Alef Logo
نص الأمس
              

كتاب : البرصان والعرجان للجاحظ جزء2

ألف

خاص ألف

2013-10-06

قالوا: والإنسان يعتريه البرش من شرب اللبن وأكل التمر، وقد هجا بذلك الفرزدق بني سعد لقربهم من التمر، فقال:
ولست بسعدي على فيه حبرة ... ولست بعبدي حقيبته التمر
ولكنني من دار وهب بن مالك ... وليس بحمد الله والدي الفزر
والفزر هو سعد نفسه.

وأما البرش الذي يعتري الأظفار فإن ذلك شيء يعتري الأظفار في حداثة السن، والسواد يعتري الناس كثيراً في مواضع من جلودهم، يعتري الحصا والمذاكير وربما اعترى جلود الآباط وجلد العجان، وإذا كبر الشيخ جداً وصلع وطال عمره، عاد لرأسه شعر أسود كالقنازع، وقال الشاعر، وهذا الشعر مبهم:
لنصر بن دهمان الهنيدة عاشها ... وعشرون حولاً ثم قوم فانصاتا
وعاد له شرخ الشباب الذي مضى ... وراجع حلماً بعدما كان قد فاتا
وعاد سواد الرأس بعد ابيضاضه ... ولكنه من بعد ذا كله ماتا
ولم أرد هذا الشعر لرداءة طبع صاحبه، ولكن لجهله شأن الشيوخ الهرمين، والشاعر الجاهل الذي أضيف هذا الشعر إليه لا يجهل أمر الشيوخ في ذلك، وإنما فسد لقوله:
وعاد له شرخ الذباب الذي مضى ... وراجع حلماً بعد ما كان قد فاتا
وهذا باطل البتة.
ومن البهق الأسود والأبيض، وإنما ذلك على قدر النقص، فإن كان من المرة السوداء كان أسود، وإن كان من البلغم كان أبيض، وإذا ابيض لم يؤمن.
وتزعم العرب وناس من جمال أصحاب الأخبار أن ناساً من العرب ومن قريش خاصة، أصابهم الماء الأصفر والبرص جميعاً، وأن بعضهم اكتوى فبرأ منهما جميعاً، وبعضهم وجأ بطنه بحديدة فبرأ منهما جميعاً، وبعضهم اكتوى فمات.
فمن الذين ماتوا مسافر بن أبي عمرو بن أمية، وأما الذي وجأ بطنه فبرأ منهما جميعاً أبو عزة الجمحي.
قال ابن الكلبي: سمعت أبي وأبا مسكين قالا: كان عمرو بن عبد الله بن وهيب بن حذافة بن جمح وهو أبو عزة الشاعر أصابه برص فسقي بطنه، فأخرجته قريش من مكة مخافة العدوى، وهم يخافون عدوى الجذام والبرص والجرب والصفر والعدسة والجدري، قالا: وكان إذا جن عليه الليل أوى إلى شعاب في تلك الجبال، فإذا حميت عليه الشمس استدرى بظلال الأشجار، فلما طال عليه البلاء أخذ مدية فوجأ بها جنبه ليموت فيستريح، فسال ذلك الماء وذهب ما كان به من برص، فأقام أياماً ثم دخل إلى قريش كما كان يدخل، فقال:
لاهم رب وائل ونهد ... واليعملات والخيول الجرد
ورب من يسعى بأرض نجد ... أصبحت عبداً لك وابن عبد
أبرأت منى وضحاً بجلدي ... من بعدما طعنت في معدي
وقالوا: ممن كشح بالنار مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس كان وفد على النعمان فسقي بطنه هناك وأصابه وضح، فقيل للنعمان: ليس له دواء إلى الكي، وخبروه بشأن أبي عزة، فكواه فمات، وهو الذي قال عند الكي:
قد يضرط العير والمكواة في النار
فأرسلها مثلاً، فرثاه أبو طالب في كلمة له طويلة:
ليت شعري مسافر بن أبي ... عمرو وليت يقولها المحزون
رجع الوفد سالمين جميعاً ... وخليل في مرمس مدفون
بورك الميت الكريم كما ... بورك نضح الرمان والزيتون
وفيه يقول بعض العبليين:
ومكشوح لدى النعما ... ن مسى هبالة بيته بيت الحمار
يفوق بنفسه ويرى بياضاً ... بكشحيه كتلماع النهار
لأنه مات بموضع يقال له هبالة.
وممن اكتوى فبرص: الكواء واسمه عمرو، وهو أبو عبد الله بن الكواء وإخوته النسابون الذي يقال لهم بنو الكواء، وفي الكواء وأخيه يقول الشاعر:
غرابان هذا أبقع اللون منهما ... وهذا غراب فاحم اللون مصمت
وممن اكتوى فبرص: المكشوح المرادي. واسمه هبيرة بن عبد يغوث، وهو أبو قيس بن المكشوح الفارس الرئيس. والمكشوح الذي يقول:
فما وضحي من داء سوء علمته ... ولكن كي النار في الجلد موضح
وفي بني الكواء يقول الشاعر:
إلى معشر بيض الكشوح مصاقع ... عليهم جلود النمر خنس المعاطس
وإنما قال مصاقع لأنهم خطباء، وابن الكواء يذكر في الخطباء، وفي النسابين، وفي العوران: ولذلك لما قال له معاوية: فما تقول في نفسك؟ قال: أعور سمين. كانوا يميلون إلى قول الخوارج، وأما قول الشاعر: عليهم جلود النمر... فإنما يعني التبقيع والتفليس الذي كان في جلودهم من البياض، وكانوا فطساً.

ومن البرصان، عبد العزى بن كعب بن سعد، قال أبو نخيلة واحد حمان كقوم حم، وإنما سمي حمان لأنه كان ألطع فكان يحمم شفتيه، والتحميم: التسويد في هذا الموضع، ولذلك قال الشاعر في أبان بن عثمان بن عفان في أول ما ظهر به البياض، قال:
له شفة قد حمم الدهر بطنها ... وعين يغم الناظرين احولالها
وكان أحول أبرص أعرج، وبفالج أبان يضرب أهل المدينة المثل.
وكان في بني عثمان عوارن وعرجان وحولان وبرصان، كان سعيد ابن عثمان أعور، وكان أبان أحول، وقال مالك بن الريب:
وما كان في عثمان عيب علمته ... سوى ابن في نجله ثم أدبرا
فلولا بنو حرب لطلت دماؤكم ... بطون العظايا من كسير وأعورا
لأن بطن العظاية أبرص.
وكان أيمن بن خريم لمكان الوضح الذي في يده وأصابعه وشفتيه ووجهه يدلك هذه المواضع بالحص، والحض هو الورس، ليكون أخفى للبياض، فقال الأقيشر يهجوه بذلك:
يعالج بالحص البياض فلم يصب ... دواء وما داواك عيسى بن مريما
ومن البرصان السادة والفرسان القادة، الربيع بن زياد وهو أحد الكملة، وهو كان قائد عبس وعبد الله بن غطفان في حرب داحس، وبنو زهير بن جذيمة تحت لوائه، وكان رحالاً وكثير الوفادات شاعراً، وكان بالمنذر خاصاً وله نديماً، وكان الملك لا يشعر بالذي به من الوضح، حتى قال لبيد بن ربيعة:
مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه ... إن استه من برص ملمعه
وإنه يدخل فيها إصبعه ... يدخله حتى توارى أشجعه
كأنما يطلب شيئاً أطمعه
قال: فلما ترك الملك مؤاكلته ومنادمته تجرد ثم عدا بين يديه ذاهباً وجائياً، فقال الملك:
قد قيل ذلك إن حق وإن كذب ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
وأنا لا أظن هذا البيت كان قيل إلا قبل ذلك اليوم.
قال: ومن البرصان الأشراف المذكورين ومن آباء القبائل والعمائر، يربوع بن حنظلة وإياه عنى أوس بن حجر حين قصد إلى تقريع عامر بن مالك ملاعب الأسنة ببعض الوقائع فقال:
كان بنو الأبرص أقرانكم ... فأدركوا الأحدث والأقدما
إذ قال عمرو لبني مالك ... لا تعجوا المرة أن تحكما
والله لولا قرزل إذ نجا ... لكان مثوى خدك المخرما
نجاك جياش هزيم كما ... أحميت وسط الوبر الميسما
باتوا يصيب القوم ضيفانهم ... حتى إذا ما ليلهم أظلما
قروهم شهباء ملمومة ... مثل حريق النار أو أظلما
ففات من قد فات من عامر ... ركضاً وقد أعجل أن يلجما
ومن البرصاء الرؤساء والأشراف الشعراء، ومن الرحالين إلى الملوك والحكام من العرب: ضمرة بن ضمرة النهشلي، وهو الذي لما رآه الملك نحيفاً، قال: تسمع بالمعيدي لا أن تراه.
وزعم أبو عبيدة أنه أحد من حكم بالرشوة، وهو الذي يقول:
بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... مهلاً عليك ملامتي وعتابي
أأصرها وبني عمي ساغب ... فكفاك من إبة علي وعاب
وهو الذي يقول:
الآن ساغ لي الشراب ولم أكن ... آتي التجار ولا أشد تكلمي
وأبأت يوماً بالنسار بمثله ... وأخذت يوماً في حديث الموسم
ومسست مساً في الرقاق عباءها ... من بين عارفة السناء وأيم
لحق الرماح ببعلها فتركنه ... في صدر معتدل القناة مقوم
والخيل من خلل الغبار خوارج ... كالتمر ينثر من جراب الجرم
وقال فيه الشاعر:
أضمرة ترجو الأبلق الاست والقفا ... وما مثلنا في مثلها لك عاقر
أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم ... وقد سال من جمع عليك قراقر
قال أبو عبد الرحمن: من البرص الأشراف، ومن الرؤساء المتوجين، مالك ذو الرقيبة، وهو الذي أخذ فداء حاجب بن زرارة وغصب الزهدمين ذاك، وكان حاجب أسير الزهدمين من بني عبس، وفي مديح مالك يقول المسيب بن علس:
ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم ... فلذي الرقيبة مالك فضل
كفاه مخلفة ومتلفة ... وعطاؤه متخرق جزل

واحتجوا بشعر عوف بن الخرع في الوضح الذي كان على ظهر كفه، حيث يقول:
ولقد أراك وما تؤبن هالكاً ... عدل الأصرة في السداد الأكرم
حتى تروحت المخاض عشية ... فتركت مخلوطاً مخاطك بالدم
عبد رضعت بثدي ذات رضاعة ... مثل الرباءة بظرها لم تكلم
تبكي إليك إذا عرفت سوادها ... كبكا الفقير إلى الغني المنعم
ومن البرصان الأشراف المذكورين والفرسان المشهورين، شيطان ابن عوف بن مزيد، لم يكن يوم مبايض فارس مثله، وكان أبرص على فرس كثير الأوضاح، فلما رجعت بنو تميم عن تلك الوقعة لامهم وقال: خرجتم برؤساء ثلاثة إلى حيي حريد ثم جئتم منهزمين، وقد قتل منكم رئيسان، قالوا: والله ما لقينا إلا شياطيناً برصاً على خيل بلق.
ومن البرصان والخطباء، ومن الأشراف الرؤساء، قيس بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة خطيب غطفان، وهو الذي لما ضرب بسيفه مؤخرة رحل أبيه خارجة بن سنان والحارث بن عوف الحاملين، وقال لهما: ما لي في هذه الحمالة أيها العشمتان، قال: فما عندك؟ قال: عندي رضا كل ساخط، وقرى كل نازل، وخطبة من لدن وتطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع. فلما خطب بتلك الخطبة التي سميت العذراء ضربوا بها المثل. فقال عجلان بن سحبان:
ولا كأخي ذهل إذا قام قائلاً ... ولا الأسلع الحمال حين يجيب
فجعل قيساً أيضاً حاملاً وضرب به المثل.
وقولهم: الأسلع والأبرص سواء، ولذلك قال جرير في قتل أنس الفوارس عمرو بن عدس، وكان من المشهرين بالبرص:
هل تذكرون على ثنية أقرن ... أنس الفوارس حين يهوى الأسلع
وكانوا ثلاثة إخوة: الربيع الكامل وعمارة الوهاب وأنس الفوارس بني زياد وهم الكملة من بني عبس، وقيل لأمهم: أي بنيك أكمل؟ قالت: أنس، لا بل عمارة، لا بل الربيع، ثكلتهم إن كنت أدري أيهم أكمل، وهي التي قالت في بعض الكلمة: ما حملته وضعاً، ولا وضعته يتناً، ولا سقيته غيلاً، ولا أبته على مأقة.
ولما سعموا بأن الأسلع هو الأبرص، قالوا في قول مساور بن هند:
منا بنو بدر ومنا هاشم ... والحارثان ومالك والأسلع
فمزعموا أن الأسلع القيسي كان أبرص، وهذا لا يجب، قد يجب أن يكون اسمه الأسلع ويجب أن يكون ذا سلعة، ويجب أن يكون أبرص ولا بد من أن يكون على ذلك دليل، إما شعر وإما حديث، وإما أن يقول ذلك العلماء، فإن جاءوا مع ذلك بشاهد فهذا أصح للخبر وإن لم يأتوا بشاهد فليس قولهم حجة.
وأما قول عجان: ولا كأخي ذهل ...، فإنما عنى دغفل بن حنظلة الخطيب العلامة، غرق دغفل يوم دولاب حين عبر الناس في دجيل مع حارثة بن بدر الغداني أيام الأزارقة.
قال ابن الكلبي: من البرصان الأشراف، سعد الأثرم بن حارثة بن لأم أخو أوس بن حارثة بن لأم، وكان شريفاً نبيهاً ولكن إفراط نبأ أخيه هذا غيره.
قال: ومن البرصان الأشراف، المرقع بن صيفي بن رباح، وأنشدوا قول الشاعر:
الله يعلم والأقوام قد علموا ... أن المرقع مرقوع بأوضاح
الوضح وضح الصبح، يقال: أبين من وضح الصبح، والوضح من الدرهم، والوضح اللبن، قالوا: جيد الوضح، والوضح كناية عن البياض، والبياض كناية عن البرص، وأوضاح الخيل ما فيها من البياض، وحلي الفضة تسمى أوضاح، قال كميت:
ولاح من الكعاب مخبآت ... من الأوضاح والقدم الخضيب
ومن البرصان الأشراف: عامر بن حوط الأبرش، قيل له ذلك كما قيل لجذيمة: الأبرش بعد أن كان يقال له الأبرص، إكباراً له وكناية عما يكره، وهو أخو عبد مناة بن بكر بن ضبة وهو القائل:
ولقد علمت لتأتين عشية ... ما بعدها خوف علي ولا عدم
وولجت بيت الحق ليس بباطل ... ما إن أبالي من تقوض وانهدم
وليس في هذين البيتين دليل على أنه كان أبرص إلا أن رواة أشعار بني ضبة زعموا ذلك. وأنشدني جعفر الضبي بيتاً كان يجعله دليلاً على برصه، وهو بيت لا يقطع الشهادة ولكنه يقرب إلى ما قالوا وهو قوله:
لو كان ينجو من الآفات ذو كرم ... كان ابن حوط مكان الشمس والقمر

ومن البرصان السادة والأشراف الخطباء، والفرسان المذكورين والخوارج المقدمين، ابن الفجاءة وكذلك كان ابنه وكذلك كان أخوال أبيه، لا يعرف في البرص أعرق من ابن قطري المذكور في هذا الكتاب، فإنه المقابل المدابر والمعم المخول، لأن أخواله بنو الحبناء وأعمامه آل افجاءة.
قال أبو عبيدةوأبو الحسن: خرج جرموز المازني إلى قطري بن الفجاءة وهو بين الصفين فقال: بلغني أنك تشتري السيف بعشرين ألف درهم وأكثر، قال: " نعم " ، قال: أفلا أبعث إليك ببني تجبرهم وتغنيهم؟ قال قطري: إن بعثت إلي بهم ضربت أعناقهم وبعثت إليك برؤوسهم، قال جرموز: يا عجباً! بنوك وعيالك في منزلي بالبصرة أمونهم وأبعث إليك ببني تضرب أعناقهم! قال قطري: إن الذي صنعت بعيالي تراه في ديناك، والذي أصنع بعيالك شيء أراه في ديني، قال له جرموز: هل أصبت بعدي ولداً؟ قال: نعم، قال: فدعا بغلام شاب على برذون، فقال جرموز: لعلك أفسدته بشيء من هذه الأعاجم ومن هذه السبايا؟ قال: معاذ الله، أمه الوجناء بنت الحبناء، ثم قال: يا جرموز! إن به العلامة التي بنا أهل البيت - يعني الوضح - يقول: إن رأيته فاعرفه، وهو جرموز بن الفجاءة أخو قطري بن الفجاءة.
قالوا: وكان الأقيشر الأسدي أبرص، ولذلك سموه الأقيشير، وكان مع ذلك يهجو البرصان بالبرص، وقد فعل ذلك بأيمن بن خريم وغيره، وكان الأقيشر يلعب بالحمام ويشرف في جوف منزل أبي الصلت الثقفي، وكان إذا طير الحمام يصفر بفيه ويصفق بيديه، وإن سقط فرخ على حائط جاره رماه، فقال أبو الصلت:
بطن العظاية كم تمكو على شرف ... وكم تراجم جار البيت من كثب
فالمكو: صفير أو شبيه بالصفير، وكان من عمل أهل الجاهلية، قال الله عز وجل: " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " ، وقد ذكر غيره المكو حيث يقول:
تمكو فريصته بشدق الأعلم
والمكو: شيء بين النفخ والصفير، لأنه لما طعنه نفخ بالدم، فخرج منه الدم مكانه.
قال: وكان بالحكم بن أبي العاص بياض، ولذلك حين اطلع في منزل النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من يعذرني من الوزغة " .
وقال حسان أو عبد الرحمن بن حسان أو سعيد بن عبد الرحمن بن حسان للحكم وأولاده وبني عثمان:
بطون العظايا سرع ما قد نسيتم ... بموسم أهل الجمع لطمة أسعد
وللنصف الثاني من هذا البيت تفسير يدخل في المثالب، سمعت الأصمعي وسأله رجل عن بعض المثالب " يقول " : إني والله ما أقول إني لا أحسنها، ولكن أدعها تحرجاً، ولكن - والله - إن علمنيها الله قط.
قال أبو الحسن وأبو عبيدة: قال الزبير لعثمان بن عفان في شأن ابنه عبد الله: إني والله ما ألد العوران والعرجان والبرصان ولا الحولان.
قال: ومن البرصان أبو هوذة بن شماس الباهلي أحد بني قتيبة، قال أبو الحسن، قال معاوية يوماً: والله لهممت أن أملأ سفينة من باهلة فأبعث بها إلى اليم، فإذا توسطوا غرقتهم، قال: فقال له أبو هوذة بن شماس: إذاً ما رضينا بعددهم من بني أمية، قال: اسكت أيها الغراب الأبقع، فقال هوذة: إن الغراب ربما مشى إلى الرخمة حتى ينقر عينها. فلما كان بعد ذلك قال له ابنه يزيد: هلا قتلته. ثم إن معاوية أرسله في بعض البعوث فقتل، فقال معاوية ليزيد: هذا أخفى وأعفى، قال أصم باهلة في شماس بن هوذة بن شماس:
أشماس لو كانت صحاحاً جلودكم ... عذرت ولكن الشآمى أرقط
فبهذا البيت حمل بعض الناس كل من قيل في الشعر إنه أرقط أنه أبرص، وليس ذلك بالواجب، يقولون حميد الأرقط وهو حميد بن مالك الراجز، ولم يزعم أحد أنه كان أبرص، وخلاد بن يزيد الأبرص ولم يكن بأبرص، وأم جميل الرقطاء صاحبة المغيرة بن شبعة، ولم يزعم أحد أنها كانت برصاء، وعبيد الله بن زياد كان أرقط وقد جاء ذكره في الشعر.
والرقط في البراذين والدجاج والحيات والسمك، ويوصف به قميص الحمار، قال الشاعر:
كأن دجاجهم في الدار رقطاً ... وفود الروم ترفل في الحرير
وقال حسان بن ثابت إن كان قاله:
بني أسد ما بال آل خويلد ... يحنون شوقاً كل يوم إلى القبط
إذا ذكرت قهقاء حنوا لذكرها ... وللرمث المقرون والسمك الرقط

وهذا الشعر كفر، لأن خديجة الواسطة من آل خويلد، والزبير بن العوام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي " . وحسان لم يكن كافراً.
وفي الحيات الرقط وغير الرقط، فأما الوزغ والعظاء فإن الرقط فيها عام، وأما سربال الحمار فكما قال معاوية بن أوس:
وزق سبأت لدى تاجر ... تملأ، كالرجل الأسحم
ضربت بفيه على نحره ... وقائمه كيد الأجذم
يرى العار في جلده واضحاً ... وسرباله رقط الأرقم
فليس يجب لقولهم: فلان الأرقط أن يكون أبرص، إلا أن يكون عليه شاهد من شعر أو مثل أو حديث، أو يقول ذلك بعض الثقات من العلماء فيكون مقبولاً.
وربما سموا الأبقع ثم يصغرون ذلك فيقولون: بقيع، من ذلك حديث يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي، قال: أراد عبد الله بن جعفر أن يفد إلى عبد الملك وعلى المدينة أبان بن عثمان، فأرسل إليه بديحاً ليستأذنه، فقال أبان: فليبعث إلي بجاريته فلانة، فرجع إليه فأخبره فقال: أما الجارية فلا ولا كرامة، وقال له: ارجع إلى بقيع فقل له: أما الجارية فلا، فقال أبان: فليبعث إلي بغلامه الزامر، قال عبد الله: نعم وهو يشبهه فأذن له فوفد إلى عبد الملك.
ومن البرصان الأشراف من الملوك، جذيمة بن مالك صاحب الزباء وقصير، وكان يقال له جذيمة الأبرص، فلما ملك قالوا على وجه الكناية: جذيمة الأبرش، فلما عظم شأنه قالوا: جذيمة الوضاح، ولم يقولوا: جذيمة الأوضح لأنهم يضعون هذا الاسم في موضع الكناية عن الأبرص، وذلك كثير، وليس في الأرض أبرص يقال له الوضاح غير جذيمة، ومن يقال له الأوضح كثير، والكناية إذا طال استعمالهم لها صارت كالأوضاح.
فمن ذلك أنهم كنوا عن الفرج فقالوا: كشف علينا متاعه، فصار المتاع والفرج سواء، والفرج والقبل والدبر كله أيضاً كنايات، وكذلك الخلاء والحش والغائط كلها كنايات، وكذلك التراب والزبل والنجو كنايات، والاسم الخرء وجمعه خرءان.
وقالوا في الكناية: فلان يدعو إلى نفسه، فلما طال ذلك وكثر قام في القبح مقام الأول.
وقالوا في الكناية عن قولهم زنت فلانة: قحبت، والقحاب - : السعال، وقال الشاعر في شاة له:
وإذا ما قحبت واحدة ... جاوب المبعد منها فخضف
فكأنهم كانوا في التقدير يضعون سعلت مكان زنت، فلما طال ذلك صار قولهم قحبت أقبح من قولهم زنت.
وربما قيل للأبرص: أبرش وأقشر وأرقط وأبقع ومبقع وبقيع ومولع ومرقع، وبكل ذلك جاء الشعر، قال السيد الحميري وكان إذا قضى وطره من الكلام لم يكن يحفل بما وراء ذلك، والسيد حميري، وهو السيد بن محمد ويكنى أبا هاشم، ومولده بعمان ومنشأه بالبصرة، ومات في خلافة الرشيد - قال في هجائه أبا بكر وعمر وعبد الله بن عمر ولغيرهم من الصحابة:
فبعداً وسحقاً لتلك الوجوه ... ه للخبت والعدل والأبرش
.. صاحبه الظالمين ... وعجلهما ذلك الأرقش
فيا نفس حتى مت تليطي ... ن على الخائن الأول المرتشي
ثم قال:
فهذا ولا قول نعمانهم ... ولا قول سفيان والأعمش
أما العلماء فلم يقل أحد منهم إن أبا بكر كان أبرش وكذلك عمر، ولا قال أحد منهم: إن عبد الله بن عمر كان أرقش، وهو الذي سماه العجل، وكان شديد الأدمة، أتاه ذلك من قبل أخواله آل مظعون ومن العجب خبر ضبر الأعمش مع أبي حنيفة وسفيان وهذان من المرجئة، والأعمش من الغالية.
وقال ابن عنقاء الفزاري في المرقع بن ذي الرأسين، وهو أبو شوال بن المرقع:
فقلت لشوال توق ذبابه ... ولا تحم أنفاً أن يخيم مرقع
وقال أبو عاصم في أيمن بن خريم - فيما أظن - :
فأرغم الله أنفاً أنت حامله ... وزاد جلدك في تسفيعه بقعا
جلد تسربل ثوب الذل ظاهره ... واستبطن اللؤم حتى ضاق فانصدعا
قالوا: ومن البرصان ثم من بني ضبة، عامر الأبرش، وأجمعوا على أنه كان أبرص، وأن الأبرش كان كناية.
وممن سمي الأبرش ولم يكن أبرص، الأبرش الكلبي، وهو سعيد ابن الوليد وكنيته أبو مجاشع، وكان أخص الناس بهشام وأغلبهم عليه، وقد كان به برش وكانت فيه عفة ولم يقل أحد من أجل أنه كان يدعى الأبرش أنه كان أبرص.

ومنهم البرشاء أم قيس بن ثعلبة وأخته تسمى الجذماء، فزعم بعض الناس أنها كانت برصاء ولم يأت على ذلك دليل.
وذكر سحيم بن حفص: أن الجذماء كانت ضرة البرشاء، وأنها رمت البرشاء بجمر كان في يدها فبرش جلدها من النار، وقال بعضهم: بل إنما قيل ذلك لها من مخافة العين عليها، كما يسمون الرجل الجميل: شيطان، والغراب النافذ البصر: الأعور، والأرض السباريت: المفازة، والنهيش: السليم، والفرس العتيق إذا كان أنثى: شوهاء، وكذلك سموا بنت ضبة: العوراء وكانت عند تميم.
وكذلك العوراء بنت أبي جهل، وكذلك الجرباء بنت عقيل، وكذلك بني العوجاء في همدان، وعلى ذلك سموا بناتهم بكلفاء وسوداء ودلماء وخشناء وخنساء.
وزعم أبو عثمان البقطري: أن أم سراقة بن مالك بن جشم المدلجي كانت برصاء، وأنشد قول أمية بن الأسكر:
قد جرت البرشاء أو سراقة ... رمته بها البغضاء بين الحواجب
وقد نيل شطر الليل حتى تغضنت ... مشافره كالقنفذ المتحارب
إذا غمزته الكف قال لآله ... واحسنه لو أنه غير شائب
فهو لعمري شعر أمية بن الأسكر، وليس في ذكر البرش دليل على البرص، والذي هجا به أمية بن الأسكر نفسه في هذا الشعر السخيف السفيه، أسمج وأشنع مما هجا به سراقة، وهذا المثل يرغب بمثله عنه.
وسمعت شيخاً من مزينة يقول: لولا الذي كان من زهير من الفحش في هجاء بني أسد لما كان في الأرض أتم من مروءة شعره، ولا أقصد ولا أقل تزيداً من زهير، لأنه وصف الملوك والسوقة والفرسان والسادة بالذي يكون فيهم.
ويقول أهل العلم: ثلاثة رجال سادوا في الجاهلية والإسلام، أحدهم سراقة بن مالك بن جشم المدلجي، والآخر الجارود بن المعلى العبدي، والثالث جرير بن عبد الله البجلي.
وقالوا في المولع، قال أبو عبيدة: كان ثمامة بن عبد الله بن أنس أسلع بن أسلع بن أسلع، ولذلك قال خليفة الأقطع أبو خلف بن خليفة الشاعر:
وكنا قبل مستقضى بلال ... من السنخ المولع في عناء
تقيل سنخه وأبا أبيه ... كما قد الحذاء على الحذاء
ويقال: إن ولد أنس بن مالك لا ينفكون في كل زمان أن يكون فيهم رؤساء، إما في الفقه وإما في الزهد وإما في الخطابة، ولم يكن بالبصرة أنظر من أبي ثمامة ومن موسى بن حمزة. وولد لأنس عشرون ومائة من صلبه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له بكثرة الولد والسعة في الرزق، ويستدل على مصداق ذلك بكثرة قطائعه، قالوا: ولم يكن يعتريهم عطاس مذ صار فيهم قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعم أصحاب المسند: أنه ليس في جميع المسند أكثر منها فوائد من مسنداته.
وإمامة مسجد الجامع بالبصرة مقصور " ة " على الأنصار، لما فيهم من الصلاح والحال الجميلة.
وليس لأحد من أهل البصرة من الموالي مثل ما لهم، فمن مواليهم الحسن وابن سيرين، ولم يتلطخوا بشيء من الفتن في طول ما حاربت الأزد بالبصرة لتميم، هذا وهم فرسان الأزد.
وزعموا أن بني نمير برصاء، واستشهدوا قول كعب بن سعد الغنوي:
" ألا " ما في الحريش ولا عقيل ... ولا أولاد جعدة من كريم
ولا البرص الفقاح بني نمير ... ولا العجلان رائدة الظليم
أولئك معشر كبنات نعش ... رواكد لا تسير مع النجوم
قال: وهذا هو معنى قول جرير:
ولو وضعت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذاً لذابا
قالوا: ومن البرصان، الأبرص الكلبي، قال المختار بن أبي عبيد حين أيقن بالقتل:
إن يقتلوني يجدوني جزرا ... محمداً قتلته وعمرا
والأبرص الكلبي لما أدبرا
قال: ومن البرصان، شمر بن ذي الجوشن الضبابي، قال الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله عليه - قبل أن يقتله بليلة - : إني رأيت في المنام كأن كلباً أبقع يلغ في دمائنا، فعبرته هذا الأبرص الضبابي، يعني شمر بن ذي الجوشن، كان الرئيس في قتل الحسين بن علي، والملك يزيد بن معاوية، وكان أمير العراق الذي جهز الجيش وعقد اللواء عبيد الله بن زياد، وكان صاحب الجيش وأمير الجماعة عمر بن سعد، وكان قائده الأكبر شمر بن ذي الجوشن، وكان الذي تولى قتله يزيد بن خولى، والذي حفظ ظهر يزيد حتى نزل إليه وحز رأسه سنان بن أنس.

وسألت مشيخة بني ضبير عن برص البهلول بن سليمان بن عبيد بن علاق بن شماس الصبيري، وكان البهلول فتى بني يربوع وشيخها، فقالوا: إن أم عيسى - يعنون أم ولد سليمان بن عبيد - كانت برصاء لم تلد قط إلا أبرص أو برصاء، إلا أنه في بعضهم أخفى وفي بعضهم أظهر.
ومن البرصان، بنو عبد الأعلى الشيباني الشعراء الخطباء: عبد الله وعبد الصمد، وأخوهما، وكان هشام بن عبد الملك بعث بهم إلى يوسف بن عمر، وكانوا أصحاب الوليد بن يزيد وخاصته والوليد يومئذ القائم بعد هشام، فدفعهم يوسف بن عمر إلى محمد بن بانة، فطين عليهم إلا بمقدار ما يدخل عليهم منه الطعام فأطعمهم ولم يسقهم، فلما أجهدهم العطش صاحوا: يا سمي رسول الله! إنا مسلمون. ألا ترى أن اسم أبينا عبد الأعلى وأسماؤنا عبد الله وعبد الصمد، فلم يمسوا حتى اسودوا ثم اسودوا ثم برصوا ثم تسلخوا. وإنما قالوا ذلك لأن هشاماً بعث بهم إلى يوسف على أنهم زنادقة، وأراد بذلك التشنيع على الوليد. وهجا بعض أولادهم شاعر فقال:
وجدك أبيض القرنين داج ... أسير الذل والعطش والطويل
وعبد الله بن عبد الأعلى هو الذي يقول:
من هنا من صديق فليعد ... ليعدني إنني اليوم كمد
من هموم تركتني قلقاً ... قلق المحور بالقت المسد
ليت شعري ولليت نبوة ... أين صار الروح مذ بان الجسد
بينما المرء شهاب ثاقب ... ضرب الدهر سناه فخمد
أو لبيب استوت حنكته ... موفي المرة مأمون العقد
غاله الدهر وغطى حزمه ... وانتضاه من عديد وولد
وهو الذي يقول:
يا ويح هذي الأرض ما تصنع ... لكل حي فوقها مصرع
نذرعهم حتى إذا ما أنوا ... عادت لهم تحصد ما تزرع
ويزعم كثير من الرواة أن القصيدة التي تضاف إلى لقيط الإيادي إنما هي لعبد الله.
ومن البرصان، سعد المطر، وهو الذي يقول:
ليتني كنت مغربا ... منتن الريح أجربا
أو غراباً مطرداً ... يرقب الذيب أحنبا
ذهب إلى قول رؤبة:
تشقى بي الغيران حتى أحسبا ... سيداً مغيراً ولياحاً مغربا
يقول: ليتني كنت شيئاً يهرب الناس منه، أو غراباً يرقب ذئباً على جيفة، فإذا تنحى الذئب أكل الغراب، وإنما قيل له سعد المطر لأنه كان يقول في شعره:
دع المواعيد لا تعرض لوجهتها ... إن المواعيد مقرون بها المطر
إن المواعيد والأعياد قد منيا ... منه بأنكر ما يمنى به بشر
أما الثياب فلا يغررك إن غسلت ... صحو قديم ولا شمس ولا قمر
وفي الشخوص له نوء وبارقة ... فإن بليت فذاك الفالج الذكر
ومن البرصان والعميان الشعراء، علي بن جبلة، وكان يكنى أبا الحسن، وكان مع عمائه وشنعة برصه يتعشق جارية، ويتعشقها شاعرة ظريفة أديبة، وكان أنشد حميد بن عبد الحميد شعراً فوهب له مائتي دينار، فانصرف من دار حميد إلى منزل المعشوقة فصب الدنانير في حجرها ثم مضى إلى منزله وليس فيه درهم ولا شيء قيمته درهم، وكان أحسن خلق الله إنشاداً، ما رأيت مثله بدوياً ولا حضرياً، وهو القائل:
ودم أهرقت من رشأ ... لم يرد عقلاً على هدره
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
وهو الذي قال في حميد:
دجلة تسقى وأبو غانم يطعم من يسقي من الناس
ومن البرصان ثم من بني قشير بن كعب عبد الأبرص بن هبيرة بن زفر بن عبد الله بن الأعور بن قشير.
ومن البرصان عمرو بن بانة، وهو عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد، وكان ذا قدر، وولى ولايات جسيمة، ويقولون: مولى أمير المؤمنين، وثقيف تدعيه، وأمه بانة بنت روح كاتب سلمة، وكنيته أبو الفضل، وهو شريف الأبوين، وإنما أضيف إلى أمه كما قيل محمد بن حفص بن عائشة، وكما قيل حفص بن بانة، وعلى ذلك المعنى أضافوا بني سلول إلى أمهاتهم، وباهلة إلى أمهم، وكذلك مزينة وكذلك يصنعون إذا كانت للأم نباهة.

وعمرو أروى الناس للغناء وأعلمهم به وأجودهم له صنعة، وله سخاء على الطعام ومروءة في نفسه، وهجاه بعض البغداديين فقال:
أقول وقد مر عمرو بنا ... فسمل تسليمة جافيه
لئن تاه عمرو بحسن الغنا ... لقد فضل الله بالعافيه
بئس ما قال لأنه ذهب مذهب التعيير، فعيره بشيء لا يدري لعله ينزل به.
ومن البرصان أبو عبد العزيز الأسلع، وكان صاحب أخبار، وقد روى لنا الهيثم عنه.
أبو الحسن، عن عوانة، قال: قدم على سليمان بن عبد الملك وفد من المدينة وحضر طعامة، فدعاهم إليه فدنوا، فقال رجل منهم - وجاءت ثردة - : ما هذا الرمكا يا أمير المؤمنين؟ فقال له سليمان: ما هذا الأنس قبل الخلطة! ثم حسر الرجل عن ذراعه وعن يده فإذا في ذراعه وضح، فقال: وهذا أيضاً؟ قال: فلما أمر لهم بجوائزهم قال: زيدوا الرجل مائة دينار لما كلمناه به.
قال أبو الحسن: وكان أيمن بن خريم أبرص، وكان خاصاً ببشر بن مروان ثم غضب عليه، ومضى إلى عبد العزيز وهو على مصر، فوهب له قيمة ألف ألف درهم، ثم جرى بينه بعد ذلك وبين بشر كلام، فقال أيمن: لا والله، ولكنك ملول مستطرف، فقال له بشر: أنا ملول مستطرف؟ وأنا أؤاكلك منذ كذا وكذا.
ومن البرصان، بشر بن المعتمر وهو معلم أبي موسى المدرار وبشر القلانسي وأبي عمران الرقاشي وروح العبدي وأبي عبيد الله الأفوه وهاشم بن ناصح، وكان متكلماً رصيناً، شاعراً مفلقاً، ورواية ناسباً، ولم يقو أحد من المخمس والمزدوج على مثل ما قوي عليه بشر، حتى كان في ذلك أكثر من أبان بن عبد الحميد اللاحقي، لأن أباناً إنما نقل كتاب كليلة ودمنة وبعض كتاب المنطق مخمساً ومزدوجاً فقط، وبشر أصح في أصناف الكلام ودقاق المعاني بالمخمس فلم يستكره قافية واحدة، وهجاه معمر بن عباد مولى بني سليم ورئيس أصحاب المعاني، وكان يكنى بأبي عمرو وأبي المعتمر، بشعر فضح فيه المتكلمين، وهو أول شعر قال وآخره، وذلك أنه قال:
وأبرص فياض لوجهه رياض ... يرى السعاية فينا وقلبه ممراض
ومن البرصان، أبو حماد المروزي صاحب لواء أبي مسلم صاحب الدعوة.
ومن البرصان، مسمع بن مالك بن مسمع، ولي شرطة سليمان بن علي، قال: وكان فاحش البرص.
ومن البرصان، الصفري صاحب السبعين، قتله ابن راعول أيام المبيضة، ولا أظنه كان متسلحاً، وقد رأيته وكان ضخماً أقشر أرقط مغرباً، وكان ذلك لونه، ولا يقال لمن كان لون جسده كله لون البرص أبرص، إذا كان ذلك اللون ليس بحادث.
قالوا: ومن البرصان ثم من الرواة والنسابين، وأصحاب الأخبار الحكماء، ومن الصحابة عبد الله بن عياش الهمداني المنتوف، وكنيته أبو الجراح، وهو الذي لا نعلم أحداً أكثر عنه إلا الهيثم بن عدي.
قال أبو عبيدة والهيثم: عبث شبة بن عقال بعبد الله بن عياش على باب الخليفة، وكان على كف عبد الله وضح، فقال: ما هذا على ظهر كفك يا ابن عياش؟ قال: سلح النعامة، قال: وكان شبة يلقب بسلح النعامة، وأنشدوا:
فضح المنابر يوم يخطب قائماً ... سلح النعامة شبة بن عقال
وليس هكذا روى الناس الشعر، بل إنما قال الشاعر:
فضح المنابر يوم يخطب قائماً ... سلح النعامة شبة بن عقال
لأنه كان مفرط الطول، وإنما ذلك على معنى قول الشاعر:
لعمري لئن طال الفضيل بن ديسم ... مع الظل ما إن رأيه بطويل
وقال جرير:
إذ ظل يحسب كل شخص فارساً ... ويرى نعامة ظله فيحول
وأنشد البطين:
وطول حديث كطول الشروق ... تقضى الدهور وما ينقضي
لأنهم يزعمون أن ظل الشخص مع طلوع الشمس ليس له غاية ينتهي النظر إليه.
وقال أبو زيد النحوي واسمه سعيد بن أوس من ولد القارئ الأنصاري: يقال: سام أبرص وسامان أبرص وسوام أبرص: وبإسقاط سام من سام أبرص، ويقولون: أبرص وأبارص، وأنشد:
والله لو كنت لهذا خالصاً ... لكنت عبداً يأكل الأبارصا
وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب حين هجاهم بعض القرشيين بمحالفة عدي لبني بكير بن عبد ياليل، وكانوا أربعة إخوة قد شهدوا بدراً وكانوا برصاً، فقال عبد الله:
أبالأبارص تهجوهم وتثلبهم ... وكلهم قرح الوجعاء مثقار

وأمكم كل مئنات مجددة ... وأم غيركم مقاء مذكار
سائل يستحك والرومي بعظاوة ... كأنما أيره في الكف طومار
قال: وبهق البرص يعرض لخصى الخيل وغراميلها، وهذا غير الباب الأول، فإذا لم يعرض ذلك لها فإن خصاها وغراميلها هي المثل المضروب في شدة السواد، وكذلك الحمير في هذا المعنى، قالت ليلى بنت المحلق:
لحا الإله أبا ليلى بفرته ... يوم النسار وقنب العير جوابا
والقنب هو الخصية، هجته بشدة السواد، وكذلك قال الربيع بن زياد الكامل ليزيد بن عمرو بن خويلد بن الصعق، وفخر بنفسه وبإخوته عمارة وأنس على يزيد وزرعة وعلس:
عمارة الوهاب خير من علس ... وزرعة الفساء شر من أنس
وأنا خير منك يا قنب الفرس
وكان يزيد شديد السواد وكذلك جواب، وجواب هو الذي ذكره لبيد فقال:
حتى نحاكمهم إلى جواب
ومن البرصان، عمرو الثقفي الذي كان يلقب جزره، وكان يكنى أبا عثمان، وكان سليطاً ذا شهامة وعارضة.
ومن البرصان من ثقيف، الحكم بن صخر يكنى أبا عثمان، وتزعم ثقيف أن الحكم قد بان بشيء لم يكن لأحد قبله، قالوا: لم يبغض أحداً قط ولا أبغضه أحد قط.
ومن البرصان ثم من بني الأعرج، الأسلع، وقد صحب النبي وكان قد رحل له، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرحل له يوماً، فقال: إني جنب وليس عندي ما أغتسل به، فأنزل الله آية الصعيد.

***

باب ذكر البرص من الآباء والأمهات

فمنهم البرصاء أم شبيب بن البرصاء، وهو شبيب بن يزيد بن حمزة بن عوف بن أبي حارثة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن سعد بن ذبيان، وهذه البرصاء بنت الحارث بن عوف الحمال وكنيته أبو أسماء، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبها إليه فقال: بها سوء يعني برصاً، فقال النبي: ليكن كذاك، فيرجع النبي وقد برصت. وهذا لا يكون إلا أن تكون قد شاركت أباها في كراهة النبي عليه السلام بمعنى استحقت به ذلك.
ومن هؤلاء البرص، أبو عبيد بن الأبرص الشاعر، ربما غلب هذا الاسم الأول كما غلب على يربوع بن حنظلة، ولذلك قال أوس بن حجر:
كان بنو الأبرص أقرانكم ... فأدركوا الأحدث والأقدما
والدليل على ذلك أنه لم يقرع ببني يربوع عامر بن مالك إلا وهو راض عنهم.
ومنهم البرصاء أم سليمان بن البرصاء، وقد روى وسمع الناس منه.
ومنهم الأبرص أبو حارث بن الأبرص، والحارث الذي يقول:
أتعجب من سراري أم عمرو ... وما أنا في تأسيهم بغمر
فكم من فارس لم تزدريه ... لحى الفتيان في عرف ونكر
لقد آمرته فعصى إماري ... بأمر حزامة في قتل عمرو
أمرت به لتخمش حنتاه ... فضيع أمره قيس وأمري
ومنهم البرصاء أم خالد بن البرصاء ذكر أن عياض بن جعدبة قال: استعمل النبي عليه السلام على النفل في بعض الأيام أبا الجهم ابن حذيفة، فجاء خالد بن البرصاء فتناول زماماً من شعر فمنعه أبو الجهم، فقال خالد: نصيبي أكثر من هذا، فعلاه أبو الجهم بعصاً فشجه منقلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: خذ خمسين شاة، فما زال يزيد ويأبى حتى قال له النبي عليه السلام: " لا أقصك من عامل عليك " . وعلى ذلك المعنى قال أبو بكر الصديق: " لا أقص وزعة الله.
قال: وكان خارجة بن سنان بقيراً، والبقير الذي يبقر عن أمه فيستخرج لتمام، قالوا: ماتت أمه وهي تطلق به فاستخرج من بطنها فسمي خارجة، ويزعمون أن البقير من الناس والخيل يعرف ذلك في لون جلده.
قالوا: وكان مسلمة بن عبد الملك أصفر الجلد كأنه جرادة صفراء، وكان يلقب ويقال له جرادة مروان، وكان بشر بن مروان مصفراً.
وكان عمر بن عبيد الله بن معمر أحمر غليظاً يحتجم في كل سبعة أيام مرة، ولذلك كان يقال: أفرس الناس أحمربني تيم وحمار بني تميم يريدون عباد بن الحصين، ولذلك قال عمر بن عبيد الله في خطبته لعائشة بنت طلحة: تخرجون من عند أصفر إلى أحمر مشهور.

وأما قولهم في الأصفر القحطاني فإنا لا ندري أي المعاني أرادوا: الصفرة التي تنسب إليها الألوان أم اصفرار الجلدة كجلد جرادة مروان؟ وقد خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ويزيد بن المهلب على تحقيق الرواية في الأصفر القحطاني ولم يكن بين ألوانهما وبين الصفر سبب، وخرج على ذلك ثابت بن نعيم الخامدي بالشام، وكان كأنه لم ير مغموساً في الورس، وخبر أبو عبيدة قال: رأيته مصلوباً.
ومن الصفر يزيد بن أبي مسلم، قالوا: وكان كأنه الزعفران، واسم أبي مسلم دينار ولم يكن مولى الحجاج، وكان يرى قتل الأمة، زعم بعضهم أنه كان يرى رأي الخوارج، وكان لسناً خطيباً شديد العارضة حسن الملبس حسن المأكل، لا يخون ولا يدع أحداً يخون، ولم يكن يحب الولائد إلا لقتل الناس، وكان على ديوان الرسائل فلشهوته لقتل الناس سأل الحجاج أن يوليه ديوان الاستخراج، وكان يكنى بأبي العلاء.
ومن الصفر المضايق، القاسم التغلبي الفارس الخطيب، قتله المنصور بعد خروجه مع إبراهيم بن عبد الله صبراً، وخبرني من رآه يوم المربد وهو أصفر على برذون أصفر عليه عمامة صفراء وخفتان أصفر.
وكان كل شيء من المأمون على لون جسده إلى ساقيه، فإنه كان في لونهما صفرة، وكان يجد في رجليه حصراً شديداً، وكان ربما لبس في الصيف خف لبود وهو جالس في الخيش.
وزعم ناس أن العيص بن إسحاق كان أصفر اللون، ولذلك قيل للروم بنو الأصفر، والروم تزعم أنهم أضيفوا إلى الذهب الأصفر.
ومن البرصان المجاهيل، قال الكلبي: حدثني رجلٌ من جرم، قال: وذهب عني اسمه، قال: وفد رجلٌ من النخع يقال له قيس ابن زرارة بن الحارق في نفرٍ من قومه وكان نصرانياً فقال: رأيت في طريقي رؤيا فقدمت على النبي عليه السلام وأسلمت وقلت: يا رسول الله! إني رأيت في سفري هذا إليك رؤيا، قال: وما هي؟ قلت: رأيت أتاناً لي تركتها في الحي وأنها ولدت جدياً أسفع أحوى، ورأيت عجوزاً شمطاء خرجت من الأرض، ورأيت النعمان بن المنذر في أعظم ما كان ملكه، عليه قرطان ودملجان، ورأيت ناراً أقبلت وهي تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني أكلكم، قال: فحال بيني وبينها ابن لي يقال له عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا الأتان التي وضعت جدياً فهي جاريةٌ لك أحببتها فولدت غلاماً فانتفيت منه، قال: نعم فما باله أسفع أحوى؟ قال: ادن مني، فدنوت منه فقال لي: أبك بياضٌ؟ قال: قلت: نعم، والذي بعثك بالحق، ما رآه إنسي علمته، قال: وأما النار فإنها فتنةٌ تكون في بعض الزمان وإن مت أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك، وفيه كلام غير هذا.
أبو الحسن وغيره، عن ابن جعدبة، قال: كان بأبي جهل برص بإليته وغير ذاك، فكان يردعه بالزعفران، فلذلك قال عتبة ابن ربيعة: وسيعلم مصفر استه أينا ينتفخ سحره، ويقول بعضهم: بل كان مستوهاً مثفاراً، ولكن عتبة كنى عن ذلك، قالت مخزومٌ: فقد قال قيس بن زهير لأصحابه وهو يريدهم على قص أثر حذيفة بن بدر وأصحابه: إن حذيفة رجل مخرفج محرق الخيل نازهٌ ولكأني بالمصفر استه مستنقعٌ في جفر الهباءة، فاتبعوهم فألفوهم على تلك الحال التي ظن وقدر.
وقد بلغني أيضاً بأن حذيفة كان مستوهاً مثفاراً، ولم نر أحداً قال ذلك، وإنما هذه الكلمة تقال لأصحاب الترف والدعة.
عبيد الله بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحجر الأسود من الجنة، كان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك " .
وزعم ابن الكلبي وغيره، أن خالد الأصبغ بن جعفر بن كلاب ولد أبيض الناصية.
وزعم أبو سعد الرفاعي، عن مقاتل، أن الأبرص الذي دعا له عيسى بن مريم ولد أبرص.
وزعم بعضهم أن أم الفرزدق كانت برصاء، أما عورها وعمى غالب فهذا ما لا يدفعونه لأن الشاهد عليه من الأشعار كثير، فأما ما ادعوا عليها من البرص فلسبب قول جرير:
ترى برصاً بأسفل اسكتيها ... كعنفقة الفرزدق حين شابا
وإنما هذا سفهٌ وتفحشٌ يلتمس به غيظ المسبوب، وأكثر من يتكلم بمثل هذا الغضبان السفيه الضيق الصدر، والذي يقول لصاحبه يا ابن الفاعلة، ليس يقدر فيه أن الناس يجعلون قوله ذلك شاهداً، إنما هو تشفي غضبان يريد بذلك الفحش وإدخال الغيظ، وهذا كما ذكر عمرو الأعور الخاركي أم عمرو المخلخل الشاعر الذي كان يهاجيه:

وقد طولت الإسب ... فصار الإسب قاريه
علاها برص الصدغ ... فصارت بردانيه
وقال أبو الحسن وغيره: قدم يزيد بن أسيد السلمي رسولٌ من قبل المنصور، فدخل الرسول وكان شديد السواد وعليه عمامةٌ خضراء وعليه خفتان أحمر فجعل يتكلم، فقال يزيد: حسبك يا غراب البين.
قالوا: وكان عمرو بن عمرو بن عدس أبرص، قتله أنس الفوارس فقال جرير:
هل تذكرون على ثنية أقرنٍ ... أنس الفوارس يوم يهوي الأسلع
قال: وهجا بعض الشعراء ولده بذاك ورماهم بالبرص، فقال:
وما كان أفواه الكلاب وبقعها ... لترحل إلا في الخميس العرمرم
أما البقيع فقد قلنا فيه، وقد زعموا أنهم إنما قيل لهم أفواه الكلاب لمكان البخر، وقد كذبوا، إنما يقال ذلك لأصحاب الخطوم والخراطيم، وكل سبع يكون طيب الفم كالكلب وما أشبهه فإنه لا يوصف بذلك، وإنما يعتري ذلك مثل الأسد والصقر وكل شيء جاف الفم، ألا ترى أن طيب الأفواه عام في الزنج وفي كل مجنون يسيل لعابه، ومن استنكه النائم السائل الفم والنائم الجاف الريق عرف اختلاف ما بينهما.
ويزعمون أن الظباء أطيب البهائم أفواهاً، وفيها جملة ليست في شيء من الحيوان، وذلك أن أبعار الظبي موصوفة بطيب البنية، نعم، حتى صاروا إذا سلوا السمن طيبوه بها، قال الفرزدق:
من السمن ربعيٌ يكون خلاصه ... بأبعار أرآم وعود بشامٍ
والدليل على نتن أفواه الأسد قول الحكم بن عبدل لمحمد بن حسان بن سعد:
ونكهته كنكهة أخدري ... شتيم شابك الأنياب ورد
ومن البرصان، أيمن بن خريم بن فاتك، كان عند عبد العزيز بن مروان فدخل عليه نصيب أبو الحجناء مولى بني ضمرة فامتدحه، فقال عبد العزيز: كيف ترى شعره؟ قال: إن كان قال هذا فليس له ثمن، وإن كان رواه قيمته كذا وكذا، فقال عبد العزيز: هو والله أشعر منك، قال: لا و













تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز ج2

19-آب-2017

الأنثى الرمز، الإلهة (قناع الالوهة المؤنثة) مصطفى عبدي

19-آب-2017

رسالة فان جوخ إلى أخيه قبل أن ينتحر:

19-آب-2017

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow