Alef Logo
نص الأمس
              

"كتاب" البغال للجاحظ ج2

ألف

خاص ألف

2013-08-14

باب ذكر الانتفاع بالبغال في البريد


في الجاهلية والإسلام، وتعرف حقائق الأخبار، وأنها آلة من آلات السلطان عظيمة، ولابد للسلطان والملوك من تعرف الأخبار قيل لشيخ ذي تجربة: ما أذهب ملك بني مروان؟ قال: ما زال ملكهم قائماً حتى عميت عليهم الأخبار. وذلك أن نصر بن سيار، كان صاحب خراسان، قبل خروج أبي مسلم وقوة أمره، إلى أن قوي عليه حتى هرب منه. وذلك أنه، وإن كان والياً لأربعة خلفاء، فإنه كان مأموراً بمكاتبة صاحب العراق، وإن كان صاحب العراق لا يقدر على عزله، وقد كان يزيد ابن عمر يخاف أن يولي مكانه نصر بن سيار، أو مسور بن عمرو بن عباد، فاحتال لمسور، ولم تمكنه الحيلة في نصر، فكان إذا كتب إليه بالرأي الذي يحسم به من أسباب قوة المسودة كتب بذلك إلى يزيد فكان يزيد لا يرفع خبره ولا يمده بالرجال طمعاً في أن يهزم أو يقتل، ونسي يزيد أن غلبة أبي مسلم على خراسان سبب لغلبته على الجبال وإذا استحكم له ذلك، لم يكن له همة إلا صاحب العراق. فلما طوى أخبار نصر سد وجه الرأي والتدبير على مروان حتى كان الذي كان.
قالوا: ولما بلغ المأمون اختلاط من حال البريد وجه ثمامة بن أشرس ليتعرف له ذلك. فلما رجع إليه وسأله، قال: يا أمير المؤمنين تركت بغلاً على معلف كذا وكذا وهو يقرأ: " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " .
ومررت بسكة أخرى، فإذا بغل قد عدا على رجل عليه طيلسان أخضر يظنه حزمة علف، فعدا الرجل وعدا خلفه البغل، فصحت بالرجل: اطرح الطيلسان! فلما طرحه وقف البغل يشمه.
ومررت بسكة أخرى وإذا على المعلف بغل وإذا هو يغني:


ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل


ومما قالوا في شأن البريد وأصحابه قول ابن أبي أمية:


إن ابن شاهك قد وليته عملاً ... أضحى وحقك وهو مشغــــــــول
بسكة أحدثت ليست بشارعة ... من دونها غيضة في وسطها غيل
ترى قرانقها في الركض مندفعاً ... تجري خريطته والبغل مشكول


وقال دعبل في بعض رجال العسكر ممن كان ولي البريد:


ألا أبلغا عني الإمام رسالة ... رسالة ناء عن جنابك شـــــــــاحط
بأن ابن زيد حين يسحج شاحج ... يمر على القرطاس أقلام غالط
أحب بغال البرد حباً مداخلاً ... يكلفه إثباتها في الشرائـــــــــــــط
ولولا أمير المؤمنين لأصبحت ... أيور بغال البرد حشو الخرائط


وقال دعبل أيضاً:
من مبلغ عني إمام الهدى ... قافية للعرض هتــــــــــاكه
لهذا جناح المسلمين الذي ... قد قصه بوليك الحــــــــاكه
أضحت بغال البرد منظومة ... إلى ابن زيد تحمل الناكه


وذكر الفرزدق في مرثية وكيع بن أبي سود البرد فقال:


لتبك وكيعاً خيل ليل مغيرة ... تساقى المنايا بالردينيــــــــة السمر
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة ... دعوها وكيعاً والجياد بهم تجري
وبين الذي يدعو وكيعاً وبينه ... مسيرة شهر للمقصصــــــــة البتر


وقال ابن المعذل في جارية لبعض ولد سعيد بن سلم، وقد ولي البريد:
دهتك بعلة الحمام فوز ... ومال بها الرسول إلى سعيد
أرى أخبار دارك عنك تخفى ... فكيف وليت أخبار البريد
ولما فخم ابن غسطة عظيم الروم شأن ملكه، ثم قال للرسول: هل عندكم بعض ما تعارضوني به؟ قال: نعم، لملكنا أربعون ألف بغل موقوفة على إبلاغ رسائله وأخباره، من واسطة ملكه إلى أقطار سلطانه. فأفحمه.
يعني بغال البريد. قال هذا وحال البرد على غير هذه الحال، ولم يعرفوا توجيه الخرائط في الماء، وعلى أيدي الرجال.
وابن غسطة هو الذي ذكره سلم الخاسر في قصيدته التي مدح فيها الرشيد، قال:
منع ابن غسطة رأسه بخراجه ... ولقد يكون وما عليه خراج
قالوا: ولما رأى نصر أن يزيد بن عمر يميت أخباره، ليموت ذكره عند الخليفة كتب إليه:
أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ... وقد علمت بأن لا خير في الكذب
وكتب إليه:
أرى تحت الرماد وميض نار ... فيوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الــــــــــــكلام
فقلت تعجباً: ياليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيـــــــــــــــــــام
حدثني علي بن المديني قال: كان يزيد بن زريع إذا سمع أصحاب الحديث يخوضون في أبي حنيفة وفي كيف عظم شأنه بعد خموله، قال: هيهات! طارت بفتياه البغال الشهب! قالوا: ووجه معاوية لما كلموه في يزيد بن ربيعة بن مفرغ رجلاً مجرداً لإخراجه من السجن فخرج حتى أتى سجستان فأخرجه فبلغ ذلك عباد بن زياد فأرسل إلى حمحام، فلما رأى عهد معاوية كف وأقبل حمحام بابن مفرغ على بغلة من بغال البريد، وأنشأ ابن مفرغ يقول:
عدس ما لعباد إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
طليق الذي نجى من الكرب بعدما ... تلاحم في درب عليك مضيق
قوله: عدس ما لعباد عليك إمارة فزعم ناس أن عدس اسم لكل بغلة كمن وذهبوا إلى قول الشاعر:
إذا حملت بزتي على عدس ... على التي بين الحمار والفرس
فما أبالي من غزا ومن جلس
قالوا: وإنما قوله: عدس على مثل قول خالد بن صفوان حين فاخر اليمانية وقال: والله ما منهم إلا ناسج برد، أو سائس قرد، أو دابغ جلد، أو راكب عرد، غرقتهم فأرة وملكتهم امرأة ودل عليهم هدهد.
وقال أخرون: قولهم: عدس للبغلة مثل قولهم: سأسأ للحمار وحا للجمل وحل للناقة. ألا تراه حين سخر الأعرابي من صاحبه، وحين جهله قال:
يقول للناقة قولاً للجمل ... يقول حا ثم يثنيه بحل
قالوا: ألا ترون أن الفرزدق لما خلع لجام بغلته، وأشرعها في ثغاب مسجد بني أسيد، قال له جرنفش المجنون: نح بغلتك، جد الله ساقيك! قال الفرزدق: ولم عافاك الله؟ قال: لأنك زاني الكمرة، كذوب اللسان. فلما سمع ذلك منه ركب بغلته، وقال: عدس، كما يقال للفرس اجدم وللثور وح.

وقد ذكر امرؤ القيس البريد فقال:
ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكة ... سبقت الفرانق سبقا بعيدا
ومما قالوا: في البريد قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
طال ليلي وبت أسقي المداما ... إذ اتاني البريد ينعي هشاما
وأتاني بحلة وقضيب ... وأتاني بخاتم ثم قامـــــــــــــــــــــا
وذكر البريد الكميت في مديح أسماء بن خارجة فقال:
إذا ما مات أسماء بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء
ولا قام البريد بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النـــــــــساء
قيوم منك خير من رجال ... يروح عليهم نعم وشاء
وقال أيمن بن خريم الأسدي:
ركبت من المقطم في جمادي ... إلى بشر بن مروان البريدا
فلو أعطاك بشر ألف ألف ... رأى حقاً عليه أن يزيــــــــــدا
وقال آخر:
إذا ما بريد الشام أقبل نحونا ... ببعض دواهي الدهر سار فأسرعا
فإن كان شراً سار يوماً وليلة ... وإن كان خيراً قصد السير أربعا
سمعت أبا شعبة الأعمى المعبر، ونحن بالنهروان، سنة قدم الحسن بن سهل، وهو يقول لمويس بن عمران: اذكر لإخوانك هؤلاء رؤياك، وتعبيري لها.
قال: نعم، قلت لك: رأيت فيما يرى النائم كأني على بغل بريد، فقلت لي: تحم يومين وثلثي يوم، فكان كما قلت، فسألتك عن العلة، فقلت: لأن تشريف ذنب البغلة تشريفتان وثلثا تشريفة.
وقال الأصمعي: أرسل الحجاج إلى الجرمي المعبر يسأله عن رجل رأى كأنه على بغلة، وكأنه على شرف، وكأنه يستف تراباً فقال له: أما البغل فطول عمر، وأما الشرف فشرف من شرف الدنيا وأما التراب ففيء تأكله.
وقالوا: وسأل بعض المصريين الفراء المعبر، فقال: رأيت كأن معي درهماً بغلياً. قال: لست تمسي حتى تأكل شيئاً طيباً. فكان كذلك.
ثم أتاه بعد أيام فقال: رأيت فيما يرى النائم كأن معي درهماً بخياً. قال: لست تمسي حتى تضرب ضرباً وجيعاً! فكان كذلك.
فسأله عن العلة، فقال: الدرهم البغلي مكتوب عليه بالفارسية: " خش بخر " ترجمة هذه الكلمة: كل طيباً والدرهم البخي مكتوب عليه ضرب هذا الدرهم. وهما مختلفان.
وأنشد الحكم بن عبدل أسماء بن خارجة شعراً ذكر فيه أنه رآه في المنام فقال:


أغفيت قبل الصبح نوم مسهد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مغنوجة حسن علي قيامهـــــــــا
وببدرة حملت إلي وبغلة ... شهباء ناجية يصل لجامهــــــــــا


فدعوت ربي أن يثيبك جنة ... عوضاً يصيبك بردها وسلامها
قال أسماء: كل ما رأيته في النوم فهو عندنا كما رأيت، إلا البغلة فإنها دهماء! قال: أعتق ما أملك إن كان رآها إلا دهماء ولكنه غلط.
ومما اشتق من اسم البغل: الدرهم البغلي. وفي بني تغلب رأس البغل وهو رئيس من رؤسائهم وهو الذي كان إبراهيم بن هانئ الخليع نسب إليه.
وإذا كان الإنسان عظيم الرأس لقبوه: رأس البغل. والبغلات: جوار من رقيق مصر نتاج ما بين الصقالبة وجنس آخر والواحدة منهن يقال لها: بغلة ولهن أبدان ووثارة وحدارة.
ويروى عن بعض العراقيين: كنت عند قاضي مصر، وهو يقول لبعض جلسائه: عندي جارية أطؤها منذ حين، وقد اعتراني شبق، وأنا علي أن أشتري بغلة. قلت: وما تصنع ببغلة؟ قال: أطؤها وأصيب منها. فقلت في نفسي: هذا أمجن الناس وأحمقهم، يتكلم بهذا وهو قاض؟! ثم حكيت ذلك عند رجل من أهل مصر، فقال: عافاك الله، ما منا من أحد إلا وعنده بغلات ينيكهن! فتعجبت فلما رأى إنكاري ذلك، فسر لي معنى البغلة عندهم.
قالوا: وإذا عظمت المرأة، وعظم بطنها، قالوا: ما هي إلا بغلة وما رأس فلان إلا رأس بغل وما أيره إلا أير بغل، وما خلقه إلا من أخلاق البغال.
والمثل السائر: كأنه جاء برأس خاقان، ورأس الجالوت، ورأس الفاعوس ورأس الكيتبة والقبيلة.
فلذلك قال عمرو بن كلثوم:
برأس من بني جشم بن بكر ... ندق به السهولة والحزونا
وقال أبو المهوش الأسدي:
تراه يطوف الآفاق حرصاً ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
ورأس بن أبي الرأس القائد، مشهور معروف. ويقولون: هذا على رأس الثمام.

وبالشام موضع يقال له: بيت رأس تباع فيه الخمر ولذلك قال الشاعر:
مجاجة كرمة من بيت رأس
وبيت رأس بالشام مثل.... أبيات، وبيت لهيا.
ويقال: فلان رأس من الرؤوس. والرأس: رئيس السواس.
ومن سير الإبل سير يسمى: التبغيل، قال الراعي:
وإذا ترقصت المفاوز غادرت ... ربذاً يبغل خلفها تبغيلاً
والبغيلة: اسم ناقة كانت لجميل بن معمر ولذلك قال:
أضر بأخفاف البغيلة أنها ... حذار ابن ربعي بهن تحوم
ولذلك قال الرقاشي في صفة ناقة له تسمى سروة:
لعمرك ما البغيلة حين تغدو ... وصيدح حين تسرح في الرحاب
كسروة حين تذرع عرض خرق ... بعيد الآل مشتيه الظراب
ومما قالوا في البريد قال رجل من الأنصار عند ولاية عمرو بن عبد العزيز رضي الله عنه:


ثم جاء البريد يخبر أن ال ... قوم طراً لم يحرموا التوفيقا
من سكون وألفة واجتماع ... لم يفارق منهم فريق فريـــقا
قلدوا الأمر سيد الناس كل ال ... ناس نفساً وأسرة وعروقا
من أبوه عبد العزيز بن مروا ... ن ومن كان جده الفاروقا
وقال ابن أذينة الليثي:
أتانا البريد التغلبي فراعنا ... له خبر شف الفؤاد فأنعمــــــــــــــــــا
بموت أبي حفص فلا آب راكب ... بموت أبي حفص أخب وأرسما
وذكر يزيد بن معاوية البريد، فقال:
جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعـــا
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم ... قالوا: الخليفة أمسى مدنفاً وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أغبر من أركانها انقلعـــــا
وقد كان أيضاً بالكوفة نتاج بين الخراسانية والهنديات، وكان أملح وأحسن قدوداً من البغلات اللواتي بمصر، وكانت ألوانهن تجيء ذهبية، لها حلاوة الهندية، وروعة الخراسانية.
وكذلك مطهمات جواري الكوفة، زرقاً تجدهن، إلا الواحدة بعد الواحدة، وإنما الثمينات المرتفعات، والغوالي الخطيرات بصريات، مثل عجوز عمير، ومتيم، وبذل، وغريب، وبذل: جارية المراكبي، وشارية: جارية إبراهيم بن المهدي وزرياب الكبرى، وعساليج: جارية الأحدب، وفضل: جارية العبدي. وقيل هذا سلسل وأشباه سلسل.
وبرد كتب الملوك كانت تختلف ما بين فرغانة القصيا إلى السوس الأقصى، وكانت البرد منظومة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز، وأيام قتل مسروق، عظيم الحبشة. وكذلك كان عظيم الروم. قال امرؤ القيس:
ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكة ... سبقت الفرانق سبقاً بعيدا


وكذلك كانت برد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان وإلى آبائه. وكذلك كانت برده إلى البحرين: إلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى مشكاب، وإلى المنذر بن ساوى، وكذلك كانت برده إلى عمان، إلى الجلندى ابن المستكبر. فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببرده، إلا ما كان من ناحية الشام، فإن تلك الناحية من مملكة خثعم وغسان إلى الروم، إلا أيام غلبت فارس على الروم. ولذلك صرنا نرى النواويس بالشامات إلى قسطنطينية.
وهل كانت برد كسرى إلى وهرز، وباذام، وفيروز ابن الديلمي، وإلى اليمن، وإلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى النعمان بالحيرة، إلا البغال؟ وهل وجدوا شيئاً لذلك أصلح منها.
ومما ذكروا به شأن البغال في الشعر وغيره، قول الشاعر:
جعل ابن حزم حاجبين لبابه ... سبحان من جعل ابن حزم يحجب
وعجبت أن ركب ابن حزم بغلة ... وركوبه فوق المنابر أعجـــب
وقال أعشى همدان في خالد بن عتاب بن ورقاء، وكنية خالد أبو سليمان اكتنى بكنية خالد بن الوليد، فقال:
تمنيني إمارتها تميم ... وما أمي بأم بني تميــــــــــــــــم
وكان أبو سليمان خليلي ... ولكن الشراك من الأديــــــم
أتينا أصبهان فهزلتنا ... وكنا قبل ذلك في نعيــــــــــــــم
أتذكرنا ومرة إذ غزونا ... وأنت على بغيلك ذي الوشوم
ويركب رأسه في كل وهد ... ويعثر في الطريق المستقيم

وليس عليك إلا طيلسان ... نصيبي وإلا سحق نيـــــــــــم
وكان عكرمة بن ربعي التيمي، الذي يقال له الفياض، يعجب ببغلة عنده، وكان على شرط الحجاج، وكان لا يأتي الحجاج في موكبه مع الأشراط والوجوه إلا عليها وفيها يقول عكرمة:
لم أر شيئاً بين شيئين مثله ... أشد انتزاعاً للتشابه في الأصل
تقسمه أطرافه فاستزالها ... بقسمة عدل من يدي حكم عـــدل
وأنشد أبو زيد النحوي:
فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح

باب الخلق المركب

وقال أصحاب البغال: لا نعلم شيئاً من الحيوان ركب بين شيئين نزع إليهما نزعاً سواءً لا يغادر شيئاً غير البغل، فإن شبه أبويه عليه بقسمة عدل، وقد ذكر ذلك محمد بن يسير في شعره طلب فيه من مويس بن عمران بغلة لرحلة فقال:
اضمم علي مآربا قد أصبحت ... شتى بداد شتيتة الأوطــــــان
بزفوف ساعات الكلال دليقة ... سفواء أبدع خلقها أبــــــــوان
لم يعتدل في المنصبين كلاهما ... عند التناسب منهما الجنسان
إلا تكن لأب أغر فإنها ... تنمي إلى خال أغر هجـــــــــــــــان
نزعت عن الخيل العتاق نجاءها ... منها، وعتق سوالف ولبان
ولها من الأعيار عند مسيرها ... جد وطول صبارة ومران
قال ذلك لأن حافر العير أوقح الحوافر، فأعطاه أبوه من الخصلة التي بها من سائر الحوافر.
قالوا: وليس في جميع الخلق المركب مثل الراعبي، الذي هو من نتاج ما بين الورشان والحمام: لم يأخذ من هداية أمة شيئاً، ولم يكن يعطه أبوه من طول عمره شيئاً.
ومن المركب: السمع، والعسبار. وكما تحكي الفلاسفة والمجربون عن الكوسج، واللخم والدجاج الخلاسي، من بين النبطي والهندي. وإذا كان مثل ذلك بين البيضاء والحبشي فهو خلاسي، فإذا كان بين البيضاء والسندي فهو بيسري. وكذلك الخلاسي من الكلاب الذي بين الكردي وبين السلوقي.
ومثل الجمازات التي تجيء بين فوالج البخت وقلاص العراب، ومثل البرذون الشهري من الرمكة والفرس العتيق.
قالوا: فليس يعتدل في شيء من ذلك الشبه، كما يعتدل في البغل. ولذلك قال الشاعر السواق، وهو إبراهيم مولى المهالبة:
تساهم فيه الخال والعم مثلما ... تساهم في البغل الحمارة والطرف
فزعم في هذا الشعر أن هذا البغل أبوه فرس وأمه أتان. وهذا خلاف ما رواه أبو عبيدة وأنشد أبو عبيدة:
وشاركها في خيمها وهو راغم ... كما شاركت في البغل عيراً حجورها
لأنهم يقولون: إذا كانت الأم رمكةً، خرج البغل وثيجاً قوياً عريضاً، وإذا كانت الأم حجراً خرج البغل مسلكاً، طويل العنق، وفيه دقة.
وذكر عن بعض الناس أنه شتم بعض الأشراف فقال: عجبت لقوم إذا قيل لهم: من أبوكم؟ قالوا أمنا فرس.
قالوا: فلما ألح عكرمة في ركوب ذلك البغل إلى باب الحجاج، كتب إليه بعض بني عمه، يرد عليه امتداحه البغل باستواء الشبه فيه، ويخوفه بالحجاج إن ارتفع إليه في الخبر أن صاحب أشراطه يأتي بابه في فرسان أهل العراق والشام ووجوههم على بغل.
وقال في كلمة له:
فكيف بغرمول وعمر سوى الذي ... يكون لعير الأهل والفرس الفحـــل
ورأس يجوز الخال والعم بعد ما ... تحول شحاجاً خلافاً على الأصــــل
وليس شحيج البغل من عزف ناهق ... وقد باعد الله الشحيج من الصهل
متى كان ذو الأشراط يركب بغلة ... ويترك طرفاً ذا تمام وذا نبـــــــــل
عذيري من الحجاج إن ذاكر نعى ... عليك ركوب البغل في ساعة الحفل
فما لك تجتاب الهويني مهملجاً ... إلى باب حجاج على المركب الــــرذل
أعيذك بالرحمن من زي تاجر ... شقي لئيم الكسب ذي خلق نــــــــــــذل
بغيض إلى جاراته وبناته ... وعرس له عرجاء بارزة الرحــــــــــــــــل
إذا زاره منهم شقي لحاجة ... توثق من باب الخزانة والقفــــــــــــــــــــل
وأنت امرؤ تندي بنانك باللهى ... إذا ساء ظن الناس في الزمن المحــــل
بقية أشياخ كسوك ثيابهم ... وأنت ولي القوم في البأس والبــــــــــــــــذل


ولما قال الحكم بن قنبر في قصيدته في البغل، وفيما يصلح له، ويرتفق به منه، وفيها يقول:
وفي الرداغ، فإن الوحل مزلفة ... وفي الطحين، وفي الحاجات والرحل
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري والحكم بن قنبر مازني وكان الحكم قد عظم شأنه في بني تميم، حتى كان يصلي على جنائزهم فلما لج في رأي الشعوبية وقال في ذلك الأشعار ضربته بنو مازن وهم مواليه، فلما ألحوا عليه في الضرب، نادى: يا آل تميم! فقال إعرابي:
يدعو تميماً، وتميم تضربه ... تلطمه طوراً، وطوراً تركبه
وقال مسلم بن الوليد:
تركت الخيل والخيل معقل ... وأصبحت في وصف البغال الكوادن
حننت إليها رغبة في أيورها ... فدونك أير البغل يا عبد مـــــــازن
وبغلته ودابته، قال بعض الشعراء يخاطب دابته:


فهبيها ليلة أدلجتها ... فكلي إن شئت تبنــــــاً أو ذري
قد أتى مولاك خبز يابس ... فتغذي وتعزي واصبري
وقال آخر:
بت ظمآن وباتت بغلتي ... تشتكي الخلوة في بيت عمـــــــــر
صمت يا بغلة من غير تقي ... أبشري بالصوم في شهر صفر
وقال آخر:
وإني إذا ما المرء آثر بغله ... على نفسه آثرت نفسي على بغلي
وأبذله للمستعيرين لا أرى ... له علة ما دام ينقاد في الحبــــــل
وقال آخر:
أيا منزلي مالي عليك كرامة ... إذا أنت لم يكرم عليك جوادي
وقال دعبل:
أتيت ابن عمران في حاجة ... هوينة الخطب فالتاثهـا
تظل جيادي على بابه ... تروث وتأكل أرواثهــــــــــا
غوارث تشكو إلي الخلا ... أطال ابن عمران إغراثها
وقال ابن حازم:
وخليت برذوني يلوك شكيمه ... خليطاه نعف دارس وطلول
وقال سهل بن هارون: بعثت وأنا صبي إلى جار لنا أستعير منه بغلاً، فزعم أنه مبطون، فغبرت أياماً، ثم كتبت إليه:
نبئت بغلك مبطوناً فزعت له ... فهل تماثل أو نأتيه عوادا


***

باب عمر البغل وسائر المخلوقات


قال أهل التجربة: ليس في جميع الحيوان الذي يعايش الناس، أطول عمراً من البغل، ولا أقصر عمراً من العصفور، وظنوا ذلك لكثرة سفاد العصفور، وقلة ذلك من البغل.
قالوا: ولذلك وجدنا طول الأعمار في الرهبان وأصحاب الصوامع خاصة، وفي الخصيان عامة. ولذلك قال الراجز:
أحب أن أصطاد ضباً سحبلاً ... وخرباً يرعى ربيعاً أرملا
فجعله أرمل ليكون أقوى له وأسمن.
قالوا: وقال معاوية: ما رأيت رجلاً قط يستكثر من الجماع، إلا رأيت ذلك في منته.
وقال معاوية: كل خصال الشباب قد كان فيّ، إلا أني لم أكن نكحة، ولا صرعة، ولا طلعة، ولا ضحكة، ولم أك سباً.
قالوا: والبغل أطول عمراً من كل شيء من الحيوان، مما يعايش الناس في دورهم.
قالوا: وكل شيء ينتج ويولد ويتربى في منازل الناس، من طائر وسبع وبهيمة، إذا تحول صاحب الدار، لم يتحول معه منها شيء، وآثرت الأوطان على صاحب الدار، إلا الكلب، فإنه يؤثره على وطنه، ويموت دونه، ويصبر على جفائه وإقصائه.
وأنشد إبراهيم بن داحة لرجل ذهب عني اسمه، قصيدة وصف فيها أعمار الحيوان التي تعايش الناس، فقال لأخيه:
عزمت على ذم البعير موفقاً ... وأن ليس في المركوب أجمع من بغل
وأن اقتناء الإبل موق وحرفة ... يبيت على يسر ويغدو على ثكـــــــــل
وبين المنايا والبراذين نسبة ... وكل نتاج الناس خير من الإبــــــــــــــل
وقلت وشاهدت البغال وغيرها ... فأحمدتها في العمر والهرم المبلـــــي
وليس لها بذخ الخيول وكبرها ... ولا ذلة العير الضعيف عن الرحـــــل
ومؤنته في الصيف والشتو واحد ... ولا خبر في المؤنات من حامل الكل
ولا تركب الأرماك والحجر دونها ...لدى المصر والبغلات تركب كالبغل
وقد فرق الرحمن بين شكولها ... كا بين عير الوحش والآخر الأهــــــلي
وفي البغل في كل الأمور مرافق ... ومركب قاض أو شيوخ ذوي فضل

فيركبها والخيل محدقة به ... ويؤثرها يوم المباهاة والحفــــــــــــــــــــــل
وقد جاوزت في السوم كل مثمن ... من الرائع المنسوب والجامل الــبزل
يفوت هماليج البراذين سيرها ... على قحة الأعيار من شبه النجــــــــــل


***

باب ركوب البغلة والطمع في القضاء


ونحن بالبصرة إذ رأينا الرجل يطلب الرأي، ويركب بغلاً، ويردف خلفه غلاماً قضينا بأنه يطمع في القضاء قال ابن الممزق:
إذا ركب الشيخ الشريف بغيلة ... وناظر أهل الرأي عند هلال
فذاك الذي يبغي القضاء بسمته ... ........الذئب أم غــــــــزال
فإن أردف العبد الصغير وراءه ... فويل لأيتام وإرث رجــــال
وإن ركب البرذون واشتد خلفه ... فصاحب أشراط وحمل إلال
وقال ابن مناذر في واحد من هذا الشكل
رأيت أبا موسى يغر بسمته ... ويقسم في الجيران كر طعـــام
ويخدعهم والله غالب أمره ... بقد كقد المشرفي حســــــــــــام
يريد قضاء المصر والمصر منكر ... لكل مراء مهتر بغـــلام
ببشر وسمت واكتئاب وخشعة ... وكثرة تسبيح ولين كــــــلام
ويركب بغلاً ثم يردف خلفه ... غلاماً كما أبصرت شق جلام
يريد هلالاً لا يحاول غيره ... وقدماً سما للرأي غير مــــــــام
سواء لذي الرأي الشريف وغيره ..إذا كنت ذا حفظ فلج بسلام
يصير فقيهاً في شهور يسيرة ... فيالك حفظاً لم يشب بــــغرام
ولو كان خيراً كد... ... كما كد ذا الآثار بعد مــــــــــــــــــرام
وما ضر سلماناً وكعباً وبعده ... شريحاً وسواراً ورهط هشـام
وياساً وياساً والغلابي بعده ... ألاك الأولى كانوا نجوم ظــلام
وما عرفوا النعمان... ... ولا زفر المسقي صوب غمـــــــــام
لقد تاب مما أحدث القوم توبة ... لساعة إخلاص ووقت حمام


قالوا: ويشبهون الأسد بالبغل، إذا كان الأسد تام الخلق. قال نهشل بن حري:
وما سبق الحوادث ليث غاب ... يجر لعرسه جزر الرفاق
كميت تعجز الخلعاء عنه ... كبغل السرج خط من الوثـاق
وقال أبو زبيد الطائي:
من الأسد عادي.... بصوته ... رءوس الجبال الراسيات...
كأن اهتزاز الرعد خيط بجوفه ... إذا جر فيه الخيزران المعتر
فأبصر ركباً رائحين عشية ... فقالوا: أبغل مائل الرجل أشـــقر
أم الليث؟ فاستنجوا .... ... فهذا ورب الراقصات المزعـــــــفر
ولأبي زبيد مثلها في قصيدته التي ذكر فيها شأن كلبه، وشأن الأسد، فقال:
فجال أكدر مشتالاً كعادته ... حتى إذا كان بين البئر والعـــــــــــطن
لاقى لدى ثلل الأطواء داهية ... أسرت وأكدر تحت الليل فــي درن
إلى مقابل خطو الساعدين له ... فوق السراة كذفرى الفالج الـــغضن
رئبال غاب فلا قحم ولا ضرع ... كالبغل حط من المحلين في شطن


***


باب تأثير البيئة في الحيوانات


وزعم نا س من العلماء أن الحمير الأخدرية، وهي أعظم حمير الوحش وأتمها، زعموا أن أصل ذلك النتاج أن خيلاً لكسرى توحشت، وضربت في العانات، فكان نتاجها هذه الحمير التي لهـــــا هذا التمام.
وقال آخرون: الأخدرية هي الحمر التي تكون بكاظمة ونواحيها، فهي كأنها برية بحرية.
قالوا: ولا يجيء، فيما بين الخيل والحمير إلا البغال، وليس للبغل نسل يعيش، ولا نجل يبقى، فكيف لقحت هذه الأتن من تلك الخيل حميراً، ثم طبقت تلك الصحارى بالحمر الخالصة؟.

وقالوا: كان الملك من الأكاسرة إذا اصطاد عيراً وسمه باسمه، وبيومه الذي اصطاده فيه، وأطلقه، فإن تهيأ أن يصطاد ذلك العير بعينه ملك من بعده، وسمه مع وسم الملك الذي قبله بمثل تلك السمة وخلاه يذهب، فكان هذا الصنيع بعض ما كانوا يعرفون به حمير الوحش. فعسى أن تكون هذه الحمير أو بعضها صار في ذلك الصقع الذي هذا صفته، فإن للماء والتربة والهواء في هذا عملاً ليس يخفى على أهل التجربة.
وكل عربي بخراسان أصهب السبال، أحمر اللون، مفطوح القفاء، فإن الأعرابي الذي انتقل إلى ما هناك كان على ضد ذلك.
وقد رأينا بلاد الترك، فرأينا كل شيء فيها تركياً. ومن رأى دوابهم وإبلهم علم أنها تركية. وحرة بني سليم التي جمع طيرها، وسباعها وهوامها وأهلها كلهم سود. وهذا كثير جداً.
وقد نرى جراد البقل وديدانه خضراً، ونرى قمل رأس الشاب الأسود الشعر: أسود، ونراه في رأس الشيخ الأبيض الشعر: أبيض، ونراه في رأس الخاضب بالحمرة. أحمر نعم حتى إنك لترى في القملة شكلة إذ كان خضاب الشيخ ناصلاً.
وهكذا طبع الله الأشياء.

***

باب سفاد البغل وسائر الحيوانات


قال أبو شراعة:
أير حمار في حر أم شعري ... وأير بغل في حر أم قدري
لو كنت ذا مال دعاني السدري
وقال أبو فرعون:
أير حمار في حر أم عدنان ... وأير بغل في حر أم قحطان
ما الناس إلا نبط وخوزان ... ككهمس أو عمر بن مــهران
ضاق جرابي عن رغيف سلمان
وأنشد:
وعظم أير بغل في رهز فرس ... وطول دحس جمل إذا دحس
والمذكور بطول الكوم: الخنزير، والورل، والذباب، والجمل.


وأنشد:
وما الخنزير والورل المذكى ... ولا كوم الذباب ككوم بشر
والعصفور وإن كان كثير عدد السفاد فإن الإنسان أكثر منه إذا حصلت الأمور، لأن الإنسان إذا كان يهيج الليل والنهار، والصيف والشتاء، فليس ذلك لشيء غيره، ويطأ الحبالى ويريدها وتريده.
وقيل لشيخ أعرابي: امرأتك حبلى؟ فقال: لا والذي في السماء بيته، ما لها ذنب تشتال به، لا أتيتها إلا وهي ضبعة.
ومن النوادر في غير هذا، قال مسعدة: قيل لأبي القماقم بن بحر السقاء: ويحك! متى دخلت بامرأتك؟ ومتى حبلت؟ وإنما كان هذا أمس! قال: كان الإناء ضارياً.
وقيل لحفص مولى البكرات: بامرأتك حمل؟ قال: شيء ليس بشيء!.
وقال ابن النوشجاني: جئت من خراسان ، فسرت في بعض الصحارى في غب مطر، فكنت قد أرى في الطين الذي قب آثار أرجل البهائم والسباع الميل والميلين، وكنت لا أزال أرى آثر دابة لها ست أرجل، فلما طال ذلك علي سألت الجمال أو المكاري فقلت: ويلك تعرف دابة لها ست أرجل؟ وأشرت بيدي إلى تلك الآثار.
فقال: إن الخنزير طويل المكث في سفاده وربما مكث على الخنزيرة طويلاً وهي ترتع، ويداه على كتفيها ورجلاه خلف رجليها فلا يكاد أن يقضي وطره إلا بعد أن يقطع من الأرض شيئاً كثيراً فمن هناك ترى ست قوائم.
وقال الفرزدق في هجائه عمر بن يزيد الأسيدي وكان طلب منه وقر بغل رطبة، فلم يفعل فقال:


يا عمر بن يزيد إنني رجل ... أكوى من المس أقفاء المجــانين
يا ليت رطبتك المهتز ناضرها ... كانت أيور بغال في البساتين
حتى تحبل منها كل كوسلة ... قنفاء خارجة من أوسط الطيـــن
وقال آخر:
عراد، إن كنت تحبين الغزل ... والنيك حتى تأجميه والقبـل
فإن عمراً قد أتاك أو أظل ... يحمل أيراً مثل جردان الجمل
لو دس في متن صفاة لدخل
قال: نرى أنه إنما أراد الصلابة.
وقالوا: أير الثور أطول وأصلب.
قال صاحب البغل: ليس بأطول ولو كان أطول كانت البقرة لا تقف للثور، وإنما يكومها وهي تعدو، وهو لا يدخل قضيبه في حياء البقرة، والبغلة تقف للبغل، وتطلب ذلك منه، لسوس شديد، وإرادة تامة.
وقال صاحب الثور: إن أصل غرمول البغل لا ينطبق على ظبية البغلة كانطباق أير الرجل على فرج المرأة حتى لا يبقى منه قليل ولا كثير، ويفضل من أير البغل نحو من نصفه، وذلك أن مقاديم أيور الحافر فيها الإسترخاء، وأصولها لا تصير إلى أجواف الإناث، وإنما يصل من الصلب المتوتر مقدار نصفه فقط. والثور أول قضيبه وآخره عصب مدمج، وعقب مصمت، وأنت تقر أنها لو وقفت لخرقها.

والبقرة في وقت نزو الثور عليها كأنها تكرهه.
قال صاحب البغل: أليس قد أقررت أنه وإن كان في غاية الصلابة، أنه إنما يدخل فيها بعض قضيبه، وهذا المفخر إنما هو للإنسان. قال: رأيت ثوراً نزا على بقرة، فأخطأ قضيبه المسلك، فمرت البقرة من بين يديه، ومر قضيبه على ظهرها، فما كان بين طرفه وبين سناسنها إلا القليل. وفي رأسه عجرة، ودون ذلك تخصر قد دق جداً.
قال بعض الشعراء، وهجا معلم كتاب:
كأنه أير بغل في تهكمه ... وفي الصرامة سيف صارم ذكر
قالوا: وشكت امرأة مؤرج الأزدي عظم أير زوجها إلى الوالي واسمها خوصاء فقالت:
إني أعوذ بالأمير العدل ... من منتن خبيث وغل
يحمل أيراً مثل أير البغل
ويقال لأير الإنسان: ذكر، وأير.
وجردان الحمار والبغل وغرمولها والجمع: جرادين وغراميل.
ويقال: نضي الفرس، ومقلم البعير. ووعاء مقلمه يقال له: الثيل. ووعاء الجردان وجميع الحافر يقال له: القنب.
ويقال قضيب التيس، وقضيب الثور، وعقدة الكلب.
وتقول العرب: صرفت البقرة فهي صارف، وسوست البغلة.
ويقال: هي امرأة هدمى، وغلمة. وقال أكثر العلماء: ما يقال مغتلمة. وشاة حرمى وناقة ضبعة، وفرس وديق وكلبة مجعل.
ويقال: حر المرأة، والفرج، وظبية الفرس، وكذلك من الحافر. وحياء الشاة، وكذلك من الخف كله. وثفر الكلبة، وكذلك من السباع كلها. وتستعير الشعراء بعض هذه من بعض، إذا احتاجت إلى إقامة الوزن.
فإذا حملت الشاة فهي: حامل، والبقرة كذلك، والفرس عقوق، وكذلك الرمكة. والأتان جامع، وبغلة جامع. وكلبة مجح، وكذلك السباع.
ويقال: إن أكبر الأيور أير الفيل، وأصغرها أير الظبي، وليس في الأرض حجم أير ظاهر في كل حال، إلا إير الإنسان والقرد والكلب.
وأما البط فقضيبه يظهر عند القمط. وأطول أيور الناس ما كان ثلاثة عشر أصبعاً.
ورووا عن ابن لجعفر بن يحيى كان صيرفياً وقد كان ولاه المأمون طساسيج عدة، أنه خرج من الدنيا وما كام امرأة قط.
وخبروا عن أبي زيد الكتاف وتأويل الكتاف أنه كان ينظر في الأكتاف وهو إفريقي وكان هرثمة قدم به على الرشيد، يعجبه من كبر خلقه وعظم بدنه، فرأيت ناساً زعموا أنه قال: غبرت طول عمري لا أقدر على امرأة تحتمل ما عندي، حتى دللت على امرأة، فلما دخلت بها أدخلت من أيري قدر نصفه، وقلت في نفسي: هي وإن احتملت نصف الطول فإنها لا تحتمل الغلظ! فلما لم أرها توجعت منه زدتها، ثم زدتها حتى أدخلته، ثم قلت لها: قد دخل كله، فتأذنين في إدخاله وإخراجه؟ قالت: وقد دخل منه شيء بعد؟!.
وقال أبو السري بكر بن الأشقر: بلغني أنها قالت له: سقطت بعوضة على نخلة، وقالت للنخلة: استمسكي فإني أريد أن أطير! فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك، فكيف أشعر بطيرانك؟!.
قال: وذم رجل البغل، فقال: لا لحم ولا لبن، ولا أدب ولا لقن، ولا فوت ولا طلب، إن كان فحلاً قتل صاحبه وإن كانت إنثى لم تنسل.
وكل مركب من جميع الأجناس له نجل غيره، كالبخت بين العراب والفوالج، وكالراعبي من بين الحمام والورشان، وكالإبل منها الصرصراني والبهواني، وهما اللذان أبوهما عربي وأمهما بختية، وهو من أقوى الإبل على الحمل وأشدها سيراً على قبح خلقته، وسماجة في مقاديمه، وكالشهري والهجين.
وإذا صرت إلى البغال، صرت إلى سوس في الأنثى لا ينادى وليده، وإلى غلمة في الذكر لا توصف، ثم هي مع هذا لا تتلاقح.
وزعم أهل التجربة أن الكوم الذي يخلق الله تعالى منه الولد من بين الرجل والمرأة، أن سبب التلاقح ما يحضرهما من إفراط الشهوة في ذلك الكوم فإذا أفرطت الشهوة دنت الرحم وانفتح المهبل وهو فم الرحم، فتصير تلك النطفة أكثر وأحد، فيصير زرق الإحليل ومجه لها أبعد غاية.
وقال أهل التجربة: قل ما تلقح منهن امرأة إلا لرجة.
والبغلة والبغل يعتريهما من الشبق ما لا يعتري إناث السنانير، ثم هي مع ذلك لا تتلاقح، فإن لقحت في الندرة أخدجت.
وقال الشاعر في سوس البغلة:
وقد سوست حتى تقاصر دونها ... هياج سنانير القرى في الصنابر
وذلك من عيوبها.

قالوا: ولم تأخذ صهيل الأخوال، ولا نهيق الأعمام، وخرجت مقادير غراميلها عن غراميل أعمامها وأخوالها. فإن زعمتم أن أعمارها أطول ، فعيوبها أكثر، وأيام الإنتفاع بها أقل، وباعتها فجر، والخصومة معهم أفحش وخسرانها يوفي على أضعاف ربحها وشرها غامر لخيرها.
ومما تخالف أخلاق سائر المركوبات: أنك إذا سرت على الإبل والخيل والحمير والبقر، في الأسفار الطوال، في سواد ليلك، إلى انتصاف نهارك، ثم صارت إلى المنزل عند الإعياء والكلال طلب جميع المركوبات المراعي والأواري، وأخرجت البغال بعقب ذلك التعب الطويل، أيوراً كجعاب القسي، تضرب بها بطونها وصدورها، حتى كأنها تتعالج به من ألم السفر.
وكل دابة سواها إذا بلغت لم يكن لها همة إلا المراغة والربوض، والأكل والشرب.
وهي مع ذلك من أغلم الدواب، وأبعدها من العتق والم نجد عظم الأيور في جميع الحيوان في أشراف الحيوان إلا في الفرط، وذلك عام في الزنوج والحبشان وتجده في الحمير والبغال.
قالوا: وأير الفيل كبير، ولم يخرج من مقدار بدنه.
ولعمري إن الرجال ليتمنون عظم الأيور كما تتمنى النساء ضيق الأحراح.
قال محمد بن مناذر وأبو سعيد راوية بشار قالا: ضحك بشار الأعمى يوماً ونحن عنده بعد أن أطال السكوت، فقلنا: ما الذي أضحكك يا أبا معاذ؟ قال: أضحكني أنه ليس على ظهرها رجل إلا وبوده أن أيره أكبر مما هو عليه، ولا على ظهرها امرأة إلا وبودها أن حرها أضيق مما هو عليه. فلو أعطى الله الرجال سولهم في العظم وأعطى النساء سولهن في الضيق، لوقع العجز وبطل التناكح وبطل ببطلان التناكح التلاقح، وهذا لطف من ربك.
قالا: وقال لنا يوماً ونحن جماعة: أتدرون أي الرجال يتمنون ضيق الأحراح، وأيهم يتمنى سعتها؟ قلنا: لا. قال: إنما يتمنى السعة كل ردي النعظ. مسترخي عصب الأير، وإنما يتمنى الضيق كل متوتر شديد النعظ.
قال: وذم آخر البغل، فقال: عظيم الغرمول، كبير الرأس، عقيم الصلب قبيح الصوت، بطيء الحضر، مهياف إلى الماء، متلون الأخلاق، كثير العلل، فاجر البائع قتال لراكبه، شديد العداوة لرائضه، حرون عند الحاجة. والحران إليه أسرع، ودواؤه أعسر. إن كان أغر كان سمجاً، وإن كان محجلاً كان مشوماً. ولم يتواضع الملوك والأشراف بركوبه لإفراط نذالته، ولا ركبه الرؤساء في الحرب إلا لظهور عجزه.
وفي الأنبياء راكب البعير، وراكب الحمار. وكل ذي عزم منهم فركاب خيل مرتبط عتاق، وليس فيهم راكب بغل وإنما كانت بغلة النبي صلى الله عليه وسلم هدية من المقوقس، قبلها على التألف، وعلى مثال ما كان يعطي المؤلفة قلوبهم. ولم يجعلها الله شرى ولا تلاداً ولا هدية سلم.



نهاية الجزء الثاني

ألف / خاص ألف /

يتبع ....
























































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

صِرْتِ فِيَّ وصِرْتُ فيكِ،

14-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

هَلْ تسمحونَ لِي بِالخُروجِ عنِ المألوفِ.؟ فَلا أتفلسفُ، ولا أخوضُ غِمارَ معاركَ دونكيشوتيَّةٍ، لم تأت يوماً بنتيجة، ولَنْ تأتيَ سوى بتخديرِ الألمِ فينا.!. لمْ أعتقدْ يوماً بِأَنَّني - بِمَا أكتبُهُ...
المزيد من هذا الكاتب

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج4 المؤلف : الخطيب القزويني

14-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج3 المؤلف : الخطيب القزويني

07-تشرين الأول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج2 المؤلف : الخطيب القزويني

30-أيلول-2017

كتاب : الإيضاح في علوم البلاغة ج1 المؤلف : الخطيب القزويني

23-أيلول-2017

مفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي / إعداد : ليث زيدان

23-أيلول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الحرب هي الحرب

16-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow