Alef Logo
ابداعات
              

قصة / انقسام الروح (القسم الثاني)

وائل السواح

2006-04-09

4

رائحة الألفة
حين وصلت إلى حمص، بدأت رائحة الألفة وذكريات المودة والعشق الصبياني تسلل إلى رئتي فتفسح في المجال لسعادة غامرة تمتلك الكيان والجوانح. كان كل شيء كما تركته قبل عشر سنين. طريق الشام لم يتغير فيه شيء، وكذلك شارع السرايا وحارة الأربعين وقهوة الفرح والساعة الجديدة والساعة القديمة والطلعة الخبيثة التي تتسلق بهدوء ومكر التلة الصغيرة التي يقع فيها بيتنا. وأبو كرمو وأبو صفوان وأبو أشرف راحوا يعانقونني قبل أن أصل إلى البيت.

جاملتهم ثم صعدت الدرجات القليلة الموصلة إلى البيت. قرعت الجرس، وراحت أصوات الأرجل تتسابق إلى الباب فتفتحه. وراء الباب وقفت أمي. كانت رائحتها نفسها التي عرفتها قبل ست وثلاثين سنة. رائحة من الحنان والحب وملابس البيت المريحة والعرق الأنثوي المخدر انبعثت من ملابس أمي وشعرها آن احتضتني أو حضنت نفسها بين ذراعي. لم يدم ذلك طويلا. تخلصت مني وقادتني إلى الغرفة الداخلية حيث كان أبي جالسا بأعوامه الثمانين، ينتظر عودة الابن الضال، الابن المسكين، المشاكس، العنيد. ما كان يستطيع الوقوف لحظتئذ. لكانت ساقاه خذلتاه إذن وما كان يحب ذلك. إحدى وثمانون عاما قضاها منتصب القامة. لم يحن رأسه قط. لم يحنه لعبد الناصر ولا لعبد الحميد السراج ولا لأي من الزبانية الذين جاؤوا بعد ذاك. حين أغلق عبد الناصر جريدته اليومية "الفجر" صار يبيع أقلاما ودفاتر لتلمذة المدارس. وحين أغلقت جريدته "الفجر الجديد" في 1963، صار يعلم التلاميذ اللغة العربية بأجر أربع ليرات للحصة الواحدة ناقصا الضريبة، واستبدل بدخانه نوعين آخرين من السجائر: الريف وبردى. كان يدخن بردى وسعره يوم ذاك خمسة وخمسون قرشا في القهوة، أما في البيت فكان يدخن "الريف" بعشرين قرشا للعلبة سوية مع نصف بطحة العرق ونصف أوقية اللبن، مازته الوحيدة. على أنه لم يحن رأسه. وحين زارني في السجن من خلف القضبان، قرر أن تكون ذلك آخر مرة يراني فيها سجينا. وظل يقاوم المرض والشيخوخة والشوق، حتى تلك اللحظة التي رآني فيها بين ذراعيه، ثم مات. لم يمت لحظتها. ولكن صحته تدهورت بسرعة شديدة، وقضى بعد أشهر من حريتي. كأنه كان يقاوم بانتظار أن يراني بعيدا عن القضبان وغباء السجانين وصلافتهم والطريق الطويلة التي كان على الأهل أن يقطعوها سيرا على الأقدام، صعدا إلى أعلى التلة التي يتربع فوقها السجن. رميت نفسي في أحضانه، ورحت أتنشق العبق السحري المنبثق من لحيته ويديه، وسمعته يقول: "أنا فخور بك!"
كان ذلك غاية ما أريد سماعه. لكان قتلني قوله مثلا: لم فعلت ذلك بنا؟ رغم أن ذلك كان يمكن أن يكون أصدق وأقرب إلى الواقع، فقد سرقت منه ثُمن حياته المديدة، وركنته ينتظر في ركن الجامع أو في غرفته العتيقة منتظرا لحظة عودتي إليه. ومن أمّي سرقت سبع حياتها ومن أختي المملوءة بالحزن والحب خمسها. قلما فكر المناضلون بما يمكن أن يسببوه لأحبائهم من ألم وحزن ولوعة وشوق. أكان الوطن أهم من بكاء الأم؟ أكانت الطبقة أقرب من العائلة؟ أم أنها النرجسية الفردية الضيقة وهوس التفرد ولذة العمل السري الذي يشبه الجماع المحرم هي التي دفعت بنا جميعا إلى أحضان العمل في محيط مجنون كان القتل فيه أهون من احتساء فنجان قهوة في قهوة الروضة؟ ولا أحسب أنني سأجد كثيرا من المتعاطفين معي في هذا الطرح، ولكن العمل السري كان بالنسبة لي لذة حسية مباشرة. كنت عندما أنتهي من توزيع منشور أو لقاء رفيق أحس بنشوة تشبه لذة المرة الأولى التي اكتشفت فيها جسد المرأة. أكان ذلك مع ملك؟ ابنة صاحبة البيت الذي سكنته أول ما قدمت إلى دمشق؟
لم يطل أبي باحتضاني. كرجل، أعادني ثانية إلى أمي، ثم إلى قبيلة النساء اللواتي كن ينتظرن والدموع تطفر من عيونهن. نساء، نساء، نساء. سمينات وحنونات وجميلات. نساء، نساء، نساء. كن يتقاذفنني ككرة، وتغسلني دموعهن، فأشعر بالنقاء والطهر وأحس أنني أتخلص من درن السجن ووسخه الأخلاقي، الذكوري، البشع. لا ينبغي لأحد أن يذهب إلى السجن. لا يحق لأحد أن يرسل آخر إلى السجن. لا أحد يستحق أن يذهب إلى السجن، من أجل فكرة أو قضية أو كلمة. ولا يكفي أن نشرب كأس المساجين ونحن نسكر في الخارج. المهم أن ندرك كم هو مقيت وفاجر وفاسق ومريع، وأن نحرص على أن لا يذهب الناس إلى هناك، أبدا.
لأسابيع، عج البيت بأعداد لا تحصى من البشر. بشر طيبون ومحبون وودودون. أصدقاء وأقرباء وآخرون دفعهم الفضول لرؤية هذا الذي أمضى عشرة أعوام هنا. أقسى الزيارات كانت من أمهات مساجين لم يروهم منذ سنين. كن يبكين ويسألنني إن كنت أعرف مصير أبناهن. ثم يرحن يصفنهم لي: طويل، أسمر، بشوارب. أو طوله من طولك وله شامة في أنفه. والله يا خالة لا أعرف. نحن كنا في مهجع آخر، في باحة أخرى. في عالم آخر. طيب يا ابني يكتر خيرك، ثم يذهبن مهيضات الجناح.
سألني خالي: "كيف كنت تمضي أوقاتك؟"
الآن، يصعب علي أن أتذكر كيف كانت الدقائق تمضي. كان ثمة اللعب والورق والشطرنج وطاولة الزهر، ثم القراءة والجدال والحوار والنقاش والشجار والضرب والعشق المريض واضطراب النوم واختلاط الليل والنهار وذلك الإحساس الدائم أنك روحك بين مخالب طائر.
في المهجع الخامس اكتشفنا إضافة الطحينة والبهار إلى البطاطس المسلوقة التي كانوا يقدمونها كعشاء لنا خمس مرات في الأسبوع. وكان لصنع أول إبريق من الشاي المتعة نفسها التي خبرها أول من غلى الورق الأسمر مع الماء في الصين قبل آلاف السنين. ثم طهونا أول طبخة لنا على سخان كهربائي. وضعناها قبل الظهر، وأكلناها حين نضجت مساء. ثم اخترنا ورق اللعب وصنعنا طاولة زهر ورقعة شطرنج مع الأحجار. كانت المادة السحرية لكل ذلك هي الخبز المنقوع بالماء والسكر، الذي يشكل عجينة لزجة شكلتها أيادي فنانين كحسن وزياد فصارت ملكا ووزيرا و فيلا وبيادق. نظمنا دوريا للشطرنج وآخر لطاولة الزهر. على أن لعبة "التريكس و"الواحد والأربعين" كانتا أفضل تزجيه للوقت.
وأفضل من ذلك كان ظرفاء المهجع. على رأسهم "أبو عزيز." كنا نتحلق حوله ساعات يحدثنا عن شخصيات خارقة من قريته الجبلية الجميلة. أهم هذه الشخصيات كان عزيز. ولقد أمضينا ليالي كاملات ونحن نصغي إلى قصصه الغريبة. ومن هنا نال أبو عزيز كنيته تلك. والذي أطلق عليه تلك الكنية كان عماد الذي أسمى نفسه أبا مشعل وأسمع عمادا الآخر أبا سعيد الخدري، لاهتمامه بالتاريخ، ثم أسمى منصور أبا خلف. أما طارق فكان يحكي لنا يوميا عشر نكات جديدة، لم نسمعها من قبل. يجلس على الأرض بجانبك، ثم يلف رجلا فوق أخرى ويمسك بيدك بقوة كي لا تهرب ويبدأ بقذفك بسلسة من النكات يضحك عليها هو قبلك. من المستحيل على المرء الطبيعي أن يتذكر كل هذا العدد الهائل من الطرف، لذلك أعتقد أنه كان يؤلف معظمها. وأجمل الطرف كانت ما يؤلفها عن واحد منا، وخاصة عن شريكه في الجريمة أبو أسامة. كلاهما كانا ضابطين في الجيش حين، لسبب لا أفهمه أبدا، قررا مع زميلهما خضر جبر الانضمام إلى تنظيم سياسي ماركسي محظور، دون أن يكون أي منهم قد قرأ كتابا لماركس أو لغيره. وهكذا استمدوا نظريتهم من نشرات ضحلة كان الحزب يصدرها. ولم يكونوا قد أمضوا في التنظيم أكثر من أشهر حين جيء بهم إلى السجن، فأمضوا أربع عشرة سنة، قبل أن يعودا ثانية إلى العالم الخارجي. لا أدري من كان العقل "الجبار" وراء توريط مثل هؤلاء الضباط. أتذكر الآن أحمد جمول، وكنا نسير سوية في أروقة مشفى ابن النفيس، آن كانت مصحا للأمراض الصدرية فقط وكان الأطباء قد شخصوا إصابته بالسل. قال لي:
"ضم العسكر لأي تنظيم عمل أخرق، يورطك ويورطهم." وبعد حملات الاعتقال الشرسة سنة 1978، قرر أحمد أن العمل السري لا يجدي، وانسحب من التنظيم، وكان واحدا من أهم رموزه ومؤسسيه.
على أن الاختراع الأهم كان القلم والورق من عبوة معجون الأسنان وورق علب السجائر. اختراع الكتابة أدى إلى اكتشاف مواهب مذهلة في الكتابة. وصار لدينا شعراء وقصاصون. وهكذا اكتشفنا منصور منصور ومحمد عيسى وأبو أمجد وصار لدينا منتدياتنا الأدبية، والأمسيات الشعرية والقصصية، ثم تطورت لدينا ملكة النقد، واختلفنا حول الأدب ثم اختلفنا حول النقد، ثم اختلفنا حول وظيفة الأدب في المجتمع. وهنا اخترع عماد الجريدة. وعماد صحفي بالمهنة والدم. ولو حللت عينة من دمه في المختبر لعثرت على خضاب وسيتوبلازما وصحافة. جمع أغلفة كروزات الدخان وحولها


تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

عن الله الذي قتله التكفيريون

11-تشرين الثاني-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

21-تشرين الأول-2017

في الذكرى المئوية لثورته: إشكاليات لينين الثلاث القاتلة

14-تشرين الأول-2017

كيف سيمكن إسقاط الأسد إذن؟

07-تشرين الأول-2017

مَن الذي هُزم في الحرب السورية؟

16-أيلول-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow