Alef Logo
مقالات ألف
              

شكوتك إلى الله

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-10-27

حين توسعت وتضخمت الدولة الاسلامية وتحولت إلى امبراطورية, وتكاثر الرعايا من آراميين, ونبطيين, وقبط, وفرس, وهنود, وأمازيغ ,وايبيريين, وسودان ,وأحباش , وتكاثرت المشاكل والخلافات فيما بين الفاتحين من العرب والعرب, ومابين العرب وغير العرب من الرعايا" الموالي ", ومابين المسلمين وغير المسلمين من أهل الذمة, وفجأة وجد رعايا الدولة الجديدة أن المرجعية القانونية التي كانوا يرجعون إليها لم تعد المرجعية المعتمدة, فبعد القوانين الرومانية والتي حكمت الامبراطورية لقرون حتى أصبحت طبعا ثانيا, وبعد القوانين في الامبراطورية الفارسية التي سادت الشطر الشرقي من الامبراطورية الاسلامية جاءت المسيحية فاحتفظت بالقوانين الرومانية المتداولة في المحاكم شفهيا كأعراف ومدونات غير مجموعة, أو متخذة شكل النصوص الصريحة المجموعة والمتعارضة أحيانا, والمغطية لكل شؤون الحياة الدنيوية من قضايا الملكية, والمواريث, والإيجار, والديون, والجراح, والقتل إلخ , فلما كان القرن السادس الميلادي واعتلى جوستنيان الامبراطور البيزنطي العرش أمر عددا من رجال الدين المسيحي والفقهاء القانونيين باختيار مجموعة من القوانين الرومانية التي لا تتعارض مع التعاليم المسيحية لجعلها المرجع الوحيد في المحاكم والقضاء.


كانت قوانين أو مدونة جوستنيان نتاجا لتجارب الحكومات الروما نية عبر خبرات عشوائية اعتادوا عليها لقرون, وكانت في الوقت نفسه تجارب حكومات طال بها الزمان لما يقارب الألف سنة أسقطت فيها القوانين التي لم تتجاوب مع مصالح الناس والحكام, واعتمدت القوانين التي اتضح صلاحها حتى إذا ما تقدم جوستنيان ليدون الصالح منها الذي أثبتت الأيام صلاحه ويثبته في مدونته التي ستدخل تاريخ بني البشر تحت اسم" مدونة جوستنيان" وجدها الناس مقبولة وعادية... كانت قوانين أرضية لأناس أرضيين يحملون هموما أرضية, وآثاما أرضية, وأحلاما أرضية, فكانت المحاكمات أرضية, والعقوبات أرضية وضمن المعقول إلى أن تدخل الدين ورجال الدين, فتحولت الحياة إلى جحيم, والأرض إلى جحيم, والعقوبات نفسها إلى جحيم , وكل ذلك بدأ مع محاكم التفتيش والمحارق التي نشرتها عبر أوربة وأميركا الجنوبية, مع ظهور الطائفة الأكثر قسوة في التاريخ, وأعني اليسوعيين أو" الجزويت" فأهملت القوانين الأرضية, القوانين الرومانية التي غربلتها العقول والتجارب لألف سنة, وحل محلها قوانين الطوارئ اليسوعية وتفسيراتها المزاجية التي يصوغها الرجال الأكثر قسوة وكراهية لبني البشر, وقارئ المذكرات والسير التي تتحدث عن التأكد من تدين" الموريسكوس"من المسلمين الذين أكرهوا على التنصر, واليهود الذين أعلنوا تنصرهم, وأخفوا حفاظهم على يهوديتهم ك " المارينو,والدونما" والذين عادوا إلى يهوديتهم حالما وصلوا إلى هولندة مهاجرين هاربين من شمشمة الرهبان الجزويت كل ما يدل على احتفاظهم ببعض طقوس دينهم القديم, أما الدونما فانتظروا سقوط الدولة العثمانية ليعلنوا أنهم لم يتخلوا عن اليهودية أبدا.


على الجانب الآخر , أي الإسلامي , كان حظ الإسلام أن لم يحظ بمدونة قانونية أرضية تنظر في هموم الناس ومشاكلها بعين أرضية, بعيدة عن التخويف بالسماء وعقوباتها الجهنمية بعد الموت, الأمر الذي جعل الحكام, والكثيرون منهم كانوا شديدي البراغماتية لايحفلون كثيرا بالسماء وما تدخره لهم, وعلينا أن نقرأ أدب المرحلة ولن أفترض أنه كان يعبرعن الوضع الاجتماعي بدقة, ولكنه كان يعطي صورة قريبة جدا من الواقع, فقارئ الأغاني للأصفهاني, وقارئ الف ليلة وليلة, وقارئ الإمتاع والمؤانسة للتوحيدي يمكن له أن يكتشف إلى أية درجة من الأبيقورية عاش العباسيون المطمئنون إلى امبراطوريتهم التي وصلت الشرق بالغرب حين حلت محل الامبراطوريتين العالميتين, وأعني المتنازعتين لقرون, أي الفارسية والبيزنطية, فغرقوا بالملذات الأرضية خلفاء, وحكاما, وجنرالات, وتجارا يمسكون بمقاليد التجارة العالمية.


وعلينا ألا ننسى أن الإبيقورية كانت تجد لها أتباعا دائمين وعبر التاريخ , وفي كل عصر يرتاح فيه المجتمع ويطمئن إلى سيطرته على قدره وإمساكه بمفاتيح اقتصاده, وكلنا يذكر كيف انفلتت الولايات المتحدة البيوريتانية المتقشفة حتى ما يقارب الشح, كيف انفلتت حين وجدت نفسها سيدة العالم بعد الحرب العالمية الثانية, فانفلتت تستمتع بالمتع الأرضية من طعام وشراب بلا حدود" ولنذكر روما وبغداد" وجنس بلا حدود, ولنذكر حفلات الأورغي, والأرجحة أي تبادل الزوجات في أميريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية, ولم يصدهم عن هذه الانغماسات التي كانت البيوريتانية تسميها بالخطايا القاتلة إلا الأزمات القلبية والموت المفاجئ أي وباء مرض القلب والسمنة الفظيعة والموت المبكر, وأخيرا جاء مرض الأيدز, فحدّ كثيرا من الشطط ,ومن المألوف ألا يتعظ الإنسان إلا بتجاربه الخاصة من مرض قاس, أوموت قريب حميم .


على الجانب الإسلامي أي في الزمن العباسي الذي ارتاحت فيه الدولة الإسلامية كان علم الفقه " علم القوانين الناظمة لحياة المسلمين" فيما بينهم, وفيما بينهم وبين التزاماتهم الدينية, وفيما بينهم وبين الذميين من رعايا الدولة الاسلامية, ولكن علم الفقه وهوعلم حاول الجمع ما بين الأعراف والقوانين ما قبل الاسلامية في أحكام الزراعة والمتاجرة, وبين علم العبادات وطقوسها, وبدأت القراءات والاجتهادات تبرز واضعة الفروق مابين المذهبين السني والشيعي, وقد أسهم الإمام جعفر الصادق في وضع الأساسات للمذهب الذي حمل اسمه " الجعفري " والذي سيصبح علما للمذهب الشيعي, واعتقاده بالإمامة, والعصمة للأئمة الأطهار, وجواز زواج المتعة, وأخذ المذهبان في التمايز مع إيمان كل من المذهبين باحتوائه على الأحقية الكاملة, ولم يصلا إلى تكفير كل منهما للآخر حتى تشيعت فارس تحت حكم اسماعيل الصفوي, وبدأ الصراع السياسي على المركز الأول في العالم الإسلامي بين فارس الصفوية, وبين النجم الصاعد سليم الأول العثماني راعي المذهب السني.


ظل المذهب السني عقيدة دون تنظيرمذهبي حتى الزمن السلجوقي والخليفة العباسي "القادر" المحروم من السلطة السياسية, فتفرغ للدرس والتنظير حتى ظهر على العالم بمانيفستو المذهب السني, والذي سيحمل اسمه لقادم الأيام " المذهب القادري" ولكن المذهب النظري كان في حاجة إلى سلطة سياسية وإرادة نشر وترغيب, وكانت كل هذه الأمور مجتمعة لدى الوزيرالسلجوقي الفارسي الأصل "نظام الملك" الذي عمد إلى نشر المدارس والمدرسين لنشر المذهب, وقدانتشرت هذه المدارس مجانية التعليم في معظم الأقطار الإسلامية الخاضعة للسلطان السلجوقي, وكان يقدم للطلاب في كثير من الأحيان الطعام والثياب تشجيعا لهم على الانضمام إليها, ثم تم نشر المذهب مع مانيفستو القادر في العالم الاسلامي, وكانت مكافأة نظام الملك غير المتوقعة أن هذه المدارس قد أسميت على اسم منشئها " النظامية" وماتزال المدارس الرسمية حتى يومنا هذا تحمل اسم المدارس النظامية .


مع انتشار الحكام الصغارفي دويلات المدن من ملوك صغار, وأمراء أشبه بقطاع الطرق, وأثرياء لايعرف إلا الله بمصادر ثرواتهم, أناس يصابحون ملوكا وأمراء وشاه بندرات, ويمسون شحاذين مطاردين يتسولون عشاءهم, فالغزوات وتغير الدول السريع لايترك لهؤلاء من محدثي الثراء فرصة للطمأنينة حتى الغد,ولنقرأ ألف ليلة وليلةكوثيقة اجتماعية, فانغمسوا في الابيقورية والملذات, يفضلون عدم الالتزام بالأوامر الدينية, مؤجلين الالتزام بأوامر الدين ــ القانون, ونواهيه, وأعبائه حتى آخر العمر, أو بتجاهله تماما تحت شعار: الله غفور رحيم .


مع وصول المغامرين من الحكام المدعوين بالمماليك, والذين كانوا " مصنوعين" , ومصممين لغرض واحد هو القتال والحرب, ولاشيء آخر, والذين كانوا دائما على حافة الخطر, فالموت زائر متوقع دائما في... ثورة داخلية, في... حرب مع العثمانيين, في... حرب مع التتار المسلمين, في... حرب مع العجم" الفرس" المسلمين أيضا, وهذا العيش على حافة الخطر يدفع أكثر الناس دائما والعسكريين خاصة إلى الانغماس في الحياة بملذاتها ومتعها, فلا أحد يعرف متى تأتيه الضربة القاتلة, والتي تنقله إلى الحياة الأخرى لمن كان مؤمنا, أو إلى العدم لمن لم يكن مؤمنا, وكان الفساد في الشريحة العليا من الحكام مشجعا للشريحة الثانية من الحكام وأعني القضاة, ورجال العدل والاحتساب, وهكذا ضاع الاحتكام إلى العدل, فالعدل حق لقوي المال فقط .


في الوقت نفسه تقريبا أخذ المجتمع البورجوازي في الغرب في التمدد على حساب المجتمعين الإقطاعي والكهنوتي..... الاقطاعي أيضا, وأخذ القانون الكهنوتي والاقطاعي الذي حل محل مدونة جوستنيان مع سيادة الانحطاط المدني في التحلل مع ظهور بشائر المجتمع البورجوازي" سكان المدن"وهذا هو معنى الكلمة حرفيا قبل أن يحملّه أنصاف المتعلمين من البعثيين والبكداشيين معاني أخلاقية وسياسية لاعلاقة لها بالكلمة في جذرها.


ظهور البورجوازية ومفكريها أعطى الشرعية والمبرر للثورة البورجوازية التي غيرت مسيرة البشرية, وكان لابد من غطاء قانوني وشرعنة لهذا التغير, فكانت قوانين نابوليون, والتي نسخت تماما القوانين التدخلية الكنسية من حياة المواطنين, وألغت القوانين الإقطاعية العشوائية والتي يمكن فيها للفارس أن يدافع عن تهمة طالب فيها فارس بحقه أمام المحكمة, فإذا انتصر الفارس في المبارزة كان الحق إلى جانبه, وإن هزم كان ظالما وكاذبا " كما يذكر أسامة بن منقذ" عن مشاهداته في معسكرات الصليبيين.


انتقل قانون نابوليون الذي أعاد صياغة مدونة جوستنيان في صيغة معاصرة, وحمله معه إلى كل أوربة أثناء اجتياحها بجيوشه, وكان هذا هو الإنجاز الأكبر للثورة البورجوازية في إسقاط التكلسات الكنسية والإقطاعية وإعادة الدم إلى شرايين المجتمع, والحيوية القانونية إليه


على الجانب الاسلامي لم تقم ثورة بورجوازية, ولم يتفق الملك مرغما مع النبلاء على وثيقة الماغنا كارتا, ولم يقم الامبراطور المغولي فيها بعد الاسلام بوضع دستور السيه ياسه الذي رفضه العرب المسلمون تماما, وإن لاحظوا التشابه بين كلمتي السياسه, والتي تعني فقط ترويض الخيل العاصية!! وكلمة السيه ياسه المغولية التي تشرع للحكم والحاكم, ووراثة الحكم, والعقوبات على الجرائم بين الأفراد إلخ, فتبنوا الكلمة على أنها المعادل للكلمة الإغريقية " البوليتيكا", وظل المصطلح معلقا بالهواء, وظل الاحتكام للقضاء مزاجيا خاضعا لمقدار الرشوة المدفوعة, وسيأتي الخراب الكامل للقانون والعدل مع قيام المحاكم المختلطة, والتي قامت في البلدان العثمانية حيث صارت التحاكمات بين الرجل العثماني, والأوربي ولو كان متجنسا بهذه الجنسية للتهرب من الاحتكام للقوانين الاسلامية, وصار الاحتكام في القنصلية التي ينتمي إليها المحتكم الاوربي, وصارت المحاكمات باللغة الاوربية التي لايعرفها المحتكم العثماني, وبذا لم يعد أمام المحتكم السوري أو المصري إلا أن يصرخ في الليل : شكوتك إلى الله , ثم يكمل في انكسار: فالشكوى لغير الله مذلة لافائدة منها .


ثم جاءت الحكومات الثورية , وعدالتها الثورية , فطوت الشرائع والقوانين ذات المرجعية الدينية, والقوانين البورجوازية الأرضية التي تركها المستعمر من ورائه, واعتمدوا قوانين ثورية كان منها أن الرئيس السابق حافظ قد أصدر قانونا بألا تقبل المحاكم أية قضية يقوم بها مواطن ضد الدولة, فإن أفلح في إقامة هذه الدعوى فيعاقب بألا يحكم له بأي شكل,.. ولم يعد أمام أهالي المعضمية وداريا وزملكا وكفرسوسه الذين استلبت أراضيهم مصدر رزقهم منهم استجابة لقانون" المصلحة العامة " أي مصلحة الأقوياء من رجالات البعث والأمن, لم يعد أمامهم إلا أن يوقظهم الانكسار في الليل ليهتفوا بقلب محروق: شكوتك إلى الله..............فليس من برلمان, ولا صحافة, ولا حكومة أشكو إليها الطغيان الذي وقع عليّ...شكوتك إلى الله.








khairyalzahaby@hotmail,com


خيري الذهبي
تعليق



شادي الاندري

2013-10-29

بديع ونفيس مقال موسوعي ملحمي من مفكر كبيرأطال الله في عمرك أستاذنا الذهبي

ضحى حسان

2013-10-29

رائعمقال مهم

رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow