Alef Logo
نص الأمس
              

كتاب : البرصان والعرجان للجاحظ جزء1

ألف

خاص ألف

2013-09-12

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله عليه محمد وسلم

وهب الله لك حسن الاستماع، وأشعر قلبك حب التثبت، وجعل أحسن الأمور في عينيك، وأحلاها في صدرك، وأبقاها أثراً عليك في دينك ودنياك علماً تفيده وضالاً ترشده، وباباً من الخير تفتحه، وأعاذك من التكلف، وعصمك من التلون، وبغض إليك اللجاج، وكره إليك الاستبداد، ونزهك عن الفضول، وعرفك سوء عاقبة المراء، وقد علمت مع ذلك من مدح بقوله:
من رأي ذي بدآت لا تزال له بزلاء يعيا بها الجثامة اللبد
وأن الآخر قد قال :
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما نجد
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
ولا أعلم الموصوف بالاستبداد إلا مجهلاً مذموماً، ولا أعرف المنعوت بالبدوات إلا مدفعاً مضعوفاً.
وإنما الشأن في وجدان آلة التصرف، وفي تمام العزم بعد التبين، لا أعرف إلا هذين .... فليتصور ما زاد .
وما كلام الشاعر في قصيدته إلا كقول الخطيب في خطبته، وما ذلك إلا كاحتجاج المحتج واختبار المختبر " ..... " .
وفي كل ذلك يكون الخطأ والصواب
وقد قال الشاعر :
قليل تصاريف الخليقة لا ترى ... خليلاً لعبد الله في الناس قاليا
وقد وصف الآخر " قول ... " المتلون والمستطرف، فقال :
شر الأخلاء خليل يصرفه ... واش وأدنى صاحب يستطرفه
ملون تنكره وتعرفه
فاجعل محاسبة نفسك صناعة تعتقدها، وتفقد حالاتك عقدة ترجع إليها، حتى تخرج أفعالك مقسومة محصلة، وألفاظك موزونة معدلة، ومعانيك مصفاة مذهبة، ومخارج أمورك مقبولة محببة، فمتى كنت كذلك، كانت رقتك على الجاهل الغبي، بقدر غلطتك على المعاند الذكي، وتحب الجماعة بقدر بغضك للفرقة، وترغب في الاستخارة والاستشارة بقدر زهدك في الاستبداد واللجاجة، وتبدأ من العلم بما لا يسع جهله، قبل التطوع بما يسع جهله.
ولا تلتمس الفروع إلا بعد إحكام الأصول، ولا تنظر في الطرف والغرائب وتؤثر رواية الملح والنوادر، وكل ما خف على قلوب الفراغ وراق أسماع الأغمار، إلا بعد إقامة العمود، والبصر بما يلثم من ذلك العمود، فإن بعض من كلف برواية الأشعار بدأ برواية أشعار هذيل قبل رواية شعر عباس بن الأحنف، ورواية شعر ابن أحمر قبل رواية شعر أبي نواس، وناس من أصحاب الفتيا نظروا في العين والدين قبل أن يرووا الاختلاف في طلاق السنة، وناس من أهل الكلام نظروا في " ... " والكفر والمداخلة والمجاورة، قبل أن ينظروا في التوحيد والعدل والآجال والأرزاق.
وسئل بعض العلماء عن بعض أهل البلدان، فقال: أبحث الناس عن صغير وأتركهم لكبير، وسئل عن بعض الفقهاء، فقال: أعلم الناس بما لم يكن، وأجهلهم بما كان وقد خفت أن تكون مسألتك إياي كتاباً في تسمية العرجان والبرصان والعميان والصمان والحولان، من الباب الذي نهيتك عنه وزهدتك فيه.
وذكرت لي كتاب الهيثم بن عدي في ذلك، وقد خبرتك أن لم أرض بمذهبه، ولم أحبه له حظاً في حياته، ولا لولده بعد مماته.
وأنا أحذرك اللجاح والتتايع، وأرغب إلى الله لك في السلامة من التلون والتزيد، وفي الاستطراف والتكلف، فإن اللجاج لا يكون إلا من خلل القوة، وإلا من نقصان قد دخل على التمكين، واللجوج في معنى المغلوب، والمتصرف في معنى الغالب والمكتفي، ولا يكون إلا والعقدة منحلة والنفس منقوصة، ثم لا بد أن يتصل ضعف المنة بقلة المعرفة، ومتى نقصت المعرفة لم تكن المنة فاضلة، وكان الفاعل إما لجوجاً مسارعاً، وإما ذا بدوات متلوناً. فاعرف فضل ما بين التصرف والتلون، وليس الاعتراض من صفة اللجاج. وقد يكون الاعتراض محموداً ومذموماً، ولا يكون اللجاج إلا مذموماً، والتلون أن تكون سرعة رجوعه عن الصواب كسرعة رجوعه عن الخطأ واللجاج، وأن يكون ثبات عزمه على إمضاء الخطأ الضار كثبوت عزمه على إمضاء الصواب النافع.
والذهول عن العواقب مقرون باللجاج، وضعف العقدة مقرون بالبدوات. قيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالاً؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله. وقال عمر بن الخطاب: لن ينتفع بعقله، حتى ينتفع بظنه. وقال محمد بن حرب: صواب الظن الباب الأكبر من الفراسة.
وقال بلعاء بن قيس :
وأبغي صواب الظن، أعلم أنه ... إذا طاش ظن المرء طاشت مقادره

ألا تراهم يمدحون ضرباً من الظن، ويذمون ضرباً آخر.
وأما الصواب ففي الحال التي بين الحالتين.
وقال الله عز ذكره: " اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم " ، وهذا البعض هو ذاك الكثير الذي ذكره، لأن قليل الكثير ربما كان كثيراً.
وقيل لثقيف: بم بلغتم المبالغ؟ قالوا: بسوء الظن.
وإلى ذلك ذهب الشاعر حيث يقول:
أسأت إذ أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظن بالناس
وذلك على ما قدر ما تصادف عليه الزمان، وتشاهد من حالات الناس.
وليس سوء الظن، في الجملة بالمذموم، ولا بحسن الظن بالمحمود، وإنما المحمود من ذلك الصواب على قدر الأسباب القوية والضعيفة، والذي يتجلى للعيون من الأمور المقربة، وعلى ما جرت عليه العادة والتجربة، ولقد قال الله تعالى: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " ، اعلم أنه لم يرد تصويب ظن إبليس، وليس مذهب الكلام وصف إبليس بشيء من الصواب، وإنما أراد ذم الذين كثرت ذنوبهم حتى طرقوا على أنفسهم سوء الظن، فصار كل من ظن بهم سوءاً يصير ظنه موافقاً للذين يحاولون والذين هم فاعلون.
فاطلب العلم على تنزيل المراتب، وعلى ترتيب المقدمات، وليكن لتدبيرك نطاق، فإنه أمان من الخطأن وللذي تعتقد رباط، فإنه لا بد للبنيان من قواعد.
وليكن أحب العلم إليك أطوعه لله، فإن لم تفعل فاكسبه للحال الجميلة، والذي لا بد للشريف من معرفته علم الأخبار، ومعرفة علل النحو، ولولا أن الذي أكتبه لك مجانب لطرق الهيثم، وخارج مما يشتهيه الريض المتكلف الملول، وأنه كتاب جد غير هزل لما كتبته لك، وبالله التوفيق.
قال الهيثم بن عدي: العرج الأشراف: أبو طالب، معاذ بن جبل، عبد الله بن جدعان، الحارث بن أبي شمر، الحوفزان بن شريك، عمرو بن الجموح الأنصاري، الربيع بن مسعود الكلبي، عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وذكر القعقاع بن سويد المنقري، وسليمان بن كيسان الكلبي، ولم يك يذكر غير هؤلاء.
وذكر العميان، وكان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر.
والعرج الأشراف - أبقاك الله - كثير، والعمي الأشراف أكثر، ولكن ما معناه في أن أبا فلان كان أعمى، إذا لم يكن إنما اجتلب ذكر العرج والعمى ليجعل ذاك سبباً إلى قصص في أولئك العرجان، وإلى فوائد أخبار في أولئك العميان، وإلى أن جماعة فيهم كانوا يبلغون مع العرج ما لا يبلغه عامة الأصحاء، ومع العمى يدركون ما لا يدركه أكثر البصراء، ولما جاء أيضاً في ذلك من الأشعار الصحيحة ومن الأمثال المضروبة، وكيف تهاجوا بذلك وتمادحوا به، وكيف جزع من جزع، وصبر من صبر، وما رووا في ذلك من الأخبار النافعة والأحاديث السائرة، واللفظ المونق والمعنى المتخير، وكيف تبين ذلك النقص، وظهر ذلك الخلل على بعض، ولم يتبين على بعض.
ولو ذكرنا - حفظك الله - أن ممن سقي بطنه: عثمان بن أبي العاص، وعمران بن الحصين، وخباب بن الأرت، وقبيصة بن المهلب وفلان وفلان، ثم لم نذكر حسن عزائهم ونوادر كلامهم عند نزول تلك الحوادث، وعند توقع الفرج من تلك المضايق، وأي شيء كرهوا من أصناف العلاج وحرموه، وأي شيء استجازوه واستحلوه، والذي رووا من الأحاديث في ذلك الداء، أو من الروايات في ذلك الدواء، وكيف كانت تعزية العائد وجواب المعود، وكيف كان دعاؤهم، وبأي ضرب من الكلام كان ابتهالهم، فإن ذلك عظة لمن سمعه، وأدب لمن وعاه، وصلاح لمن استعمله، فمن لم يذكر هذه العلل لذكر هذه الفوائد لم يكن ذكره لزمانة قوم أشراف بالمحمود، ولا تنويهه قوماً بأدواء مستورين، بالمرضي.
وأول الشروط التي وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطلعون عليه في أبدان المرضى، وكذلك حكم من غسل الموتى.
وسألتني أن أبدأ بذكر البرصان، وأثني بذكر العرجان، ثم أذكر ما قالوا في الأيمن والأعسر، وفي الأضبط وفي كل أعسر يسر، واختلاف طبائع الحيوان في ذلك مع اختلاف حالات البشر في الصغر والكبر، وكيف القول في الأشل والأقطع، وفي الأضجم والأفقم وفي صاحب اللقوة والأشدق، وفي سعة الأفواه وضيقها، وفي عظم الأنوف وصغرها، وكيف مدحوا الرؤوس بالعظم وذموها بالصغر، وما قالوا في الدمامة والنبالة وفي القصر والطول، ثم الذي قالوا في الأجلح والأنزع، وفي الأصلع والأقرع، وفي الأزعر والأمعر.

وما قالوا في الثط والسنوط، وفي الأحدب والأعلم، وفي الآدر والأفقح، وما ذكروا به الأعضاء، ووصفوا به الجوارح، وما جاء في ذلك من الأشعار والأخبار، والأمثال والآثار.
وقد فخروا بالعمى، وذلك كثير، واحتجوا بالعرج وذلك غير قليل.
وإذا كان الأعرابي يعتريه البرص فيجعله زيادة في الجمال ودليلاً على المجد، فما ظنك بقوله في العرج والعمى، وهما لا يستقذران ولا يتقزز منهما ولا يعديان ولا يظن ذلك بهما، ولا ينقصان من تدبير، ولا يمنعان من سؤدد، وهذا المعنى نفسه قد ذكره شاعر قريش حين عدد أسماء من عمي من أشرافهم فقال في كلمة له :
ومطعم وعدي في سيادته ... فذاك داء قريش آخر الزمن
وخير دائك داء لا تسب به ... ولا تبيت تمنى لذة الوسن
داء كريم فلا دعوى فتحذره ... فالحمد لله ذي الآلاء والمنن
وقد يفر الأعرابي في الحرب، فلا يقر بالجبن عن الأعداء، وبالنكول عن الأكفاء، بل يخرج لذلك الفرار معنى، ويجعل له مذهباً، ثم لا يرضى حتى يجعل ذلك المفخر شعراً، ويشهره في الآفاق، قال مالك بن أبي كعب في الفرار :
معاذ إلهي أن تقول حليلتي ... ألا فر عني مالك بن أبي كعب
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب
يقول: أنا وإن وليت هارباً حين لا أجد لي مقاتلاً، فقد وليت ومعي عقلي، وأتم الفرار في الحرب آلة من عرف المفر كما يعرف المكر، يقول: فلست كمن يستفزعه وهل الجبان، ولا كالذي يعجل فيلجم ذنب فرسه، ويركبه مشكولاً، ويركله برجله وهو مقيد، وينزل عن ظهره ويظن أن سعيه على رجليه أبلغ من ركض فرسه في النجاة، وقال زيد الخيل :
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس
ولست بذي كهرورة غير أنني ... إذا طلعت أولى المغيرة أعبس
وقال الحارث بن هشام :
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزبد
فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد
وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
يقول: ليس من الصواب أن أقف موقفاً أقاتل فيه باطلاً.
وقال عمرو بن معدي كرب :
ولقد أملأ رجلي بها ... حذر الموت، وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس من الموت فرير
كل ما ذلك مني خلق ... وبكل أنا في الروع جدير
فزعم أن الفرار من أخلاقه، كما أن الإقدام من أخلاقه، وهذا خلاف قول ابن مطيع :
أنا الذي فررت يوم الحره ... والشيخ لا يفر إلا مره
ولا بأس بالكرة بعد الفرة
وقول ابن مطيع شبيه بقول عتيبة بن الحارث بن شهاب حيث يقول :
نجيت نفسي وتركت حزره ... نعم الفتى غادرته بإمره
لا يترك المرء الكريم بكره
وقد أقر كل واحد من هذين على حدته بالعيب، فأما الآخر فإنه حين فر ألزم نفسه وجميع الجيش، وهو قوله :
فإن يك عاراً يوم ذاك أتيته ... فراري، فذاك الجيش قد فر أجمع
وأما عامر بن الطفيل، فقال :
أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ... ولكن أتونا في العديد المجمهر
قال لبيد :
أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ... ولكن أتونا كل جن وخابل
أتونا بشهران ومذحج كلها ... وما نحن إلا مثل إحدى القبائل
وأقر قيس بن الخطيم بغير هذا الجنس من الفرار فقال :
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب
وقد علم قيس أن هذا المقدار لا يسمى فراراً، ولا يعير به أحد .
قال: ولما انهزم الناس يوم أبى فديك كان عباد بن الحصين من المنهزمين وهو يصيح بأعلى صوته: أنا عباد بن الحصين، فقال له بعض المنهزمين: فلم تنوه باسمك على هذه الحال؟ قال عباد: لكي لا تركبني غمرة. ألا ترى أن عباداً صحيح التدبير في حال انهزامه، وقد ترك القتال عن غير جبن، وترك القتال كي لا يقتل ضياعاً، وعباد فارس الناس غير مدافع، وإياه عنى الشاعر حيث يقول:
من مبلغ عني نهيك بن محرز ... فدونك عباداً أخا الحبطات

فدونكه، يستهزم الجيش باسمه ... إذا خاضت الفرسان في الغمرات
والشاهد من الشعر على تقديم عباد على الفرسان كثير موجود.
ويكون الأعرابي شختاً مهزولاً ومقرقماً ضئيلاً، فيجعل ذلك دليلاً على كرم أعراقه وشرف ولادته.
قال الأصمعي: قلت لغلام أعرابي: مالي أراك ضعيفاً نحيفاً وصغير الحجم قليلاً مهزولاً؟! قال: قرقمني العز. وأنشدوا قول الآخر:
قد علمت أنا أتاويان ... من كرم الأعراق ضاويان
وأنشدوا :
قرقمه العز وأضواه الكرم
وليس العجب في قوله: إن الأعراق تضوى، وإنما العجب في قوله: إن العز يقرقم، لأن الأول قد قال:
فتى لم تلده بنت عم قريبة ... فيضوى وقد يضوى رديد القرائب
وقال الأسدي:
ولست بضاوي تموج عظامه ... ولادته في خالد بعد خالد
تقارب من آبائه أمهاته ... إلى نسب أدنى من الشبر واحد
بنو أخوات أنكحوهن إخوة ... مشاغرة فالحي للحي والد
وهكذا كثير.
والضوى في البهائم أوجد منها في الناس، فليس العجب من ذكرهم الضوى إذا ترددت الأولاد في القرابات، وإنما العجب في قولهم: العز يقرقم، لأن الأعرابي حين ابتلي بالدمامة والعلة ثقل عليه أن يقر بالذل والضعف، فاحتج لذلك، وأحال الناس على معنى لا يدركونه بالمشاهدة، وهذا من ذكائه ودهائه. فبهذه النفوس - حفظك الله - حفظوا أنسابهم، وتذاكروا مآثرهم، وقيدوا لأنفسهم بالأشعار مناقبهم وحاربوا أعداءهم، وطالبوا بطوائلهم، ورأوا للشرف حقاً لم يره سواهم، وعملوا على أن الناس كلهم دونهم. وسأنشدك - إن شاء الله - بعض ما افتخر به الأعمى واحتج به الأعرج، قبل أن تصير إلى قراءة الجميع لأعجل عليك معرفة الجملة من مذاهبهم، وبالله التوفيق.
فمن العرجان أبو الدهماء، وهو الذي عيرته امرأته بالعرج، فقال:
ما ضر فارسهم في كل ملحمة ... تزحف العرج بين الصف والنضد
إن كان ليس بمرقال إذا نزلوا ... ففي الفروسة وثاب على الأسد
وخطب الطائي الأعرج امرأة فشكت عرجه إلى جاراتها، فأنشأ يقول:
تشكى إلى جاراتها وتعيبني ... فقالت معاذ الله أنكح ذا الرجل
فكم من صحيح لو يوازن بيننا ... لكنا سواء أو لمال به حملي
وقال أبو العملس في امرأته:
ما ضرها أني أدب على العصا ... وفي السرج ليث صادق ضيغم الشد
وقال أبو طالب بن عبد المطلب واسمه عبد مناف، وأول هاشمي في الأرض ولده هاشميان بنوه الأربعة، وعيره بعض نسائه بالعرج فقال:
قالت عرجت فقد عرجت فما الذي ... أنكرت من جلدي وحسن فعالي
وأنا ابن بجدتها في صبابتها ... وسليل كل مسود مفضال
أدع الفراجة لا أريد نماءها ... كيما أفيد رغائب الأموال
وأكف سهمي عن وجوه جمة ... حتى تصيب مقاتل البخال
الرفاجة: النجارة والتثمير.
وقال أبو طالب قولاً هو أجمل وأرجح من قول الجميع وذلك أنه قال وفسر:
أنا يوم السلم مكفي ... ويوم الحرب فارس
أنا للخميسة أنف ... حين ما للخمس عاطس
فزعم كما ترى أنه إذا كان في السلم فهو لا يحتاج مع الكفاية إلى ابتذال نفسه في حوائجه، وإذا كان في الحرب فهو فارس يبلغ جميع إرادته.
وما ضر - أكرمه الله - هرثمة بن أعين ونصر بن شيث وغيرهما من الرؤساء المحاربين المقربين الذي كان يمنعهم من المشي إذا كانوا على ظهور الخيل أمثال العقبان.
وذكر سيار بن رافع الليثي عرج أوفى بن موألة بعد أن اكتهل وكان له صديقاً، فقال:
رأيت أوفى بعيد الشيب من كثب ... في الدار يمشي على رجل من الخشب
جعلت للعرج مجداً لم يكن لهم ... وللقصار مقالاً آخر الحقب
وكان أوفى مع شرفه وسؤدده قصيراً نحيفاً، وهو الذي يقول:
إذا كنت قصداً في الرجال فإنني ... إذا حل أمر ساحتي لجسيم
وهذا أشبه بقول الآخر:
إذا كنت في القوم الطوال فضلتهم ... بعارفة حتى يقال طويل
فهؤلاء بعض من فخرج بالعرج، وسنذكر ذلك في باب القول في العرجان إن شاء الله.

وأما من فخر بالعمى، فمنهم بشار بن برد، وكنيته أبو معاذ ولقبه المرعث، مولى لبني عقيل، وهو الذي يقول:
إذا ولد المولود أعمى وجدته ... وجدك أهدى من بصير وأحولا
عميت جنيناً والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم معقلا
وغاض ضياء العين للعلم رافد ... وقلب إذا ما ضيع الناس حصلا
وشعر كنور الروض لاءمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا
وممن فخر بالبرص ثم من بني رزام المحجل، وكان بساقيه وضح، واسمه معاوية بن حزن بن موألة بن معاوية بن الحارث، وقد رأس وسمى المحجل على الكناية من البياض والكناية أيضاً من البرص، وهو الذي يقول:
يا مي لا تستنكري تحويلي ... ووضحاً أوفى على خصيلي
فإن نعت الفرس الرجيل ... يكمل بالغرة والتحجيل
وهو الذي يقول:
وما أنا بالبهيم فتذكروني ... ولا غفل الإهاب من الوشوم
وأصل تسميتهم المحجل مأخوذ من الحجل، والحجل هو الخلخال فإذا كان في الفرس في موضع المخلخل بياض قيل: مخلخل، وقال النعمان بن بشير:
ويبدو من الخود الغريرة حجلها ... وتبيض من وقع السيوف المقادم
وقال الفرزدق:
مائلة الحجلين لو أن ميتاً ... ولو كان في الأكفان تحت الصفائح
وإذا ابيض من خلف الناقة موضع الضرار فهم يسمون ذلك الخلف أيضاً محجلاً، وأنشد:
نيط بحقويها رعيب أقمر ... محجل مقدم مؤخر
وقال في ذلك أبو النجم:
يذب بلحيى لاهج مخلل ... عن ذي قراميص لها محجل
وقد يقال أيضاً للغراب محجل على غير هذا المعنى، وذلك أنهم يسمون حلقة القيد محجلاً على التشبيه بالحجل.
والغراب إذا مشى فكأنه مقيد، والمحجل هو المقيد، فذلك الحجل، وقال الشاعر:
وإني امرؤ لا تقشعر ذؤابتي ... من الذئب يعوي والغراب المحجل
وقال الطرماح :
شنج النسا قذف الجناح كأنه ... في الدار بعد الظاعنين مقيد
وقال الآخر :
وصاح بصرمها من بطن قو ... غداة البين شحاج حجول
من اللائي لعن بكل أرض ... فليس لهن في بلد قبول
ولذكر المحجل مكان غير هذا.
وإذا كان الشيء مشهراً معلماً شبهوه بالفرس الأغر المحجل، فإنه إذا كان في الخيل كانت العيون إليه أسرع، ولذلك قال زفر بن الحارث :
كلا ورب البيت لا تقتلونه ... ولما يكن يوم أغر محجل
ومن البرصان الذين فخروا بالبرص، الحارث بن حلزة اليشكري الشاعر، قال أبو عبيدة: لما قال عمرو بن كلثوم قصيدته التي فخر فيها لتغلب على بكر وهي التي أولها :
ألا هبي بصحنك فاصبحينا
وأنشدها الملك، قال الحارث بن حلزة قصيدته التي فخر فيها لبكر على تغلب، وهي التي أولها :
آذنتنا ببينها أسماء
ثم أتى عمرو بن هند فأنشده إياها، قال: وكان الحارث أبرص، وكان الملك لا يملأ عينه من رجل به بلاء، فأنشده من وراء الستر، فلما سمعها استخفه الطرب وحمله السرور على أن أمر برفع الحجاب، ثم أقعده على طعامه وصيره في سماره.
وقالوا: هو المفتخر بالبرص حيث يقول:
يا أم عمرو لا تغرى بالروق ... ليس يضر الطرف توليع البلق
إذا حوى الحلبة في يوم السبق
فهذا قول الشاعر، فأما محمد بن سلام فزعم أنه لم يسبق الحلبة قط أبلق ولا بلقاء.
قال الأصمعي: لم يسبق الحلبة أهضم قط.
وقد يجوز أن يكون الشاعر أراد نفس الحلبة يوم الرهان وأراد غير ذلك من أبواب المسابقة، على أن صديقاً لي قد أخبرني أن فرساً للمأمون جاءت سابقة.
ومما يدل على افتخاره بالبرص قول ابن حبناء واسمه المغيرة:
إني امرؤ حنظلي حين تنسبني ... لا ملعتيك ولا أخوالي العوق
لا تحسبن بياضاً في منقصة ... إن اللهاميم في أقرابها البلق
فقول ابن حبناء وقول الحارث بن حلزة يردان على محمد بن سلام ما قال، وكان زياد الأعجم قد ألح على بني الحبناء يهجوهم بالبرص، فمن ذلك قوله:
عجبت لأبلق الخصيين عبد ... كأن عجانه الشعرى العبور
فلما قيل له: قد رفعتهم يا أبا أمامة، قال: والله لأرفعنهم أيضاً، فقال:

لا يبرح الدهر منهم خارئاً أبداً ... إلا حسبت على باب استه القمرا
والبياض والأوضاح تستعير ذكره العرب وتنقله في الأماكن، قال الرعل بن جبلة:
والناس كالخيل إن ذموا وإن مدحوا ... فذو الشباب كذا في الناس أوضاح
يقولون: فرس كريم وفرس جواد، وفرس عتيق وفرس رائع وليست هذه الأسماء الكريمة إلا للإنسان والفرس.
وأصل البلق إنما هو في الفرس، والعرب تستعير ذلك وتضعه في مواضع كثيرة، وقال الشاعر، وهو يريد بياض الصبح المخالط بسواد في بقية الليل:
حبسناهم حتى أضاء لنا ... من الصبح مشهور الشواكل أبلق
وسموا أيضاً قصر السموءل بن عادياء: الأبلق، قالوا ذلك حين كان بني بالحجارة البيض والسود، قال الأعشى:
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
وقال السموءل بن عادياء:
وبالأبلق الفرد بيتي به ... وبيت المصير سوى الأبلق
وقال خالد بن يزيد بن معاوية:
إني أرقت لعارض متألق ... ليل التمام وليته لم يؤلق
ما أن ينام ولا ينيم كأنه ... بلقاء تضرب عن فلو أبلق
وأنشدوا قول الراجز في صفة السحاب:
كأنه في ريقه إذا ابتسم ... بلقاء تطفي الخيل عن طفل متم
وقال محرز بن مكعبر الضبي:
أقر العين أن طارت عليهم ... شميك اللون ليس لها حجول
ولذلك سموا الأبرص الأسيدي الراقي المتكهن: أبلق، وإياه عنى ذو الرمة فقال:
وعندي أسيدي عليه علامة ... من السوء لا تخفى على من توسما
وإياه يعني العلبان الشاعر أحد بني عبد الله بن دارم حيث يقول:
هل الأبلق الراقي الأسيدي مبرئ ... فؤادي من حبي جواري بني بدر
ليس يعني رهط حذيفة بن بدر.
وكان جرير بن الخطفى زوج أبلق بنته أم غيلان على أنه رقاها فأفاقت، فعند ذلك قال العلبان:
أخزيت نفسك يا جرير وشنتها ... وجعلت بنتك نسلة للأبلق
وهجا جرير أيضاً الأبلق بأنه أبلق وبغير ذلك، فقال:
يا أبلق الكشح إن الناس قد علموا ... أن المهاجر يخزي كل كذاب
لو كنت شاورت ذا عقل فأرشدني ... يوم الفريقين ما دنست أثوابي
قد كنت عندك قبل الفعل ذا أرب ... مستحكماً بعراقي الدلو أكرابي
لو كنت صاهرت إن الصهر ذو نسب ... في مازن أو عدي رهط منجاب
ما كنت ذا الجلدة البلقاء تعجبني ... سوف السوابق ريح الكودن الرابي
واعترض على جرير البلتع العنبري لأن عمرو بن تميم ولدهم جميعاً، فقال:
أتعيب أبلق يا جرير وصهره ... وأبوه خير من أبيك وأمنع
أتعيب من رضيت قريش صهره ... وأبوك عبد بالخورنق أوكع
ومن الفرسان البرصان ممن سمي بالأبلق لمكان البرص، الفارس السلمي، وكان أيام مروان يقاتل وهو أبلق على فرس أبلق، وهو الذي يقول:
هلا سوائي كنت أوعدته ... يوم أكب الناس في الخندق
وأحمل الأبلق في صفهم ... ثم أناديك فلا تنطق
وفيما قالوا في تلك الحرب:
يا أبلق الكشح على أبلق ... وصاحب الراية والخندق
ولزم الأبلق مكان غير هذا، وهو أن الفارس يشهر بركوبه في الحرب، ليس يجترئ على ركوب الأبلق في الحرب إلى غمر أو مدل بنفسه معلم يقصد إلى ذلك.
ولما رأى إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن عمر بن سلمة الهجيمي على فرس أبلق، أنشد قول الشاعر:
أما القتال فلا أراك مقاتلاً ... ولئن فررت ليعرفن الأبلق
قال ذلك وهو يمازحه، وكان عمر بن سلمة شجاعاً.
ولذلك قال طفيل الغنوي:
بهجر تهلك البلقاء فيه ... فلا تبقى ونودي بالركاب
وقال في ذلك النابغة:
بوجه الأرض لا يعفو لها أثر ... يمسي ويصبح فيها البلق ضلالا
وصف طول الجيش وعرضه وكثافته وكثرة عددهم، فلذلك خفي مكان الأبلق مع كثرة الأوضاح التي تشهره.
وروى عن يحيى بن حماد، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: " قلت: يا رسول الله! كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: هم غر محجلون من آثار الوضوء " .

معن، عن مالك، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عليه السلام: " أنتم الغر المحجلون من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل " .
ومن البرصان ممن فخر بالبرص، سويد بن أبي كاهل وهو الذي يقول:
نفرت سودة مني أن رأت ... صلع الرأس وفي الجلد وضح
قلت يا سودة هذا والذي ... يفرج الكربة عنا والكلح
هو زين الوجه للمرء كما ... زين الطرف تحاسين القزح
وممن فخر بالبرص من الرؤساء والشعراء بلعاء بن قيس بن يعمر، وهو الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر، قالوا: اعتراه البرص بعد أن أسن، وكان سيد بني ليث فاشتد ذلك عليهم، فقيل له في ذلك فقال: سيف الله صقله.
هذه رواية أبي عبيدة والمفضل، فأما الذي لم أزل أسمعه فإن أهل الحجاز يزعمون أنه قال: سيف الله حلاه، من الحلية، ويقول أهل العراق: بل قال: سيف الله جلاه، من الجلي، وكل عربي. وهو أبو مساحق وله لقبان، أحدهما مدح والآخر ذم، فأما المدح فالحجب والمحجوب، ويقول بنو ليث بن بكر: كان بلعاء يحجب بالنبل من مكان بعيد، واللقب الآخر: باكغ الجيران لأنه كان نكداً لجوجاً شكساً وداهية لا يرام ما وراء ظهره، وهو الذي يقول:
وأبغي صواب الظن أعلم أنه ... إذا طاش ظن المرء طاشت مقادره
وهو الذي يقول:
ومغير حجر " قد " جررت برجله ... بعد الهدو له قوائم أربع
وهو الذي يقول:
معي كل مسترخي الإزار كأنه ... إذا ما مشى من أخمص الرجل ظالع
وقال كلثوم بن رزين بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل في تسمية بلغاء ببالع الجيران:
تمنى بالع الجيران سيفي ... وأنت إذا تلاقيني فرور
منت لك أن تلاقيني المنايا ... أمام القوم أو وحد أسير
وقال في بالغ الجيران ربيعة بن أمية بن زعر بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل:
وأفلت بالع منا وخلى ... حلائله وقد بدت المعاري
ومن البرصان السادة القادة، الذين مدحتهم الشعراء بالبرص أبو أسيد عمرو بن هداب المازني، مدحه بذلك أبو الشعثاء العنزي، قال أصحابنا: ما رأينا أحداً قط أبل ريقاً ولا أتم نقساً ولا اربط جأشاً من أبي أسيد عمرو بن هداب، كانوا عنده والناس يغزونه على ذهاب بصره، إذ مثل أبو عتاب الجرار بين يديه وهو مثل المحجوم، وأبو عتاب هو إبراهيم بن جلع بن مصاد مولى بلعدوية فقال: يا أبا أسيد! لا تحزن على ذهابهما؛ فإنك لو قد رأيت ثوابهما في ميزانك لقد تمنيت أن يكون الله قد قطع يديدك ورجليك ودق ظهرك وأدمى ظلفك. قال: فلم يبق من القوم أحد إلا استغرب ضحكاً أو صاح بأبي عتاب وأراد إسكاته، إلا أبا أسيد نفسه، فإنه لم يتغير لذلك ولم يظهر منه قبول ولا إنكار، وأقبل على القوم، فقال: يرعى له حسن نيته ويلغى سوء لفظه.
قالوا: ثم ما لبثنا إلا يسيراً حتى دخل أبو الشعثاء العنزي وعليه بت وكور ضخم وخف جاف، فقال: أنشدك أبا أسيد ما حبرته فيك من أراجيزي؟ قال: هات، فأنشده أرجوزة أعرابية فصيحة، فبينا نحن نستحسن معانيها ونستجيد حوكها إذ قال:
أبرص فياض اليدين أكلف ... والبرص أندى باللهى وأعرف
مجلوز في الرجفات يزحف
قال: فصحنا حتى قطعنا عليه إنشاده. فقال عمرو: ارفقوا بشاعرنا وزائرنا فإن أكثر الشعراء الذين توضحت جلودهم قد افتخروا بذلك، وقد قال الشاعر:
أيشتمني زيد بأن كنت أبرصافكل كريم لا أبا لك أبرص
أراد: كل أبرص كريم، فقال: كري كريم أبرص. وهذا من المقلوب.
وزعم كثير من الناس أن ذلك البياض إنما أصابه بسبب يمين حلف بها عند أستار الكعبة.
وسمعت غير واحد من جيرانه وأصحابه يزعمون أنهم ما زالوا يعلمون به وضحاً إلا أن الوضح يزيد ولا يقف، وقد ذكرنا شأن عمرو بن هداب والذي حضرنا من مناقبه في كتاب العميان، فلذلك لم نذكره في هذا الباب.
حدثني علي بن رياح بن شبيب الجوهري، عن أبيه رياح. وكان خاصاً بالبرامكة يدخل عليهم متى أحب، وكان يصل إلى مواضع لا يكاد يصل إليها الخاص عندهم، قال: دعاني يوماً جعفر بن يحيى وهو كئيب حزين خاشع الطرف شديد الانكسار، فرفع لي عن بطنه، فإذا على بطنه مقدار الدرهم برص، فقال: يا أبا علي! هذا ثمن العقوق.

قال: وكان الذي بينه وبين أبيه قد ساء.
قالوا: وهذا شيء أخذه جعفر بن يحيى عن أطباء الهند. وأطباء الهند تزعم أن العقوق يورث البرص، وهذه القصة مجانبة لسبيل الطب.
وآفات الدنيا كثيرة وأمراضها الشداد معروفة المقادير عند الأطباء. وقد بينوا المستغلق العضال المؤيس من غير ذلك، فقالوا في مثل الجذام والبرص العتيق والسرطان، قال جالينوس: السرطان لا يبرأ. فإن برئ فإنه لم يكن سرطاناً، والماء الأصفر والقروح التي تكون في الكلية والمثانة من الباب أيضاً الذي يعسر التخلص منه والعرب تخاف إعداء الجرب والصفر والعدسة والجدري وهم وإن استعظموا هذه الأشياء ولم يقدموا البرص عليها في الشدة فإن القرآن أصدق منهم، ولولا أن البرص العتيق أشد امتناعاً وأبعد برءاً لما ذكر الله البرص دون هذه الأدواء. والفرس أشد نفاراً من البرص، والدليل على ذلك ما خبرتك به من شدته وامتناع التخلص منه، قوله: " وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذني الله " " فأشار إلى إبراء الأبرص " وإلى إبراء الأكمه وهو الأعمى المطموس ولم يذكر غير ذلك من جميع الأدواء والمعاضل والعلل والمؤيسة.
وقال في وجه آخر من معارضة البرص بخلافه وضده، قال: أو لو جئتك بشيء مبين، قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين " وقال الله لموسى: " أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء " . هذا إلى ما حدث عبد الله بن عمرو، عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاءت قريش إلى اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى، قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين، ثم أتوا النصارى فقالوا: ما جاءكم به عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً.
فهذا أيضاً مما عظم شأن البرص إذ كان مذكوراً في الحالات كلها، وإذا اجتمع على تشديد أمره القرآن والآثار.
وأما قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا الصفا ذهباً، فإن الله لا يعطي الناس الأعلام على قدر شهواتهم وامتحانهم وتمنيهم، ولا على سبيل التفكه، فإذا لم يعطهم ذلك على سبيل التفكه فإعطاؤهم إياها على سبيل التعنت أبعد، ولا يجب ذلك إلا لمن لم يسمع بآية ولم ير علامة.
فأما المغموس فيها ومن قد غمرته البرهانات فليس من الحكمة تمكين السفهاء من مسألة ذلك، وإنما ينزل الله الأعلام على قدر المصلحة لا على أقدار الشهوة، وعلى إلزام الحجة لا على الطلب والمسألة، ومتى كان الطالب لذلك معانداً وجاسياً لم يكن إلا بين أمرين، إن جلاها لعنته وإجابته إلى مسألته، قال: هذا سحر، وإن منعها قال: لو كان صادقاً لأتى بها، وآيات الله وبرهاناته أجل خطراً من أن توضع في هذا المكان، إلا أن يريد الله ببعض ذلك تعذيبهم واستئصال شأفتهم وأن ينكل بهم سواهم.
قالوا: والبرص أصله من البلغم، وإذا رأيت الرجل القضيف اليابس أبرص الجلد، فاعلم أن المرة هي التي اعتصرت بدنه حتى قذفت بالبلغم ومجته في ظاهر جسده، فلما لم يقو ذلك المكان على إنفاذه وهضمه تحير هناك فأفسد ما هناك.
وربما كان من حرق النار، وربما كان من الكي، إما من كي البلاء وإما من التعالج.
وليس يعتري السودان من كي البلاء كالذي يعتري الشقران والحمران، وكذلك الوسم، فإذا خاف النخاس أن يكون ذلك البياض برصاً قرص ذلك المكان، فإن احمر فهناك دم، وإن لم يحمر عزم على أن به عيباً وفحشة.
ويعترى غراميل الخيل وخصاها وجحافلها وتكون العظاء والحيات والوزغ برصاً، بكل ذلك جاء الشعر وكل ذلك قالت العرب، وفي الحديث المرفوع أن الوزغة لما نفخت على نار إبراهيم صمت وبرصت، فمن ذلك قيل: سام أبرص، فهذا الحديث شهد لأولئك الشعراء بالصدق. ولولا الأخبار والأشعار والآثار وكان كل بياض يكون في أصل التركيب في نفس الخلقة لا يسمى برصاً ولا يسمى البرص لولا العارض الحادث.
وقال صاحب المنطق: لا يقال لباطن جلد الكف أقرع ولا للطفل آدر، لأن ذلك لم يكن يذهب.
والذي نرجع إليه اتباع الآثار وما جاء في الأشعار.
وحشفة المختون ربما برصت من حز الموسى، وليس ذلك مما يزداد ويتفشى.
ويعتري مواضع المحاجم ويصيب أشياء من النبات كنحو البطيخ وغير ذلك، وقد رأيت من نزفه الدم من جراح فبرص.

وربما جرى من ذلك على عرق، وهو عندهم مما يعتري الأولاد ويعدي إلى الصحيح.
واللطع: ضرب من البرص، وهو يصيب بواطن شفاه الخصيان من الحبشان، وربما كان الحبشي منهم ضخماً أهدل أدلم ألطع فيكون هولاً من الأهوال.
وشعر الرأس واللحية يبيض عن الهول الشديد، ويبيض الشعر الحدث إذا كانت المرة تقذف بالبلغم إلى ما هناك، ويبيض على الأعراق المتقدمة.
ويبيض الشعر من جبهة المرأة إذا طال نتفه، والغالية تشيب الشعر، وغسل الرأس بالسدر يرقه.
وقد ينتتف أصحاب الخيل جبهة الفرس البهيم مراراً بمقدار القرحة فيبيض شعر ذلك المكان ويصير ذا قرحة وذلك إذا كرهوا أن يكون بهيماً، واسم هذه القرحة المعمولة فيها: الغريب.
وتصيب الدابة الدبرة فيبيض شعر ذلك المكان، وذلك هو التوقيع والجلد نفسه هو الموقع.
وقال محرز بن المكعبر الضبي:
فما منكم أفناء بكر بن وائل ... لغارتنا إلا ذلول موقع
وذلك البياض يكون في معنى البرص، لأن الجلد لا ينبت الشعر الأبيض حتى يبيض.
وجلد الحافر كله وجلد الظلف كله إذا كان أسود، كان أسود الشعر، وإذا كان أبيض كان أبيض الشعر.
والخيول تتحول في ألوانها، فيصير الأشهب الأبيض أرقط مدنراً، ويسقى الفرس الحليب المحض فإذا طال ذلك عليه صار لونه أشنع، وقال الشاعر:
وداويتها حتى مشت حبشية ... كأن عليها سندساً وسدوسا
والناقة إذا كانت حمراء ثم صارت عشراء صارت خلساء بعد أن كانت حمراء ولذلك قال الشاعر:
حمراء لا خلسية الإتمام
وقد تحمر أوبار الإبل جداً على بعض المراعي، وقال الفزاري في صفة إبله:
كأنما علت بحناء ودم ... من حرض القيعان والهرم الخضم
وتبيض الإبل ورؤوسها ووجوهها من أكل الحمض، قال عمر بن لجأ:
شابت ولما تدن من ذكائها
وقال الآخر:
أكلن حمضاً فالوجوه شيب ... شربن حتى نزح القليب
والمرأة الجميلة الرقيقة اللون إذا كان العشي ضرب لونها إلى الصفرة، وبالغداة يضرب لونها إلى البياض، قال الأعشى:
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشية كالعرارة
وقال الآخر:
قد علمت بيضاء صفراء الأصل
وأحسن ما تكون المرأة وأرق ما تكون لوناً، وأعتق وجهاً وأدق محاسناً، في نفاسها وغب ليلة عرسها، وأطيب ما تكون خلوة إذا رقصت في مناحة أو تعبت من طواسين وأنشد ابن الأعرابي لرجل قال لامرأته:
أغبتني غب البناء ونافساً ... وغب الكلال كل ذلك معجب
وقال بشار:
كأن الذي يأتيك من راحتيهما ... هدي غداة العرس أو نفساء
والهدي: العروس، وقال المتلمس أو غيره:
وطريفة بن العبد كان هديهم ... ضربوا صميم قذاله بمهند
وأنا أعلم أن عامة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي لا يعرف معاني هذه الأشعار ولا يفسر هذا الغريب، ولكني إن تكلفت ذلك ضعف مقدار كل كتاب منه، وإذا طال جداً ثقل، فقد صرت كأني إنما أكتبها للعلماء، والله المعين.
وجلد الشيخ يسود ويبيض، ويقول المتطببون وناس من المتفلسفين: الصقلبي من لم تنضجه الأرحام فهو فطير.
وأرحام الزنجيات جاوزت الإنضاج وأحرقت الأولاد، واحتج بعضهم بقول عبيد الله بن زياد بن ظبيان لعبد الملك بن مروان: أنا والله أشبه بأبي من التمرة بالتمرة والجمرة بالجمرة والذباب بالذباب والغراب بالغراب، ولكن إن شئت خبرتك بالذي لا يشبه أباه، قال: ومن ذلك؟ قال: الذي لم تنضجه الأرحام ولو يولد لتمام ولم يشبه الأخوال والأعمام.
وعبيد الله بن زياد لم يرد معنى هذا المتطبب، إنما ذهب إلى أن عبد الملك كان ولد لسبعة أشهر، وكذلك عامر الشعبي وكذلك جرير بن الخطفى، وكذلك قال الفرزدق:
وأنت ابن صغرى لم تتم شهورها
ولم يرد اللون، إنما أراد تمام البدن في الطول والعرض، لأن لون من ولد لسبعة أشهر ليس بالفاسد.
وقد زعموا أن البقير من الناس والخيل يخرج متغير الجلد، وأن ذلك يكون ملازماً، وحكوا ذلك عن لون خارجة بن سنان، وعن جلد الفرس الذي قال فيه ابن أقيصر ما قال، وعن بعض أولاد نساء بني تغلب ليلة نفر الجحاف بن حكيم، ولست أعرف تأويل قول عبيد الله بن زياد لأن عبد الملك كان موصوفاً بحسن اللون، ولما قال عبد الله بن قيس الرقيات في عبد الملك:

يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب
قالوا: نشهد أنه قد كان رآه، وإن كان إنما أراد أنه لم يكن بتام اللحم والعظم، فما سمعنا أحداً عاب عبد الملك بقصر ولا نحافة، وإنما كان أراد ولد لسبعة أشهر فإن الذين يولدون لسبعة أشهر ليس القصر والنحافة فيهم بأفشى وأشد استفاضة منه في غيرهم.
وقال عبد الملك للشعبي: مالي أراك ضئيلاً؟ قال: يا أمير المؤمنين! زوحمت في الرحم. يقول: إني ولدت توأم أخي، ولم يقل لأني ولدت لسبعة أشهر، وقال معاوية بن سنان الكلبي وكان أخا سنان بن أبي حارثة لأمه:
سناناً دعوت وأشياعه ... وعوفاً دعوت أبا قهطم
فقام فتى وشوشي الذرا ... ع لم يتلبث ولم يهمم
تمطن به أمه في النفا ... س ليس بيتن ولا توأم
فكره أن يكون توأماً لأن التوأم يكون ضئيلاً، وقد رأيت أنا غير الذي يقولون، ولعل بعض من رأيت وأكثر كانوا أغلظ عظماً وأوثج وثاجة ممن ولد لتمام، رأيت الحكم ومروان ابني بشر بن أبي عمرو بن العلاء، وكان كل واحد منهما كالبغل المزنوق، ورأيت الأخوين اللذين كانا يلقبان بمنكر ونكير، كل واحد منهما كالجمل المحجوم، ورأيت الأخوين المازنيين وكان أحدهما إذا حم حم الآخر وإذا رمد رمد الآخر، فلما مات أحدهما أوصى الآخر ومات بعده بقليل، وكان كل واحد منهما كأنه الرمح الرديني، ولم أر فيهم نحيفاً إلا عبدان تلميذ يحيى بن ماسويه.
حدثني الحسن بن إبراهيم العلوي أن الحسن بن علي بن أبي طالب ولد لسبعة أشهر، فمن كان أبرع عقلاً وأتم قواماً منه؟ وليس بمستنكر أن ترى الواحد منهم بعد الواحد نحيفاً.
قالوا: وإنما صارت ألوان سكان إقليم بابل السمرة وهي أعدل الألوان، لأنهم لم يولدوا في جبال ولا على سواحل بحار، فخرجت عقولهم الباطنة من الاعتدال والاستواء على حسب ألوانهم وشمائلهم الظاهرة.
قالوا: ويولد بالمغرب ... والأقشر ولا يعدونهما في البرصان. وإن كان بياضهما خارجاً من المقدار، ولو أن بعض جلد المغرب صار لبعض السودان والأدمان لعدوهما لا محالة في البرصان.
ويسود من الزنجي كل شيء إلا أسنانه وبياض مقلتيه، وعلى أن لون راحته وظفره لون بين البياض والسواد.
وسأل بعض المعترضين: كيف اعترى أهل البادية البرص مع كثرة التعسر وقلة الغذاء والجفاف؟.
قالوا: وجدنا ذلك في عدد كثير من أهل الشرف والنباهة، وقد علمنا أنه في أهل الخمول على أضعاف ذلك، إذا كان الخامل ليس فيه معنى يذكر من أجله بسلامة ولا آفة.
قالوا: فإن قالوا لمكان اللبن وكل ما يجنى من اللبن، قيل له: فإن الزط في الآجام يداومون بين السمك واللبن وهم مغتمسون في جميع أصناف الرطوبات، وأهل البدو في بلاد الجفاء والجفاف يداومون بين اللبن والتمر.
وليس في الزط من البرص ما ينكر، إلا أن تكون الحرارة هي التي تقذف بالبلغم










تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز ج2

19-آب-2017

الأنثى الرمز، الإلهة (قناع الالوهة المؤنثة) مصطفى عبدي

19-آب-2017

رسالة فان جوخ إلى أخيه قبل أن ينتحر:

19-آب-2017

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow