Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

بابلو نيرودا: حصان الشعر الأخضر في الذكرى الأربعين لغيابه!

ألف

2013-08-28

ولد نيرودا واسمه الحقيقي هو ريكاردوا الييسير نيفتالي ريس باسوالتو في بلدة ‘ بارال ‘ بالتشيلي في 12 تموز (يوليو) 1904، وهي قرية صغيرة تقع في واد خصيب بعيداً عن صحاري الشمال القاحلة، الظمأى إلى الماء، العارية عن الخضرة، حيث كانت أمه واسمها روزا نفتالي تعمل مدرسة في مدرسة القرية الابتدائية، وتقول الشعر أحياناً.
وهو شيء لم يره الطفل وإنما سمعه من أفواه أخواله وخالاته حيث أن أمه قد سقطت ضحية السل وتوفيت وما يزال نيرودا في المهد في أسابيعه الأولى، وبقي يتطلع إلى عين تغرف له الحب منذ انطوائه المبكر في المهد إلى أن تعهدت زوجة أبيه نشأته بعد عامين من غياب أمه، أما والده جوزيه ديل كارمن فهو ينحدر من أسرة عنيفة ومناضلة وكان عاملاً بسيطاً في السكة الحديد وإن كان نيرودا نفسه قد أشار إليه في إحدى قصائده على أنه سائق القطار، ونستطيع القول أن نيرودا قد ورث الثورة عن أبيه والشعر عن أمه .
ولم يكن عام مولد نفتالي أو بابلو كما اشتهر بعد ذلك بالعام السعيد خاصة بعد أن اختطف الموت والدته في نهاية شهر أغسطس أي قبل أن يكمل الرضيع شهره الثاني نتيجة إصابتها بالدرن، ولعل ذلك كان أحد أهم أسباب حزنه الدائم و انكسار قلبه بعد حرمانه من حنان أهم شخصية في الوجود ، فرغم زواج والده بعد ذلك بعامين من ‘ ترينيداد كانديا’ التي وصفها بابلو بأنها الملاك الحامي لطفولته إلا أنه ظل مفتقدا لحنان الأم.
وفي عام 1910 دخل نيرودا المدرسة، ومع خطواته الأولى للمدرسة بدأ الطفل الصغير يتطلع مذعوراً إلى جدران المدرسة الباردة، وقد أحس أن هذه الجدران سلبته حريته، فبات يطيل الوقوف أمام النافذة يرقب الأمطار الهاطلة ويتأمل شواطئ نهر ‘ كاوتين ‘ المخضرة، وقد كانت ميوله ومشاعره بهيجة وحزينة، سارة ومؤلمة، وفي المدرسة أدرك رفاقه نبوغه المبكر وعبقريته المميزة وكانوا يتوقعون له أن يصبح يوماً ما شيئاً عظيماً في حياة تشيلي رغم انحداره من أسرة هندية بسيطة، أما والده فقد كان يؤنّبه كثيراً في تلك الفترة وأنكر عليه اتجاهه غير المفهوم نحو الأدب وكان يعارض كتابة الشعر معارضة عنيدة وغير مفهومة، لكنه واصل مهمته الشعرية لأنه كان على يقين بأن هنالك في البعيد شيء ينتظره.
ومن بارال انتقلت عائلته الصغيرة الى بلدة ‘ توميكو ‘ في جنوب البلاد ، وهناك حيث يولد المطر أقام حتى عام 1920، وهناك ارتفع صوته بأول نشيد من أغانيه وكان ذلك عام 1917، ثم توجهت أسرته إلى سنتياجو ليعمل مدرساً للغة الفرنسية، ثم أصبح له هاجسان دائمان : الكتابة والسفر، حيث عمل بالسلك الدبلوماسي مثل أغلب الأدباء المشهورين هناك، فسافر إلى سيلان والهند وبيونس أيرس.مما فتح أمامه آفاقاً واسعة ومجالاً رحباً وفضاءً لا يُحدّ ، أمم وشعوب وأجناس وألوان ولغات وتاريخ وحضارات، ولكن كل هذا لم يغنه عن بلده ولغته، حيث عاش وحدة قاتلة أنفق ساعاتها يكتب رسائل حزينة وبائسة.
ولم يعرف بابلو نيرودا باسمه الحالي المستعار حتى عام 1920 وهو في عمر السادسة عشرة ، فقد كان ينشر أغلب نتاجه الأدبي باسمه الحقيقي وهو نفتالي رييس، حتى جاءت مناسبة نشر قصيدة له تحت عنوان (رجل) والتي وقعها بإسم مستعار هو بابلو نيرودا ليستمر فيه حتى وفاته، وليعطي هذا الشاعر لإسمه الجديد أكثر من دلالة ومغزى لأنه خير من يلخص حياته، بتجاربها وبتركيبتها العميقة والواسعة وبمعاقبتها بالبحث عن الجديد دوماً. وقد حدث ذلك ربما إعجابا بالكاتب التشيكي جان نيرودا، وكتب كل قصائده بهذا الاسم الجديد ومنح جائزة نوبل به، وكانت له جائزة عيد الربيع في ‘ توموكوز ‘، حيث كان قد شارك في المهرجان الشعري لألعاب الزهور ونال الجائزة الثالثة بقصيدته ( أغنية المهرجان ) .
إليكم جميعا أنتمي وبكم أعترف ولكم أغني
قبل أن يكمل بابلو عامه الخامس عشر كانت إبداعاته الشعرية قد بدأت في الظهور وقد بدأ ذلك تحديدا عام1917 عندما كتب قصيدته عيناي والتي وقع عليها باسمه الحقيقي نفتالي رييز ولكنه عام1920 اختار لنفسه اسما جديدا هو بابلو نيرودا والذي ظهر أول مرة في قصيدته التي لم تطرح في الأسواق’ جزر غريبة’. وفي مارس عام1921 بدأ نيرودا يشعر بموهبته الشعرية لذلك قرر السفر إلى سنتياجو حيث استقر هناك في بيت الطلبة لاستكمال دراسته في اللغة الفرنسية التي كان يجيدها مثل أهلها وفي أكتوبر من نفس العام ظهرت قصيدته’ أغنية العيد’ والتي فازت بالجائزة الأولى في مسابقة اتحاد الطلاب والتي كانت مؤشرا لظهور ليس فقط باقي قصائده، لكن لظهور الوجه الثوري لهذا الشاعر الرومانسي الذي يبدو حالما حزينا على طول المدى، ففي نفس هذا العام اشترك نيرودا في المظاهرات الثورية التي اندلعت في البلاد آنذاك وذلك قبل أن ينتج ديوانه الثاني’ الغسق’ والذي اضطر من أجله لبيع بعض أثاث منزله وساعة اليد التي كان قد أهداها له والده. ونأتي لرائعة نيرودا’ عشرون قصيدة حب وأغنية لليأس′ والتي تعد بحق أول ديوان حقيقي له حيث ترجم إلي الإنجليزية مما جعله أكثر كتبه انتشارا، و في هذا الديوان نجد الحزن وانكسار القلب هما المسيطران على روح القصائد .
وفي عام 1924 هجر نيرودا دراسة اللغة الفرنسية وتخصص في الأدب وكتب ثلاثة أعمال تجريبية وذلك قبل أن يبدأ رحلة تعيينه سفيرا في العديد من البلدان تنتهي بكونه سفيرا في الأرجنتين عام 1933، أي بعد زواجه من الهولندية الجميلة’ ماريكا’ بثلاث سنوات والتي انتهى زواجه منها بإنجاب طفلته (مارفا مارينا) التي ولدت في مدريد في الرابع من أكتوبر عام 1934 والطريف أنه في نفس العام وتحديدا بعد شهرين تزوج من زوجته الثانية (ديليا ديل كاريل) الأرجنتينية الشيوعية والتي تكبره بعشرين عاما والتي كانت تعشق الرسم خاصة رسم الخيل، وقد انبهر بها نيرودا وسرعان ما ارتمى في أحضانها لأنها الوحيدة التي أخرجته من حالة الاكتئاب التي كادت تنتابه عقب علمه بمرض طفلته المزمن والذي كان يهدد حياتها و في تلك الأثناء اكتسب شهرة عالمية واسعة جعلته واحدا من أكبر وأهم شعراء أمريكا اللاتينية، ورغم كونه قد عمل سفيرا في العديد من الدول الأوروبية إلا أن ذلك لم يزده سوى إصرارا على أن الشيوعية- التي اندلعت شرارتها في روسيا- ليست سوى المنقذ الحقيقي والحل السحري لكل المشكلات، ورغم المتاعب التي سببها له هذا الاتجاه السياسي إلا أنه ظل متمسكا به إلى حد استقالته من عمله الدبلوماسي.
ويبدو أن الأفكار الشيوعية هذه قد أثرت على الأسلوب الشعري لنيرودا فبعد أن كانت قصائده تمتاز بالرومانسية والحزن والحس المرهف أخذت القصائد تتطور لتصبح أقرب إلى السريالية التي كانت في ذلك الوقت تطغى على المنظومة الفكرية والفنية في أوروبا كلها ويظهر هذا واضحا من خلال قصيدة نيرودا ‘إقامة على الأرض’ والتي امتلأت بالعديد من الصور المأساوية لما أحدثته الحضارة من دمار شامل على الأرض وقد ظهرت هذه القصيدة عام1935 أي قبل عام واحد من انفجار الحرب الأسبانية والتي فجرت معها واحدة من أعظم قصائد نيرودا السياسية ‘نشيد الى أمهات المحاربين الموتى’. و يأتي عام1937 ويعود نيرودا إلى شيلي تحديدا في10 أكتوبر ليكتب قصيدة ‘ أسبانيا في القلب’ والتي يقول فيها:
كنت أسكن في حي بمدريد
به أجراس
به ساعات به أشجار
منزلي كان يسمي منزل الزهور
لأن في كل ركن من أركانه
كانت تتفجر الزهور

وفي قصائد نشرها الملحق الثقافي لصحيفة ABC الأسبانية لم يسبق نشرها من قبل للشاعر بابلو نيرودا وهي من بين قصائده الأولى التي كتبها في مطلع شبابه قد تم العثور عليها مؤخرا بين أوراقه يلاحظ فيها بوضوح بذور خصائصه وحساسيته الشعرية في تناولاته لثيمات الحب وقضايا العدالة والأسئلة الوجودية وغيرها مما تجلى لاحقا في مجمل أعماله المعروفة، كما تبدو فيها أسس أوليات خصوصية اشتغاله الفني الذي عرف بالبساطة المرهفة والمباشرة الرقيقة .. ومازال جميع النقاد والقراء يعتبرون نيرودا شاعر الحب الأكبر باللغة الأسبانية، وهو الذي أبدع في كل ميدان أنشد فيه، فإلى جانب كونه أفضل من كتب في الحب كان شاعرا مجيدا في الكتابة عن الحرب والسياسة وعن الفقراء وصاحب المواقف الأصيلة واللغة الواضحة الأخاذة التي تعجب قارئ النخبة والقارئ البسيط، وعن أسلوبه هذا يقول نيرودا: ‘أريد قول بضع كلمات حول الهدف الذي توخيته من أحد أساليبي، وأعني المباشرة التي يعيبني بها الكثيرون، وكأن هذا الأسلوب يشوه أو يدنس الكتابة، إن المباشرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمفهومي للتاريخ، فالشاعر يجب أن يكون جزئيا مؤرخا لعصره، والتاريخ يجب الا يكون ماهية، ولا نقاء، ولا تثقيفا، وانما يجب أن يكون وعرا معفرا ماطرا يوميا .. يجب أن يتضمن البصمات البائسة للأيام التي تكر، ويحمل ضيق وحسرات الإنسان ‘.
فهو إذن شاعر لكل الناس في كل مكان وفي جميع الأزمنة التي تليه (اليكم جميعا أنتمي وبكم أعترف ولكم أغني) وقد حصل في حياته على كل الجوائز التي يتمنى أي كاتب الحصول عليها، وهي جوائز بالمئات كان آخرها جائزة نوبل عام 1971،وتقول عنه مارجريتا آجري المتخصصة بسيرته : ‘كانوا يبايعونه في أي مكان بشكل لم يحدث – على ما أعتقد – لأي شاعر آخر’.. أنه شاعر التنوع في السياق الواحد والوفاء لمفهوم شعري متطور، ومستبدل الاستراتيجية مرة بعد مرة .. هذا هو نيرودا الذي لم يعرف عصرنا مثيلا له، لقد احتاجت ميوله التاريخية الى قدراته الشعرية الهائلة كيلا تسحق تحت ثقل خمسين سنة من العمل الشعري المتواصل وأكثر من خمسين كتابا .
وإن من ينتقدون هذا الإكثار لا يعون بأنه ليس حجر الأساس في أعماله فحسب،وإنما المبرر الكافي والضروري لظاهرته .. لقد كان نيرودا ظاهرة كبيرة عبر حياته المليئة بالأحداث والتجارب والعمل السياسي والمنفى والعمل الثقافي والترحال والحب والكتابة الى الحد الذي عنون فيه مذكراته بالقول : (أعترف بأنني قد عشت) ، لقد قدم نيرودا كل ما يستطيعه للثقافة وللإنسانية ولشعبه التشيلي الذي استقبله عند عودته بالحفاوة والاعتزاز والتكريم في احتفال حاشد في الملعب الوطني بشكل لم يحظ به أي شاعر في أي مكان أو زمان ومن الطبيعي أن شاعراً بهذه القامة سيظل العالم ينقد في أوراقه ليكشف المزيد من مكوناته وارثه الإبداعي .
و لقد أنجز نيرودا كثيراً من الأعمال الأدبية خلال سنيِّ حياته التسعة والستين عاماً : ابتدأها بــ ديوانه الأول ‘ غروب ‘ في عام 1923 الذي عكس موهبته المتدفقة ورغبته في التجديد وقد تأكدت موهبة الشاعر بديوانه ‘ عشرون قصيدة حب وأغنية بائسة’، والذي وجد صعوبة كبيرة في نشره بسبب استخدامه لكثير من الرموز الجنسية فيه، غير أنه سرعان ما اقتنع أحد الناشرين بأهمية نشر هذا الكتاب مما جعل بابلو مشهورا وهو في العشرين فقط من عمره وهذه القصائد مستوحاة من الحكايات الشعبية الشفاهية، وتتسم بصفاء وبساطة ملحوظين، وقد بيع من هذا الديوان أكثر من مليون ونصف نسخة من طبعته الإسبانية ومن ثم ديوان ‘ الجزر الخفية ‘ ثم ‘ غسقيات ‘ وفي عام 1925 أصدر بعض الدراسات والأعمال المختارة للشعراء أناتول فرانس، ورامبو وبليك ولوترومون، ومن هذه الأعمال ‘ محاولات الإنسان الأبدية ‘ عام 1925، و في عام 1926 نشر ‘ خواتم ‘ و ‘ المقيم وأمله ‘.
بعد ذلك ولج بابلو عالم الأدب في العاصمة سنتياغو وراح الناس يتعرفون عليه، وعندما عين قنصلا فخريا في ‘رانغون’ وجد نفسه غريبا ووحيدا، فكانت نقطة تحوله الشعرية، فنشر عام1933 ديوان ‘ الإقامة على هذا الكوكب’، وهي قصائد اتسمت بالاغتراب والبعد والتشاؤم والموت، وكان قد طغى على الشاعر حينها طابع الحوار الداخلي مع النفس والذي لا يخلو من بعض الفوضوية و العبثية، وهنا أصبح الجنس عنده تافها والطبيعة كتلة من الدمار، وغايات البشر تصيبه بالغثيان والإحباط، وفي عام 1936 نشبت الحرب الإسبانية، وبدأ بكتاية قصائد ‘ إسبانيا في القلب ‘ و ‘ مرتفعات ماتشيو بيتشو ‘ والتي حاز بسببها على جائزة ثم كتب ‘ الإقامة الثالثة ‘ في عام 1947 والذي جمع فيه كافة أشعاره ومنها ديوانه ‘ زهور وأشواك ‘، و’ إسبانيا في القلب ‘، و’ أغنية ستالينجراد ‘ .
وقد تغيرت نبرات الشاعر عقب وفاة صديقه لوكاو ميجيل فرناندث عام 1937، ثم اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية ، ووفاة أبيه، وقد شرع نيرودا ولمدة اثني عشر عاماً في كتابة ديوانه الضخم ‘ الأغنية العمومية ‘ التي تكونت من 30 ألف بيت، ونشرت في خمسة عشر كتاباً ، قسمت إلى 279 أغنية، واعتبر النقاد هذه الملحمة بمثابة رؤية شاملة للقارة الأمريكية من الناحية التاريخية والجغرافية ، والأنثروبولوجية ، والفلكلورية، وصدر لنيرودا أعمال أخرى نثرية مثل ‘ الغزاة ‘ و ‘ الأحرار ‘ والتي تناول فيها نضال النقابات العمالية في القرن العشرين، أما ديوانه ‘ الرمال الخائنة ‘ فقد سخر فيه من كافة الحكام والطغاة من خلال رؤية شاملة لكافة الحكام المستبدين الذين عرفتهم البشرية.
وفي الأربعينيات عُرف نيرودا بغزارة شعره وكتبه، فنشر ‘ الهارب ‘ و ‘زهور بونتاكي ‘ و ‘ زهور الغناء ‘ ، أما في الخمسينيات والستينيات فقد عرف نيرودا غزارة في الإبداع وخصوبة ملحوظة في أعمال من طراز ‘ نصب تذكاري في الجزيرة السوداء’، الذي عاد فيه الكاتب إلى مسقط رأسه في تشيلي، والى صباه وقد مزج تجربة الصبا والطفولة مع تجارب السفر إلى الهند والحرب الأهلية في إسبانيا، وبلغ عدد الكتب التي أصدرها نيرودا بين عامي 1950 و 1964 قرابة ثلاثة عشر كتاباً منها ديوانه ‘ أغنيات الحركة ‘الذي كتبه على شرف ثورة كاسترو عام 1960، وفي نفس السنة نشر ديواناً آخر يحمل عنوان ‘ حجارة تشيلي’، ومن ثم نشر بعد ذلك بعشرة أعوام ديوان ‘ حجارة السماء ‘ وهو عبارة عن أغنيات شعبية صاغها نيرودا بأسلوبه حول الحلم والحب، والنور والليل ، والعقل والهذيان .
وفي عام 1967قدم نيرودا تجربته المسرحية الأولى ‘ روائع ووفاة جواكن مورييتا ‘ التي تروي قصة قاطع طريق تشيلي يمارس عملياته في كاليفورنيا، وفي آخر سنوات حياة الشاعر نشر مجموعة من الكتب منها ‘ أيدي النهار ‘ 1968و ‘ نهاية العالم ‘ 1969، و ‘ سيف النيران ‘ عام 1970، أما آخر أعماله فكان عن ‘ مدخل إلى الثورة التشيلية ‘ عام 1973 . وبعد وفاته بدأت مذكراته تصدر في عدة أجزاء، ونشر منها ‘ أعترف أنني كنت على قيد الحياة ‘ و ‘ ولد كي يولد ‘ ومن أعماله الأخرى، ‘ الكرمة والريح ‘ و أغاني بدائية ‘ و ‘ أغاني بدائية جديدة ”و ‘ مختصر ‘ و ‘ نهاية العالم ‘ .

الشعر والسياسة
في عام 1935عين سفيراً في مدريد ، قبل اندلاع الحرب الأهلية، وفي عام 1940 عين قنصلاً عاماً لبلاده في المكسيك، حيث ارتبط بصداقة وطيدة مع الفنانين التشكيليين . ثم أصبح عضواً بارزاً في الحزب الإشتراكي لبلاده، ولذا اعتبرته سلطات حكومة جونالث في عام 1948 خارجاً على القانون. فترك بلاده ورحل إلى الاتحاد السوفييتي ، وحصل عام 1950 على جائزة السلام العالمي في وارسو، ثم حصل على جائزة ستالين عام 1953، وفي ما بين 1950 و1970رحل إلى بلاد العالم،وقد تم نفيه إلى إحدى الجزر الإيطالية في الفترة ما بين 1952-1953 بعد أن صدرت بحقه مذكرة توقيف في بلده، ومن طرائف الأحداث التي حصلت معه أنه وفي إحدى زيارته إلى إيطاليا برفقة زوجته ماتيلدا وفي لحظة وصوله بالقطار إلى روما وجد جماهير غفيرة في استقباله وأغلبهم من المثقفين. وقد قام بترشيح نفسه رئيساً للجمهورية أمام سلفادور الليندي، ثم عين سفيراً لبلاده في باريس، ويقول نيرودا حول تجربته’ اعتبرت كتابي ‘ محاولات الإنسان الأبدية ‘ بمثابة بؤرة أعمالي الشعرية، لأنني وأنا أكتب هذه الأشعار كنت أحس بوعي تام لم أحسه من قبل يمزج بين الغموض والوضوح ‘ ومثل هذه الأشعار كانت تعكس رؤية نيرودا المتشائمة للعالم، وتعبر عن معاناته، وهي في منظور الشاعر لا تساعد الناس على الحياة، بل تساعدهم على الموت.
مع قمر غرناطة
انتقل بابلو ليعيش في إسبانيا وهنا خرج من عزلته وبدأ حكاية أخرى في حياته، فشاهد بداية الحرب على يد الجنرال فرانكو، وفقد صديقه الشاعر فيدريكو غارسيا لوركا، واتجه شعره بعدها نحو السياسة لخروجه من الهم الشخصي إلى عالم السياسية الصاخب. وكُتب عليه أن يغير نمط شعره ليبدأ مرحلة الكتابة إلى الجماهير في قصائد واضحة ومباشرة.
اشترك بابلو في الحرب الأهلية الإسبانية ضد نظام فرانكو في منتصف الثلاثينات وهناك تعرف على كبار كتاب العالم ومنهم الروائي الفرنسي اندريه مالرو الذي كان طيارا في قوات الثورة، وتعرف على من سيكون صديقه وجرحه الكبير الشاعر الاسباني لوركا الذي قتل غدراً فيما بعد، وشاءت الأقدار أن يُقتل لوركا على يد وحوش ضارية بدون سيف أو حتى أن يعاقب أحدا، فقد طلب منه قاتله في الوادي أن يركض ثم أطلق عليه النار من الخلف، فسقط تلك الليلة قمر غرناطة في بركة دم.
وكما سبق وأن ذكرنا فقد عمل نيرودا في بداية حياته دبلوماسيا صغيرا في الشرق الأقصى، وبعدها نقل إلى الأرجنتين حيث اتصل بغارسيا لوركا،ونقل بعدها إلى إسبانيا، وكان اغتيال الشاعر الإسباني المعروف عام 1936 هو ما دفع نيرودا لتجاهل وضعه كدبلوماسي ليدعم الجمهوريين، وفي هذه الفترة بدأ يكتب مرثيته العظيمة لضحايا الحرب الإسبانية، ( إسبانيا في قلبي ) وفي هذه المرثية قدم الشاعر ملامح من الالتزام الاجتماعي والدفاع عن قضايا العدل والحرية.
وفي عام 1937 عاد إلى تشيلي، حيث كان هناك قلق كبير لأوضاع الآلاف من اللاجئين الاسبان الذين فروا أمام تقدم قوات فرانكو، ولهذا قام بالسفر إلى فرنسا لكي يقوم بتنسيق جهود نقل ألفين منهم على متن قارب استأجره لتشيلي، وفي الوقت الذي كان ينسق فيه جهود نقل اللاجئين اندلعت معركة برلمانية حامية بشأن نقلهم، حيث قال نواب إن البلاد لا تحتمل هذا العدد من المهاجرين، فيما ناقش آخرون أن البلاد بحاجة إلى قوة عمل، وكان نيرودا البعيد آلاف الأميال عن وطنه واعيا للظرف ولهذا كانت الأيام التي سبقت رحيل القارب ( وينبيغ ) حافلة بالمفاجآت ، وعند مغادرة القارب ميناء بوردو وقف نيرودا إلى جانب المرأة التي ستصبح زوجته الثانية ( ديليا ديل كاريل ) لكي يلوح للقارب الذي غادر الميناء في الرابع من آب (أغسطس) 1938، وفي قصيدته التي كتبها بهذه المناسبة أعلن نيرودا عن تخليه عن العاطفية والشعرية الرومانسية لكي يكرس نفسه، كشاعر طبعا لقول الحقيقة وللكشف عن المظالم التي تواجه الإنسانية :
ستسأل ..أين إذاً الليلك.. والوجود البعيد متوج بالخشخاش.. والمطر يرش كلماته…. يملأها بالثقوب والطيور؟ قد تسأل.. لماذا لا يتحدث الشعر عن الأحلام واوراق الشجر..عن البراكين العظيمة في موطنه..
تعال وعاين الدماء في الشوارع..
تعال وعاين الدم في الشوارع.. تعال وعاين الدم في الشوارع .
على ظهر حصان
وفي عام 1945 انتسب نيرودا الى الحزب الشيوعي وحين تم حظره في تشيلي عام 1948، تحول نشاطه إلى السرية فاختفى بعيدا عن أنظار حكومة بلاده، وراح ينتقل من بيت إلى بيت، وفي النهاية غادر تشيلي إلى المنفى على ظهر حصان حتى وصل إلى الأرجنتين، ومنها الى دول أخرى في أمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا، قبل أن يعود إلى بلاده عام 1953 بعد صدور العفو عنه.
ومع عودته تغير شعره من جديد، وتحولت الكلمات القوية التي تصور المنفى إلى كلمات تعبر عن الحياة اليومية من غرفة النوم حتى حانوت بائع التفاح، ولقد بدأ نيرودا في هذه المرحلة بربط أفكاره البسيطة بعبارات بسيطة. وفي الخمسينات من القرن الماضي نشر نيرودا أربعة مجلدات من هذه القصائد الغنائية، وقد كان نيرودا متزوجا من زوجته الثانية الرسامة الأرجنتينية ( ديليا ديل كاريل ) حين تعرف في المنفى إلى ( ماتيلدي أوروتيا) والتي أقام معها علاقة سرية قبل أن تصبح زوجته الثالثة، وفي آخر عشرين سنة من حياته ركز نيرودا على قصائد وجدانية عاطفية وخاصة لزوجته ماتيلدي، وطور في هذه القصائد التعبير الرومانسي الذي كتبه في بداياته الشعرية، بينما وُصف في البداية بالشاعر المراهق، ومع كبر سنه راح يكتب قصائد حب ولكنها ناضجة.

نضال القاسم

عن القدس العربي.




تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow