Alef Logo
مقالات ألف
              

التمرد.. صانعاً المنعطفات

علا شيب الدين

2013-10-31


في نقد مفهوم "التكيّف":
كتب الفيلسوف الأمريكي المعاصر "رويس" يقول: " إن المرء يتفلسف حينما يفكّر تفكيراً نقدياً في كل ما هو بصدد عمله بالفعل في هذا العالم".
قد لا نتفق كثيراً مع هذا القول، ذلك أن فعل التفلسف في جوهره إنْ هو إلا مطاردة مستمرّة للحقيقة، وتفتّح لا يتوقف لمشكلات جديدة وبالتالي لمفاهيم جديدة، لكننا نتفق معه في كون التفكّر النّقدي جانباً مهما، ومهماً جداً في التفلسف وإن لم يكن هو التفلسف بحدّ ذاته.

إن رحلة التفكّر النقدي التي يقوم بها العقل تقتضي التشكيك في المفاهيم، لأن القراءة الدائمة للمفاهيم ليست سوى ضربً من النظر العقلي الذي يهدف إلى معرفة الأشياء على حقيقتها، وعلى هذا تبرز وجاهة إزاحة النقاب عمّا تنطوي عليه المفاهيم من نقائض وغرائب ربما، كي نستيقظ من سباتنا اليقيني تجاه المفاهيم.
بحسب علم النفس التكيّف هو (قدرة على تكوين علاقات مُرضية بين الفرد وبيئته).
يبدو أنه ليس لنا إلا أن نوافق على جزء من هذا التحديد من حيث جعله التكيّف قدرة تحرّض الفرد على المستوى الشخصي كي يسعى للتخلص من صراعات نفسيّة تقترن بمشاعر الذنب والنقص والرّثاء للذات، وبالتالي صموده حيال الشدائد والأزمات التي يرتطم بها في حياته، ومن جهة أخرى ليس لنا إلا أن نوافق أيضاً على جزء آخر في هذا التحديد، وهو جزء يتّسع ليطال المستوى الاجتماعي بحيث يكون التكيّف قدرة الفرد على إقامة علاقات متوازنة مع الآخرين من دون أن يشعر بحاجة ملحّة إلى السيطرة أو العدوان، ولا بحاجة ملحّة كذلك للاستماع إلى الإطراء أو استدرار العطف، وهذا من شأنه نزع التّصوّرات المسبقة في التعاطي مع الآخر، وتحقيق تعايش سلمي بين الناس.

ورغم اتفاقنا مع التحديد السابق ببعض جوانبه، إلا أنه قد يحقّ لنا أن نسبح في نهر التكيّف، قاصدين الضفة الأخرى منه، فالمفهوم، أي مفهوم، هو نصّ مكثف، والنص فضاء مشرع على النّقد. سنسبح وفي أذهاننا فكرة نسبيّة المفاهيم المقترنة بدلالات زمانية ومكانية، طالما أنها ليست سوى ما "استوعبه" و ما "تعقّله" فرد أو جماعة في مكان وزمان محدّديْن، وعلى هذا، فإن على الضفة الأخرى لمفهوم التكيّف ما يستحقّ التفكّر.

إن مفهوم التكيّف مفهوم ظرفي، فـ"كيْفَ" هو اسم للاستفهام عن الأحوال، والمصدر منه هو "الكيفيّة" أي الحالة التي يكون عليها الشيء، هكذا يغدو المفهوم أكثر عرضة للنقد، إذ كيف لنا أن نؤمن بدوام الحال، ونحن نعلم أنه محال؟! فإذا كان لا مجال للشك في البدهيّات الرياضية (مثلا) كتلك التي تقول: (الكميتان المساويتان لكمية ثالثة، متساويتان)، لأنها ببساطة ليست خاضعة لزمان معيّن ولا لمكان معيّن، فإن الأمر يختلف تماماً بالنسبة إلى المفاهيم الخاضعة للزمان والمكان (الظروف)، كمفهوم التكيّف، وما يصحّ التكيف معه هنا قد لا يصحّ هناك، وما كان واجب التكيّف معه في زمن معيّن قد لا يعود ضرورياً في زمن آخر.

ولئن كان مفهوم التكيّف يبتغي رضا الفرد عن نفسه وعن المحيط، فإنه ينطوي على قناعة معيّنة تدعو الفرد للرّكون إلى ما هو كائن، آخذاً الفرد صوب مقولة (القناعة كنز لا يفنى)، ولكن من قال إن القناعة كنز لا يفنى؟! فالقناعة لم ولن تكون إلا كنزاً يفنى، ولا يمكن للرّوح الوقّادة، الوثّابة أن تقنع، ولا أن تتكيّف ومألوف ينتمي إلى زمن أفقي لا يشبه أبداً زمنها العامودي في توتره الأقصى، قد يصطدم شخص يمتلك روحاً وقّادة، وعقلاً منفتحاً، وأخلاقاً نبيلة بواقع فاسد، ربما يكون واقعاً سياسياً، أو اقتصادياً، أو اجتماعياً….إلخ، وحين يحتقن ويحاول الاعتراض على مثل هذا الواقع، قد يقال له: (تكيَّفْ)، ترى أليس من التهافت بمكان أن نطلب من روح وقّادة أن تنطفيء تحت وطأة التكيّف القارس؟! هنا، يتكشّف لنا ما قد ينطوي عليه التكيّف من "تطويع" يقسر الذات الحرة المبدعة لتتشابه والسائد، لتغدو أيّة محاولة للخروج على السائد جنوحاً صوب التّهميش، فإما أن تتكيّف (تساير، تجامل، تساوم) وإما أن تُقمَع وتُحَارَب وتُنْعَت بنعوت شتّى من قبيل "معقّد"، "شاذ"، "خائن"…إلخ، ولن يكون التكييف بهذا المعنى إلا سَوْقاً للأفراد كي ينضموا للقطيع. إنّ نفْض غبار الحياة العادية بما فيها من آراء متواترة وأفكار مسبقة وعادات متجذّرة، كلّ هذه وأكثر تستوجب بشكل أو بآخر عدم التكيّف، والحرية البشرية تتجلى أولاً وبالذات في تلك المقدرة "السلبيّة" التي يستطيع معها الإنسان أن ينطق بكلمة "لا"، و الـ"لا" هنا ليست غاية في ذاتها، ولا يُبْتغى من ورائها مجرّد المغايرة، على مبدأ (خالف تُعرف)، لأن قول "لا" هنا يعني "نعم" هناك، هكذا يصبح لـ"لا" معنى خصباً وخلاقاً. وهنا، يبدو بوضوح كيف أنّ اللاتكيّف ما هو إلا ضفّة أخرى للنهر نفسه، والنهر لا تقوم له قائمة من دون ضفّتين!!

وقد يبادر البعض إلى القول معترضاً: إنّ التكيّف قانون من قوانين الطبيعة تخضع له الكائنات جميعاً، وردّنا على هذا الاعتراض يكون بالقول : حقاً إن التكيّف قانون طبيعي، ولكن يجب التفرقة بين تكيّف الإنسان وتكيّف الكائنات الأخرى، ذلك أن تكيّف الإنسان لا يشبه بحال من الأحوال ذلك التكيّف الذي تخضع له بقية الكائنات خضوعاً غرائزيّاً، فتكيّف الإنسان نابع من صميم العقل، وما الوجود الإنساني إلا وجود حرّ، مختار، حتى أن الإرادة الإنسانية تجعل الإنسان كائناً متكيّفاً بفضل العقل مع كلّ البيئات بخلاف بقيّة الكائنات التي لا يمكنها التكيّف إلا مع بيئة واحدة، بيئتها، فالإنسان بذكائه تكيّف مع البحر والفضاء والغابة والصحراء ومع ذلك القطب المتجمِّد من الأرض….إلخ، وحسبنا أن نرجع إلى أقدم الحضارات البشرية كي نتحقق من أن الإنسان ومنذ القدم سعى كي يتكيّف مع الطبيعة عبر شعوره بأنها "لغز" يستدعي الحل، وعبر شعوره بأن نفسه " أحجية" تتطلّب التفسير، ولكن الذكاء الإنساني تكيّفَ مع الطبيعة كي يتجاوزها، فهو لم يسايرها أبداً، لأن تكيّف الإنسان ينبغي له أن ينطوي على رفض الواقعة المحضة، ونبذ التّصديق السّاذج.

حقّاً إنّ التكيّف نوع من المرونة، لكن المرونة لا تتنافى وكيان مستقل تقوم عليه، فالمرونة لا تعني التنازل عن الذات من أجل الانصهار في الآخر، لأن العدل يقتضي أن نكون نحن (نحن) في حالة تقابل وتكامل والآخر لا في حالة ذوبان فيه، هكذا نفهم لماذا يدين الناس ذلك الذي يغيّر مواقفه، وأفكاره، ومبادئه، وشعاراته، وقناعاته….و(ألوانه) تكيّفاً ومصلحة ما عبر وصفه بـ(الحرباء).

التمرّد.. صانعاً المنعطفات/نماذج من التاريخ:

ما الطمأنينة إلا لهْوٌ يجيده ممتهنو الأرواح المتيبّسة، لأن العدل يقتضي اللّهاث وإضرام الأسئلة في قلب اليقين. فأن تكون أنت ولست القبيلة: فاتحة البحث، وأن تلهث بحثاً عن سؤالك المفترض: فاتحة الإشراق، ووحدها الأرواح المتمرّدة، متّقدة، قادرة على نبش أعماق الطمأنينة، مضعضعة سواكن الأشياء، مبدّدة المسلّمات، مفكّكة إيّاها، فتخلق عوالم جديدة وجغرافيّات مبتكرة لذوات حرّة.
المتمرّد: ذات لم تتّكيء على عكاكيز الآخر، ذات سافرت عميقاً صوب خلاياها المبهمة، فكانت أسّ البحث.. الكشف. وإذا كان سخط بودلير على الحداثة قد أنتج "أزهار الشر" معلناً ولادة الشعر الحديث، فإن نزق بيتهوفن قد أنتج السمفونية التاسعة كأنموذج لتمرد كان السبب في منعطف موسيقى.

قد نختلف نسبيّاً مع "هيغل" من حيث تفضيله التاريخ على الفرد، ونتفق نسبيّاً وقول ابن خلدون "إن التاريخ: تاريخ أفراد"، ولكن أي أفراد؟ يبدو أن التاريخ بهذا المعنى هو تاريخ أفراد متمرّدين، والمتمردون أولئك المتيقظون لضرورة نفض التاريخ كلما استكان خلف غبار الثوابت. إن إعادة قراءة التاريخ الإنساني تشي باستمرار بأن التمرد كان دائماً خلف كل منجز فكري، وثقافي، وسياسي، واقتصادي، وديني، فثورة (ربيع الشعوب) 1948التي قررت نهائياً إلغاء الرّق عبر مؤتمر وطني عقد في فرنسا لم تكن لتوجد لولا سلسلة تمرّدات كان جذرها الأهم ثورة "سبارتاكوس" التي وصفها التاريخ بـ(أم الثورات الإنسانية)، وسبارتاكوس هذا لم يكن إلا عبداً قرّر التمرد على قمع الإمبراطورية الرومانية للرقيق، هو المفعم بالشجاعة ورجاحة في العقل ودماثة في الخلق وحسناً في القيادة، فقد أصدر نداء إلى الأرقّاء في إيطالية يدعوهم إلى الثورة وسرعان ما التفّ حوله سبعون ألفاً، ما ولّد الرّعب في قلوب أثرياء الرّومان، وملأ قلوب الأرقاء أملاً، وانتهت حياة هذا المتمرّد وسط المعارك، مرحّباً بالموت، وحين أصابته طعنة أسقطته أرضاً وأعجزته عن النّهوض ظلّ يقاتل وهو راكع على ركبتيه إلى أن فارق الروح بعدما تمزّق جسده لدرجة لم يُعرف بها.

يبدو أن العبودية تحمل بين طيّاتها نقيضها، ويبدو أن هذا النقيض لا يحتاج إلا لروح متمرّدة تنعتق من ردائها العبودي ليكون عهداً جديداً، والعهد الجديد لن يكون من دون تمرّد فذّ على آخر قديم، هكذا نفهم جيداً لماذا جاء السيد المسيح مخلّصاً للبشريّة، مبشّراً برسالة تتمرّد على عهد قديم لتعلن تعاليم جديدة تفتح أبواب دين جديد، وعهد جديد.
ومثلما نفهم الخلاص من العبودية كسلسلة تمرّدات، يمكن لنا أن نفهم أيضاً الخلاص من ظلم وظلاميّة القرون الوسطى المُثقلة بحكم الكنيسة ومحاكم التفتيش وتسخير الإنسان لخدمة السماء، والتنكيل بحرية الفكر والتعبير والكشف وتقويضها لصالح اللاهوت المسيحي، كسلسلة تمرّدات، إذ كيف لنا أن نفهم الخلاص عبوديّة من القرون الوسطى من دون تمرّد "رينيه ديكارت" مثلاً، كتمرد على كلّ سائد ومألوف، ديكارت المنقلب على أرسطو، النّاعِت لمنطقه الصّوري بالعقم، المعجب بالرياضيات كعلم خصب، والمشكّك بكل معرفة سابقة، يقينيّة، من أجل الوصول إلى يقين خاص بالذات الحرّة، وإعادة الاعتبار للفكر كمقوّم أساس للوجود الإنساني، فمع ديكارت كمتمرد على القديم والسائد تبدأ فلسفة حديثة. وفي سلسلة التمردات على عصر وسيط طال انتظار الانفلات منه يبرز أيضاً "فرانسوا بيكون" فيلسوفاً ثائراً بوجه منطق أرسطو الاستنتاجي المحض الذي طالما ظلّ سائداً منذ ألفي سنة تقريباً، وظلّ مسيطراً خلال العصر الوسيط، إذ كان الخروج عليه يعني الخروج عن قوانين إلهيّة، مع بيكون صار للتجربة والملاحظة مكانة كبرى، وبحسب بيكون نحن لا نستطيع أن نفهم الطبيعة ونسخّرها لمصلحتنا إن لم نصغ إليها ونخضع لقوانينها.

لقد كان الخروج على الكتاب المقدّس في عصر الظلام طريقاً سهلاً باتجاه الموت، وهكذا، لا نفهم خروج "كوبرنيكوس" على الكتاب المقدّس إلا على أنه تمرد فذّ قصد تفتيت بدهيّة تقول: إن الأرض مركز الكون، ثابتة، والشمس تدور حولها، ليعلن نقيض ما جاء في الكتاب المقدّس، ما مهّد الطريق أمام متمرد آخر على تلك الأغاليط هو "غاليليو" ليثبت صحّة نظرية كوبرنيكوس عبر منهج بحث علمي حديث يتنكّر لما تبنّاه العقل القروسطي الجامد وليذهب بالرغم من كل العنف والقمع الذي شهده إلى أنه "مع ذلك فالأرض تدور".

عبر هؤلاء الفلاسفة والعلماء وغيرهم الكثير من المتمردين فارق العالم عصراً مأزوماً، منتقلاً إلى عصر بدأ لتوّه يستنشق الأوكسجين، إنه عصر النهضة، ولكن هل يتوقف التمرد عند هذا الحد؟ فهو لو كان يتوقف لما واصل حضوره من خلال شخصيات عديدة كان لها الأثر الأكبر والأعمق في تغيير وجهة التاريخ الإنساني، ومن بين هذه الشخصيات "جان جاك روسو" فيلسوف متمرد مفعم بروح النقد وثائر ضدّ كلّ صنوف القهر وتكبيل الحريّات، لقد كان كتاب (العقد الاجتماعي) والذي جاء فيه "يولد الإنسان حراً إلا أنه يُكبَّل بالأغلال في كل مكان" إنجيل الثورة الفرنسية عام 1789ثورة اعتُبِرت أعظم حدث في التاريخ الحديث، ثورة شكّلت بداية لمرحلة جديدة في تاريخ البشرية، بداية تاريخ معاصر يتردّد فيه صدى صوت جَهْورَي، صوت خطيب الثورة الفرنسية والمغامر الأكبر "ميرابو". وبين عصري الأنوار والظلام ثمة قرون من جهد شّاق يبتغي النور، في عصر الأنوار هذا سيظهر الفيلسوف الأهم تمرداً، إنه "فريدريك نيتشه" محطّم الشرائع، قاصد الإنسان المتفوّق الأعلى، ممجّد إرادة القوة، ممتدح أخلاق السادة، لاعن أخلاق العبودية، كاره للمنذرين بالموت، مُحِبّ لعشّاق الحياة.

وحيث أن النظام البرجوازي ذا الطابع التجاري انبثق من قلب النظام الإقطاعي الزراعي معلناً التمرّد على عصر الإقطاع برمّته، فإن النظام الرأسمالي الصناعي تعالى على تلك الحرف الصغيرة التي ميّزت النظام البرجوازي، وعلى هذا الأخير(النظام الرأسمالي) سيتمرد "كارل ماركس" آتياً بمفاهيم تكرّس نظاماً اقتصادياً مختلفاً، إنه النظام الإشتراكي، نظام لا يكترث للملكيّة الخاصة، ولا لرأس المال، ولا للآلة التي طحنت الإنسان، ولا لربّ العمل الذي يستغلّ العامل، ولا لرأسمالي جشع لا همّ له سوى الربح وتكديس المال، والاستخفاف بكل نزعة إنسانية، سيتحدث ماركس عن اشتراكية أمميّة لا تأبه للدولة، عن سواد البروليتاريا، عن شيوعية هي حتمية تاريخية وخلاصة صراع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، سيقلب تاريخ هيغل المثالي الذي يمشي على رأسه، ليؤكد أن التاريخ يسير على قدميه، وتلك هي المادية التاريخية، كان همّ ماركس الأكبر هو التغيير لأن " الفلاسفة قد صرفوا همّهم حتى الآن إلى تفسير العالم على شتّى الوجوه، ولكن بيت القصيد أن نعمل على تغييره"، ولأن تغيير العالم هو الأهم في الفلسفة الماركسية سيقود "لينين" ثورة بلشفية عام 1917، ثورة تتّخذ من الأيديولوجيا الماركسية قاعدة لتجربة الجمهوريات الإشتراكية التي تلتزم أنظمتها السياسية علناً بالماركسية.

وفي سنة 1924سيكتب موسيليني يقول: "نحن الفاشست عندنا الجرأة على رفض كل النظريات السياسية التقليدية، نحن أرستقراطيون، وديمقراطيون، ثوريون، ورجعيون، بروليتاريون، ومناهضون للبروليتاريا، سلميون ومعادون للسلميين، يكفي أن تكون لنا نقطة واحدة ثابتة هي الأمة". لكن التمرد الأكبر والأشد قسوة على الأيديولوجيا الماركسية سيكون من جهة النازية وزعيمها "أودولف هتلر"، هتلر الذي يزعم أن السماء اختارته للتبشير بإرادة الخالق العرقيّة، لقد قاسى هتلر مرارة الجوع، وتسكّع على أرصفة المدينة الكبيرة "مدينة فيينا" هذه المدينة القاسية، التي لا تجذب الناس إليها إلا لتسحقهم، بدت له وكأنها عاصمة الظلم الاجتماعي، فما دواء هذا؟ المحبّة الإنسانية؟! أعمال البرّ والإحسان؟! إن هذه لَترّهات مُضحِكة ولا جدوى منها، فالعلل العميقة والعضويّة في المجتمع والتي ينبغي الهجوم عليها بالنسبة إليه، هي الإشتراكية، فثار ضدّ تعابير الماركسية الغامضة وغير القابلة للفهم، التي طالما أثارت نفوره. لقد اعتبر أن هدف الماركسية يتلخّص بالأنانية والحقد وإن "زعيم الاشتراكية الديمقراطية إنما هو يهودي"، يقول: "بدفاعي عن نفسي ضدّ اليهودي، أكافح للدفاع عن عمل الرّب" إذن: "الماركسية واليهودية وجهان لعبقرية شيطانية تهدّد وجود الشعب الألماني".

وإذا كان هتلر متمرّداً ممجّداً العرق الآري في الغرب من الكرة الأرضيّة، فإن متمرداً آخر في الجنوب منها سيتمرّد على التمييز العنصري، سيصرف حياته للنضال ضد اضطهاد الأبيض للأسود، هذا هو "نلسن مانديلا" الذي قضى في السجن سبعة وعشرين عاماً، ليخرج بعدها فيصير رئيساً لبلاده في جنوب أفريقيا، مواصلاً تمرّده ضدّ كل صنوف التمييز العنصري.

حقّاً إن هتلر ومانديلا شخصيتان متمردتان، ولكن، يحق لنا أن نسأل عن وجاهة المقارنة بين تمرد من أجل العدالة الإنسانية وتحرير الإنسان وآخر غايته تمجيد عرق، ويختلق الخرافات من أجل تكريس تفوّق شعب أو أمة أو دولة أو عرق على بقيّة الأمم والأعراق والشعوب والدول؟. ولئن كان التمرد مفهوماً حركيّاً ينطوي على السلب والإيجاب باستمرار فبإمكاننا استيعاب سلبه وإيجابه استناداً إلى التصوّر الهيغلي لسير التاريخ _ وإن كنا قد اختلفنا معه بشأن إهماله الفرد لصالح التاريخ _ إذ بالرغم من الحروب والكوارث والشّرور والمفاسد سيظلّ التاريخ سائراً للأمام لأن هيغل يعتبر أن "كل ماهو واقعي عقلانياً، وكل ما هو عقلاني واقعياً" وبالتالي لا بدّ من السلب كي يكون الإيجاب وفق هذا المنطق العقلاني الصّارم، فكل أطروحة هناك ما يناقضها ومن تركيب هاتين الأطروحتين تبرز أطروحات جديدة، وهذا هو "الديالكتيك الهيغلي" المتقدّم إلى الأمام دائماً، تساعدنا مثل هذه الرؤية للتاريخ على استيعاب ماذا يعني أن يكون فيه هتلر بمقابل مانديلا.

وبعد حربين عالميّتين شرستين، وبدء حرب باردة بين قطبين متناحرين يرفع الواحد منهما راية الإشتراكية وينزع الآخر إلى حمل الرّاية الرأسمالية، وبعد رمي قنبلة ذَريّة على هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، وبعد كوارث وأزمات ومآس إنسانية، ستبرز فلسفات وجوديّة لتعلن تمرّدها على كل ما يقتصّ من حرية الوجود الإنساني، فصار همّها تحرير الإنسان مما هو متصوّر عقليّاً، من أجل وضعه وجهاً لوجه أمام وجوده الخاص بوصفه كائناً حرّاً يتوقف مصيره على قراره الشخصي، والواقع أن الإنسانية باتت تعلم أنها إن كانت ما تزال على قيد البقاء، فما ذلك لمجرد أنها قد ظهرت بطريق الصدفة على مسرح الوجود، بل لأنها قد اتخذت قرارها وآلت على نفسها أن تظلّ على قيد البقاء، فليس ثمة "جنس بشري" على حد تعبير "جان بول سارتر"، بل هناك إنسانية أخذت على عاتقها أن تنصّب من نفسها حارسة على القنبلة الذَّريّة، وأن تضطلع بمسؤولية حياتها وموتها.

هكذا، سيظلّ العالم جمراً تحت رماد، وإذا كان أحد قطبي الحرب الباردة وهو الاتحاد السوفيتي سينهار عام 1991فإن القطب الآخر من هذه الحرب سيتعرّض بعد عام واحد فقط من الألفيّة الجديدة لهجمات عنيفة تبعث الفزع في عمق أعماقه، سيتمرد "أسامة بن لادن" مهاجماً الولايات المتحدة الأمريكية ليضرب مركز التجارة العالمي فيقسم اليوم الذي حدث فيه هذا الهجوم، أي الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001التاريخ إلى ما قبل هذا اليوم وما بعده، ستشتعل الحروب هنا وهناك، سيبزغ الإرهاب بشكل لا يشبه نفسه تاريخيّاً، ستمتطيه جماعات إسلاميّة متطرّفة، متشدّدة، تنادي بالسلفيّة، ولكن أية سلفيّة هي؟! وهل تستقيم المقارنة بين تمرّد شخصية عبقريّة كشخصية النبي "محمد" الذي ثار ضد ظلم مجتمعه آنذاك من أجل تحقيق عدالة اجتماعية، والذي أوجد ديناً جديداً غيّر وجه الأرض والسماء، والذي أنتج تمرده كشخص، "أمّة"؟! هل تستقيم مقارنة مثل هذا التمرد مع تمرد عقيم، أعمى يقتل الأبرياء تحت شعارات دينية لا تمتّ بصلة لجوهر الدين كمحبّة، وكمنظومة أخلاقيّة؟! فلو كان هؤلاء الذين يأخذ التمرد على أيديهم شكل الإرهاب انتبهوا فقط ل "ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، أعظم قيمة في الإسلام، لما فعلوا ما فعلوا.

ورغم قول من يمقتون الفكر الفلسفي: إنّ فتح أبواب العالم الإسلامي أمام الفلسفة اليونانية
أيام هارون الرشيد والمأمون كان أكبر جريمة ارتكبها خلفاء ذلك العصر، فإن التمرد الأعظم الذي أنقذ الفلسفة من الموت هو تمرد ابن رشد على (تهافت الفلاسفة) للغزالي عبر (تهافت التهافت)، لتحيا الفلسفة في المغرب العربي بعد أن كادت تموت في مشرقه، ومن يدري كيف ستكون حال ابن رشد القائل "تموت
روحي بموت الفلسفة" لو كان حيّاً الآن وهو يرى بأمّ عينه كيف صار حال الحضارة العربية الإسلامية بعد موت الفلسفة موتاً شنيعاً؟!

عزاؤنا الوحيد ربما، في موت الفلسفة وضآلة التفكّر النقدي في فضائنا العربي الإسلامي المعاصر، هو أننا الآن ننتمي إلى عصر يعيش انفتاحاً عالميّاً شاملاً لكلّ الفضاءات، عصر لا مجال فيه للانغلاق و"الأسرار"، هنا يمكن الحديث عن متمرّد جديد، متمرّد على الدبلوماسية "السريّة"، إنه "جوليان اسانج"، ويأتي تمرّد اسانج بمثابة ثورة جديدة، ثورة منسجمة وعالم بات قرية صغيرة، وبات من السذاجة بمكان تجاهل ما الذي تعنيه "قرية صغيرة"، إن موقع "ويكيليكس" الإلكتروني الذي أسّسه اسانج والوثائق السريّة التي نشرها فيه والتي تفضح ما يحرص دبلوماسيو العالم على سريّته هزّ الإعلام التقليدي هزّاً، مشكّلاً علامة فارقة في عصر الاتصالات، علامة تؤسّس لمفاهيم جديدة، والمفاهيم لن تنتهي طالما هناك بشر، فالنفس الإنسانية توّاقة إلى كل ما يبعث الحياة في السائد ويعصف به أملاً في التغيير.

عن موقع الأوان



تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

الشر إذ يتديَّن

06-تموز-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

حكايات عن الثورة

25-شباط-2017

لوحتان

06-كانون الثاني-2017

في مديح قلم الرصاص

15-تشرين الأول-2016

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow