Alef Logo
دراسات
              

سيكولوجيا القيادة

مجيد محمد

خاص ألف

2013-08-20

يبدأ وليام هوايت في دراسة أجراها على أنماط القيادة في الجماعات غير الرسمية بتقديم وصف جميل جداً عن الأدوار القيادية في هذه الجماعات، وعن طبيعة القيادة والأدوار المنوطة بالقادة:

- إن القائد يصرف من النقود على أتباعه أكثر مما يصرفون عليه، ولا يعني هذا أنّه لا بدّ أنّ يكون أكثر مالاً منهم، أو أن يصرف عليهم جميعاً ببذخ فعلاً، إنّما المقصود هو أنّه لا يسمح شعورياً أو لا شعورياً بأنّ يكون للأعضاء الأقل مستوى منه أفضالٌ عليه من ناحية الالتزامات المالية.

- إنّ القائد هو محور التنظيم في الجماعة، فالجماعة تنقسم إلى مجموعات صغيرة ولا يكون هناك نشاط مشترك في غيابه.

- إنّ القائد هو الشخص الذي يتصرف حين يحتاج الموقف للتصرف، ويشعر الأعضاء بضرورة انتظاره قبل البدء بأي نشاط وهو في العادة أكثر حنكةً من زملائه، ويتمتع بالاستقلال في إصدار أحكامه، والقدرة على البتّ فيما يعني الجماعة من مشكلات.

- يلتزم القائد بكلمته وبوعوده التي يعدّ بها الأعضاء؛ ويلجأون إليه طلباً للنصيحة والتشجيع، ويحوز بالتالي على ثقتهم، وهو يعرف ما يدور في الجماعة أكثر من غيره.

- وعلى الرغم من أنّ له أصدقاءه المقربين في الجماعة، وهناك من الأعضاء ممن لا يعيرهم اهتمامه، إلا أنّه لا يحكم بينهم إلا بالعدل إذا ما دبّ خلاف بين اثنين أو مجموعة منهم، ولا يترك العوامل الشخصية تؤثر على أحكامه.

- ليس من الضروري أنّ يكون القائد متفوقاً في كلّ نشاط تمارسه الجماعة، ولكن من الضروري أن تكون له مهارة في أوجه النشاط الذي تمارسه. وبالتالي فإنّه يشجع النشاط الذي تتجلى فيه مهارته، ولا يشجع الأنشطة الأخرى. وهو يتفوق عادة في هذا النشاط لا بحكم مهارته فحسب، ولكن كأمر طبيعي مسلم به بحكم تأثيره في الجماعة.

- إنّ القائد له شهرته خارج الجماعة أكثر من غيره من الأعضاء، كما يحظى بالاحترام في الأوساط الخارجية، وله حريّة الحركة الاجتماعية خارج الجماعة أكثر من غيره، ومن أهم الوظائف التي يقوم بها التحكم في العلاقة بين جماعته والجماعات الأخرى سواء في حالات الصراع أو المنافسة أو التعاون فهو يمثل اهتمامات الأتباع.

إن من الأدوار التي يتضمنها بنيان الجماعة دور القيادة، والقيادة قد تكون مرئية ومعروفة كرؤوساء العمل والقيادات السياسية الرسمية، أو قد تكون غير مرئية، كسكرتيرة أحد المدراء فهي من نوع القيادة الغير مرئية بحكم تحكمها بالمعلومات المتدفقة من وإلى المدير.

فالقيادة قد تكون رسمية وقد تكون غير رسمية. والقيادة الرسمية العلنية تكون في موقف أفضل من غير الرسمية والغير علنية لأن الثانية تسيطر في حالة ضعف الأولى أو غيابها أو في حالة رفض الجماعة لها.

فهم القيادة

يمكننا فهم القيادة من خلال ثلاثة عناصر متداخلة هي:

1- القائد – بخصائصه التي يدخل فيها دافعيته وإدراكه وإمكانياته التي تساعد على تحقيق أهداف الجماعة.

2- الموقف، ويتضمن الوظائف والأهداف المرغوب تحقيقها وغيرها من الظروف.

3- الأتباع بخصائصهم بما في ذلك دوافعهم وإدراكاتهم وإمكانياتهم.

والتاريخ مليء بما كُتب عن الزعماء، وما تزال هناك نزعة لدى العامة ولدى الكثير من الكتّاب أيضاً في إعطاء الفضل لما يتحقق من أهداف الجماعة للزعامات، والتي تُضفي عليها صفات سحرية وخاصة في ميدان السياسة.

وترى النظرية الاشتراكية أنّ الزعامات أو القيادات ليست إلا وليدة للظروف والعلاقات الاجتماعية التي هيأت لممارسة القيادة من أجل تحقيق أهداف الجماعة. وهذا لا يتعلق بالقادة كأفراد أو أشخاص معينين، فإن لم يكونوا هؤلاء فإنّه سيكون هناك قادة آخرين يقومون بنفس الدور والذي تمليه عليهم الحتمية التاريخية.

وللقيادة العديد من الوظائف، فهي عملية تأثير، تتكون من قائد وأتباع وموقف. ويمكن النظر إليها على أنّها خاصية لوظيفة أو خصائص في فرد، وفئة من فئات السلوك. حيث تتداخل هذه الصفات مع بعضها البعض، فالقائد شخص فيه خصائص ويحتل وظيفة معينة ويتصرف بطريقة معينة.

كما أنّ الاتصال بالجماعات الأخرى لصالح الجماعة من وظائف القيادة المهمة أيضاً، والعمل كمصدر للمعلومات، وإشباع الحاجة إلى الاعتماد لدى بعض أعضاء الجماعة، كما تحقق للبعض الآخر ما هو في حاجة إليه من سندٍ وتعضيد.

ويرى شلينبرج: "أننا خدمٌ لكلّ ما له قيمة عندنا، بالتالي يتمكن أيُّ فردٍ من التأثير علينا ما دام يؤثر على ما له قيمة عندنا، وقد يؤثر في الحال أو في المدى الطويل. وما قد يتأثر قد تكون مجرد أفعال بسيطة، أو قد يتضمن التزامات طويلة الأمد ومعقدة". ويظهر تأثير القيادة من خلال الأسباب التي تؤدي إلى اعتماد الناس عليها. وأسباب الاعتماد على القادة هي ثلاث فئات:

- الاعتماد الوسيلي: أننا نعتمد على القادة لأنهم يكونون في مركز يسمح لهم بتحقيق ما نرغب فيه، خاصةً، إذا كانت أهدافنا محددة ومعروفة. أيّ أنّه وسيلة لتحقيق غاية.

- الاعتماد التعريفي: هناك من الناس من يعتمد على القادة لأنّهم يحققون لهم ما يرغبون، بالإضافة إلى أنّهم يُعطون للأشياء معنى، ويبلورون لهم رغباتهم التي يعجزون عن بلورتها. ويُسمى كذلك لأنّ وظيفته تعريف الناس بما يعجزون عن معرفته.

- الاعتماد الفردي: وهو الاعتماد الذي تعتمد فيه "أنا" الفرد على القائد، فهناك من الناس من لا يعرفون أنفسهم ولكنهم يكتشفونها عن طريق الآخرين.

كما يشير بالز وسلاتر إلى وجود وظيفتين في الجماعات هي وظيفة الإنجاز ووظيفة العلاقات الاجتماعية الانفعالية.

تتضمن وظائف الإنجاز مساعدة الجماعة على إنجاز عمليات معينة. وهذه العمليات في الوحدات الإنتاجية مثلاً هي الإنتاج. وقد تتطلب هذه العمليات القيادة لإنجاز عمليات عقلية أو القيادة لإنجاز إنتاج مادي. وقد تكون القيادة في العمليات العقلية مستقلة عن قيادة الإنجاز المادي.

أمّا وظائف العلاقات الاجتماعية الانفعالية فهي تدخل في نطاق العلاقات الإنسانية، ويعود وجودها لوجود مشكلات اجتماعية وانفعالية في كلّ جماعة. إذ يتولد أثناء الإنجاز ونتيجة للضغوط التي تفرضها القيادة مقابل الارتفاع بمستوى الإنتاج والوصول إلى المعدلات المطلوبة طبقاً لخطة زمنية محددة، انفعالات سلبية ضد القيادة التي تضغط لتحقيق الأهداف. لذا كانت هناك حاجة لوجود القيادة التي تساعد على المحافظة على وحدة الجماعة وتماسكها، ورفع الروح المعنوية للأفراد، وإحساس كلّ فرد بأهميّته، وأهميّة العمل الذي تقوم به الجماعة، وإنّ إنتاجه محل تقدير المسؤولين. وتُعتبر هذه الوظائف الهامة التي تساعد على سير دفة الإنتاج، وتجعل العضوية في الجماعة والانتماء إلى المؤسسة خبرة سارة ومثمرة.

ويرى العديد من علماء النفس أنّه من الصعب الجمع بين وظائف الإنجاز ووظائف العلاقات الاجتماعية الانفعالية والروح المعنوية، ويرون أن هنالك أسساً وعوامل اجتماعية ونفسية تحتم هذا الفصل، وذلك نتيجة للتناقض الحتمي بين هذين النوعين من الوظائف.

فالشخص الذي يضغط على الجماعة لتحقيق الإنجاز لابدّ أن يفرض على العاملين معه التغيير من سلوكهم باستمرار، كما يحاول تغيير أفكارهم، وقيمهم، واتجاهاتهم في ضوء الحتميات التي يتطلبها الإنجاز، بينما يهتم القائد المسؤول عن العلاقات الاجتماعية الانفعالية بالمشاكل الشخصية، والاجتماعية، والانفعالية للأفراد؛ لهذا تراه في العادة يعطي تعضيداً لأفكار الأتباع واتجاهاتهم. ولهذا يكون اتجاه أخصائي الإنجاز إدارياً وفنياً وتكنولوجياً، بينما يكون اتجاه أخصائي المشكلات إنسانياً، فأحدهما اتجاهه نحو العمل والثاني اتجاهه نحو الناس.

أنماط القيادة وفئاتها

على الرغم من أنّ الأنماط تعتبر قوالب جامدة يُصبُّ الناس فيها، فيُنسب إليهم ما ليس فيهم أو تحرمهم من سمات هي فيهم، بيّد أنّ الأنماط كفئات وصفية من الممكن أنّ تبين لنا إلى حد ما كيف يؤثر القادة في الآخرين.

1- القائد الإداري:

من وظائفه التخطيط، والتنسيق والإدارة، والتوجيه، والتنظيم. فوظيفة القائد الإداري أن يتحقق من تنفيذ المطلوب.ويحتل القادة الإداريون المراكز في المؤسسات والجماعات التي نشأت لتحقيق هدف بعينه؛ هو في العادة إمّا إنتاج سلع معينة، أو تقديم خدمات. ولعلّ أهم عمليتين يقوم بها هذا النوع من القادة هي المحافظة على العمليات التنظيمية، وتنفيذ سياسة المؤسسة. وقد تتضمن الإدارة رسم السياسة على الرغم من أنّ كثيراً من الخبراء يرون أنّ رسم السياسة عملية منفصلة عن الإدارة لأن كلا الوظيفتين تتطلبان مهارات مختلفة.

2- القائد البيروقراطي

يطلق هذا اللفظ في العادة على الأفراد الذين يحتلون مراكز في المستويات الوسطى في البنيان الهرمي الإداري، أو في المستويات الدنيا في مؤسسة من المؤسسات، وتكون لهم صلاحيات معينة للإشراف على عملية معينة. فأي مؤسسة سواء كانت حكومية، أو مدنية، أو عسكرية، أو دينية لابدّ أن تقسم العمليات التي تقوم بها في مجالاته، أو فروعه، أو أقسامه. ويستمد البيروقراطي سلطته من البنيان الخاص بالمؤسسة، ومن اللوائح والنظم التي تحدد له دوره.

3- صانع السياسة

قد يكون صانع السياسة أو راسمها مديراً إدارياً، واحتمالات بيروقراطيته ضعيفة، وغالباً ما يكون صانعوا السياسة في المؤسسات الكبيرة أعضاء في (مجالس الإدارة أو اللجان التشريعية)، وغالباً ما يكون المدير مستشاراً لصانعي السياسة. فإذا ما وضعت هذه السياسة قام بتنفيذها.

4- الخبير

يعمل الخبير كمستشار لصانعي السياسة وللمديرين، فهو متخصص في ميدان من الميادين، والمعلومات التي لديه لها قيمتها من ناحية الوظيفة التي تقوم بها المؤسسة. وقد يسهم في رسم السياسة والتخطيط، ولكن وظيفته في صلبها التعليق، والنقد، وإعطاء الخبرة الخاصة.

والقادة من الأنماط الثلاثة الأولى مسؤولون عن بلورة الأهداف أو تنفيذها أو كليهما. أما الخبير فهو غير مسؤول عمّا يقوم به الآخرون من نشاط.

5- العقائدي

القائد العقائدي مثله مثل الخبير، فهو رجل متخصص ولكن في الأفكار والمعتقدات بدلاً من التخصص في الأمور التكنولوجيّة والفنيّة. فالأنبياء، والمصلحون الدينيون، وأصحاب النظريات السياسية ممن أثّرت تعاليمهم في الملايين من الناس، هم من القادة العقائديين. ويمكن اعتبار معظم القادة بشكل ما قيادات عقائدية.

6- القائد الروحي

استخدم اليونان لفظة "كاريزما" للتدليل على هبة منحتها الآلهة للبعض، فاختصتهم بقوة تمكنهم من السيطرة على الغير، كالقدرة على الشفاء من الأمراض، أو بالقيام بمعجزات. فهي قوة سحرية أو غيبية. ثمّ أدخل ماكس فيبر هذا المصطلح في العلوم الاجتماعية ليصف به القادة الذين يلعبون بعواطف الجماهير. فإذا كان هؤلاء القادة من أصحاب العقائد، فيمكننا أن نتصور مدى جاذبيتهم للجماهير التي تحس بالضياع، وكأن القادة السحريّون في الماضي من أصحاب العقائد الدينية، إلا أنّهم غالباً ما يكونون في عصرنا الحالي من القادة السياسيين غير أنّ الإيمان بهم لا يقل في كثير من الأحيان عن الإيمان بأصحاب الرسائل الدينية. ويرى الكثير من العلماء أنّ المؤمنين المخلصين لهذه القيادات يؤمنون بها إيماناً أعمى لشعور عميق داخلي عندهم بالتفاهة والعجز، ويعطيهم تقمصم لزعامة روحية سحرية الشعور بالكفاية والذاتية. وأهم ما يميز هؤلاء القادة؛ هو قدرتهم على التلاعب بعواطف الجماهير والسيطرة عليها مما يؤدي بالأتباع إلى تقمصهم. ولهذه القيادات أخطار كثيرة، فقد تؤدي إلى ظاهرة عبادة الأفراد ويتحول الولاء من المبادئ إلى ولاء لهؤلاء القادة، وينتهي الأمر بإنحراف الجماعة عن أهدافها وقلق الصعوبات للقيادات التي تخنقها. وينبغي أن نشير إلى أنّ نجاح هؤلاء القادة مردّه وجود أوجه شبه بينها وبين الجماهير.

7- القائد السياسي

توجد في القائد السياسي صفات من معظم أنماط القادة السابقين، فهو صانع سياسة، وغالباً ما يكون عقائدياً، ولابدّ أن تكون فيه مسحة سحرية روحية، وهو تاجر أجاد المساومة، ولكي نفهم الساسة جيداً في سياق الواقع، لابدّ أن نسلم بأن الساسة في أي مكان يحققون أهدافاً لأنفسهم ولأصدقائهم ولمن يسيرون في ركابهم عن طريق المساومات وتبادل المنفعة.

8- القائد الرمزي

من أبعاد الدور الذي يمثله القائد أنّه ينوب عن جماعته في الدفاع عنها، ويمثلها فعلياً ورمزياً، فسفير أيّ دولة يتعامل مع الدول المضيفة على أنّه ممثل لبلده ولشعبها، وسفراؤنا في الخارج هم في الواقع رمزٌ للبلد ويعاملون في الخارج على أساس أنّهم يُجسدون كل الشعب وقيادته.

9- القيادة الأبوية

إن أول قادة نتعامل معهم في أول جماعة نعيش فيها هم الآباء في محيط الأسرة، فإذا انتقلنا إلى خارج نطاق الأسرة كان المعلمون ممثلين لدور الآباء، وكانت علاقة المدرسة بنا بديلة لعلاقتنا بالآباء. وقد تستمر هذه النزعة طيلة حياتنا فنرى في القادة وغيرهم من الأفراد خصائص أبوية معينة. هذا بالإضافة إلى أن أدوار القادة تشبه أدوار الآباء من ناحية الثواب والعقاب والتوبيخ والتأنيب والتشجيع والتوجيه. وكلّها جزء من الدور التقليدي للأب بالذات. وهناك نمطين من القيادة الأبوية، أحدهما النمط الذي يلوم ويؤنب ويعاقب ويتسلط، وهذا الدور يمثّل صورة الأب. والنمط الثاني هو الذي يعطي ويطعم ويأوي ويفهم ويعضد ويساند، ويمثل صورة الأم.

مراجع:

- بركات، فاتن: علم النفس الاجتماعي، دار الطليعة، 2007.





















































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

سحبان السواح

للتأكيد على توجهات موقع ألف أعيد هنا نشر افتتاحية العدد الأول من مجلة ألف 1991 وبعد نضال لاستمرارها بالصدور.. لم يفلح ولكن توجهاتنا ظلت كما هي *** لا انتماء لنا إلاّ لهذه...
المزيد من هذا الكاتب

علم الأسلوب المثالية الألمانية والتقاط الحدس

18-آذار-2017

السنن النفسية للأمم أصل العروق

22-تشرين الأول-2016

نماذج جنسية في القصة العربية

25-تشرين الثاني-2013

بلاغة الخطاب وعلم النص

10-تشرين الثاني-2013

السنن النفسية للأمم أصل العروق

02-تشرين الثاني-2013

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

البرازيل وأحمد دحبور

15-نيسان-2017

نون نسوتهن ضلع قاصر

08-نيسان-2017

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

31-آذار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow