Alef Logo
المرصد الصحفي
              

الشِّعر والتاريخ / مهدي نصير

ألف

2013-08-03

ربَّما كان المتنبي أكثرَ الشُّعراء اشتباكاً وانشغالاً ووعياً بتناقضِ الشِّعر والتاريخ، وكان أكثرَهم وعياً بجوهرهِ الدائم التحوُّل، والذي يتمظهرُ في التاريخ وبفيضُ عنه.
يقول المتنبي: ‘أريدُ من زمني ذا أن يُبلِّغني ..ما ليسَ يبلغهُ من نفسِهِ الزمنُ’
هذا الوعي الحاد والملحمي بحدود التاريخ وإمكانياته المتواضعة والضيِّقة والتي يفيضُ عنها الشِّعر، فيهربُ منها للأمام نحوَ التاريخ البكر وغير المتحقِّق والذي لم يزل في شرانقه، أو يهربُ منها نحوَ الهوامشِ التي تفيضُ بالممكنات الموؤودة.
قدرُ الشِّعر – المنفلت من عِقال القوالبِ والبُنى والأشكال المتحقِّقة في تاريخٍ ماضٍ، والجامدة، والفاقدة جدليتها ومحاكاتها الغامضة وغير القابلة للتوقُّع أن يبحثَ عن بُناهُ المتحرِّكة وأشكاله المتحوِّلة والمتجدِّدة والحيَّة.
الشِّعرُ بحثٌ عن الممكنات غير المتحقِّقة في التاريخ، لذلك يتمرَّد على هذا التاريخ الأجوف ويبحث عن ممكناته الضائعة، ولذلك أيضاً قال أرسطو في كتاب الشِّعر أن الشِّعرَ أقربُ للفلسفة منه إلى التاريخ.
التاريخ تحقُّقٌ جزئيٌّ ومشوَّهٌ للكلِّيات والمُمكنات، والشِّعر يبحث عن تلك الكليات الكامنة في التاريخ ولم تتحقَّق، وربَّما كان أعمقَ ما عبَّر عن هذا القلق – بينَ الممكنات الضائعة والتاريخ المتكرِّر – ما قاله أبو الطيِّب المتنبي في بيتهِ المشهور: ‘ولم أرَ في عيوبِ الناسِ عيباً .. كنقضِ القادرينَ على التَّمام’، والناس هنا يمكننا إبدالها بدونِ تعسُّف بالتاريخ.
في الواقع التاريخي كان الشِّعرُ كتلتين: أولاهما ثمرةً ناضجةً على جذوعِ التاريخ المتحقِّق والذي يمتحُ من جذورٍ عميقةٍ وبعيدةٍ في التاريخ القديم، وهذا الشِّعر يمكن أن نسمِّيه الشِّعر التاريخي، وله شرعيَّةٌ وله جمالياته وله مبرِّراته وأخلاقياته وفلسفته، وهو شِعرٌ منسجمٌ مع الجمال المتحقِّق في التاريخ، وهو في الآن نفسه متعارضٌ مع القبحِ الذي تحقَّق في التاريخ، وما يزال يتحقَّق بنفس الوجه ونفس الشكل ونفس الأدوات، وهذا الشِّعرُ يقع في شَرَكِ التكرار والتشابه والتلاص والتناص، لأنه يمتحُ من تاريخٍ متحقِّقٍ ونموذجٍ تشكَّل واكتملَ؟
أمَّا ثانيتهما فهي الشِّعر الذي ضاقَ بالتاريخُ، وضاقَ بهِ التاريخُ أيضاً، إنه الشِّعر الذي يمتحُ من جذورٍ غامضةٍ تسكنُ في مستقبلِ التاريخ وفي انحناءاتهِ الغامضة وفي أساطيره وهوامشه، وفي ممكناته التي هدرها التاريخ في حركته البندولية المتكرِّرة .
لذلك كان هذا التناقضُ الكبير بين هذا الشِّعر وبين التاريخ، إذ أن كلاً منهما ينتمي لإطارٍ تاريخيٍّ مختلفٍ، أحدهما تاريخٌ لم يتحقَّق بعد، ومنابعه غامضةٌ ولا حقيقةٌ تاريخيَّةٌ فعلية تُسنده وتشدُّ من أزرهِ، ولا قبيلةٌ له تحملُ معه بعضَ أحمالهِ التي ينوء بها هذا التاريخ، أما ثانيهما فهو مُحدَّدُ المنابعِ والجذور، وهو تحقَّق ويتحقَّق مشوَّهاً وناقصاً وأرعناً، وله قبيلته الهوجاء التي تمدُّه بأسباب وجوده واستمراره.
الشِّعرُ في جوهرهِ كائنٌ لا تاريخيٌّ ليس بالمعنى الفلسفي أو الديني لهذه المقولة فهو ليس وليداً بيولوجياً للتاريخ، بل هو : التاريخ أمُّه والغامض الأسطوريُّ أبوه. هو وليدٌ للغامضِ النائم في طيَّات القادمِ والمتلفِّعِ بالحزنِ السامي لهذا التاريخ المجروح والعَطِش والمحروم والشَّبِق في الوقتِ ذاته، إنه وليدُ الهوامشِ المتحرِّكة لا المتن الجامد، بلغةٍ أخرى هذا الشِّعرُ ابنٌ لابنهِ الذي لم يولد بعد.
والشِّعرُ العالي يغرف من كلا البئرين، فهو يحاكي التاريخ في تحقُّقِه الجميل ليعطي لقصيدته طين التاريخ، ويذهب بعيداً في اللامتحقِّق ليحاكي غموضه، ويُلبس التاريخ القادم غلالةً من جدلٍ تنسجه الأسطورةُ والهامشُ والحلم.
هذا الجانب من الشِّعر الذي ينمو في الهوامش، ربَّما كان أكثر الشِّعر الذي يمتحُ من المستقبل الغامض، فالهامش تاريخٌ مقتولٌ ومستقبلٌ يتشكَّلُ بعيداً عن الكُتلِ الصَّماء وبعيداً عن البُنى الصخرية اليابسة، إنه الشِّعرُ القادمُ من تلك الأنساغِ والأنساقِ الغامضة، والتي تتصارع مع هذا التاريخ القاهر والمتكلِّس والجبَّار، والتي تحمل معاولها البطيئة لتكسير البُنى التي استنفدت أغراضها واستنفدت أسباب وجودها .
وفي جدليَّةٍ أبديَّةٍ وخالدةٍ سيبقى الشِّعر هو المحرِّك العميق والبطيء للتاريخ، إنه – بسلاله القشيَّة وفؤوسه المطريَّة – يعمل دون تعبٍ ودون يأسٍ على تكسير البُنى الزائفة والجوفاء، ويعمل على نقل حجارتها المُتعَبة ليبني بها بُنىً جديدةً، إنه ينقل الهوامش البعيدة والطازجة والبكر ليُسكنها متنَ هذا التاريخ الجامد والمتحجِّر, وفي عمله الدائبِ هذا كلَّما اقترب بالهوامش من التاريخ كلَّما ابتعد نحو هوامش قصيَّةٍ أكثر، وطازجةٍ أكثر، وعصيَّةٍ أكثر، وواعدةٍ بعوالمَ تتولَّدُ، وجمالٍ يتكوَّن في هذا التاريخ المليء بالرَّماد والذي يتناسل سُحاقاً ولواطاً، سرَّاً وعلانية.
وإذا استخدمنا مصطلحات ابن رشد في ترجمته وتلخيصه لكتاب الشِّعر لأرسطو : الشِّعر الصافي هو محاكاة الممكن اللامتحقِّق في التاريخ بحثاً عن علاقةٍ جسديَّةٍ تزرع هذا الممكن المُقصى في رحم التاريخ، والشِّعر الهجين أو المُجترُّ هو محاكاة التاريخ المتحقِّق، والشِّعر هو ذلك المزيج الغامض واللذيذُ والقلِقُ بينهما.

عن القدس العربي.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الثورة السورية تكشف عورة العالم الحر

12-آب-2017

سحبان السواح

لم يسبق في التاريخ أن كشفت ثورةُ شعبٍ عورةَ العالم بالطريقة التي فعلتها الثورة السورية. ففي عودة إلى بدايات الربيع العربي نجد أن كل الدول التي تحركت متأثرة به مرت...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

ميشيل سورا / حزب الله يتخلص من الشاهد

12-آب-2017

كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ــ ج3 المؤلف : ابن رشيق القيرواني

05-آب-2017

إله حداثي يقوض الغيبي .. ويعلي العقل / أماني فؤاد

05-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

السمكة

15-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow