Alef Logo
كشاف الوراقين
              

كتاب ــ الشعر والشعراء ــ ابن قتيبة الدينوري

ألف

خاص ألف

2013-11-09

الجزء الأول

مقدمة المؤلف

قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: هذا كتاب ألفته في الشعراء، أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم في أشعارهم، وقبائلهم، وأسماء آبائهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم. وعما يستحسن من أخبار الرجل ويستجاد من شعره، وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطاء في ألفاظهم أو معانيهم، وما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون. وأخبرت فيه عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها ويستحسن لها إلى غير ذلك مما قدمته في هذا الجزء الأول.
قال أبو محمد: وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، وفي النحو، وفي كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأما من خفي اسمه، وقل ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقل من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضاً أخباراً من هذه الطبقة، وإذ كنت أعلم أنه لا حاجة بك إلى أن أسمى لك أسماء لا أدل عليها بخبرٍ أو زمانٍ، أو نسبٍ أو نادرةٍ، أو بيتٍ يستجاد، أو يستغرب.
ولعلك تظن رحمك الله أنه يجب على من ألف مثل كتابنا هذا ألا يدع شاعراً قديماً ولا حديثاً إلا ذكره ودلك عليه، وتقدر أن يكون الشعراء بمنزلة رواة الحديث والأخبار، والملوك والأشراف، الذين يبلغهم الإحصاء، ويجمعهم العدد.
والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيطٌ أو يقف من وراءِ عددهم واقفٌ، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحداً من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعرٌ إلا عرفه، ولا قصيدةٌ إلا رواها.
حدثنا سهل بن محمد حدثنا الأصمعي، حدثنا كردينُ بن مسمعٍ، قال: جاء فتيانٌ إلى أبي ضمضمٍ بعد العشاء، فقال لهم: ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئناك نتحدث، قال: كذبتم، ولكن قلتم، كبر الشيخ فنتلعبه عسى أن نأخذ عليه سقطةٌ ! فأنشدهم لمائة شاعرٍ، وقال مرة أخرى، لثمانين شاعراً، كلهم اسمه عمروٌ.
قال الأصمعي: فعددتُ أنا وخلفٌ الأحمر فلم نقدر على ثلاثين.
فهذا ما حفظه أبو ضمضم، ولم يكن بأروى الناس، وما أقرب أن يكون من لا يعرفه من المسمين بهذا الاسم أكثر ممن عرفه.
هذا إلى من سقط شعره من شعراء القبائل، ولم يحمله إلينا العلماء والنقلة.
أخبرنا أبو حاتم حدثنا الأصمعي قال: كان ثلاثةٌ إخوة من بني سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب رجزهم، يقال لهم منذرٌ ونذير ومنتذرٌ، ويقال إن قصيدة رؤبة التي أولها:
وقَاتِم الْأعْمَاق خَاوِى الُمخْتَرَقْ ... ........لِمُنْتذِر
قال أبو محمد: ولم أعرض في كتابي هذا لمن كان غلب عليه غير الشعر. فقد رأينا بعض من ألف في هذا الفن كتاباً يذكر في الشعراء من لا يعرف بالشعر ولم يقل منه إلا الشذ اليسير، كابن شبرمة القاضي، وسليمان بن قتة التيمي المحدث. ولو قصدنا لذكر مثل هؤلاء في الشعر لذكرنا أكثر الناس، لأنه قلَّ أحدٌ له أدنى مسكة من أدب. وله أدنى حظ من طبعٍ، إلا وقد قال من الشعر شيئاً. ولاحتجنا أن نذكر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلة التابعين، وقوماً كثيراً من حملة العلم، ومن الخلفاء والأشراف، ونجعلهم في طبقات الشعراء.
ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كلٌ شاعر مختاراً له، سبيل من في قلد، أو استحسن باستحسان غيره. ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره. بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظه، ووفرتُ عليه حقه.
فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله

ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن ولا خص به قوماً دون قومٍ، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثاً في عصره، وكل شرفٍ خارجيةً في أوله، فقد كان جريرٌ والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدون محدثين. وكان أبو عمر وابن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته.
ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمي والعتابي والحسن بن هانىءٍ وأشباههم. فكل من أتى بحسنٍ من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله، ولا حداثة سنه. كما أن الردىء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه.
وكان حق هذا الكتاب أن أودعه الأخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم خطره، وعمن رفعه الله بالمديح، وعمن وضعه بالهجاء وعما أودعته العرب من الأخبار النافعة، والأنساب الصحاح، والحكم المضارعة لحكم الفلاسفة، والعلوم في الخيل، والنجوم وأنوائها والاهتداء بها، والرياح وما كان منها مبشراً أو جائلا، والبروق وما كان منها خلباً أو صادقاً، والسحاب وما كان منها جهاماً أو ماطراً، وعما يبعث منه البخيل على السماح، والجبان على اللقاء، والدنى على السمو.
غير أني رأيت ما ذكرت من ذلك في كتاب العرب كثيراً، كافياً، فكرهت الإطاعة بإعادته، فمن أحب أن يعرف ذلك، ليستدل به على حلو الشعر ومره. نظر في ذلك الكتاب، إن شاء الله تعالى.

أقسام الشعر

قال أبو محمد: تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب.
ضربٌ منه حسن لفظه وجاد معناه، كقول القائل في بعض بني أمية:
في كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبقٌ ... مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ في عرْنِينِهِ شممُ
يغْضِى حَيَاءً ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِةِ ... فَما يُكلَّمُ إلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
لم يقل في الهيبة شيءٌ أحسن منه.
وكقول أوس بن حجر:
أيَّتُهَا النَّفْسُ أَجْمِلى جَزَعَا ... إنَّ الَّذِي تَحْذرِينَ قَدْ وَقَعَا
لم يبتدى أحدٌ مرثيةٌ بأحسن من هذا.
وكقول أبي ذؤيبٍ:
والَّنْفُس رَاغِبَةٌ إذَا رَغَّبْتَهَا ... وإذَا تُرَد إلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
حدثني الرياشي عن الأصمعي، قال: هذا أبدع بيت قاله العرب.
وكقول حميد بن ثورٍ:
أَرَى بَصَرِي قَدْ رَابَني بَعْدَ صِحَّةٍ ... وحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَصِحَّ وتَسْلَمَا
ولم يقل في الكبر شيءٌ أحسن منه.
وكقول النابغة:
كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ ... ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِىءِ الكَوَاكِب
لم يبتدى أحدٌ من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب.
ومثل هذا في الشعر كثيرٌ، ليس للإطالة به في هذا الموضع وجهٌ، وستراه عنه ذكرنا أخبار الشعراء.
وضربٌ منه حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، كقول القائل:
ولَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجةٍ ... ومَسَّحَ بِالأَرْكانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
وشُدَّتٌ على حُدْبِ المَهَارِى رحَالُنَا ... ولا يَنْظُرُ الغَادِي الذي هُوَ رَائحُ
أَخَذْنَا بِأَطْرافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَاوسَالَتْ بِأَعْنَاقِ المَطِىِّ الأَبَاطِحُ
هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيءٍ مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح.
وهذا الصنف في الشعر كثيرٌ.
ونحوه قول المعلوط:
إِنَّ الذين غَدَوْا بُلِّبكَ غادَرُوا ... وَشَلاً بِعَيْنِكَ مَا يَزَالُ مَعِينَا
غيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وقُلْنَ لي ... مَاذَا لَقِيتَ مِنَ الْهَوَى ولَقِينَا
ونحوه قول جريرٍ:
يا أُخْتَ نَاجِيَةَ السَّلَامُ عَلَيْكُمُ ... قَبْلَ الرَّحِيلِ وقَبْلَ لَوْمِ العُذَّل
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ آخِرَ عَهْدكُمْ ... يَوْمُ الرَّحِيل فَعَلْتُ ما لم أَفْعَل
وقوله:

بَانَ الخلِيطُ ولوْ طُوِّعْتُ ما بَانَا ... وقَطَعُوا مِنْ حِبَالِ الوَصْل أَقْرَانَا
إِنَّ العُيُونَ التي في طَرْفِهَا مَرَضٌ ... قَتَّلْنَنَا ثُمَّ لم يُحيينَ قَتْلاَنَا
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حتى لَا حَرَاكَ بِهِ ... وهُنَّ أَضْعَفُ خَلْق اللهِ أَرْكانا
وضربٌ منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، كقول لبيد بن ربيعة:
ما عَاتَبَ المَرْءَ الْكَريمَ كَنَفْسِهِ ... والمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيسُ الصَّالِحُ
هذا وإن كان جيد المعنى والسبك فإنه قليل الماء والرونق.
وكقول النابغة للنعمان:
خَطَاطِيفُ حُجْنٌ في حِبَالٍ مَتِينَةٍ ... تَمُدُّ بِهَا أَيْدٍ إلَيْكَ نَوَازِعُ
قال أبو محمد: رأيت علماءنا يستجدون معناه، ولست أرى ألفاظه جياداً ولا مبينةً لمعناه، لأنه أراد: أنت في قدرتك على كخطاطيف عقفٍ يمد بها، وأنا كدلوٍ تمد بتلك الخطاطيف، وعلى أني أيضاً لست أرى المعنى جيداً.
وكقول الفرزدق:
والشَّيْبُ يَنْهَضُ في الشَّبَاب كأَنَّه ... لَيْلٌ يَصِيحُ بجَانِبَيْهِ نَهَارُ
وضربٌ منه تأخر معناه وتأخر لفظه، كقول الأعشى في امرأةٍ:
وفُوها.....كَأَقَاحِيَّ ... غَذَاهُ دَائمُ الهَطْلِ
كما شِيبَ برَاحٍ بَا ... رِد مِنْ عَسَل النَّحْل
وكقول:
إنَّ مَحَلاًّ وإِنَّ مُرْتَحَلا ... وإِنَّ في السَّفْرِ ما مَضَى مَهَلا
اسْتَأْثَرَ اللهُ بِالوَفَاءِ وَبِاْل ... حَمْدِ وَوَلَّى المَلَامَةَ الرَّجُلا
والأَرْضُ حَمَّالَةٌ لمَا حَمَّلَ الَّل ... هُ وَمَا إِنْ تَرُدُّ ما فَعَلَا
يَوْماً تَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ الْ ... عَصْب ويَوْماً أَدِيمُهَا نَغِلَا
وهذا الشعر منحولٌ، ولا أعلم فيه شيئاً يستحسن إلا قوله:
يَا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ الْمَطِىَّ ولَا ... يَشْرَبُ كَأْساً بِكَفِّ مَنْ بَخِلَا
يريد أن كل شاربٍ يشرب بكفه، وهذا ليس ببخيل فيشرب بكف من بخل، وهو معنًى لطيف.
وكقول الخليل بن أحمد العروضي:
إِنَّ الخَليطَ تَصَدَّعْ ... فَطِرْ بِدَائِكَ أَوْقَعْ
لَوْلَا جَوَارٍ حِسَانٌ ... حُورُ الْمَدَامِع أَرْبَعْ
أُمُّ البَنِينَ وأَسْمَا ... ءٌ والرَّبَابُ وبَوْزَعْ
لَقُلْتُ لِلرَّاحِلِ ارْحَلْ ... إِذَا بدا لَكَ أَوْ دَعْ
وهذا الشعر بين التكلف ردىء الصنعة. وكذلك أشعار العلماء، ليس فيها شيءٌ جاء عن إسماحٍ وسهولة، كشعر الأصمعي، وشعر ابن المقفع وشعر الخليل، خلا خلفٍ الأحمر، فإنه كان أجودهم طبعاً وأكثرهم شعراً. ولو لم يكن في هذا الشعر إلا أم البنين وبوزع لكفاه! فقد كان جررٌ أنشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته التي أولها:
بانَ الخَلِيطُ بِرَامَتَيْنِ فَوَدَّعُوا ... أَوَ كُلَّمَا جَدُّوا لِبَيْنٍ تَجْزَعُ
كَيْفَ العَزَاءُ ولم أَجِدْ مُذْ بِنْتُمُ ... قَلْباً يَقِرُّ ولا شَرَاباً يَنْقَعُ
وهو يتحفز ويزحف من حسن الشعر، حتى إذا بلغ إلى قوله:
وتَقُولُ بَوْزَعُ قَدْ دَبَبْتَ عَلَى العَصَاهَلاَّ هَزِئْتِ بِغَيْرِنَا يَا بَوْزَعُ
قال له: أفسدت شعرك بهذا الاسم وفتر.
قال أبو محمد: وقد يقدح في الحسن قبح اسمه، كما ينفع القبيح حسن اسمه، ويزيد في مهانة الرجل فظاعة اسمه، وترد عدالة الرجل بكنيته ولقبه. ولذلك قيل: اشفعوا بالكنى، فإنها شبهةٌ.
وتقدم رجلان إلى شريحٍ، فقال أحدهما: ادع أبا الكويفر ليشهد، فتقدم شيخٌ فرده شريحٌ ولم يسأل عنه، وقال: لو كنت عدلاً لم ترض بها، ورد آخر يلقب أبا الذبان ولم يسأل عنه.
وسأل عمر رجلاً أراد أن يستعين به على أمرٍ عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سراق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك ولم يستعن به.
وسمع عمر بن عبد العزيز رجلاً يدعو رجلاً: يأبا العمرين، فقال: لو كان له عقلٌ كفاه أحدهما! ومن هذا الضرب قول الأعشى:
وقَدْ غَدَوْتُ إلى الحَانُوتِ يتْبَعُني ... شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشَلٌ شَوِل

وهذه الألفاظ الأربعة في معنىً واحد، وكان قد يستغنى بأحدها عن جميعها، وماذا يزيد هذا البيت أن كان للأعشى أو ينقص؟ وقول أبي الأسد، وهو من المتأخرين الأخفياء:
ولَائِمَة لَامَتْكَ يَا فَيْضُ في النَّدَىفَقُلْتَ لَها لَنْ يَقْدَحَ اللَّوْمُ في البَحْرِ
أَرَادَتْ لِتَثْنِي الفَيْضَ في كُلِّ بَلْدَةٍمَوَاقِعُ ماءِ المُزْنِ في البَلَدِ القَفْر
لتثنى الغيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر
مَوَاقِعُ جَوُدِ الفَيْضِ في كُلِّ بَلْدَةٍمَوَاقِعُ ماءِ المُزْنِ في البَلَدِ القَفْر
كَأَنَّ وُفُودَ الفَيْضِ حِينَ تَحَمَّلُواإلى الْفَيِض وَافَوْا عْندَةُ لَيْلَةَ القَدْرِ
وهو القائل:
لَيْتَكَ آذَنْتَنِي بِوَاحدَاةٍ ... تَكُونُ لي مِنْكَ سَائِرَ الأَبَدِ
تَحْلِفُ أَلاَّ تَبَرَني أَبَداً ... فَإنَّ فِيهَا بَرْداً على كَبدِي
إِنْ كانَ رِزْقي إِلَيْكَ فَارْمِ بِهِ ... في نَاظِرَيْ حَيَّةٍ على رَصَدِ
ومن هذا الضرب أيضاً قول المرقش:
هَلْ بِالدِّيَارِ أَنْ تُجِيبَ صَمَمْ ... لَوْ أَنَّ حَيًّا نَاطِقاً كَلمْ
يَأْبي الشَّبَابُ الأَقْوَرِينَ ولاَ ... تَغْبِطْ أَخَاكَ أَنْ يُقَالَ حَكَمْ
والعجب عندي من الأصمعي، إذ أدخله في متخيره، وهو شعرٌ ليس بصحيح الوزن ولا حسن الروى، ولا متخير اللفظ، ولا لطيف المعنى ولا أعلم فيه شيئاً يستحسنُ إلا قوله:
النَّشرُ مِسْك والوُجُوهُ دنَا ... نِيرُ وأَطْرَاف الأَكُفِّ عَنَمْ
ويستجاد منه قوله:
لَيْسَ على طُولِ الحيَاةِ نَدَمْ ... ومنْ وَرَاءِ المَرْء مَا يُعْلَمْ
وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ على لَذةٍ ... وأُخْرَى تَدَاوَيْتُ منْهَا بهَا
حتى قال أبو نواس:
دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ ... وَدَاوِني بالتي كانَتْ هِي الدَّاءُ
فسلخه وزاد فيه معنًى آخر، اجتمع له به الحسنُ في صدره وعجزه، فللأعشى فضل السبق إليه، ولأبي نواسٍ فضل الزيادة فيه.
وقال الرشيد للمفضل الضبي: اذكر لي بيتاً جيد المعنى يحتاج إلى مقارعة الفكر في استخراج خبيئه ثم دعني وإياه، فقال له المفضل: أتعرف بيتاً أوله أعرابي في شملته، هاب من نومته، كأنما صدر عن ركبٍ جرى في أجفانهم الوسن فركد، يستفزهم بعنجهية البدو، وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق، قد غذى بماء العقيق؟ قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل بن معمر:
أَلاَ أَيُّهَا الرَّكْبُ النيَامُ أَلاَ هُبُّوا
ثم أدركته رقة المشوق، فقال:
أسائلكم: هل يقتل الرجل الحب؟
قال: صدقت، فهل تعرف أنت الآن بيتاً أوله أكثم بن صيفي في إصالة الرأي ونبل العظة، وآخره إبقراط في معرفته بالداء والدواء؟ قال المفضل: قد هولت علي، فليت شعري بأي مهرٍ تفترع عروس هذا الخدر؟ قال: بإصغائك وإنصافك، وهو قول الحسن بن هاني:
دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ ... وَدَاوِني بالتي كانَتْ هِي الدَّاءُ

قال أبو محمد: وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظغن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم عن ماءٍ إلى ماءٍ، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة، والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه، لأن التشبيب قريبٌ من النفوس، لأئطٌ بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحدٌ يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسببٍ، وضارباً فيه بسهمٍ، حلالٍ أو حرامٍ، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحل الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكأفاة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل.
فالشاعر المجيد من سلك هذه الأسالب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحداً منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمآءٌ إلى المزيد.
فقد كان بعض الرجاز أتى نصر بن سيارٍ وإلى خراسان لبنى أمية، فمدحه بقصيدةٍ، تشبيبها مائة بيتٍ، ومديحها عشرة أبياتٍ، فقال نصرٌ: والله ما بقيت كلمةٌ عذبةً ولا معنى لطيفاً إلا وقد شغلته عن مديحي بتشبيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في التسيب، فأتاه فأنشده،
هَلْ تَعْرِفُ الدَّارَ لأُمِّ الغَمْرِ ... دَعْ ذَا وحَبّرْ مدْحَةً في نَصْرِ
فقال نصر: لا ذلك ولا هذا ولكن بين الأمرين.
وقيل لعقيل بن علفة: ما لك لا تطيل الهجاء؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقيل لأبي المهوش الأسدي: لم لا تطيل الهجاء؟ فقال: لم أجد المثل السائر إلا بيتاً واحداً.
وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزلٍ عامر، أو يبكى عند مشيد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر، والرسم العافي. أو يرحل على حمارٍ أو بغلٍ ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجواري، لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة.
قال خلفٌ الأحمر: قال لي شيخٌ من أهل الكوفة، أما عجبت من الشاعر قال:
أَنْبَتَ قَيْصُوماً وجَثْجَاثَا
فاحتمل له، وقلت أنا:
أَنْبَتَ إِجَّاصاً وتُفَّاحَا
فلم يحتمل لي؟ وليس له أن يقيس على اشتقاقهم، فيطلق ما لم يطلقوا.
قال الخليل بن أحمد: أنشدني رجلٌ:
تَرَافعَ العِزٌّ بِنَا فارْفَنْعَعا
فقلت. ليس هذا شيئاً، فقال: كيف جاز للعجاج أن يقول:
تَقاعَسَ العزُّ بِنَا فَاقْعَنْسَسا









تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج4 المؤلف : الخطيب القزويني

14-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج3 المؤلف : الخطيب القزويني

07-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج2 المؤلف : الخطيب القزويني

30-أيلول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج1 المؤلف : الخطيب القزويني

23-أيلول-2017

مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي / إعداد : ليث زيدان

23-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow