترف بالوجوه الواضحة، قوامه الزيف والأقنعة المتعددة، كما في قصيدة "البدائي".
لكن لابد للرحلة من نهاية، حيث يصل الشاعر إلى حدود الشجار مع الماضي، الذي يضغط عليه، ويخنق حاضره، إذ سرعان ما يستدرك الشاعر أن هذه العودة هي هروب في حقيقة الأمر، لذا يطلب من الماضي العودة من حيث جاء:
كف أقولها لك
وأنت تغمد سيفك
حتى آخره كل مساء
كف واذهب إلى بيتك.
فالشاعر يدرك خطأ اجترار الماضي، والاستكانة لهلوسته، يهرب من حاضره لا ليقع في قيد الماضي، إنما ليتحرر من القيود، ولتبقى أنا الشاعر متحررة، تعيش اغترابها ووحدتها، هذه الغربة التي تثقل حياة الشاعر وتضغط على روحه وتوسم فضاء الديوان بميسمها، حيث يصدر الشاعر ديوانه، بمقولة الراهب هونموسان فيكتور(من يجد أن الأرض بأسرها مقام غريب أبدا ...فهو وحده صاحب الكمال" (...) "لأن الإنسان غريب أينما أٌقام !!".)
يحيا الشاعر في عزلة قاسية، قائدا أوكسترا الخواء: كلب الجيران الودود، غبار أجنحة الفراش، مسمار الحائط، بقايا الرحيل ... إلى الدرجة التي يصبح بها الجدار، الصديق الوحيد الذي يحمي ظهر الشاعر من حراب الأصدقاء وغدر الزمن.
ومع ذلك فالشاعر يتعايش مع عزلته ويتآلف معها، دون أن يمنعه ذلك من التوق إلى معانقة الآخرين، فالأنا لا تكتمل إلا بالآخر، ولكن أين الآخر؟
ليس أمام الشاعر سوى ذاته المنقسمة التي تشكل أنا الشاعر وآخره في آن، الأنا المجهولة التي ينظر إليها الشاعر بوصفها آخرا، الأمر الذي يدخله في جدل خطر وعميق مع ذاته، يجادلها كمن يجادل غريبا، يستدرجها إلى الفخ، علها تفتح أبوابها الموصدة:
ذهبت إلى مقهى الشرق
جلسنا معا
أمام منفضة الذكريات
ويقول :
أفتح باب نفسي
كأنه مدخل لعصور قديمة.
يحاول الشاعر أن يحيا وفق الدوافع النابعة من ذاته، ولكنه يدرك صعوبة الأمر واستحالته، ومع ذلك يحاول ويغوص في شعاب الذات باحثا عن بر أمان لا أمان له:
باحثا عنك في داخلي الهندي
وحيث أحط الرحال
سأمر على نفسي تحت معطفها.
ما يلفت النظر أيضا أن الشاعر يحاور ذّاته وماضيه كمن يحاور أنثى، ينتقي لها الجمل الملغومة، ويعبّد لها طريق الحب، مغريا إياها على الولوج في عالمه، وكأني بالشاعر يجاهد لكتابة القصيدة المؤنثة بعيدا عن ثرثرة الذكورة وفحولتها، ساعيا كي يحرر القصيدة من تاريخ الطغيان الذكوري الذي أفقد الشعر الكثير من ملامحه، وأضفى قيما جمالية زائفة تحاكي السائد والرائج بعيدا عن نكهة الشعر وجماليته.
انطلاقا من ذلك يغدو كل شيء مؤنثا فالقصيدة أنثى والخيبة أنثى والهزيمة أنثى والماضي أنثى، متلقفا بذلك عبارة الشيخ ابن عربي "كل ما لا يؤنث لا يعوّل عليه"، محولا إياها إلى بيان شعري جديد، يكتب قصيدة الهامش، مقصيا المتن الذكوري السائد عن لغته.. يقول في القصيدة المائلة:
تنهض من نومها
تمشي على البلاط حافية
فينعشها صوت البرودة فيّ
إنها الذكريات.
يضعنا الشاعر في سياق الحديث عن أنثى، تنهض من النوم، تتأوه، تضجر، لنفاجأ في النهاية إنها الذكريات وليست الأنثى التي رسمنا خيالا لها. الأمر الذي يقودنا إلى أن الشاعر لا يتعامل مع موضوعاته كمواضيع خالدة بذاتها ولذاتها، إنما ينظر إليها مؤنسنة ومؤنثة في آن، مما يجعل المواضيع تحسّ وتتحرك وتصارع، تعيش الحياة من داخلها، تتحرر من جمودها، داخلة ميدان التجدد والولادة والجنون .
ولا يكتفي عادل بذلك بل يسعى إلى تغيير كل شيء، حيث يكسر اللغة ومعانيها، باحثا عن جوهر المعنى، وعن معان متعددة لكلمة واحدة وصفات جديدة غير متعارف عليها، كاسرا رتابة المعاني التي تعلمناها، حيث للكلمة معنى واحد وصفة واحدة لا غير، أي يكسر أحادية اللغة، يحررها مبعثرا معانيها وموزعا صفاتها على حقول من المعنى، كقوله:
خفيفا كحجر
ثقيلا كغيمة
فالمألوف أن الحجر ثقيل والغيوم خفيفة، لكن الشاعر يعكس الأمر مبعثرا المعاني، متنقلا من أحادية المعنى إلى تعددية المعاني، كاشفا عن رحابة اللغة العربية وقدرتها على احتواء المتضادات، داخل وحدة قوامها التعدد والتنوع وتنوع قوامه الوحدة والتفرد.
إن عادل محمود هنا، يبتعد عن مناخ القصيدة الشفوية التي كتبها في دواوينه السابقة، مطورا إياها نحو أفق جديد وباحثا لها عن أرض بكر، ينجح حينا ويخطىء حينا، يتعلم من خطأه اللا معصوم من الحزن.
كم أننا نجد أن قصائد الديوان القصيرة أكثر شعرية وجمالية من الطويلة، إذ يتمكن الشاعر في القصيرة من القبض على اللحظة الشعرية، دون زوائد ترّهل المعنى، بعكس القصائد الطويلة التي تقع بعض مقاطعها في مطب وظائف النثر (الوصف والتقرير والإخبار)، كما في القصيدة المائلة، التي تحتل وحدها ثلث الديوان تقريبا.
مهما يكن فإن عادل محمود، لا يركن لأسلوب شعري ما ويتقوقع داخله، اتخذ من التجريب والتخريب عنوانا لتجربته الشعرية، مأخوذا بهوية ابداعية مفتوحة، قابلة للتجاوز والتخطي والمراجعة، وهذه ميزة المبدع عندما يرفض التكرار والسباحة مرتين في نهر واحد.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

دنس الطهارة وطهارة الدنس

13-كانون الثاني-2018

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

حول السيادة وشجونها

16-كانون الأول-2017

الحشّاشون.. من آلموت إلى الضاحية الجنوبية وغزة وجبل قنديل

02-كانون الأول-2017

الثورة السورية انتصرت!

22-كانون الأول-2016

ربيع تقسيم: هل أحرق أسطورة «الديمقراطيّة الإسلاميّة»؟

04-تموز-2013

الصراع الأمني في سوريا وعليها

26-حزيران-2013

الصعود في الحب

13-كانون الثاني-2018

سجناء الصقيع في مونتريال

06-كانون الثاني-2018

مرحبا ناجي

29-كانون الأول-2017

مسرحية من فصل واحد

23-كانون الأول-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow