Alef Logo
مقالات ألف
              

ليلة القدر .. واجتماع الأبالسة !!

أحمد بغدادي

خاص ألف

2013-08-07

لم تكن منابر دمشق وقاعاتها في شهر رمضان قبل اغتصاب الطاغية الكبير ومن ثمّ ــ فرخه ــ ونظامه المجرم سورية، إلا منابر وقاعات يشهد لها الناس في الشام بالأجواء الروحية والمنيرة بتراتيل الآيات ووجوه الحاضرين من شيوخ ومريدين وساجدين وساجدات. فإن رجعنا إلى كل جوامع سورية وخاصة ً في دمشق، نرى كل فرض صلاة أو خطبة جمعة و درس في جامع أو معهد و قاعة وغير ذلك من الأماكن الدينية، أن لابدّ من وجود رجل أمن مختص برفع التقارير اليومية إلى الجهة المخابراتية التي يعود إليها انتماؤه، عداك عن التوجيهات التي يتلقاها خطباء الجمعة من الجهات الأمنية ضمن محظورات يجب على الخطيب ألا يتجاوزها، ويجب عليه في آخر الخطبة أن يُثني ويدعو للقائد ــ البطل ــ بطول العمر وصلاح الأمر!!.

لقد حاصر النظام بعد مجازر الثمانينات في حماة وجسر الشغور حركة الإخوان المسلمين كما سمّـاها، مُخْـفياً عن الجميع أن هناك ثورة قامت ضده في تلك المناطق وأيضاً في دمشق كذلك لأسباب تعود لعدم وجود إعلام في تلك الحقبة، وبدأ بتضييق الخناق على الناس وجرّهم أحياناً إلى أفرع الأمن للتحقيق معهم لمجرد أن شخصاً يرتاد الجوامع في كل فرض، أو يطلق لحيته، أو يذهب إلى الدروس الدينية!؛ ومن هنا أتت الرقابة على الجوامع وأماكن العبادة من معاهد أو بيوت تقام فيها الطقوس الدينية كالموالد أو دروس في القرآن وأحكامه وغير ذلك من علوم القرآن. إذ بدأ الناس يتخوفون من التجمعات الدينية ويفضلون اللقاءات السرّية أو التجمعات الدينية وخاصةً في مسألة الدروس والعظة داخل البيوت، فاستعان النظام بأجهزة المخابرات و

( كلاب بشرية ) لها حاسة شمّ قوية وأعين في كل مكان ضمن مدن سورية وركّز على الأحياء الدمشقية، بسبب وجودها ضمن مركز القرار.. عندها قامت حملات الاعتقال والزج في السجون، فمن الناس لم يخرجوا من الأقبية المخابراتية إلى الآن، مصيرهم مجهول!، ومنهم من قضى تحت التعذيب، أو تم تصفيته لظنّـهم أنه يشكل خطراً عليهم.

***

((وفي رواية ساخرة، رواها أحد الخارجين من أقبية الموت بعد تسعة أعوام من السجن، قضى منها أربعة في منفردة بسبب تهمة لا يمت ولا تمت له بصلة، فإلقاء القبض عليه مع سحله في الشارع كان لمجرد ارتياده كل يوم اثنين وخميس بيت أحد الأصدقاء لتعلّــم أصول التجويد وأحكامه. إذ يقول الرجل م . ع . س: ــ بعد اعتقالي بثلاثة أيام على ما أظن، فالأيام في تلك الأقبية، كأجنحة الغربان، سوداء معتمة! لا تستطيع تمييز الوقت أو النهار من الليل. نقلوني مع أشخاص لا أعرف أعدادهم بسبب ربط عينيّ بخرقة قذرة كتاريخهم، أركبونا في حافلة وتمت الرحلة إلى ما يقارب الساعتين ونصف على ما أعتقد، طبعاً، مع الضرب والشتائم التي لم يضمها قاموسٌ يوماً ما. وعند وصولنا أنزلونا بأعقاب البنادق والركلات العشوائية. أدخلونا إلى قاعة عرفتُ أنها مغلقة وكبيرة بسبب الصدى الذي كان يرجع والرطوبة والجو البارد جداً!.

بعد أن نزعوا عن أعيننا الخرق، وجدنا أنفسنا أمام عدد يقارب العشرين رجلاً عسكرياً برتب مختلفة مع بعض الحراس والمدنيين. وأخذ يشرح الضابط الكبير لنا ضوابط السجن مع التهديد والبصاق... لم أكن أعرف يوماً بعد مرور أشهر مضنية من السجن والعذاب والضرب وكل شيء يخطر ولا يخطر على القلب والبال، أن هناك بيننا رجل أمن مسجون معنا ويلقى الضرب أكثر منّــا وله حصة من الشتائم والتنكيل أكثر بكثير!

كنت أظن في البداية أنّ تهمته كبيرة، أو أنّـه قائد من قادة الإخوان المسلمين، لذا يوسعونه ضرباً وشتماً ويذيقونه من أصناف العذاب ألواناً قزحية!. بعد التقرّب منه مع الهمس والكلام الخفي وراء الأكتاف وفي الحمامات، تبيّــن لي أن الرجل مساعد أول في فرع من أفرع الأمن ، وأنّ مهمّـته تقتصر على مجال الجوامع والدروس ورفع التقارير، وغيرها في ملاحقة المتدينين الذين يُعْتبرون في نظر النظام أخطر من الفيلة حين هيجانها. أسرَّ لي الرجل والدمعة بين جفنيه واقفة بحسرة.. ( لقد سجنوني بتهمة الانتماء إلى الجماعة، ومساعدة بعض الناس منهم على الفرار خارج البلد.. لم أكن هكذا، لكنني لكثرة ما ارتدتُ الجوامع والأماكن الدينية، حفظتُ الكثير من القرآن، وعرفتُ أسماء العلماء، وتعلّمتُ الصلاة على أصولها جيداً، وفاض قلبي بالإيمان، فقررتُ أن أسرّح نفسي من الخدمة وأعود إلى قريتي مع عائلتي، أتفرّغ للأرض والزراعة ولديني وربي، وأعلّـم أولادي لذة الإيمان وحلاوته على عكس ما كان يصفه لنا قادتنا في الأفرع الأمنية، على أنّـه خطرٌ إن أكثر المسلم منه، كالطعام، فيه لذّة، لكن كثرته تورّث السقم وتجلب الأمراض، ومن ثم الموت...!!

بعد أن أخبرتُ أحد زملائي في الخدمة بنيّــتي هذه، خدمني خدمة العمر، فوشى بي بعد أن كتبَ تقريراً كامل الدسم، يحتوي على وصفات سرّية، منها وصفة مساعدتي لأناس لا أعرفهم بالهروب من الحدود العراقية إلى الخارج. وها أنا كما تراني هنا، لا أعرف مصيري، ولا أدري متى أخرج، أو حتى متى أُقتل هنا)).

وتلك أحد حكايات النظام... ( حكايات عالمية.. أو ــ أليس في بلاد العجائب ــ )!!

***

فمن جانب آخر، لعب النظام لعبة التعددية في الدين، وأخذ يتظاهر بأنه يتقبّــل الآخر ويسمح له بممارسة حريته في العبادة؛ فأقام جوامعه الخاصة، ومعاهده الخاصة التي أين وليتَ وجهكَ تجد معهداً باسم ( معهد الأسد لتحفيظ القرآن )، وجامع الرئيس، وجامع أم الرئيس، ومركز الرئيس، والجمعية الخيرية لبيت الأسد، و .. و ...إلخ من تملّـق وأكاذيب دينية على الخالق والخلق.


كما جنّـد النظام شيوخاً خاصين به، وخطباء وعلماء يرجعون إلى قراره في تحوير المسائل الدينية، وإصدار الفتاوى التي تخدمه!، وأيضاً اشتغلَ على طباعة الكتب التي تحتوي على مسائل لا تمسّــه بل تفيده من الناحية الاجتماعية ــ الدينية ــ ضمن مؤسسات مدنية ومطابع تعود له من ناحية الاتصال المخابراتي، وقام أيضاً بمنع أهم الكتب الدينية التي تتحدث عن العدالة في الإسلام وفي المجتمعات المدنية المسلمة، ككتب " ابن تيميّـة " شيخ الإسلام، وابن القيّـم الجوزية، وكتب الألباني، والسيوطي في كتبه الرادعة عن المظالم، وغير ذلك من أسماء كثيرة لم يسمح فيها النظام أن تتواجد بين أيدي الناس أو ضمن المكتبات العامة، وإن حُـكمَ مَن وجدت لديه هذه الكتب، لا يقل عن حكم المجرم الجنائي أو أكثر بكثير، وقد يصل إلى الإعدام، لوضعه قانون ينص بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين في سورية!.


البارحة... يخرج علينا ــ الفتى المدلل ــ الفرخ الرئيس .. في خطاب ديني تاريخي، في مناسبة ليلة القدر، خرجَ خاطباً بالعلماء والحاضرين من رجالات المخابرات والوزراء ورجال الدين الأوصياء! وكأن دمشق فرغت من الواعظين، وعلماء دمشق لم يبقَ منهم سوى ــ الحسون ــ ووزير الأوقاف ــ الغبي ــ وغيرهم من أبالسة! يدعون حبّ الوطن والدين. إذ تشدّق الفتى بفضائل رمضان وكرمه، وشرح عن التسامح، مع إدخال عبارات طنانة عن جيشه المغوار في قتل المواطنين وتدمير سورية مع أهل العمائم من قم وحزب فتى البلازما، ومليشيات الدم من العراق والحوثيين ومرتزقة العالم الخاسئين.


إن اجتماع الأبالسة مع أبالسة العالم قاطبةً، لن تثني الشعب السوري عن نيل مرادهِ، ولن تحرك قيد أنملة في قراره الذي اتخذه في نزع حريته من ضلوع الطغاة وأزلامه.
















تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

"ثلاث قصائد لمنفى الحب"

20-أيار-2017

أيتها البلاد القتيلة

08-نيسان-2017

جنس الجنة.. المكافآت والغيب!!

25-آذار-2017

من مذكرات جثّة مبتسمة في المنفى

27-كانون الثاني-2017

بين أمي والمنفى وقبري !!

23-كانون الأول-2016

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow