Alef Logo
دراسات
              

الاستبداد السياسي الطاغية يلبس عباءة الدين – في العالم الإسلامي – ج4

مجيد محمد

خاص ألف

2013-06-25

"والله: لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ..."

عبد الملك بن مروان

"والله: لا آمر أحداً أن يخرج من بابٍ من أبواب المسجد، فيخرجُ من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه !".

الحجاج بن يوسف الثقفي

حين توفى النبي محمد بن عبد الله، لم يحدد من يخلفه من بعده، الأمر الذي أدى لأن يدّب الخلاف بين المسلمين، على منصب الحاكم قبل أن يوارى الثرى. وهذا الخلاف من الناحية السياسية يمكن اعتباره ظاهرة طبيعية، حيث يمكننا النظر إلى الأنصار والمهاجرين على أنهم أحزاب سياسية تتناقش وتتجادل وتتنافس، لتصل في النهاية إلى رأيٍ توافق عليه الأغلبية. ومن هذا المنطلق اجتمع الفريقان تحت سقيفة بني ساعدة، ليختاروا الخليفة، فكان مرشح الأنصار "سعد بن عبادة" أما مرشح المهاجرين فكان "أبا بكر" واحتدم الجدال والنقاش بين الفريقين، حتى ظهر رأيٌ ثالث من قبل "الحباب بن المنذر" وهو إمكان اقتسام السيادة: "منا أمير ومنكم أمير"، فكان هذا الاجتماع كما يقول ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية" أشبه بجمعية وطنية أو تأسيسية، تبحث مصير الأمة الإسلامية الناشئة. وانتهى المؤتمر باختيار أبا بكر خليفة للرسول، بعد أن قدم عمر بن الخطاب الحجج الدامغة بأحقية أبا بكر في الخلافة، فبايعه الفريقان تحت ذات السقيفة. ولكن رغم نجاح الخليفة بالأغلبية المطلقة، فقد كانت هناك ضروب من المعارضة، التي حاول البعض من المدونين والمؤرخين إخفاءها دون سبب وجيه، على الرغم من أنها ظاهرة طبيعية وصحية في ذات الوقت. فلم يبايع أبا بكر سعد بن عبادة مرشح الأنصار، وخرج إلى الشام، وكذلك الزبير بن العوام، وكذلك علي بن أبي طالب، الذي قال لأبي بكر: "لقد أفسدت علينا أمرنا، لم تستشر ولم ترعِ لنا حقاً ..."؛ كما يقول المسعودي.

لم يتولى أبو بكر الحكم بحد السيف، على نحو ما فعل الأمويون والعباسيون فيما بعد، بل كان هناك نقاش ديمقراطي حر كانت فيه حرية الرأي مكفولة للجميع. وكانت هناك معارضة فعلية لتولي أبو بكر الخلافة. وقد أوضح أبو بكر في بيان الخلافة بعد توليه الحكم، أنه ينبغي مراقبة الحاكم من قبل الرعية إن أخطأ. وبهذا أرسى أبو بكر بعضاً من دعائم الديمقراطية الإسلامية (وأمرهم شورى بينهم)، وهكذا كان الحال بعد وفاته وتولي عمر من بعده، ثم عثمان، ومن بعده علي بن أبي طالب.

من الخلافة إلى الملكية المستبدة

استولى الأمويون على الملك عنّوة، وهذا ما صرّح به معاوية بن أبي سفيان صراحة في خطابه الذي أدلى به في عام الجماعة، حيث تلقاه رجال قريش فقالوا: "الحمد الله الذي أعزّ نصرك، وأعلى كعبك". فصعد المنبر وقال: "أما بعد فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم، ولا مسرةً بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة. ولقد رُضت لكم نفسي على عمل أبي قحافة، وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفاراً شديداً. أيها الناس اعقلوا قولي، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني!".

وقد استند الخطاب السياسي لبني أمية على ثلاث نظريات برّروا من خلالها أحقيتهم في الحكم:

الأولى: أن الخلافة حقٌ من حقوقهم، وأنّهم ورثوها عن عثمان بن عفان، لأنه نالها بالشورى، ثم قُتل ظلماً، فخرجت الخلافة منهم، وانتقلت إلى غيرهم، فقاتلوا حتى استردوها، ويقول الفرزدق في هذا لعبد الملك بن مروان:

تراث عثمان كانوا الأولياء له سربالُ ملكٍ عليهم غير مسلوب

ويقول للوليد من بعده:

كانت لعثمان لم يظلم خلافتها فانتهك الناس منها أعظم الحرم!

الثانية: أنهم أشاعوا في أهل الشام، بصفة خاصة، استحققاهم الخلافة لقرابتهم للرسول، "فقد كان الشيوخ من أهل الشام يُقسمون لأبي العباس السفاح أنّهم ما علموا لرسول الله قرابة، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية، حتى وليتم الخلافة". كما يروي المسعودي.

الثالثة: وهي النظرية التي حكموا بها، ودعموا معها ملكهم الاستبدادي، وهي أن الله اختارهم للخلافة وآتاهم الملك، وأنهم يحكمون بإرادته، ويتصرفون بمشيئته. وأحاطوا خلافتهم بهالة من التقديس، وأسّبغوا على أنفسهم كثيراً من الألقاب الدينية. فقد كان معاوية في نظر أنصاره "خليفة الله على الأرض"، و"الأمين والمأمون"، وكان ابنه يزيد "إمام المسلمين". وكان عبد الملك بن مروان "أمين الله"، و"إمام الإسلام".

وحتى يثبـّتوا هذه النظرية في دعم سلطتهم وحكمهم، أشاعوا مذهب الجبر، فالسلطة يتم تحديدها من الله، وليس للناس فيها رأي ولا مشورة، والخليفة هو "خليفة الله". ابتداءً من عبد الملك بن مروان، وأنّ على الناس السمع والطاعة.

وقد كان زياد بن أبي سفيان أول من بشّر بهذا المذهب، والذي عيّنه معاوية والياً على البصرة، وذلك في خطبته المسماة بالبتراء، التي أعلن فيها أن الله اختارهم للخلافة وأنهم يحكمون بقضائه، ويعملون بإذنه: "أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيئ الله الذي خوّل لنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل ...إلخ".

ومن ثم تبارى جهابذة الفكر والشعر في دعم هذه النظرية وشرحها، أي نظرية التفويض الإلهي لبنيّ أميّة، لكي يمارسوا الحكم، فهم أجدر الناس به وأقدرهم عليه. فيقول الأخطل لعبد الملك بن مروان:

وقد جعل الله الخلافة فيكم بأبيضٍ، لا عاري الخوان ولا جدب

ولكن رآه الله موضع حقها علــى رغــــم أعـداء وصدادة كذب

وكذلك قول جرير لعبد الملك بن مروان أيضاً:

الله طوقك الخلافــة والهـــدى والله ليس لمـــا قضـى تبديل

وليّ الخلافة والكرامـة أهلهــا فالملك أفيح والعطاء جزيـل

أنت الأمين أمين الله لا سَرِف فيما وليّت ولا هيابــة ورع

يظهر لنا من خلال هذه الأبيات، ومثيلاتها كُثر، ملامح المنهج الذي أتبعه الأمويون في سياستهم، المعتمدة على التقديس والتهليل. فالمناخ والبيئة التي أوجدها الأمويون لرجالات الدولة ووجهاء المجتمع من مفكرين وشعراء ورجال دين، إضافة إلى السخاء والعطاء المجزي لهم، يُبين لنا الخطوط العريضة لحكم بنيّ أميّة:

  • بدأت مع الدولة الأموية نغمة التفويض الإلهي، والتي ستتأكد بشكل أكثر وضوحاً عند العباسيين فيما بعد.
  • إن استعداد الشرقيين لتأليه الحاكم ليس وليد اليوم، وإنما هو أمر موغلٌ في القدم، منذ أنَّ كان فرعون هو الإله، أو هو ابن الإله، الذي لا رادَّ لقضائه، فهو يعرف كل شيء بما في ذلك مصلحة الشعب نفسه. ثم مروراً بالعصر الوسيط؛ حيث الخليفة الذي عيّنه الله بحكمته ليسوس الناس؛ ويروضهم لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة. إلى أن اخترعنا فكرة الزعيم الأوحد، والمنقذ الأعظم؛ والرئيس المخلص؛ ومبعوث العناية الإلهية؛ والمعلم والملهم الذي يأمر فيُطاع؛ لأنه يعبّر عن مصالح الناس، ويعرفها خيراً منهم! والذي استعار صفة من صفات الله "لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون". وهو العليم بكل شيء؛ الذي يسمع كل شيء بأجهزته البارعة في التنصّت؛ ويرى كل شي من خلال عيونه المبثوثة في كل مكان. وهكذا نشأت بيننا زعامة تجب المؤسسات وتعلو على الرقابة وتتجاوز المحاسبة والمراجعة.

وطدّ معاوية ملكهُ، وقضى على معارضيه، ولم يتورّع عن استخدام أحطّ وأقذر السُبل لتحقيق ذلك، من قتلٍ وغدرٍ ورشوةٍ وخيانةٍ...! فقد اتُهم معاوية "بقتل الحسن بن علي بالسم الذي دسّ له عن طريق زوجته جعدة بنت الأشعث. كما اتهم بقتل الاشتر بدسّ السم في طعامه، واتهم أيضاً بقتل حجر بن عدي الكندري، وبقتل عبد الرحمن بن خالد... إلخ".

وكان معاوية أول من جعل الخلافة ملكية وراثية في أسرته، دون أن يكترث برأي الآخرين. فأصبح الحاكم مستبداً يستمد سلطته من التفويض الإلهي لا من الناس. ويُرسي قواعدها بقوة السيف وحده، وهو نفسه قدّ وضّح ذلك بأنه لم يتول الخلافة بمحبة الناس ورضاهم.

وسار على نهج معاوية كل من جاء من بعده من خلفاء بني أمية، حتى انتهى الأمر بهم على يدّ العباسيين الذين فتحوا صفحةً جديدة في تاريخ الاستبداد الشرقي بنكهته الإسلامية.

الطاغية العباسي

كان السفاح أول خلفاء بني العباس، ومن اسمه نستدل على أفعاله ومآثره. بويّع في الكوفة عام 132 هـ، وقف خطيباً يقول للناس: "استعدوا، فأنا السفاح المبيح والثائر المبير". ويقول السيوطي في تاريخه، أن السفاح استولى على الحكم بالبيعة، وقُتل في مبايعته من بني أمية وجندهم مالا يحصى من الخلائق، فتوطدّت له الممالك إلى أقصى المغرب".

وقد سار بنو العباس على منهج بني أمية، فكانت البيعة بالجبر والإرهاب، حيث يعلن الناس جبراً بالموافقة، وهي استسلام قهري للحاكم. وقد انتهج العباس منهج القتل والسفك حتى في أبسط الأمور. دخل على السفاح شاعر صعلوك هو سديف بن ميمون، وعنده سليمان ابن هشام بن عبد الملك، وقد أكرمه، فقال سديف:

لا يغرّنك ما ترى مـــن رجــــال إن تحــت الضلـــوع داءً دويــــا

فضع السيف وارفع السوط حتى حتى لا ترى فوق ظهرها أمويـا

فقال سليمان بن هشام: "قتلتني يا شيخ"، وأخذ السفاح سليمان فقتله. وقد استهل العباس حكمه بإخراج جثث خلفاء بني أمية من قبورهم، وجلدّهم وحرق جثثهم، ونثر رمادها في الريح. ولم يكن ذلك في بداية عهده بالحكم فحسب، وإنما كانت سياسته التي سار عليها. ومع كل هذا كان السفاح شديد التدين وكان قد نقش على خاتمه: "الله، ثقة عبد الله، وبه يؤمن".

لم يستمر حكم السفاح سوى أربع سنوات وتسعة أشهر، ومات ابن ثلاث وثلاثين سنة، بويّع بعده أخوه أبو جعفر المنصور عام 136 هـ، بعهدٍ منه. وكان المنصور "فحل بني العباس هيبةً وشجاعةً وحزماً ورأياً وجبروتاً..." (السيوطي). ولم يكن المنصور صاحب لهوٍ، بل كان رجلاً جاداً "جمّاعاً للمال، تاركاً اللهو واللعب، كامل العقل، جيد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس، قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه. وكان مولد المنصور في السنة التي مات فيها الحجاج بن يوسف..." (السيوطي). فكلّما مات طاغيةٌ ولد في أثره من هو أعتى منه، حتى لا تنقطع سلسلة الطغاة من تاريخنا!.

استهل المنصور خلافته بأن قتل أبا مسلم الخراساني، صاحب دعوتهم وممهد مملكتهم. وبعد ثلاث سنوات شرع في بناء مدينة بغداد، وقتل "الراوندية". وبعد ثلاث سنوات أخرى، قتل الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسين وجماعة كثيرة من آل البيت.

وفي يوم عرفة، وقف المنصور خطيباً يجدد برنامجه السياسي فقال: "أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته، وإرادته وأعطيه بأذنه، فقد جعلني الله عليه قفلاً، إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني".

ويُؤخذ على المنصور ميله لسفك الدماء، وإن لم يكن قد بلغ في ذلك ما بلغه أخوه أبو العباس من قبله. ومما يؤخذ عليه أيضاً غدره بمن آمنه، الأمر الذي يحطّ شأنه في نظر التاريخ؛ فقد غدر ثلاثاً: بابن هبيرة وقد أعطاه الأمان، وبعمه عبدالله بعد أن أمّنه، وغدر بأبي مسلم بعد أن طمأنه.

ويصرّح المنصور في إحدى خطبه، ببرنامجه السياسي بوضوح لا لبس فيه:

"أخذ بقائم سيفه، فقال: أيها الناس، إن بكم داءٌ هذا دوائه، وأنا زعيمٌ لكم بشفائه، فليُعتبر عبدٌ قبل أن يُعتبر به". وكان يقول في نهاية كل خطبة: "أن ادعوا الله أن يوفقني إلى الرشاد، وأن يلهمني الرأفة بكم، والإحسان إليكم...".

استمر جبروت المنصور وطغيانه أكثر من عشرين عاماً، وقد كتب في وصيته لابنه المهدي "إني تركت لك الناس ثلاثة أصناف: فقيراً لا يرجو إلا غناك، وخائفاً لا يرجو إلا أمنك، ومسجوناً لا يرجو الفرج إلا منك". ثم كان المهدي على سدّة الحكم واستمرت خلافته عشر سنوات، اتبع سياسة لينة، ليداوي بها الجراح والنفوس، ويجمع بها الشمل، فردّ معظم الأموال التي صودرت على عهد أبيه، وأطلق سراح المسجونين السياسيين لا سيّما العلويين منهم.

لقد كانت الحياة السياسية في زمن الخلافة الإسلامية بشقيها الأموي والعباسي تتسم ببعض الصفات، فقد كانت حرية الرأي تتصل اتصالاً كبيراً بمزاج الخليفة، إلى جانب استغلال الدين، وزجّه في المسرح السياسي لتحقيق مآرب شخصية، تتعلق بالسلطة وما تأتيه لصاحبها من الجاه والشهرة والسمع والطاعة. وكانت تقوم أيضاً على استغلال صلة القرابة بين بنيّ أميّة والرسول من جهة، وبين بني العباس والرسول من جهة أخرى. وهكذا نرى قاسمين مشتركين في تاريخ الحكم الإسلامي الاستبدادي؛ وهي الاستبداد عينه، وجرّ الدين إلى دهاليز السياسية والحكم بمنطق القداسة والتفويض الإلهي.












































تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

علم الأسلوب المثالية الألمانية والتقاط الحدس

18-آذار-2017

السنن النفسية للأمم أصل العروق

22-تشرين الأول-2016

نماذج جنسية في القصة العربية

25-تشرين الثاني-2013

بلاغة الخطاب وعلم النص

10-تشرين الثاني-2013

السنن النفسية للأمم أصل العروق

02-تشرين الثاني-2013

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow