Alef Logo
نص الأمس
              

المحب والمحبوب و المشموم و المشروب ج 2/ السري الرفاء

ألف

خاص ألف

2013-10-19

الباب السادس

نعت الوجنات

الحسن بن وهب:
لا النومُ أَدْري به ولا الأَرَقُ ... يَدْري بِهذيْنِ من بهِ رَمَقُ
أَرَدْتُ تَقبيلَ نارِ وَجْنتِهِ ... خَشِيتُهُ، إِن دنوْتُ أَحترِقُ
ابن المعتز:
وَجْنتاهُ أَرقُّ من قَطْرِ ماءٍ ... ودُموعي يَجرِينَ جرْياً عليهِ
وَتَرى قلبَه الحَديدَ ولكِنْ ... لي فُؤادٌ أرقُّ مِن وَجْنَتَيْهِ
ابن الرومي:
وغزالٍ تَرى على وَجْنَتَيْهِ ... قَطْرَ سَهمَيْهِ من دِماءٍ القُلوب
لَهفَ نفسي لِتِلْكَ من وَجناتٍ ... وَردُها وَردُ شارِقٍ مَهْضوبِ
أبو نواس:
لِلْحُسْنِ في وَجَناتِهِ بِدَعٌ ... ما إِنْ يَمَلُّ الدرسَ قارِيها
لو تَستَطيعُ الأرضُ لانْقَبَضَتْ ... حتى يكونَ جميعُهُ فيها
ابن المعذل:
قلتُ لهُ إِذ مرَّ بي فَرْدا ... مولايَ هل تَقْبَلُني عَبْدا

فأَطبَقَ الورْدَ على نَرْجِسٍ ... فامْتلأَتْ وجنتُهُ وَرْدا
آخر:
فاحْمَرَّ حتى كِدتُ أَن لا أَرى ... وَجْنَتَهُ من كَثْرةِ الوَرْدِ
ابن الرومي:
يا طُرَّتَيْهِ الَّلتينِ مِن سَبَجٍ ... في وَجْنتيهِ اللتينِ من وَهَجِ
ما حُمْرَةٌ فيهما؟ أَمِنْ خَجَلٍ ... أم فِطْرَةُ اللهِ؟ أَمْ دَمُ المُهَجِ
خالد الكاتب:
عَليلُ اللَّحْظِ والطَّرْفِ ... مَليحُ الشَّكْلِ والظَّرفِ
لقد جاوَزَ في البَهْجَةِ والحُسْنِ مَدى الوَصْفِ
له وَرْدٌ على الوجْنَةِ مَمْنوعٌ مِن القَطْفِ
يَبُثُّ السُقْمَ من عَينيْهِ لكِنْ لحظُهُ يَشْفي
الصنوبري:
وَجنَتُكَ النارُ ثغرُكُ البَرَدُ ... يا مَنْ هو الظَبْيُ بل هو الأَسَدُ
هذا طِرارٌ عليكَ أَم سَبَجٌ ... ذانِكَ صُدغانِ أَم هُما زَرَدُ
مالي بِخَدَّيْكَ يا غُلامُ يدٌ ... ولا لخدَّيْكَ بالعيونٍ يدُ
فكيفَ أَبكي بأَدمُعي جَسَدي ... لم يَبْقَ لي أَدمُعٌ ولا جسدُ
أبو نواس:
وَابِأَبي وجهُكَ المُفَدَّى ... والوَجَناتُ المُورَّداتُ
والعارِضانِ اللَّذانِ طابا ... حينَ بدا فيهما النَباتُ
في فَمِكَ العَنبرُ الفُتَاتُ ... في رِيقِكَ البارِدُ الفُراتُ
وأَينَما كُنتَ من بِلادٍ ... فلي إِلى وجْهِكَ التِفاتُ
آخر:
ومُبيحِ أَسرارِ القلو ... بِ بوجْنَتيْهِ وحاجِبَيْهِ
جَمَعَ الإلهُ لهُ المحَا ... سِنَ ثم أَفْرغَها عليهِ
وكأَنَّ مِرْآتَيْنِ عُلِّ ... قَتا بِصَفْحَةِ عارِضِيْهِ
وكأَنَّ وَردَ الجُلَّنا ... رِ مُضَعَّفٌ في وَجنتيْهِ
وقال ديك الجن:
بأبي الثلاثُ الآنسا ... تُ الرائقاتُ الفاتِناتُ
أَقبلْنَ والأَصداغُ من ... وَجناتِهِنَّ مُعَقْرباتُ
ألفاظهُنَّ مؤنَّثا ... تٌ والجفونُ مُذكْراتُ
حتى إذا عايَنْتُهُنَّ وللأمور مُسبِّباتُ
جَمَّشْتُهُنَّ وقلتُ طيبُ عناقكُنَّ هو الحياةُ
فَخَجلنَ حتى خِلْتُ أنَّ خدودهنَّ مُعَصْفَراتُ
ابن الرومي:
تَشرَعُ الألحاظُ في وَجْنَتِها ... فَتُلاقي الرِيَّ من مَشْرَبها
فهي حَسْبَ العينِ من نُزْهَتِها ... وهي حَسْبُ الأُذْن من مَطْرِبها
آخر:
إني هَويتُ من السَّعادةِ مَسْعداً ... لِبَني الهوى فغدا مَشُوقاً شائِقا
فإذا دنا جعلَ الزيارةَ شأنهُ ... وإذا نَأى بَعَثَ الخيالَ الطارِقا
عاتَبْتُهُ يوماً وفي وجناتهِ ... وردٌ، فصارَ من الحياءِ شقائِقا
ابن المعتز:
قَد صادَ قلبي قَمَرُ ... يَسَحُر منه النظرُ
وقد فُتِنْتُ بعدكُمْ ... وضاعَ ذاكَ الحذرُ
بِوجْنةٍ كأنَّما ... يقدَحُ منها الشَرَرُ
وشاربٍ قد هَمَّ أوْ ... نَمَّ عليه الشَعَرُ
ضَعيفةٌ أجفانهُ ... والقلب منه حجر
كأنّما أجْفانُه ... من فِعْلِها تَعتذِرُ
لم أرَ وَجْهاً غيرَ ذا ... يَحيى عليهِ بَشَرُ
ابن المعذل:
بمَجاري فلكِ الحُسنِ الذي في وَجَناتِكْ
وبِنُونَيْنِ على خَد ... ديْكَ من غَيْرِ دَوَاتِكْ
وبما يصنعُ في النَّا ... سِ تَشاجِي حَرَكاتِكْ
وبما أغَفْلَهُ الوا ... صفُ من حُسنِ صفاتِكْ
لا تَدعنِي والهوى ... يَجْرحُ قلبي بِحياتِكْ
آخر:
غَدَا وغَدا تَورُّدُ وجْنَتَيهِ ... بِعَينِ مُحبِّهِ يَصِفُ الرِياضا
على خدَّيه ماءٌ عَسْجَدِيٌّ ... إذا نظرَ الرقيبُ إليهِ غاضا
يُؤمِّلٌ جنة الفِردَوْسِ قومٌ ... وآمُلُ منهُ شَمًّا أو عَضاضا
غزالٌ كلَّما ازْدَدْتُ اقتراباً ... إليهِ زادَ بُعداً وانْقباضا
كَتَمْتُ هواهُ حتى فاضَ دَمعِي ... فَصَيَّرَهُ حَديثاً مُسْتَفاضا

الباب السابع

نعت الحواجب

الزاهي:
وأغْيَدَ مَجدولِ القوامِ جَبينُهُ ... سَنا القمرِ البَدرِيَّ في الغُصُنِ الرطْبِ
تَنَكَّبَ قوسَ الحاجِبينِ فَسْهمُهُ ... لواحِظُهُ المَرْضى وقِرْطاسُه قلبيِ

عبد الله بن أبي الشيص:
حذِرْتُ الهوى حتى رُميتُ مَن الهوى ... بأصْرَدِ سهمٍ في قِسيِّ الحواجبِ
رَمَينَ فأصْمَيْنَ القَلوبَ مكانَها ... وتُخطي يَدُ الرامي له في المغايِبِ
محمد بن عبد الرحمن الكوفي:
وَمُستلِبٍ عينَ الغزالِ وقد تُرى ... بِجبهتِهِ عينُ الغزالةِ ماثِلا
تَنادَلَ قوسَ الحاجِبينِ مُفَوَّقاً ... بأسْهُمِ ألحاظٍ تَشُكُّ المَقَاتِلا
خالد الكاتب:
له مِن مهاةِ الرملِ عيْنٌ مَريضةٌ ... ومِن ناضِرِ الريْحانِ خُضْرَةُ شارِبِ
ومن يانعِ التُفَّاحِ خدٌّ مورَّدٌ ... ومن خَطِّ حُلوِ الخطِ تقويسُ حاجبِ
ومن ناعِمِ الأغصانِ قَدُّ وقامةٌ ... ومن حالِكِ الحِبْر اسودادُ الذَوائبِ
ومن كُلِّ ما تهوى النفوسُ وتَشْتَهي ... نَصيبٌ، وما فيهِ نَصيبٌ لِعائِبِ
آخر:
غَزاني الهوى في جَيشِهِ وجُنودِه ... وعبَّا عليَّ الخيلَ من كُلِّ جانِبِ
بِمَيْسَرةٍ أعلامُها أعينُ المها ... ومَيْمَنَةٍ تَقضي بِزُجِّ الحواجبِ
وأثْبَتَ شخصَ البدرِ في حَوْمَةِ الوغى ... بِرايتِهِ الكُبرى لِفَلَّ الكتائِبِ
الموصلي:
فوقَ العيونِ حواجبٌ زُجُّ ... تحتَ الحواجبِ أعيُنٌ دُعْجُ
ينظرنَ من خَلَلِ النقابِ وإنَّما ... تحتَ النِقابِ ضواحكٌ فُلْجُ
وإذا نظرنَ رَمَقْنَ عن مُقلٍ ... تَسبي العقولَ وحَشوُها غُنْجُ
وإذا ضَحِكنَ ضَحِكْنَ عن بَرَدٍ ... عَذْبٍ الرُضاب كأنّه ثَلْجُ
وإذا نَزعن ثيابَهُنَّ تَرَسَّلَتْ ... فوق المتون ذوائِبٌ سُبجُ
وافيْنَ مكَّةَ للحَجيجِ فلمْ ... يَسلمْ بهنَّ لُمحرِمٍ حَجُّ


***

الباب الثامن

العيون والزرقة والشهلة والحول والرمد

قال الأصمعي: ما وصف أحد العيون بمثل ما وصف به عدي بن الرقاع:
وكأنها بين النِساءِ أعارها ... عَينيهِ أحورُ من جآذرِ جاسِمِ
وسْنانُ أقصَدَُ النُعاسُ فرنَّقَتْ ... في عينِهِ سنةٌ وليس بِنائمِ
الناجم:
كادَ الغزالُ يكونُها ... لكنَّما هُو دونُها
والنرجسُ الغضُّ الجنيُّ أغضُّ منهُ جُفونُها
مَنْ كانَ يعرفُ فَضلَها ... فعنِ القياسِ يصونُها
جرير:
لولا مُراقبةُ العيونِ أرْيننا ... حدقَ المها وسوالِفَ الآرامِ
ونظرنَ، حين سمِعْنَ جَرْسَ تحيَّتي ... نظرَ الجيادِ سمِعْن صوتَ لجامِ
ابن المعتز، والناس يستبدعونه:
عَليمٌ بما تحتَ الصدورِ من الهوى ... سريعٌ بكرِّ اللحظِ والقلبُ جازعُ
ويجرحُ أحشائي بعينٍ مريضةٍ ... كما لانَ مَسُّ السيفِ والسيفُ قاطِعُ
البحتري:
ويحسُنُ دلُّها والموتُ فيهِ ... وقد يُستحسَنُ السيفُ الصقيلُ
وقد قال سلم الخاسر في الرشيد:
طلعَ الخليفةُ مطلعَ الشمسِ ... فَعَلا رقابَ الجِنِّ والإنسِ
وعليهِ مصقولٌ عوارضُهُ ... خَشِنُ الكريهةِ ليِّنُ المسِّ
وتقول العرب: الحية لين لمسها، قاتل نهشها.
وقول ابن المعتز في معناه حسن:
إن زَنَتْ عينُهُ بغيركَ فاضرِبْها بطول السُهادِ والدمعِ حَدّا
وقد كرر فقال:
أتَتْني تؤنِّبُني في البُكاء ... فأهلاً بها وبتَأنيبِها
تقولُ، وفي قولِها حشمةٌ ... أتَبْكي بعينٍ تَراني بها
فقلتُ: إذا استحسَنَتْ غيركُمْ ... أمرتُ الُدموعَ بتأديبِها
وهذا من مختار شعر ابن المعتز. إلا أنه عكس قول الأخطل:
فلا تلمُمْ بدارِ بني كُليبٍ ... ولا تقرَبْ لهمُ أبداً رِحالا
فإنَّ لهم نساءً مُبرقاتٍ ... يكدْنَ ينِكْنَ بالحدَقِ الرِجالا
قال أبو المثنى: أنشدني خالد لنفسه بديهة:
عَينهُ سفَّاكةُ المهجِ ... مِن دَمي في أعظمِ الحَرَجِ
أسْهرتْني وهي لاهيةٌ ... باحْوِرارِ العيْنِ والدَعَجِ
قُلْ لظبيٍ كلُّهُ حَسنٌ ... عَجَبي من فِعلكَ السَمِجِ
لا أتاحَ اللهُ لي فَرَجاً ... يومَ أدْعو منكَ بالفرجِ
قال: فأنشدتها وهباً الهمداني فأنشدني لنفسه بديهة:
تعملُ الأجفانُ بالدَّعجِ ... عملَ الصَّهباء بالمُهَجِ

قُلْ لظبيٍ تُسترقُّ لهُ ... مُهجُ الأحرار بالدَّعجِ
أنتَ والأجفانُ مالحظَتَ ... من فُتورِ العيْن في حرجِ
كيفَ أدعو اللهَ أسألُهُ ... فَرجاً ممَّن به فَرجي
وهذا أول من قاله أبو نواس:
لا فرَّجَ اللهُ عني إنْ مددتُ يدي ... إليه أسألُه من حبِّه الفَرجا
أبو دلف:
نَقْتَنِصُ الآسادَ من غِيلها ... وأعيُنُ العينِ لنا صائدهْ
يَنْبو الحُسامُ العَضبُ عنّا وقد ... تكَلُمُ فينا النظرةُ القاصِدَهْ
تَهابُنا الأسْدُ ونخشى المَها ... آبِدةٌ ما مثلُها آبدهْ
ابن المعتز:
وبيضٍ بألحاظِ العيونِ كأنَّما ... هَزَزْنَ سُيوفاً واستَلَلْنَ خَناجِرا
تَصدَّيْن لي يوماً بِمنعرَجِ اللِوى ... فغادرْنَ قلبي بالتصبُّر غادِرا
سفَرْن بُدوراً، وانْتقبْنَ أهلَّةً ... ومِسْنَ غُصوناً والتفتْنَ جآذِرا
وأطلعْنَ في الأجيادِ للوردِ أنجْماً ... جُعِلْن لحبَّاتِ القلوبِ ضَرائرا
البرقعي:
إني أخافُ مِن العُيو ... نِ النُجْلِ والحَدقِ المِراضِ
وأزورُ ليثَ الغابِ بالهندِيِّ في وسطِ الغياضِ
وإذا رأيتُ مُوَرَّدَ الوَجَناتِ جُمِّشَ بالعَضاضِ
أيقنتُ أنَّ مَنِيَّتي ... بينَ التورُّدِ والبَياضِ
خالد:
ومريضِ طَرْفٍ ليس يصرفُ طرفَهُ ... نحو امرِئٍ إلاَّ رماهُ بحَتْفِهِ
قد قلتُ إذْ أبْصرتُهُ مُتمايِلاً ... والرِدفُ يجذِبُ خصرَهُ من خَلْفِهِ
يا مَن يُسلِّمُ خصرهُ من رِدفِهِ ... سلِّمْ فؤادَ مُحبِّهِ مِن طرفِهِ
الجنزرزي:
لمّا نظرتَ إليَّ من حَدَقِ المَها ... وضَحكتَ عن مُتَفَتَّحِ الأنْوارِ
وعقدتَ بينَ قضيبِ بانٍ ناعِمٍ ... وكَثيبِ رملٍ عُقدةَ الزُنْارِ
عفَّرتُ خدَّي في الثَرى لكَ خاضِعاً ... وعَزمتُ منكَ على دخولِ النارِ
جحظة:
صادَتْ جميعَ الناسِ أجفانُكْ ... وعزَّ في العالمِ سُلطانُكْ
مَن مُنصفي منكَ وكُلُّ الوَرى ... مِن خوفِ سلطانِكَ أعوانُكْ
أبو هفان:
أخو دَنَفٍ رمتْهُ فأقْصدتْهُ ... سهامٌ من جُفونكِ لا تطيشُ
قواتلُ، لا نِصالَ سوى احْوِرارٍ ... بِهنَّ، ولا سِوى الأهدابِ ريشُ
أصبْنَ سوادَ مُهجتهِ فأضْحى ... سقيماً لا يموتُ ولا يعيشُ
كثيباً إنْ ترحَّلَ عنهُ جيشٌ ... من البَلوى أناخَ به جُيوشَ
آخر:
بحُرمةِ ما في العَينِ من نَرجِسٍ غَضِّ ... ووردٍ جنيٍ لاحَ في موضِعِ العَضِّ
أَبِنْ ليَ هلْ هَجْري عليكَ فريضةٌ ... فأنتَ، بحمد الله، تأخذُ بالفرضِ
بَراكَ إلهُ الخلقِ من لُؤلُؤ رطبِ ... فبعضُكَ من حُسنٍ يَغارُ على بعضِ

ما قيل في الزرقة والشهلة

شاعر:
قالوا بهِ زُرقةٌ فقلتُ لهُمْ ... بذاكَ تمَّتْ خِصالُهُ البَهِجَهْ
ما عابَهُ ما تروْنَ من زَرَقٍ ... كم بينَ فَيْروزَجٍ إِلى سَبَجَهْ
آخر:
زُرقةٌ في شُهُولةٍ فهو سيفٌ ... في دَمٍ غيرً أَنهُ ليس يَصدا
كلما عاوَدَتْهُ باللحظ عَيْني ... عادَ للحِينِ حُسْنُه مُستَجِدَّا
الخليع:
ومُكتَحِلٍ في العينِ من فوقِ شُهلةٍ ... يَدِبُّ على أرجاء مُقلتهِ السحرُ
له وجنةٌ ما تحمِلُ العينَ رِقةً ... جوانِبُها بيضٌ وأوساطُها حُمْرُ

وفي الحول

أبو الأسود الدؤلي:
يَعِيبونَها عِندي ولا عَيبَ عِندَها ... سِوى أَنَّ في العَيْنينِ بعضَ التأخُّرِ
وإِنْ يَكُ في العَيْنينِ سُوءٌ فإِنها ... مُهَفْهَفةُ الأَعلى رَداحُ المُؤزَّرِ
أبو حفص الشطرنجي:
حَمِدْتُ إلهي إذ بُليتُ بحُبها ... على حَوَلٍ يُغني عن النَظرِ الشَزْرِ
نَظرتُ إليها والرَقيبُ يَخالُني ... نَظرتُ إليه فاستَرَحْتُ من العُذْرِ
سعيد بن حميد في وصف الحول نفسه وأجاد:
وَنَجْمينِ في بُرجيْن هادٍ وحائِرٌ ... إذا طَلعا حَلَّ الكُسوفُ بواحدِ
إذا غُيِّبَ الهادي وَواراهُ بُرُجُهُ ... تَراءى لهُ المَقْصودُ في زِيِّ قاصدِ

لهذا، على التشبيهِ، قوةُ زُهرةٍ ... وفي ذا، على التمثيلِ، طَرفُ عُطاردِ
مِنَ الأَنجُمِ اللاَّئي جَرَتْ في بُروجِها ... ولم تَدْرِ ما معنى بُروجِ الفرَاقِدِ
العلوي البصري:
ونَظرةِ عَيْنٍ تعلَّلْتُها ... خِلاساً كما نَظرَ الأَحوَلُ
تَقسَّمتُها بين وجهِ الحبيبِ وطرفِ الرقيبِ متى يغفلُ
آخر:
سَأجْتنِبُ الدارَ الني أَنتمُ بها ... ولكنَّ طَرفي نحوَها سوفَ يعملُ
أرى مُستقيمَ الطرفِ ما الطرفُ أَمَّكُمْ ... فإِن زالَ طرفي عنكُمُ فهو أَحْوَلُ
آخر:
ومُنقَلِبٍ طَرفُهُ فاترٌ ... يُقلِّبُ باللحظ مِنّا القلوبا
فعينٌ تُوهِّمُني مَوْعِداً ... وعينٌ تُشاغِلُ عني الرَقيبا
يُصانِعُ خَصْمينِ في لحظِهِ ... فَلَنْ أَستريبَ ولن يَستَريبا
وابن الرومي قد أبدع في نظر الحبيب، وتأثيره في القلوب ما لم يذكره أحد.
وكرره في مواضع من شعره فقال:
نظرتْ فأَقصدَتِ الفؤادَ بطرفِها ... ثم انْثَنَتْ عَني فكِدْتُ أَهيمُ
وَيْلايَ إِنْ نظرتْ وإن هيَ أَعرضتْ ... وقْعُ السِهام ونزْعُهنَّ أَليمُ
قال وزاد فيه معنى آخر:
لَطَرفُها، وهو مَصْروفٌ، كموقِعِه ... في القلبِ حينَ يَروعُ القلبَ موقِعُهُ
تَصُدُّ بالطرفِ، لا كالسَّهم تَصرِفُه ... عني، ولكنّه كالسَّهمِ تَنْزِعُه
وقال أيضاً:
تَشَكَّى إذا ما أَقْصَدَتْكَ سِهامُها ... وتَشْجى إذا نكَّبْنَ عنكَ وتكمَدُ
إذا نَكَبَتْ عنّا وجدْنا عُدولَها ... كموقِعها في القلب، بل ذاكَ أَجهَدُ
كذلكَ تلكَ النَبْلُ من وقعتْ به ... ومن صُرِفَت عنه من القومُ مقْصَدُ
وقد التزم ابن الرومي في هذه القصيدة فتحة ما قبل حرف الروي تبرعاً، إلا في بيت واحد وهو:
ومَرجوعُ وهّاج المَصابيحِ رِمْدَدُ
وأخبرني أبو عبيد الله المرزباني أن أبا عثمان الناجم أخبره أن ابن الرومي دفع إليه هذه القصيدة وقال: اذهب بها إلى ثعلبكم وأنشده إياها، فما رد من لغتها فلا تلتفت إليه، وما رد من إعرابها فعلم عليه لأرجع فيه. وأنشده رمدد بفتح الدال التي ردفت حرف الروي؛ فلم يرده عليه.
وعند علماء اللغة هو رمدد بكسر الدال الأولى. ولم يأت في العربية ما تكرر فيه حرفان على فعلل إلا رمدد ودردح للناقة المسنة، وقرقس للبعوض. وقال البن السكيت: لم يرد في اللغة فعلل بكسر الفاء وفتح اللام إلا حرفان: درهم وهجرع للطويل. وقد جاء ثالث وهو هبلع للأكول.
قال الشاعر:
فَشَحا جحافِله جِرافٌ هِبْلَعُ
وأبو الحسن الأخفش يقول فيه شيئاً ليس هذا موضعه، وفي هركولة.
وابن الرومي لاقتداره وغزارته يلتزم في القوافي مالا يلزمه. وهو بالفكر والروية سهل. والصعب ما تعمله العرب بديهة وارتجالاً؛ كما أنشده سيبويه.
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ
النازِلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبينَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
وهذا المعنى في النظر قد غلب عليه ابن الرومي، كما غلب الطرماح على قوله:
والشمسُ مُعرِضَةٌ تمورُ كأنّها ... تُرسٌ يُقَلِّبُه كَمِيٌّ رامِحُ
وألم به أبو النجم:
فهي على الأُفْق كَعينِ الأَحوَلِ ... صَغْواءَ قد كادتْ ولمَّا تَفعَلِ
وكما غلب بشار على قوله:
وقالوا: قدْ بكيتَ فقلتُ كلاّ ... وهل يَبكي من الطَّرب الجَليدُ
ولكِنْ قد أصابَ سوادَ عيْني ... عُوَيْدُ قَذىً له طَرَفٌ حَديدُ
فقالوا: ما لِدْمعِهما سَواءٌ ... أَكلتا مُقلتيْكَ أصابَ عودُ
وألم به أبو العتاهية فقال:
كمْ مِن صَديقٍ لي أُسا ... رِقُهُ البُكاءَ من الحَياءِ
فإذا تأمَّلَ لامَني ... فأقولُ: ما بي مِن بُكاءِ
لكنْ ذهبتُ لأَرتَدي ... فطَرَفتُ عيني بالرِداءِ
وكما غلب العتبي على قوله:
رأَيْنَ الغواني الشيبَ لاحَ بعارِضي ... فأَعْرضْنَ عني بالخُدودِ النَواضِرِ
وكُنَّ إذا أَبْصَرْنَني أو سَمِعْنَ بي ... سَعَيْنَ فَرقَّعْنَ الكُوى بالمحاجِرِ
وكما غلب أبو نواس على قوله:

فَلِلْخمر ما زُرَّتْ عليهِ جُيوبُها ... وللماءِ ما دارتْ عليه القَلانِسُ
ومنه أخذ ابن المعتز قوله:
وبيضاءُ الخِمار إذا اجْتَلتْها ... عيونُ الشَّرْب صفراءُ الإِزارِ
وكما غلب أبو العتاهية على قوله في البنفسج:
كأنها فوقَ طاقاتٍ ضَعُفْنَ بِها ... أَوائلُ النارِ في أَطرافِ كِبْريتِ
وكما غلب أبو حية النميري على قوله في حيرة الدمع في العين:
نَظرتُ كأنّي من وراء زُجاجةٍ ... إلى الدارِ من فَرْطِ الكآبةِ أَنظُرُ
وقد عارضه فيه خلق كثير من الشعراء، فلم يصنعوا شيئاً. منهم أبو الشيص، قال:
حَجبتْ عينيَ الدموعُ فإِنسا ... ني غريقٌ يَبدو مِراراً ويَخْفى
فكأني نَظرْتُ مِن خَلفِ سِتْرٍ ... هزَّتِ الريحُ متْنَهُ فتَكفّا
وفي هذا التشبيه نظر.
ومنهم قيس حيث قال:
وممَّا شَجاني أَنها يومَ أَعرضتْ ... تولَّتْ وماءُ العين في الجَفْنِ حائِرُ
وقال ذو الرمة:
وإنسانُ عيني يَحسُرُ الماءَ تارةً ... فيبدو، وأَحياناً يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
وقال البحتري:
وَقَفْنا والعيونُ مُشعَّلاتٌ ... يغالِبُ دمعَها نظرٌ كليلُ
نَهَتْه رِقْبةُ الواشينَ حتى ... تعلَّقَ لا يَغِيضُ ولا يَسِيلُ
وقال أبو السمط مروان:
أُلِمُّ بالبابِ كي أَشكو فيمنعُني ... فَيْضُ الدموعِ على خدِّي، من النظرِ
أقبلتُ أَطلبُها، والقلبُ مَنْزِلُها، ... أَعْجِبْ بمُقتَرِبٍ مني على سَفَرِ
وقال المتنبي:
عَشيَّةَ يَعْدونا عنِ النَّظرِ البُكا ... وعن لَذَّةِ التوديعِ خوفُ التَفرُّقِ
نودِّعُهم والبَيْنُ فينا كأنَّهُ ... قَنا ابنِ أَبي الهَيْجاءِ في قلبِ فَيْلقِ
وقال أبو نواس:
بِنفسِيَ من رَدَّ التحيةَ ضاحكاً ... فجدَّد بعد اليأس في الوصلِ مَطْمعي
إذا ما بدا أَبدى الغرامُ سرائري ... كأنَّ دموعَ العين تعشَقُه معي
باح الكاتب:
يا غزالاً سَوادُ أَفْئدةِ الأُسْدِ يَعْتلِف
إِنَّ مُذْ خَمْسةٍ لَنا ... رُسُلَ الوعْد تخْتلِفْ
لم تَزُرْني ولم تَسَلْ ... بي على الغَيْبِ يا صَلِفْ
أنا أَفْديكَ كيفَ كُنتَ ألف لام فا أَلفْ
الحسين بن الضحاك:
يا مُعيرَ المُقلةِ الجوْ ... ذُرَ والجيدِ الغَزالا
أَترى بالله ما تَصْنَعُ عيناكَ حَلالا
من جُفون تنفُثُ السحرَ يميناً وشمالا
كنتَ مِن شتّى فأُلِّفْتَ وجُمِّعتَ مثالا
من قَضيبٍ كَتَمنِّي النفسِ لينا واعْتِدالا
وكثيبٍ يُودِعُ المئزَرَ أَردافاً ثِقالا
وهِلالٍ لاحَ في الأُفْق هِلالاً فتلالا
بأبي أنتَ قضيباً وكَثيباً وهِلالا
حارَ ماءُ الحسن في رقَّةِ خدَّيْكَ فجالا
حَبَّذا حُبُّكَ رُشْدا ... كانَ أو كانَ ضَلالا
قوله: حارماء الحسن..أخذه من قول عمر بن أبي ربيعة:
وهي مَكنونةٌ تحيَّرَ منها ... في أَديمِ الخَدَّيْنِ ماءُ الشبابِ
آخر:
خُطَّتْ على الحُسن فهي تَمْلِكُهُ ... فصارَ ما حَولَهُ لهُ خَدَما
لو أَنَّها قابَلتْ بِمُقْلتِها ... بَكرَ بنَ عبدِ العزيزِ لانْهزما
جرير:
ولقد رَمَيْنَك يومَ رُحْنَ بأعْيُنٍ ... ينظُرْنَ من خَلَلِ الخُدورِ سَواجِ
وبمنطقٍ شَعَفَ الفؤادَ كأنّهُ ... عسلٌ يَجُدْن به بغيرِ مِزاجِ
إِنَّ الغُرابَ بما كَرِهْت لَمولعٌ ... بِنوى الأحِبَّةِ دائمُ التَشْحاجِ
ليتَ الغرابَ غداةَ ينعبُ بالنوى ... كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ
ولقد عَلمِتِ بانّ سِرَّكِ مُنْسَأ ... بينَ الضلوعِ موثَّقُ الأشْراجِ
هذا هوىً شَغَفَ الفؤادَ مُبَرِّحٌ ... ونوىً تقاذَفُ غيرُ ذات خِلاجِ
وفي حدة النظر قال بعض العرب:
يتقارضونَ إذا الْتقوْا في مَنزلٍ ... نَظراً يُزيلُ مواقعَ الأقدامِ
يريد: تلاحظ الأعداء وهو من قول الله عز وجل: " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر " .
وأما قول أبي تمام:
ومحدودِ الصَنيعةِ ساءَه ما ... تُرَشِّحُ لي منَ السَبَبِ الحَظِيِّ

يَدِبُّ إليَّ من شخصٍ ضئيلٍ ... ويَنظُرُ من شفا طَرَفٍ خَفِيِّ
فإنه يريد: نظراً بذل. وهو قول الله عز وجل: " ينظرون من طرف خفي " .
أنشد:
غَضِيضُ الطَرفِ ساكِنُهُ ... مَنيَّةُ من يُعاينُهُ
كساهُ إلُههُ نُوراً ... تُضيءُ بهِ أماكنُهُ
نقيُّ الجيْبِ من عَيْبٍ ... فما في الناسِ شائِنُهُ
تغيبُ محاسِنُ الدُنيا ... إذا طَلعتْ محاسِنُهُ
العلوي:
يا من تَشاغلَ بالسُرو ... رِ عن الفُؤادِ المُبْتَلى
نَظَري إليكَ إذا رأيتكَ مُدْبراً أو مُقبِلا
نَظرَ ابنِ فاطمةِ الرِضى ... ماءَ الفُراتِ بِكَرْبلا
الخبزرزي:
قد قُلتُ لما أنْ نَظر ... تُ إلى الحبيبِ مع العُداةِ
وبَقيتُ أنظرُ شاخصاً ... نظرَ المُنازعِ للمَمَاتِ
نَظري إليكَ بِغُصَّةٍ ... نَظَرَ الحُسينِ إلى الفُراتِ
وعلى ذكر العيون وأحوالها، ففي الرمد قول ابن المعتز نادر:
قالوا اشتكتْ عينُه فقلتُ لهم ... مِن كَثرةِ القتل نالها الوَصَبُ
حُمرَتُها من دماءِ من قَتَلتْ ... والدَمُ في النَصْلِ شاهدٌ عَجَبُ
وقد ألم به بعض الشعراء الشاميين فقال في ناصر الدولة يصف رمداً أصابه ولطف به:
قُضُبُ الهِند والقَنا أخدانُكْ ... والمقاديرُ في الوَرى أعوانُكْ
أيُّهذا الأميرُ ما رَمِدتْ عينُكَ، حاشا لها ولا أجفانُكْ
بل حَكَتْ فِعلَكَ الكريمَ ليُضحي ... شأنُها في العُلى سواءً وشانُكْ
فهي تحمرُّ مثلَ سيفكَ في الروْ ... عِ، وتصفو كما صَفا إحسانُكْ

الباب التاسع

الأنوف

عبد الله بن رواحة:
سَبَتْكَ بِعَيْنيْ جَؤْذَرٍ بخميلةٍ ... وجيدٍ كجيدِ الرِّئمِ زيَّنَهُ النَظمُ
فأنف كحدِّ السيفِ يَشربُ قبلَها ... وأشنبَ رفَّافِ الثنايا بهِ ظَلْمُ
أبو النجم:
للشُّمِّ عندي بَهجةٌ وحلاوةٌ ... وأحبُ بعضَ محاسِنِ الذِّلْفاءِ
وأرى البَياضَ على النِساءِ جَهارةً ... والعِتْقُ أعرِفُه على الأدْماءِ
ذو الرمة:
تَثْني الخمارَ على عِرنين أرنَبةٍ شَمّاءَ مارِنُها بالمسكِ مرْثومُ
تِلك التي تيَّمت قلبي فصارَ لها ... من حُبها ظاهرٌ بادٍ ومكتومُ
الأقرع بن معاذ:
يقولُ ليَ المُفتي وهُنَّ عَشيَّةً ... بمكَّةَ يَرْمَحْنَ المُهدَّبةَ السُحْلا
تَقِ اللهَ لا تنظرْ إليهنَّ يا فتى ... وما خِلتُني في الحجِّ مُلتمِساً وَصْلا
قِطافُ الخُطا مُلْتَفَّةٌ رَبَلاتُها ... وما اللُّفُّ أفخاذاً بتارِكةٍ عَقلا
فواللهِ ما أنسى، وإن شطَّتِ النوى ... عَرانينَهنَّ الشُمَّ والحَدَقَ النُجْلا
ولا المِسكَ من أردانهنَّ ولا البُرى ... جواعِلَ في ماذِيِّها قَصباً خَدْلا
ذو الرمة:
إذا أخو لَذَّةِ الدنيا تَبَطَّنَها ... والبيتُ فوقَهما بالليل مُحْتَجِبُ
سافَتْ بِطَيِّبَةِ العِرْنينِ مارنُها ... بالمسكِ والعنبرِ الهِنديِّ مُختَضَبُ
زَيْنُ الشبابِ وإنْ أثْوابُها استُلبَتْ ... على الحشيَّةِ يوماً زانها السَّلَبُ
آخر:
وعَنْدَميَّيْن مُحمرَّيْن قد نصَعا ... في عارِضَيْ جُلَّنارٍ منه وَرْدِيِّ
تَخالُ بينهما أقنى به شَممٌَ ... كحدِّ مُنْصقِلِ الحدَّيْن هِنْدِيِّ
ألحاظُهُ فِتنٌ ألفاظهُ مِحنٌ ... كأنه قمرٌ في جِرْمِ إنسِيِّ
كأن طُرَّتَه في عاجِ جَبْهَتِه ... سوادُ زِنْجِيَّةٍ في لونِ رُومِيِّ

الباب العاشر

الأسنان

ابن الرومي:
ألا رُبما سُؤتُ الغيورَ وساءني ... وباتَ كلانا مِن أخيه على وَغْرِ
وَقبَّلتُ أفواهاً عِذاباً كأنّها ... يَنابيعُ خَمرٍ حُصِّبَتْ لؤلؤَ البَحْرِ
ابن كيغلغ:
لَسُكرُ الهوى أرْوى لِعَظمي ومفصَلى ... إذا سَكرَ النُدمانُ من دائر الخَمرِ
وأحسنُ من رَجْع المَثاني وقَرعِها ... مَراجيعُ صوتِ الثغرِ يُقرعُ بالثغرِ
كشاجم، وأحسن في نعت الأسنان والشفاه:
عَرَضنَ فَعَرَّضْن القلوبَ من الجوى ... لأسرعَ في كيِّ القلوبِ من الجمرِ

كأنَّ الشِفاهَ اللُّعْسَ فيها خواتِمٌ ... من المسكِ مختومٌ بهنَّ على دُرِّ
ابن الرومي:
تَعُلُّكُ ريقاً يَطرُدُ النومَ بَردُهُ ... ويَشفي القلوبَ الحائماتِ الصواديا
وهل ثَغَبٌ حَصْباؤُه مثل دُرِّهِ ... يُصادفُ إلاِّ طيِّبَ الطعْم صافِيا
كشاجم:
كالغُصنِ في رَوضةٍ تَميسُ ... تصبو إلى حُسنها النُفوسُ
ما شَهِدتْ والنساءَ عرساً ... فَشُكَّ في أنها عَروسُ
تَبْسِمُ عن باردٍ بَرُودٍ ... تَعْبَقُ من طِيبه الكُؤوسُ
يُجمعُ فيه لِمُجتَنيهِ ... مِسكٌ ووردٌ وخنْدَرِيسُ
أخذ قوله: ما شهدت والنساء. من قول أبي نواس:
شَهدتْ جَلوةَ العروس جنانٌ ... فاسْتمالتْ بُحسنِها النَظَّارَهْ
حَسِبوها العروسَ حينَ رأوْها ... فإليها، دونَ العروسِ، الإشارهْ
أعرابي:
بِأشنبَ صافٍ تعرفُ النفسُ أنهُ ... وإنْ لم تَذُقْ، حُوُّ اللِثاتِ عِذابُ
وكف كقنوانِ النَّقا لا يضُرُّها ... إذا برزَتْ أن لا يكونَ خِضابُ
ومْتنانِ يَزدادانِ ليناً ورِقَّةً ... كما اهتزَّ من ماء السُيولِ حَبابُ
أبو دلف:
أحبَبْتُها حُبَّ الحَرا ... م ولم أنلْ منها حَراما
فإذا خَلوْتَ بها فَجا ... ريةٌ وتحسبَهُا غُلاما
وإذا لثَمْتَ على الكرَى ... فالأقحوانةَ والمُداما
تِلك التي خلَبتْ فؤا ... دَ المُستهامِ المُستَهاما
ابن الطثرية:
ومَجدولةٍ جَدلَ العِنان كأنّما ... سَنا البرقِ في داجي الظلامِ ابتسامُها
إذا سُمتُها التقبيلَ صدَّتْ وأعرضتْ ... صُدودَ شَموسِ الخيلِ صَلَّ لِجامُها
فما برحتْ حتى كشفتُ لثامَها ... وقبَّلْتُها ألفاً فَزالَ احتشامُها
آخر:
تَبَسَّمُ عن عَذبٍ كأن بروده ... أقاحٍ تَردّاها من الرملِ أجْرَعُ
جرى الأسحِلُ الأحوى بطَفْل مُطرَّف ... على الزُهرِ من أنيابِها فهي رُصَّعُ
كأن السُلافَ المحْضَ منهن طَعمُه ... إذا جَعَلتْ أيدي الكواكبِ تَضْجَعُ
على خَصِراتِ المُسْتقى بعد هَجعةٍ ... بأمثالِها تَرْوى الصَوادي فتنقَعُ
جميل بن معمر:
وَشَّف عنها خِمارُ القَزِّ عن بَرَد ... كالبرقِ لا كَسَسٌ فيها ولا ثَعَلُ
كأنه أقحوانٌ باتَ يَضربُه ... من آخر الليلِ منْقاضُ الندى هَطِلُ
كأنّ صِرْفاً كُمَيتَ اللونِ صافيةً ... صَهباءَ عانِيَّةً في طَعمِها عسلُ
فوها، إذا ما قَضَتْ من هَجعةٍ وَطراً ... أو اعْتراها سُباتُ النومِ والكسلُ
ذو الرمة:
أناةٌ كأنّ المسكَ أو نَوْرَ حَنوةٍ ... بِمَيْثاءَ مرجوعٌ عليها التِثامُها
كأنّ على فيها تَلألُؤَ مُزنةٍ ... وميضاً إذا زانَ الحديثَ ابتسامُها
مضرس بن ربعي:
تَعاورنَ مِسكاً بالأكُفِّ يدُفْنَهُ ... وأخضرَ من نَعْمانَ حُوّاً مكاسِرُهْ
يَمِحْنَ به عَذْبَ الرُضابَ كأنّهُ ... جَنى النحلِ لَّما أنْ تَحَلَّبَ قاطِرُهْ
ابن الرومي:
كأنَّيَ لم أبِتْ أُسقى رُضاباً ... يموتُ به ويَحيا المُستهامُ
تُعَلِّلُنيهِ واضحةُ الثَنايا ... كأنَّ لِقاءَها حَوْلاً لِمامُ
تَنَفَّسُ كالشَّمولِ ضُحىً شَمالٌ ... إذا ما فُضَّ عن فيها الخِتامُ
والبة بن الحباب:
ومُصطبِحٍ بِتَقْبيلِ الحبيبِ ... خَلا من كلِّ واشٍ أو رقيبِ
وأكرعَ فاهُ في بَرَدٍ وخمرٍ ... فقُلْ ما شئِتَ في شُربٍ وطيبِ
عمر بن أبي ربيعة:
يَمُجُّ زكيَّ المسكِ منها مُفلَّجٌ ... نقيُّ الثَنايا ذو غُروب مُؤشَّرُ
يَرِفُّ إذا تَفْتَرُّ عنه كأنهُ ... حَصى بَردٍ أو أقحوانٌ مُنَوَّرُ
أبو تمام:
وثَنايا كأنها إغريضُ ... ولآل تُومٌ وبرقٌ وَميضُ
وأقاحٍ مُنَوَّرٌ في بِطاحٍ ... هزَّهُ في الصباحِ رَوضٌ أريضُ
وأخبرني أبو سعيد السيرافي عن ابن ابي الأزهر عن ابن لرة عن ابن السكيت. أن أبا عمرو الشيباني فسر قول تأبط شراً:
وَشِعْبٍ كَشَكِّ الثوبِ شَكْسٍ طريقُهُ ... مَجامِعُ ضَوْجَيْهِ نِطافٌ مخاصِرُ

تَعَسَّفْتُهُ بالقومِ، لم يهدِني لهُ ... دليلٌ، ولم يُثْبتْ ليَ النعْتَ خابِرُ
أنه يعني به فم المرأة وريقها واسنانها.
أبو تمام أيضاً يقول:
ونظامُ ثَغرٍ ما تَهلَّلَ وَشيُهُ ... إلاّ بكى خَجَلاً نظامُ الجوهرِ
يُهدي إليه نسيمَه فكأنّهُ ... شِيَبتْ جوانبُهُ بِمسكٍ أذْفَرِ
ذو الرمة:
أرَيْنَ الذي اسْتَوْدَعْنَ سَوداءَ قلبهِ ... هوىً مثلَ شكٍّ بالرماحِ النَّواجمِ
عيونَ المها والمسكَ يَندى عَصيمُهُ ... على كلِّ خدٍ مُشرقٍ غيرِ واجمِ
ودرّاً تُجَلِّي عن عِذابٍ كأنها ... إذا نَغمةٌ جاوَبْنَها بالجماجِمِ
ذُرى أقحوانِ الرملِ هزَّتْ فروعَه ... صباً طَلَّةٌ بين الحُقوفِ اليَتائمِ
طرفة:
وتَبسِمُ عن ألمى كأن مُنَوِّراً ... تخلَّلَ حُرَّ الرملِ دِعصٌ له نَدي
سَقتهُ إياةُ الشمسِ إلالِثاتِهِ ... أُسِفَّ ولم تَكْدُمْ عليه بإِثمِدِ
وكانت العرب إذا سقطت لأحدهم سن أخذها ورمى بها في عين الشمس وقال: أبدليني خيراً منها؛ وقد بين ذلك قوله:
بَدَّلتْه الشمسُ من مَنبِتِهِ ... برَداً أبيضَ مَصقولَ الأُشُرْ
وهذا من أوابدهم، كالطارف والمطروف، وقلي السنام والكبد، وتصفيق اليدين وقلب الثياب، واتخاذ الزورين في الحرب، ورقية الفروك بأفول القمر، ورمي الحصاة وقذف النواة، وتسمية أم الفصيل، وهؤلاء من رموز العرب كأوهام الهند.

الباب الحادي عشر

طيب الريق والنكهة

ابن ميادة:
كأنّ على أنيابها المسكَ شابَهُ ... بُعْيدَ الكَرَى مِن آخر الليلِ غابقُ
وما ذُقتُه إلاَ بعيْني تفرُّساً ... كما شِيم في أعلى السحابةِ بارِقُ
يضمُّ إليَّ الليلُ أذيالَ حُبِّها ... كما ضَمَّ أردانَ القميصِ البنائقُ
ذو الرمة:
كأنّما خالطتْ فاها إذا وَسِنَتْ ... بعد الرُقاد بما ضمَّ الخياشيمُ
مخزونةٌ من خُزامى الحُزْن هِيَّجَها ... من لَفِّ ساريةٍ لوثاءَ تَهمِيمُ
أو نفحةٌ من أعالي حَنْوةٍ مَعجَتْ ... فيها الصَّبا مَوْهِناً والروضُ مَرهومُ
ابن الرومي:
أهْيفُ الغُصنِ أهْيلُ الدِعصِ لمَّا ... يَقتسِمْ قَدَّهُ وِشاحٌ ومِرْطُ
طَيِّبٌ طعمُهُ إذا ذُقتَ فاهَ ... والثُريّا في جانِبِ الغَربِ قُرطُ
الهذلي:
وما صهباءُ صافيةٌ شَمولُ ... كعينِ الديكِ مُنْجابٌ قَذَاها
تُشَجُّ بماء ساريةٍ غَريضٍ ... على صَمّانَةٍ رَصفٍ صَفاها
بأطيبَ نَكهَةً من طعمِ فيها ... إذا ما طارَ عن سِنَةٍ كَراها
وضاح اليمن في صفة الريق نفسه:
يا روضَةَ الوَضَّاحِ قَد ... عنَّيْتِ وضَّاح اليمنْ
اسْقي خليلَكِ من شَرا ... بٍ لونُه لونُ اللَّبنْ
الطعمُ طعمُ سَفَرْجَلٍ ... والريحُ ريحُ سُلافِ دَنْ
ابن هرمة:
خوْدٌ تُعاطيكَ بعد رَقْدَتها ... إذا يُلاقي العُيونَ مَهْدَؤُها
كأساً بِفيها صَهْبا مُعتَّقَةً ... يَغلو بأيدي التِّجارِ مَسْبَؤُها
جرير:
خَليليَّ: هلْ في نظرةٍ إن نظرتُها ... أُداوي بها قلباً عَليَّ فُجورُ
إلى رُجُحِ الأكفالِ غيدٍ من الصِّبا ... عِذابِ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهورُ
ذو الرمة:
أسيلةُ مَجْرى الدَمْعِ هَيفاءُ طَفْلَةٌ ... عَروُبٌ كإيماضِ الغَمامِ ابْتِسامُها
كأنَّ على فِيها، وما ذُقتُ طعمَهُ، ... مُجاجةَ خمرٍ طابَ فيها مُدامُها
عمر بن أبي ربيعة:
كأن المدامَ وصَوْبَ الغمامِ ... وريحَ الخُزامى وذَوْبَ العَسلْ
يُعلُّ به بَرْدُ أنيابِها ... إذا ما صَغا الكوكبُ المُعْتَدِلْ
هذا وفاق بينه وبين امرئ القيس:
كأنّ المدامَ وصوبَ الغمام ... وريحَ الخُزامى ونَشْرَ القُطُرْ
يُعَلَّ به بردُ أنيابها ... إذا طَرَّبَ الطائرُ المُسْتَحِرْ
النابغة الذبياني:
كأنّ مُشَعْشعاً من خمر بُصرى ... نَمتْه البُخْتُ مشدودَ الخِتامِ
إذا فُضَّتْ خواتِمُها عَلاها ... يبيسُ القُمَّحَانِ من المُدام
على أنيابها بِغريضِ مُزنٍ ... تَقَبَّله الجُناةُ من الغَمامِ

زهير بن ابي سلمى:
كأن ريقَتَها بعد الكرَى اغْتُبِقَتْ ... مِن طيَّب الراحِ لمَّا يَعْدُ أنْ عَتَقا
شَجَّ السُقاةُ على ناجودِها شَبِماً ... مِن ماءِ لِينَةَ لا طَرْقاً ولا رَنِقا
الأعشى:
تُعاطي الضَجيعَ إذا أقْبلتْ ... بُعَيْدَ الرُقادِ وبعد الوَسَنْ
صَرِيفيَّةً طيِّباً طَعمُها ... لها زَبَدٌ بين كُوبٍ ودَنْ
يَصُبُّ لها الساقيان المِزا ... جَ مُنْتَصَفَ الليلِ من ماءِ شَنْ

الباب الثاني عشر

حسن الحديث والنغمة

أنشد:
يا أطيبَ الناسِ إنْ مازَحْتَها عِللاَ ... وأحسنَ الناسِ إن جادَلْتَها جَدَلا
كأنَّما عَسَلٌ رُجعانُ مَنطِقِها ... إنْ كان رَجْعُ كلامٍ يُشْبِهُ العَسلا
ذو الرمة:
وإنّا لنُجْري بَيْننا حينَ نَلْتقي ... حديثاً له وَشْيٌ كوشْيِ المَطَارفِ
حَديثاً كوَقعِ القَطْرِ في المَحْلِ يُشْتَفى ... بهِ من جوىً في داخِلِ القلبِ لاَطِفِ
وله:
ولمَّا تلاقَيْنا جَرَتْ من عيُونِنا ... دُموعٌ كَفَفْنا غَرْبَها بالأصابعِ
ونِلنا سُقاطاً من حديثٍ كأنهُ ... جَنى النحلِ مَمزوجاً بماءِ الوَقائعِ
بشار بن برد:
وكأنَّ رَجْعَ حَديِثِها ... قِطَعُ الرياضِ كُسِينَ زَهْرا
وكأنَّ تحتَ لِسانِها ... هاروتَ يَنْفُثَ فيهِ سِحْرا
وتَخالُ ما اشْتَملتْ عليهِ ثِيابُها ذَهَباً وعِطْرا
الأحوص:
وأعْجَلنا وَشْكُ الحديثِ وبيننا ... حديثٌ كَتَنْشِيجِ المريضَيْنِ مُزْعِجُ
حديثٌ لو أنَّ اللحمَ يَصْلى بِبَعْضهِ ... غَريضاً أتى أصحابَهُ وهو مُنْضَجُ
ابن ميادة:
شُمُسٌ لدى خَطَلِ الحديث أوانِسٌ ... يَرْقُبْنَ كلَّ مُلَعَّنٍ تِنْبَالِ
أُنُفٌ كأن حديثَهُنَّ تَنادُمٌ ... بالكأسِ كل عقيلةٍ مِكْسالِ
أبو ذؤيب:
وإن حديثاً منكِ لو تَبْذُلينَهُ ... جَنى النحلِ في ألبانِ عُوذٍ مَطافِلِ
مَطافيلَ أبكارٍ حديثٍ نِتاجُها ... يُشابُ بماءٍ مِثْلِ ماءِ المفاصِلِ
ابن الرومي:
شادنٌ من نَشرهِ المسكُ ومن فيهِ المدامُ
فاتِنُ الطُرَّةِ والغُرَّةِ ما فيهِ مَلامُ
وله نَثرٌ من الدُرِّ مليحٌ ونِظامُ
فالنِظامُ المَضْحكُ الوا ... ضِحُ والنَثْرُ الكلامُ
وهذا قد سبقه إليه البحتري بأحسن تفصيل وأعذب كسوة فقال:
فلمَّا الْتقْينا والنَّقى مَوعدٌ لنا ... تعجَّبَ رائي الدُرِّ حُسناً ولاقِطُهْ
فمِن لُؤلُؤٍ تجلوهُ عند ابتسامِها ... ومِن لُؤلُؤٍ عند الحديثِ تُساقِطُهْ
آخر:
ظَلِلْنا نَشاوى عند أمِّ محمدٍ ... بِيومٍ ولم نَشربْ شَراباً ولا خَمرا
إذا صَمتتْ عنّا ضَجِرنا بصَمتِها ... وإنْ نطقتَ هاجَتْ لألبابنا سُكرا
سلم الخاسر:
يُمسي ويُصبحُ مُعْرِضاً فكأنهُ ... مَلِكٌ عزيزٌ قاهرٌ سُلطانُهُ
ليست إساءَتُهُ بِناقصةٍ لهُ ... عِندي، وليس يَزيدُه إحسانُهُ
رَخْصُ البَنَانِ كأن رَجْعَ كلامِهِ ... دُرٌّ يُساقطُه إليَّ لسانُهُ
ومن البيت الثاني أخذ المتنبي قوله في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
لو كَفَرَ العالَمونَ نعمته ... لما عَدَتْ نَفْسُهُ سَجاياها
كالشمسِ لا تَبتغي بما صَنعتْ ... مَنفعةً عندهمْ ولا جاها
وأكثر من نرى يقدر أن المتنبي أبدع في قوله:
وقد صُغْتَ الأسِنَّةَ من هُمومٍ ... فما يخطُرْنَ إلاَّ في فُؤادِ
وربما ينظر إلى قول أبي تمام حيث يقول:
مِن كلِّ أزرقَ نَظَّارٍ بلا نظرٍ ... إلى المَقَاتِلِ ما في مِتْنِه أوَدُ
كأنهُ كانَ تِرْبَ الحُبِّ من زَمنٍ ... فليس يُعْجِزُهُ قلبٌ ولا كَبدُ
وكذلك قوله في سيف الدولة:
فأنتَ حُسامُ المُلكِ واللهُ ضاربٌ ... وأنتَ لواءُ الدينِ واللهُ عاقِدُ
وكرر كثيراً إعجاباً به فقال:
على عاتِقِ الملكِ الأغرِّ نِجادُهُ ... وفي يَدِ جبَّارِ السماواتِ قائِمُهُ
وقال:
وَلِمْ لا يَقِي الرَحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقى ... وتَفليقُهُ هامَ العِدا بِكَ دائِمُ

وعول في جميعه على أبي تمام حيث يقول في الخليفة:
لقد حانَ من يُهدي سُوَيْداء قلبِهِ ... لحَدٍّ سِنانٍ في يَدِ اللهِ عامِلُهُ
وقال أبو تمام أيضاً في المعتصم.
رَمى بك اللهُ بُرجَيْها فهدَّمَها ... ولو رَمى بكَ غيرُ اللهِ لم يُصِبِ
قال الله عز وجل: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " مثل هذه السرقات الخافية العين والأثر لا يقف عليها، ولا يفطن لها إلا الرواية النحرير الذي دوخ ساحة الشعر بحفظه، وصارت الدواوين مجاجة ذهنه.
أعرابي:
ونازَعَنا وحياً خَفيّاً كأنهُ ... على المُجْتَني، الريحانُ أمرعَ خاضِلُه
حديثٌ لو أنَّ العُصْم تسمعُ رَجْعَه ... تَضَعْضَعَ من أعلى أبانٍ عواقِلُهْ
ابن الرومي:
وحَديثُها السحرُ الحلالُ لو أنّهُ ... لم يَجْنِ قتلَ العاشقِ المُتَحرِّزِ
إن طالَ لم يُمْلَلْ، وإنْ هي أوْجزتْ ... ودَّ المحدَّثُ أنها لم تُوجِزِ
شَرَكُ العقولِ ونزهةٌ ما مثلُها ... للمُطْمئِنِّ وعُقْلَةُ المُستَوْفِزِ
والمحدث لا بد له من كسور وزوايا تعتريه في شعره. فالطبع المبسوط، والكلام المسبوك للعرب.
ذو الرمة:
أولئكَ آجالُ الفتى إن أرَدْنَهُ ... بقتلٍ وأسبابِ السَقامِ المُلازِمِ
يُقارِبْنَ حتى يطمعَ التابعُ الهوى ... وتَهتَزُّ أحناءُ القلوبِ الحوائِمِ
حديثٌ كَطعْمِ الشَّهدِ حُلوٌ صدورُهُ ... وأعجازُهُ الخُطْبانُ دونَ المحارمِ
والبيت الثاني أخذ منه الحسين بن مطير الأسدي قوله:
يُمَنِّيَننا حتى تَرِفَّ قلوبُنا ... رَفيفَ الخُزامى باتَ طلِّ يَجودها
أعرابي:
وحَديثُها كالقَطْرِ يسمَعُهُ ... راعي سِنينَ تتابَعَتْ جَدْبَا
فأصاخَ يرجو أنْ يكونَ حياً ... ويقولُ مِنْ فرحٍ أيا رَبّا
أبو العميثل:
لقيتُ ابنةَ السَّهْميِّ زينبَ عن عَفْرِ ... ونحن حَرامٌ مُسْيَ عاشرةِ العَشْرِ
فَكَّلمْتُها ثِنْتَيْنِ كالثّلجِ مِنهما ... وأخرى على قلبي أحرُّ من الجَمرِ
وإني وإيّاها لَحتْمٌ مَبيتُنا ... جميعاً وَسْيرانا مُغِدٌّ وذو فَتْرِ
آخر:
لَها مُزاحٌ ولها كلامُ ... كجوهرٍ ألَّفهُ نظامُ
يُسكرُنا كأنّه مُدامُ ... له بقلَبِ المُصطَلي ضِرامُ
فهو حلالٌ غِبُّه حرامُ ... يَشفي سَقاماً وهُوَ السَّقامُ
وهذه الأبيات من صادق العشق، وفاخر الشعر، وحر الكلام، وبارع الوصف.
قال هدبة العذري:
وكلُّ حديثِ الناسِ، إلاَّ حَديثَها ... رَجيعٌ، وفيما حدَّثَتْكَ الطرائِفُ
خَرَجْنَ بأعناقِ الظِباءِ وأعيُنِ ال ... جآذِرِ؛ وارتجَّتْ بهنَّ الروادِفُ
رَجحنَ بأردافٍ ثِقال وأسْوُقٍ ... خِدالٍ، وأعضادٍ عليها المطارِفُ
كَشفْنَ شُفوفاً عن شُنُوفٍ وأعرضتْ ... خدودٌ، ومالتْ بالفُروع السوالِفُ
عليهِنَّ من صَوْغِ المدينةِ حِلْيَةٌ ... جُمَانٌ كأجوازِ الدَّبى ورَفارفُ
آخر:
منَ الخَفِراتِ البيضِ وَدَّ جَليسُها ... إذا ما قضَتْ أُحدوثةً لو تُعيدُها
بشار:
وَلِلفْظِها دَلٌّ إذا نَطقتْ ... تركتْ بناتِ فُؤادِهِ صُعْراَ
كَتَساقُطِ الرَّطْب الجَنِيِّ من الأم فْنانِ لا نثْراً ولا نَزْراَ
أبو حية النميري، وهو من مختار المقطعات ومتخير الألفاظ وقديمه:
وقد زعمَ الواشونَ أنْ لا أُحِبُكُمْ ... بلى وسُتورِ اللهِ ذاتِ المحارِمِ
أصُدُّ وما الصَدُّ الذي تَعْلَمينَهُ ... عَزاءً بنا إلا اجْتِراعُ العَلاقِمِ
حَياءً وتُقْيا أنْ تَشيعَ نَميمةٌ ... بنا وبكم. أُفاً لأهل النْمائِمِ
وإنَّ دَماً، لو تَعلَمينَ، جَنتْيهِ ... على الحيِّ،جاني مِثْلِه غيرُ سالِمِ
أَما إنَّه لو كانَ غَيركِ أرْقَلتْ ... صُدورُ القَنا بالراعِفاتِ اللَّهازِمَ
ولكنَّهُ، واللهِ، ما طَلَّ مُسلماً ... كَبيضِ الثَّنايا واضِحاتِ المباسمِ
إذا هُنَّ ساقَطْنَ الأحاديثَ للفتى ... سُقوطَ حصى المرجانِ من سِلْكِ ناظِمِ
رَمَيْنَ فأقْصدْنَ القلوبَ، ولا تَرى ... دَماً مائِراً إلا دَماً في الحَيازِمِ

القطامي:
وفي الخُدورِ غَماماتٌ بَرَقْنَ لنا ... حتى تَصَيَّدْنَنا من كلِّ مُصْطادِ
يَقْتُلْنَنا بِحديثٍ ليس يَعْرِفُه ... من يَتَّهِمْنَ ولا مَكْتومُهُ بادِ





































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز ج2

19-آب-2017

الأنثى الرمز، الإلهة (قناع الالوهة المؤنثة) مصطفى عبدي

19-آب-2017

رسالة فان جوخ إلى أخيه قبل أن ينتحر:

19-آب-2017

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow