Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

الوصول / قصة كاشي أ. أوزومبا ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2013-08-31


أمضينا على طريق الغابة ما لا يزيد على نصف ساعة، و كل ما مر بنا هو غابات و مزارع و صبيان ناضجون و متعاونون و أولاد نصف عراة كانوا يصيحون و هم يلوحون بأيديهم كلما تقدمت السيارة. و لكنني لست سياسيا معروفا بل مجرد موظف خدمة مؤسسة عادي ( 1)، فقد تخرجت مؤخرا من الجامعة و دخلت في الخدمة الوطنية لسنة واحدة. و بذتي الخاكي النظامية تدل على تلك الحقيقة على مرأى و مسمع الجميع.
غادرت معسكرنا في الجزء الجنوبي من نيجيريا في وقت مبكر من ذلك اليوم و أنا أنشد الأغاني الرقيقة و أشكر حسن حظي لأنني سأخدم في واحدة من أحدث المدن بتلك المنطقة خلال الفترة المبكرة من العمل. كانت رسالة الفرز تقول:" مدرسة يالا الثانوية ، آيكوم". و لم أشتبه بوجود مشكلة إلا لدى وصولي لآيكوم، فأول شخص سألته عن الاتجاه نظر لي بتعابير غامضة. و تبين أن أحدا لم يسمع بهذه المدرسة في المدينة. و قال لي أحدهم:" ربما هي في قرية مجاورة".
و لم أقتنع بذلك، و لكن ليس لفترة طويلة. فقد أقنعني سائق الدراجة النارية المتحولة لتاكسي، و أخبرني أن مكان الفرز هو قرية بعيدة. و قال محذرا: إنها بلا كهرباء، و انتظر هل ما زلت أرغب القيام بالرحلة لذلك الموقع.
ركبت السيارة و سافرنا في طريق متعرج. و المكان الآهل بالسكان الذي رأيته كان عبارة عن بيوت من الطين مع هياكل من الخشب، و هو مثل الأجسام المفككة، فقد كان مضعضعا من عوامل الطقس. و بدأت أتساءل هل سأمضي كل خدمتي لمدة عام في ذلك المكان - أنا ابن المدينة الذي ترعرعت و كبرت في المدن.
بعد ساعة من السفر أشار سائق الدراجة لبيوت العاملين في المدرسة و كانت على مشارف القرية. و لدواعي دهشتي، رأيت بينها بيوتا منفصلة حديثة، و يبلغ عددها خمسة. غادرت الدراجة و دفعت الثمن و تفحصت المنطقة بعيني. كان المجمع يشبه الدير بالعزلة و الابتعاد، و تحيط به غابات متداخلة.
و حينما بدأت أقترب من أول صف من البيوت، انطلق ولد ليقابلني، فأخاف مجموعة من الديكة فتفرقت و هي تصيح. حمل عني عبء الحقيبة، و تبعته إلى البيت الذي تبين أنه للمدير. كان المدير يرتدي مئزرا ربطه كيفما اتفق حول خصره. و بطنه المنتفخة تغطي أعلى المئزر، و تخفي العقدة التي أمسكت بزمام الثوب. بعد أن حياني بدأ بحكاية كيف أن العاملين بالمؤسسة السابقين استمتعوا بأوقاتهم خلال اقامتهم في البيئة المحلية. قال لي:" في الواقع، واحد منهم اندمج كثيرا و اضطر لأن يغادرنا في النهاية رغما عنه بعد عام الخدمة". و ربما لاحظ خيبة أملي التي بدت واضحة على محيا وجهي.
ثم قادوني لواحد آخر من تلك البيوت، و فتح لي بابه شاب نحيف يرتدي بنطلونا أبيض قصيرا، و هو يقول بصوت مرتفع:" خدمة المؤسسة!". و عانقني مثل أخ فقده من فترة طويلة ، ثم قادني بكل سرور إلى قاعة فقيرة بالأثاث و تتدلى فيها من السقف مصابيح كهربائية فاسدة كأنها ديكور غريب. و جلسنا و بدأنا بالتعارف. كان اسمه شوكوودي، و هو موظف من الدفعة السابعة و لا يزال أمامه عدة شهور لينهي خدمته.
و اكتشفنا أننا كلانا جئنا من شرق البلاد. و التمعت عيناه بالسعادة لأنه يحظى الآن بصديق سيريحه من وحدته. و لكن وراء البريق تلاحظ عينين كامدتين و سلبيتين هما من خصائص الشخص الذي استسلم لمقاديره في أداء الواجب.
بعد فترة قصيرة، وصل ثلاثة ملتحقين جدد، فصاح شوكوودي يرحب بهم. كانت الخيبة مكتوبة على وجوه العاملين الثلاثة. و هم آيزو من الشرق أيضا، و والي من الغرب، و حسان من الشمال. غرباء اجتمعوا معا عن طريق الخدمة الإلزامية.
بعد أن لخص لنا آيزو الظروف السائدة، كان واضحا أن لا شيء يجبره على البقاء هنا. أما مناشدة شوكوودي له فقد ضاعت هباء منثورا. لقد عزم أن يتحرك فورا، كما قال، سواء وافق المدير على تسريحه أو لم يوافق.
سيحاول إعادة فرزه إلى مكان خدمة آخر، و إن فشل بذلك، سيفر من الخدمة. تمنى لنا حظا سعيدا و فترة بهيجة في القرية، و غادر ليقابل المدير. و راقبنا ظهره الذي يبتعد حتى حول انتباهنا لداخل الغرفة طنين اليعسوب الذي يبني من الطين عشه داخل واحد من مصابيح الإنارة الموزعة على الجدار.
أما نحن العاملون الثلاث الجدد المتبقون هنا فقد تساءلنا هل يجب أن نقبل فرزنا لهذه القرية الغابوية أم لا. فالمكان بلا كهرباء و هو سيء بما فيه الكفاية. و علمنا من شوكوودي أنه لا توجد تمديدات صحية للمياه، و لا حتى بئر واحد. و لم يتبق أمامنا غير حمل الماء من النهر، و هذا بعيد جدا، و سيكون الطريق طويلا و حارا خلال موسم الجفاف.
و لم نشعر بالراحة لمزاعم شوكوودي حول الطلاب الذين يساعدون في إحضار المياه لأساتذتهم حينما تبدأ المدرسة بالدوام. و قد بدأت تلح فكرة استبدال هذا الفرز لمكان آخر. و قررنا أن نأخذ نظرة من محيط القرية نفسها و هذا سيساعدنا على حزم أمرنا و اتخاذ القرار المناسب.
سألنا حسان و نحن نستعد للنهوض و المغادرة:" من فضلكم، أين المراحيض؟".
قال شوكوودي:" هل تود أن تعمل الكبيرة أم الصغيرة؟".
" الكبيرة".
رد شوكوودي بقوله و هو يغمز:" هنا في يالا نخصص مصرف العالم للكبيرة".
تبادلنا نحن الثلاث النظرات. ثم وضح لنا شيكوودي الأمر بقوله: إن زيارة بنك العالم لإيداع النقود عبارة عن مجاز يدل على ذهاب المرء إلى الغابة ليريح أمعاءه.
وأضاف يقول:" صدقني. سوف تعتاد على ذلك بسرعة و ستستمتع بالحياة الطبيعية هنا".
قلت له:" تقصد أنه لا يوجد دورات مياه في القرية؟".
" آه، يوجد واحد بالجوار على مقربة و هو مفتوح لاستعمال كافة الناس".
و انطلقت نحو ما خيل لي أنه حفرة مرحاض. و لكن شاهدت مرحاضا لا يمكن أنأاتخيله. بعيدا في الغابة، كان بمنتهى البساطة: ثلاثة عيدان خشب قصيرة و قوية موصولة بالأرض أفقيا، و ثلاثة عصي طويلة مثبتة بالمسامير عموديا لتشكل سورا. يجلس المرء على السور، و يفرز القاذورات على الطرف الآخر. و شكرا للمطر، هناك بركة نتنة منتشرة تشبه البالوعة تسيل فوق الأرض المكشوفة القريبة. باختصار إن " زيارة مصرف العالم " هو الخيار الأمثل.
و بدأنا بمسارنا إلى القرية. و اقترح شوكوودي أن نتوجه مباشرة إلى ضفة النهر. و تابعنا نخبط بخطواتنا إلى الأمام، و نحن نشتكي من بعد المنطقة: لا إضاءة، لا صحف، و لا مجلات، لا حفلات راقصة- في الواقع، لا توجد معالم للحياة!. و أقرب قرية تبعد عنا حوالي ساعة و هذا يعني دفع مائتي نائيرة. إنه مبلغ كبير من النقود بالنسبة لموظف إلزامي مدقع.
مع ذلك ضفة النهر كانت جميلة جدا، و تمتد لمسافة بعيدة. تتناوب فيها رمال بيض متموجة و صخور رمادية براقة على طول النهر المتدفق بيسر و هدوء. و لكن توجب علينا التزام جانب الحذر.
قال شوكوودي و هو يشير لجزء من الضفة يختفي نسبيا وراء الغطاء النباتي:" على هذا الطرف تستحم النساء".
تابعنا مع تلك المنطقة العريضة قدر الإمكان و عموما حاولنا أن نحتفظ بعيوننا أمامنا على نحو مستقيم. و سريعا وصلنا لجزء من النهر يستحم فيه الرجال. ذكور من كل الأعمار يتسكعون على الشاطئ، و قليل منهم يلعبون بالماء. و كان الأطفال و الكبار يتحركون بحرية من غير ورقة ثياب على أجسادهم، حيث الآباء لا يشعرون بضرورة إخفاء عريهم من عيون أبنائهم. و حينما انتبه لوجودنا رجل قام بوضع يده على عانته و لوح بالأخرى ليحيينا. و لوحنا له بالمثل و أسرعنا بخطواتنا؛ و طوال طريق الغابة كانت هناك رائحة براز قوية.
رحبوا بنا في القرية و استقبلونا بأصوات ماكينة طحن الكاسافا. كانت امرأة متوسطة العمر مشغولة بتغذية الماكينة بقطع طويلة مقشورة. و حاول ذكر ماعز مستثار جنسيا بامتطاء أنثى ماعز صغيرة. فهربت منه، و كأنها تحتج على هذه المضايقة الجنسية.
قبالة ماكينة الطحن على الطرف الآخر من الطريق، وقفت ثلاث نساء بمآزر متسخة مشغولات بقلي الكاسافا المطحونة بواسطة موقد من الطين. حيتنا النساء بقولهن:" أهلا و سهلا ااااااا"، و رفعن أصواتهن فوق صوت الهدير.
كانت القرية تبدو صغيرة جدا، البيوت الطينية بصفوف طويلة مع عدد قليل من البيوت الإسمنتية و هي مرتبة على جانبي الطريق الرملي. لفت شوكوودي انتباهنا لمبنى صغير لم يتم بناؤه. و قد كتب فوق المدخل بالطبشور: روضة مجتمع يالا - مشروع أسسه واحد من أعضاء خدمة المؤسسة السابقين الذين خدموا في القرية.
تجولنا في المكان، و تعرفنا على الناس. و بدأ شوكوودي يستعيد أمام أعيننا شخصيته كإنسان من يالا. فتكلم مع القرويين ببساطة متناهية، و ألقى التحيات و الأقوال بلغة محلية قائلا:" كيف أنت اللحظة يا تاتابوسكو؟ تقعد هناك و تترك المفروزين تحت مطرقة الجوع ".
و تم تقديمنا للقرية بصفة متطوعين جدد. و ردوا بعفوية أطفال نادرا ما تراها في أولاد المدينة. و التأم حولنا حشد من رجال أهلكهم الطقس المتقلب، و نساء ربطن أولادهن على ظهورهن، و شباب مهتاجين، و أولاد لهم أفواه تنقط بالزيوت و بطون منفوخة، و كانت للجميع وجوه تشع بالتساؤلات.
كانوا يقولون:" مرحباااااا بموظفي المؤسسة الجدد". و تمادى آخرون، و دعونا لبيوتهم قائلين:" تعالوا، ربما نقدم لكم الشراب".
ألقت امرأة سوداء ضخمة يديها في الهواء. و صاحت بصوت موسيقي:" شكرااااا ياحكومة". و بدأت بالرقص. و شقت بنتان لهما عيون براقة طريقهما بجوارها، و اخترقتا الحشود، و وقفتا بجانبنا. و التصقت إحداهما بقميصي. فانحنيت نحوهما.
" هل ستعلمنا كيف نتكلم لغة إنكليزية جيدة!".
تلكأت ثم قلت:" نعم". و خرجت الكلمة من بين شفتي و أنا أحدق بهما.
فضحكتا بسعادة.
بطريقة ما، دفع الرجال المرأة و قادونا للأمام، حتى نهاية الطريق. و أخيرا شارفنا على محيط بيت أيكورو، و الذي كانت له مساحة مضاعفة ليكون متجرا للبضائع أيضا. كان أيكورو واحدا من أغنياء القرية، و للترحيب بنا أشعل المولدة الصغيرة و جاء بمسجلة ليطربنا ببعض الألحان. و ملأ الفضاء صخب زمن الدوران لإيميكا رولا، حتى أن الألحان أغرقت هدير المولدة.
كنا ننقر بأقدامنا مع نغمات الإيقاع، و نتبادل الكلام و نتعارف بأصوات مرتفعة. و وصلت لأنوفنا روائح طيبة و نحن نتناول أكوابا مليئة بنبيذ البلح الكريمي الذي تفور فيه الفقاعات.
و حرك أشجاننا دفء القرويين و شعرت بضرورة أن لا أخيب أملهم. و في غضون دقائق رشفنا الكأس الثانية من نبيذ البلح ، و شرعنا نناقش بين بعضنا البعض كيف يمكن تطوير ظروف الحياة. و تناولنا موضوع حفر أول بئر، و حفر مرحاض، و تعليم الناس أساليب صحية أفضل. و سرعان ما تراجعت مشاعرنا الكئيبة الأولى و حلت محلها إثارة تدعو للتفاؤل.
سألت القروي الجالس بقربي:" ما معنى كلمة يالا؟".
" إيه، يالا في الواقع اختصار لاسم القرية. و الاسم الكامل هو يالانكوم". لم كن أعلم حقا معنى كلمة " يالا"، و لكن كلمة " نكوم" تعني شيئا مثل " سوف أعيش و أموت هنا".
حسنا، لقد قررنا أن نعيش في يالا طوال سنة الخدمة الإلزامية، و لكن ربما لن نموت فيها.


هوامش:

1- خدمة المؤسسة : يعني أداء العمل الحكومي الإلزامي لعام واحد بعد نهاية الدراسة. و هذا يوازي لدينا الخدمة العسكرية الإلزامية.
2- كاشي أ. أوزومبا Kachi A. Ozumba: كاتب نيجيري متخصص بالكتابة الإبداعية من جامعة عبدان ثم جامعة ليدز. نشر قصصه في المجلات و الصحف المتنوعة. تابع تحصيله الدراسي في نيوكاسيل بالمملكة المتحدة. و حاليا يعمل بجامعة بانغور. حاز على جائزة القصة القصيرة من بنغوين عام 2006. و الترجمة من مجلة ( بالب نيت ) الإنكليزية و بإذن من هيئة التحرير.


الترجمة صيف 2013


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الحب ولادة جديدة

16-كانون الأول-2017

سحبان السواح

في مطلق الأحوال الحب هو بداية عمر، وبانتهائه يموت المحب، ليس في الحب بداية عمر أو منتصف عمر أو أرذل العمر، الحب بداية، بداية ليست كما الولادة الأولى، بداية حبلها...
المزيد من هذا الكاتب

الكلب/ جي إم كويتزي ترجمة:

16-كانون الأول-2017

المعنى الاجتماعي للقيادة

09-كانون الأول-2017

لفصل لماطر/ ستيفن كينغ / ج2 ترجمة

25-تشرين الثاني-2017

ثقافة العانة / إعداد وترجمة:

11-تشرين الثاني-2017

حياتي العارية / شيلا ماكلير ـ ترجمة:

04-تشرين الثاني-2017

وجدانيات سوريالية

16-كانون الأول-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow